www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
28.01.2004 - 15:04

رداً على اتهام الكرد بالسعي لتقسيم سوريا

عبد الباقي اليوسف *

سوريا دولة متعددة القومية لأن اتفاقية سايكس بيكو التي انشئ بموجبها العديد من الدول في المنطقة، ومنها سوريا، اثناء تقسيم تركة الدولة العثمانية بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الاولى، لم تأت على اساس اثني، بل بمقتضيات مصالح الدول المنتصرة. ولعب الشعب الكردي دورا مؤثرا في الحياة السياسية في سوريا، فكانت له مساهماته المشهودة في صناعة استقلالها رغم محاولات الفرنسيين استمالته الى جانبهم ورغم الوعد باقامة دويلة كردية في شمال البلاد وشمال شرقها. لكن الشعب الكردي وجد نفسه جزءا من النسيج السوري العام متفاعلا مع كل التكوينات الاثنية في البلاد، فكان اول رئيس دولة لسوريا، محمد علي العابد، كرديا، بل ان معظم الرؤساء السوريين الذين جاؤوا بعد الاستقلال وحتى فترة نهاية الخمسينات، كانوا اكرادا الى جانب عدد كبير من الضباط ورؤساء الوزارات، واركان الجيش. ولم تعرف الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية السورية اصطفافات وتجاذبات على اساس عرقي واثني او طائفي رغم ما تميزت به البلاد من عدم استقرار سياسي وانقلابات عسكرية.
لكن مع نهاية الخمسينات من القرن المنصرم، وفي مرحلة الوحدة المصرية - السورية، ظهرت اولى ارهاصات الفكر العروبي القومي المتطرف، وبدأت تفاعلاتها العنصرية على الصعيد العملي، حيث بدأت حكومة الوحدة حملة تطهير ضد الضباط والرموز الاكراد في السلطة، مما ادى الى اضعاف الدور الكردي الى حد كبير في الحياة السياسية السورية. وبلغت هذه النزعة ذروتها مع انهيار الوحدة وتنامي دورحزب البعث. فبعد تسلمه مقاليد الحكم اجرى عملية اقصاء منظمة لكل الرموز والقادة والضباط الكرد من الجيش ومؤسسات الدولة وجاء الاحصاء الاستثنائي لعام 1962 ليسقط الجنسية السورية عن عشرات الآلاف من المواطنين الكرد، اعتبروا متسللين عبر الحدود بمن فيهم رئيس اركان الجيش السوري السابق توفيق نظام الدين. وبدأت الاجراءات التعريبية في المناطق الكردية، مثل حظر التكلم باللغة الكردية، ومنع تداول المطبوعات الكردية، واعتقال النشطاء الكرد السياسيين وقيادة الحزب الديموقراطي الكردي الذي تأسس عام 1957 بعد تنامي النزعة القومية العربية .
وبعد ذلك استمرت الاجراءات لتغيير الطابع الديموغرافي للمناطق الكردية، بتشجيع الهجرة العربية الى هذه المناطق، وابعاد الكرد عن الوظائف العامة. وفي اواسط الستينات بدأ تنفيذ مشروع آخر يقضي باسكان العرب على طول الشريط الحدودي لمحافظة الحسكة مع تركيا وهو المعروف بمشروع الحزام العربي، حيث استولت السلطة على مئات الآلاف من الهكتارات من الاراضي الزراعية الخصبة ووزعتها على هؤلاء المستوطنين بعد ان انتزعتها من اصحابها الكرد بحجة تحويلها الى مزارع دولة باسم الاصلاح الزراعي والشعارات الاشتراكية. وفي 1973 باشرت الدولة في بناء تجمعات سكنية بلغت 35 تجمعا استيطانيا على حساب الدولة، اعطيت لعوائل عربية جيء بها من محافظتي الرقة وحلب.
واستمرت حملة تعريب المناطق الكردية بتغيير كل المعالم التي تشير الى الهوية الكردية، كتعريب اسماء القرى والبلدات والمدن الكردية، والاستمرار في انشاء مستوطنات اخرى في منطقة تل ابيض في محافظة حلب، وممارسة كل اساليب التضييق الاقتصادي لحمل الشعب الكردي على ترك مناطقه.
دفعت هذه السياسات الشعب الكردي الى تنظيم نفسه فظهر العديد من الاحزاب الكردية التي تناضل من اجل مقاومة مشاريع التعريب والاضطهاد وتدعو للاعتراف بالوجود الكردي كثاني قومية في البلاد حيث تشكل 12% من سكان سوريا .
والمميز ان جميع الاحزاب الكردية قد سلكت خيار النضال الديموقراطي السلمي، ونبذت العنف كسبيل للوصول الى اهدافها، ومع ذلك كانت الاحزاب الكردية هدفا دائما لحملات القمع والاعتقالات والسجون. كما انها متهمة بالسعي للانفصال عن سوريا رغم ان جميع الاحزاب الكردية - ودون استثناء - كانت حريصة دائما على ان لا توفر ذريعة لاتهامها بالانفصال. وكل المشاريع الكردية- التي طرحت وتطرح اليوم - تدعو الى حل وطني للقضية الكردية، وهي كانت باستمرار حريصة على وحدة البلاد وسلامة ارضها، ونأت بنفسها عن اية علاقات خارجية.
ومع ذلك تبقى تهمة الانفصال واقتطاع جزء من اراضي سوريا قائمة من جانب النظام. وهو لا يتردد في وصم اي نشاط كردي - مهما كان متواضعاً- بالتأمر والانفصال، بما في ذلك المطالبة باعادة الجنسية السورية للكرد المجرمين منها، او المطالبة بالاعتراف باللغة والثقافة الكرديتين. وحتى هذه اللحظة ثمة مناضلون اكراد منهم عدد من اعضاء حزبنا وقيادييه. معتقلون ويقدَّمون لمحاكمات صورية امام محكمة امن الدولة العليا. هذه المحكمة الاستثنائية وغير الدستورية والمعروفة عنها احكامها الجائرة والبعيدة كل البعد عن القواعد القانونية. وذلك على قاعدة تنظيمهم بعض التظاهرات التي تطالب بالاعتراف بوجود الشعب الكردي وحقوقه السياسية والثقافية والادارية في اطار وحدة البلاد.
ومع ذلك فان التهم الموجهة اليهم هي "محاولة اقتطاع جزء من اراضي الدولة السورية والحاقها بدولة اجنبية" دون تحديد تلك الدولة. وبالطبع فان توجيه مثل هذه الاتهامات الباطلة للنشطاء السياسيين الكرد من قبل النظام وامام محكمة امن الدولة العليا .
في الوقت الذي تفرض فيه المعطيات الدولية الجديدة، والمتغيرات الاقليمية بعد سقوط نظام صدام حسين وحزب البعث في العراق والضغوط الكبيرة على سوريا، كتغيير السياسة الداخلية للنظام ومحاولة تصحيح الاوضاع وتمتين الجبهة الداخلية لتعزيز قدرته على المواجهة، نجد انه لا يزال يفكر بعقلية الماضي، ويستخدم ادواته البائدة نفسها التي لم تعد تصلح للتعامل مع المعطيات الجديدة، بل اصبحت عبئا عليه، دون ان يقدم على الانفتاح على الشعب واجراء اصلاحات ديموقراطية ومعالجة القضايا الوطنية بالحكمة والتعقل .

* سكرتير اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردي في سوريا

النهار - 28/1/2004

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]