www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
13.06.2003 - 12:33

من مفارقات الازدواجية في الذهنية الثقافية العربية: تجاهل الأكراد في المشروعات الوطنية .. إلى متى؟!

آزاد جان *

أخبار الشرق - 11 حزيران 2003

مع هبوب نسمات "الربيع الدمشقي"، بدأ الملف الكردي يطرح نفسه شيئاً فشيئاً، أكثر من أي وقت مضى، في أوساط الحراك المدني والسياسي من خلال المنتديات أو اللقاءات التي أجرتها الأحزاب والشخصيات الكردية مع المثقفين والسياسين الوطنيين الديمقراطيين، وبدأ الكثير من الديمقراطيين العرب يكتشف أن هناك قضية أخرى في سورية تتشابه مع الكثير من قضايا البلاد العالقة في العديد من جوانبها وتفترق عنها في جوانب أخرى عديدة، هذه القضية التي طالها النسيان والاهمال والتجاهل حتى من لدن تلك الأوساط، والمقصود طبعاً القضية الكردية في سورية.

على أية حال، لم يعجب هذا "الشيء" الجديد الكثير من تلك الأوساط، نظراً لسوء الفهم المزمن الذي يقابل به الكردي دوماً من الجانب العربي، خلا استثناءات قليلة لا تعدو كونها مواقف شخصية، تبقى موضع تقدير واحترام بالغين، لم تتبلور في شكل تيار سياسي أو ثقافي، ولا فرق هنا بين موالٍ للسلطة ومعارض لها أو بين قومي وماركسي وإسلامي في الرؤية للقضية الكردية. فالرؤية القومية المنغلقة على ذاتها والتي لا ترى في الآخر سوى الشر والجحيم والتآمر، هي التي تجمع التيارات السابقة، كل بحسب مفرداته ومفاهيمه وأدواته وموقعه!

رأى البعض في هذا الجديد شيئاً لا يستحق الذكر والاهتمام وإنّ طرح هذا "الشيء" في صيغة "مسألة" أو "قضية" أو حتى "مشكلة" فيه الكثير والمبالغة والتطرف إن لم يكن تآمراً ومشروعاً صهيونياً من أساسه، كما رأى هذا التيار أن الأكراد بطرحهم هذا يخدمون أعداء أمتهم من حيث يدرون أو لا يدرون، وعليهم أن ينتبهوا لذلك، "فكلنا سوريون .. كلنا عرب!"، وإن الحديث عن تمايزات قومية يعمل على تفتت الأمة العربية وعلى الأكراد أن يكونوا مخلصين لأمتـ(هم) العربية!

هذه المقولات ليست من خيالي، بل سمعناها وقرأناها مراراً. هذا الزعم الذي ينطلق من نرجسية قوموية ومركزية "أنوية" (من الأنا) مبالغة في "نقاء" العروبة وخلوّها من جيوبٍ قومية - على حد تعبير أحدهم - يلغي الكرد، وكل القوميات الأخرى في المنطقة من "المحيط إلى الخليج"، تاريخاً ووجوداً جغرافياً وبشرياً حتى! لا يغير شيئاً من حقيقة هذا الموقف تباكي أحدهم من أصحاب هذا الموقف على حال "إخوانه" الأكراد في تركيا أو إيران! فالمشكلة مع هذا التيار هي مشكلة ثقافية - فكرية تتعلق بأوهام هؤلاء العروبيين عن نقاء قوميتهم وصفائها وعظمتها ورسالتها الخالدة واستهدافها من قبل الآخرين أبداً ودوماً. يندرج ضمن هذا التيار قسم عريض من القوميين والإسلاميين والشيوعيين، كما أن شيوعيي "الجبهة الوطنية التقدمية" رغم وجودهم في سجن حقيقي هو جبهتهم "التقدمية" وتبعيتهم المطلقة للنظام الذي يضطهد الكرد (وغيرهم)، هم أكثر انفتاحاً من الكثير من الماركسيين والديمقراطيين من مثقفي وسياسيي المعارضة في النظر إلى القضية الكردية، بل سبقوا التجمع الوطني الديمقراطي المعارض (يضم خمسة أحزاب يسارية وقومية عربية) في الاعتراف بالحقيقة الكردية ولو في الحدود الدنيا (قضية الأكراد المجردين من الجنسية مثلاً)، ويا للمفارقة المّرة!

ونستثني هنا - للأمانة العلمية والأخلاقية - الموقف المبدئي والمتميز لرابطة العمل الشيوعي في سورية التي تحولت فيما بعد إلى حزب العمل الشيوعي في سورية (دُمر جسده التنظيمي تحت ضغط وإرهاب النظام) بالنسبة للمسألة الكردية عموماً وفي سورية خصوصاً.

في كتاب بعنوان "صورة الأكراد عربياً بعد حرب الخليج" للباحث والكاتب الكردي إبراهيم محمود، صادر بعد حرب الخليج الثانية 1992، وجد الباحث نفسه مضطراً للبحث عن صورة الأكراد عربياً قبل حرب الخليج! نعم قبل حرب الخليج، يقيناً منه أن المسألة أعمق من رؤى سياسية سطحية وآنية (حيث ظهر آنذاك سيل من الكتابات التي تتهم الأكراد بالخيانة والعمالة والتشكيك في أصلهم ولغتهم وتشويه تاريخهم القديم والحديث، لمجرد قبول أكراد العراق بالحماية الأمريكية من مجازر النظام العراقي البائد وأسلحته الكيماوية!!)، فتوصل الباحث إلى أن جذر المشكلة، أي النظرة العربية السلبية إلى الأكراد، يعود إلى المفهوم العنصري الذي وضعه القومجيون للقومية العربية أساساً: (.. فتاريخ المنطقة من المحيط إلى الخليج، منذ ما قبل الميلاد، يُقرأ ويُدون عربياً، ويُنظّر له قومياً، وكل الحضارات التي قامت في المنطقة، في بلاد النيل، أو بلاد ما بين النهرين، وبلاد الشام، عربية النسب تكون، وكل الذين سكنوا المنطقة، من غير المنطقة، إما أنهم جاءوا إليها، بمظهر الغزاة، أو المهاجرين، واستقروا فيها، أو دخلوا الإسلام، أو تعربوا برغبتهم ..).

تجاهل الأكراد في المشروعات الوطنية: تكتيك أم استراتيجية؟

كثيراً ما يقول لنا إخوتنا الديمقراطيون، إنهم لا يريدون طرح القضية الكردية ضمن برنامج الإصلاح الوطني الديمقراطي حالياً، لأن الديمقراطية ستكون للجميع ولا يمكن حرمان فئة من المجتمع من نعيمها في حال تحققها ويمكن الحديث في الشأن الكردي الخاص بعد بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات. وهذا يقول كلاماً "نصف حقيقي"، فالديمقراطية هي المدخل الأساسي لحل كل القضايا الأساسية، ولا يمكن حل أي قضية سياسية أو اجتماعية أو إنسانية في ظل الأنظمة الدكتاتورية.

ولكن نصف الحقيقة الآخر الذي يغيب قسراً أو الرد على هذا الكلام جاهز: أليست تركيا دولة ديمقراطية، قياساً لباقي دول الشرق الأوسط والمنطقة، فلماذا لم تحل القضية الكردية هناك بمجرد تبني نموذج ٍ ديمقراطي علماني - نسبياً -؟! هل منعت ديمقراطية الدولة التركية من قيام المجازر الجماعية بحق الكرد وحرق أربعة آلاف قرية كردية وتشريد الملايين وتتريك كردستان وحرمان ملايين الأكراد من التحدث والكتابة بلغتهم الأم، وذلك رغم مرور عقود تتالت فيها حكومات من مشارب سياسية مختلفة على دست الحكم في تركيا؟!

فريق آخر يبرر موقفه التجاهلي تجاه الأكراد بأن النظام لا يستمع لمطالبنا العامة فكيف به إذا طرحنا القضية الكردية ضمن برامجنا ودعواتنا ولسوف نخسر كل شيء عندئذٍ!

ففي حين أن كلا الموقفين يملك بعض المبررات التكتيكية (وهذا موضوع يحتاج لشرح ملابساته وتعقيداته لسنا بصددها هنا)؛ فإن الإصرار على التجاهل المقصود والمدروس والاقتصار على "التعاطف" مع الأكراد بإلقاء النصائح والمواعظ الوطنية على مسامعهم وتحذيرهم من مغبة "التعامل مع الأجنبي" وضرورة الالتزام "الحقيقي" بـ "الوحدة الوطنية"، ينزع عن تلك التبريرات قشرتها الهشة ويفضح موقفها الخجول والمراوِغ وغير الإنساني.

- في برنامج التجمع الوطني الديمقراطي في سورية وهو الإطار الأساس للمعارضة الديمقراطية في سورية والذي صدر بتاريخ 20/12/2001 يتطرق إلى الأكراد بشكل خجول ويسمي الأكراد "المواطنين من غير العرب"، فالعروبة، والحال هذه، هي مقياس تصنيف البشر والشعوب وهي المنظار الوحيد الذي ينظر به التجمع إلى الآخر!!

ولا يأتي أي ذكر للأكراد فيه إلا في هامش إطار "الكفاءة والجدارة والاستحقاق والعمل والتعليم" ففي بند المساواة يقول البرنامج: (منع التمييز بين المواطنين، أو انتقاص حقوقهم، أو الاعتداء على حرياتهم العامة والخاصة، أو منح بعضهم امتيازات على حساب بعضهم الآخر لذلك يجب إلغاء جميع السياسات التمييزية إزاء المواطنين، ولا سيما في ميادين العمل والتعليم والإيفاد، والبعثات العلمية، وغيرها. وإعادة الاعتبار لمفهوم الكفاءة والجدارة والاستحقاق، ووضع المواطن المناسب في المكان المناسب، رجالا ونساء. وإلغاء جميع الممارسات التمييزية إزاء المواطنين من غير العرب، ولا سيما المواطنين الأكراد، وحل مشكلة المحرومين من الجنسية وفق المبادئ الوطنية والإنسانية، التي يقرها الدستور).

لا يتم هنا ذكر الأكراد شعباً - قومية - ثقافة - حركة سياسية. كما يخلو البرنامج من أية إشارة إلى تعدد القوميات أو الثقافات أو الإثنيات (عرب وأكراد وآشور وأرمن ..) فهو يوحي للقارئ بأن المجتمع السوري هو مجتمع (مقومن) عروبي بأكمله. إن هذا النمط من المجتمعات ذات النقاء القومي أو العرقي هو مجتمع وهمي "نظري" كما يقول عبد الإله بلقزيز، ليس في سورية فحسب بل في العالم أجمع، فكيف بالمجتمع السوري الذي هو مهد لحضارات متنوعة وثقافات متعددة، وفي ظل دولة مصطنعة حديثة تشكلت من تقسيم شعوب المنطقة وأراضيها بإرادة استعمارية.

- برنامج الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي (من أحزاب التجمع، أمينه العام الأستاذ حسن عبد العظيم الناطق الرسمي باسم تجمع المعارضة) الصادر قبل شهور عديدة (2/1/2003)، يتنازل من نرجسيته القومية ليخرج لنا بمصطلح غريب عجيب (ضمان حقوق "المجموعات الوطنية" في صيانة وتطوير تراثها الثقافي) دون أن يتنازل إلى تسمية الأكراد (أو الأقليات القومية في سورية) باسم الشعب أو القومية أو الأقلية حتى وهم ثاني أكبر قومية في البلاد؟ ما المقصود بـ "المجموعات الوطنية"؟ هل هناك تعبير آخر كتصغير للآخر القومي أكثر من هذا التعبير؟

ولأن الإيديولوجية القومية العربية تتخيل على الدوام أعداءً متربصين بطهرانيتها وعفتها وقدسيتها فهي تعيش هاجس الخوف من تمزيق الأمة العربية ووحدتها، لذا كان من أولويات المرحلة و"في هذه الظروف الحساسة والعصيبة" أن يدعو الاتحاد الاشتراكي في برنامجه المذكور إلى "اعتبار اللغة العربية اللغة الرسمية للبلاد" و"احترام وحدة البلاد أرضاً وشعباً ورفض أي محاولة للمساس بها تحت أي شعار"؟!

يبدو وكأن هناك تحالفاً موضوعياً بين السلطة والكثير من المعارضين بخصوص "حل" المسألة الكردية.

- لجان إحياء المجتمع المدني التي عملت على صياغة مفاهيم وأساليب عصرية منفتحة جديدة للعمل السياسي والثقافي في سورية، وأصبحت بمثابة القاسم المشترك الأعظم لجميع القوى والفعاليات السياسية والثقافية وعملت جاهدة على خلق ثقافة المصالحة الوطنية والتعايش المشترك على أساس المواطنة في دولة المساواة والديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية؛ لم تستطع بلورة رؤية أكثر انفتاحاً على صعيد المسألة الكردية. ففي الوثيقة التأسسية للجان (بيان الألف) وما سبقها (بيان الـ 99 مثقفاً) وما تلاها من نشاطات ومواقف لم تستطع هذه اللجان اختراق التابو القومي، سوى بإصدار بيان مشترك مع لجان الدفاع عن حقوق الإنسان ولجنة الدفاع عن حقوق المجردين من الجنسية بتاريخ 5/10/2002، بمناسبة الذكرى الأربعين لمرور فضيحة الإحصاء الاستثنائي الجائر في محافظة الحسكة. ورغم أن بعض رموز اللجان تملك رؤى إنسانية ووطنية عقلانية تستحق التقدير والاحترام بالنسبة للمسألة الكردية في سورية (جاد الكريم الجباعي - أصلان عبد الكريم - أسامة العاشور - ياسين الحاج صالح .. وآخرون)؛ فإن عجز اللجان عن بلورة موقف عام بشأن المسألة الكردية يوضح مدى تمسك الكثير من الناشطين في الحقل الوطني العام بالرؤية القومية الضيقة.

وحتى ذاك الموقف اليتيم من اللجان، الذي اعتبر في حينه موقفاً وطنياً حقيقياً وبادرة خير ولاقى الترحيب والاستحسان من قبل الأكراد، لم نجد تجلياته الحقيقية على صعيد الممارسة، فجميع البيانات التي أصدرتها اللجان بعد التهديدات الأمريكية لسورية والدعوة للمصالحة الوطنية تخلو من أي إشارة إلى الأكراد، ولم يلتزموا حتى بمطالبتهم السابقة بحل مشكلة الأكراد المجردين من الجنسية والبالغ عددهم حوالي "ربع مليون" كردي محروم من أبسط الحقوق الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وهي لا تعد قضية قومية كردية بحتة بل هي قضية وطنية ديمقراطية عامة. والعريضة التي قُدمت للرئيس بشار الأسد مؤخراً بتوقيع 287 شخصية سورية، خير شاهد على ما نقول (راجع أخبار الشرق - 1 حزيران 2003).

حيث لم تتضمن المطالب المقدمة أي إشارة لوضع الأكراد المجردين من الجنسية، الذين يعيشون حالة مأساوية حقيقية يومية. ألا يمكن اعتبارها من المطالب الوطنية العاجلة كملف المعتقلين السياسيين والمنفيين قسراً وطوعاً ورفع قانون الطوارئ والمحرومين من الجنسية والحقوق المدنية لأسباب سياسية (وتشير العريضة إلى المحرومين من الجنسية وتخص "لأسباب سياسية" كأنها تقول: لا نقصد الأكراد!!)، على أساس أن باقي جوانب القضية الكردية سوف تؤجل لما بعد ترسيخ الديمقراطية (مسألة اللغة الكردية - مدارس كردية - الحزام العربي - تعريب الأسماء الكردية - التمثيل السياسي للأكراد في مؤسسات الدولة - الاعتراف الدستوري ..)؟!

وبتصوري الشخصي أن البعض القليل جداً من السياسين الكرد الذين وقعوا على العريضة الأخيرة ومثيلاتها، يشعرون معي بنفس التهميش المقصود من قبل زملائهم، وقد تكون مشاركتهم فيها من أجل استمرار عرى العلاقات مع تلك الأوساط، على أمل تطور موقفهم من القضية الكردية مستقبلاً ومنعاً من حصول قطيعة فيما بينهم.

يبدو أن الدرس العراقي لم يُقرأ جيداً ولم يُفضِ، حتى الآن، إلى النتيجة المطلوبة ولم يُستوعب سورياً (سلطة ومعارضة). فالسلطة لا زالت قادرة على إقناع نفسها بالقدرة على البقاء خارج فضاء المجتمع السوري ومطالبه ما دامت آليات تحكمها بمفاصل الدولة والمجتمع كلياً، سارية المفعول (قانون الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية وحكم أخطبوط الأجهزة الأمنية وغياب صحافة حرة ومنابر مستقلة وحرية العمل الحزبي والسياسي والمدني ..) .. ولكن إلى متى سيدوم هذا التحكم؟!

والمعارضة الديمقراطية الضعيفة أصلاً والمحاصرة والمدمرة جماهيرياً بفعل القمع العاري الذي مورس بحقها لعقود عديدة - وهذه أوضاع نقدرها - لم تستطع حتى الآن أن تتفهم قضايا القوميات غير العربية والأقليات التي تتعايش معها، فتتناول المسألة بمزيد من التشكيك بمطالبها وحقوقها أو تتجاهلها أو توسمها بالعمالة للخارج "في هذه الظروف الحساسة والعصيبة"، بدل أن تراجع منظومة تفكيرها وموقفها تجاه الآخر القومي وحقه في العيش وممارسة حقوقه القومية على قدم المساواة التامة مع القومية الغالبة. فالعقل السياسي العربي مصرٌ على أن يقرأ الواقع والتاريخ في الاتجاه المعاكس!

أما بشأن القوى الإسلامية، فهي لا زالت على مواقفها المسبقة المتشنجة من القومية الكردية، والتي لا ترى في "القومية" سوى فكرة غربية صليبية تهدف إلى محاربة تراث المنطقة والحضارة الإسلامية (العربية طبعاً) (وهذا ينطبق على القوميات غير العربية فقط!!) وتفتيت الأمة الإسلامية، أما القومية العربية فهي موجودة منذ الأزل والإسلام أحياها وأضحى روحاً لها!! ففي مؤتمر لندن للحوار الوطني الذي عقد بمبادرة من جماعة الإخوان المسلمين في سورية، بتاريخ (23 - 25 آب 2002) وبعد إدراج مفاهيم جديدة في خطابهم السياسي وتغييره انسجاماً مع الفضاءات التي تكونت في خضم حراك "ربيع دمشق" الموءود، أشاروا بعد كل التغيير الذي طال شعاراتهم وخطابهم السياسي وبشكل خجول إلى "المحرومين من الحقوق المدنية، والجنسية، من المواطنين السوريين، عرباً وأكراداً"!! (لاحظ عرباً وأكراداً).

وبدهي أن القمع والاضطهاد المستمر من قبل النظام والإهمال والتجاهل المقصود والمزمن من قبل القوى والفعاليات الديمقراطية، سوف يولد موضوعياً - شئنا أم أبينا - رؤى وقوى كردية لن تراهن على الحل الوطني الديمقراطي، في ظل التغيرات الجيوسياسية وإمكانية الخلاص من "الاستبداد الوطني" ولو كان على يد "الاحتلال الأجنبي"، وحينئذٍ لن تستطيع الحركة السياسية الكردية، التي راهنت منذ نشأتها وحتى اليوم على الخيار الوطني السوري والبديل الديمقراطي السلمي، أن تلعب دور الشرطي في المجتمع الكردي، ولن تجدي - بالتأكيد - نصائح الوطنيين لإخوتهم الأكراد نفعاً قيد أنملة.

إذاً على النخب العربية أن تكون على مستوى المسئولية التاريخية فالوضع لا يحتمل تأجيل الملف الكردي واستحقاقاته، كما لا يحتمل هذا التجاهل والصمت المستمرين، فمن المفترض أن قضايا الشعوب لا تُدرس أو تُنسى بحسب مواقف الدول التي نسمها بالازدواجية في سياساتها تجاه المنطقة. إنها مأساة ومفارقة حقيقية أن تسعى إلى استصدار موقف رمزي من دعاة الديمقراطية والتعددية والمجتمع المدني، وكأنك تنحت في الصخر بأظافرك! أليس من المفروض أن يكون ضحايا الاستبداد من أشد المتعاطفين مع الآخر القومي؟!

هل ستسبق المعارضة الديمقراطية السورية أصواتاً قد تأتي من واشنطن ولندن و.. و.. وتطالب بجرأة وطنية وأخلاقية ودون مواربة وتلاعبٍ على الألفاظ والمصطلحات، بتأمين حقوق الأكراد في سورية والاعتراف بهم كقومية ثانية في البلاد؟

إذا كانت واشنطن ولندن تستخدمان سلاح حقوق الإنسان كذريعة لتنفيذ مخططاتها، فلماذا لا ترفع القوى التي تحتج على هذا الاستخدام البراغماتي أصواتها بالنسبة للموضوع نفسه (براغماتياً حتى)؟!

__________ 
* كاتب كردي سوري - سورية

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]