www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
20.01.2004 - 23:00

الكورد.. و الصحوة على الواقع الحضاري و الإنساني؟

عبد الرحمن آلوجي*

من البديهي حقاً أن ندرك مدى خطل و خطأ الموقف الاستعلائي, لأمة من الأمم, أو شعب يريد أن يمن على الناس, فيرى من نفسه مختاراً, مميزاً, ينبغي أن يكون له كل شيء, فحدوده محرمة, و أي مساس بها, أو بسماتها و مزاياه, و صفاته العليا, يعد من اجتراح المقدسات, و المساس بخطوط حمر, سوف تحرق الأصابع و اللحى.. كما أن من الغرابة بمكان, أن نعزل أنفسنا عن الآخرين, فنرى لأنفسنا- بمكاييل و مقاييس مختلة, و متباينة- ما لا نرضاه للآخرين, بل نستقبحه, ونراه هُجْنةً.. نجافي بذلك حقيقة أن يكون الناس- على اختلاف لغاتهم و ألوانهم- سواسية كأسنان المشط, لافرق بين عربي و أعجمي, و لا أبيض و لا أسود, إلا بالتقوى و العمل الصالح, كما نص عليه الحديث الشريف, فالإنسان في معدن الإخاء الإنساني, و في شرائع السماء, و قوانين الأرض, و قواعد السنن المشرعة, حر, سيد, متساوٍ أمام الحقوق و الواجبات مع أخيه الإنسان لا يظلمه, و لا يجور عليه, و لايحرم عليه ما يحل لنفسه. حتى بات هذا الأمر من البدهيات, و القواعد الأخلاقية, و الأعراف الدولية, و قوانين الحياة, و لوائح حقوق الإنسان, و شرائع المجتمع الدولي, و أبحاثه و دراساته, فقد توصل العلماء إلى اتفاق عام على الاعتراف بأن الجنس البشري واحد, أي أن الناس جميعاً ينتمون إلى النوع ذاته - الجنس البشري- الإنسان العاقل homo sapiens و يتكون الإنسان العاقل من عدد من الجماعات السكانية تختلف كل منها عن الجماعات الأخرى تبعاً لتواتر وجود موروثة أو أكثر فيها..
و إذا كانت ثمة فوارق, و درجات يتفاوت فيها الأفراد, و تختلف فيها الجماعات بحكم التطور, و اختلاف البيئة, و درجة الارتقاء في السلم الحضاري, فإن ذلك لا يعني بالضرورة الحكم على أمة من الأمم أو شعب من الشعوب, بالدونية, و الانحدار, و على آخرين بالتفوق و الارتقاء, و بالتالي ادعاء الاختيار العرقي, و التفاضل, لأن الفوارق الوراثية القائمة بين الناس, هي دائماً قليلة, إذا ما قورنت بمجمل التكوين الوراثي لدى الإنسان, و بالعدد الهائل من الموروثات المشتركة لدى جميع الكائنات البشرية, بغض النظر عن الجماعات السكانية التي ينتمون إليها, و هذا يعن ي أن وجوه الشبه بين البشر تفوق كثيراً وجوه الاختلاف.. وأن هذا الاختلاف راجع إلى السمات و الظواهر الشكلية من لون و لغة و تطور, و اختلاف في الأطوار و الأحوال و البيئات, و هو ما أكدته الشرائع السماوية, حتى جعل هذا الاختلاف, و هذا التمايز بين شعب و آخر من آيات الله:
((ومن آياته خلق السماوات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم.)) فالأصل الإنساني واحد, و هو مصدر الوحدة و التنوع, و ما يحصل من تمايز في الارتقاء, و اختلاف في درجات الوعي و التطور, لاحقان طبيعيان, ينسجمان مع الاستعداد الفطري للإنسان في تعميق وعيه, و تركيم إنجازاته, و دفع طاقاته و مواهبه, و أغناء حياته العلمية, مما يشترك فيه الجنس البشري, و يرقى إلى أن يؤسس لتراثٍ إنساني, حضاري, من شأنه أن يرتقي بحسه, و يسمو بفكره, و يعلو بمبادئه الأخلاقية, و هو ما يفترض أن يكون, لتحقيق أعلى درجة من الإخاء الإنساني, من أقصى بقاع المعمورة إلى أقصاها, وفي مختلف الأعراق و الأجناس, لأن الدراسات البيولوجية تقدم- في الأساس- دعمها لأخلاقية الإخاء الإنساني, إذ أن َّ الإنسان ينطلق بدوافع تعاونية, و إذا لم يتم إرضاء هذه الدوافع فلابد أن تسوء حالة الناس و الأمم, و لقد خلق الإنسان كائناً اجتماعياً لا يستطيع تحقيق نموه الأكمل إلا بالتفاعل مع المحيطين به, و إنكار هذه الرابطة الاجتماعية بين الناس.. لا بد أن يؤدي إلى الانحلال. . و هو ما يؤكد و يدعم وحدة الموقف الإنساني الأولي, و توحّد القاسم الوراثي المشترك إذ أن التواريخ البيولوجية المختلفة التي مرت بها البشرية نشأت من سلف أصلي واحد مشترك, ثم انفصلت و انعزلت عن الأرومة- الأصل- و تعرضت لفعل الانتخاب الطبيعي في صفات الفرد و الجماعة , و إن كافة الجماعات العرقية المختلفة في وصفها الراهن, لا تشكل سوى بنيات مؤقتة, مكونة وراثياً عن مزيج مؤقت من الموروثات المنحدرة من سلف واحد, اختلاط و تمايز. وإن إي استعلاء على هذا الأصل المشترك و الموحد, بدعوى العنصرية أو التفوق العرقي, أو الاستعلاء المشين, باطل لا يستند إلى الحقائق العلمية و الميدانية و ما يدعو إلى فضيلة الاتحاد و التنوع, و اختلاف درجات الوعي الاجتماعي و السياسي, و تباين الجماعات المختلفة في أسباب الوصول إلى مجتمع ينشد العلم و الحضارة و المدنية, هو ما ينبغي التأكيد عليه دون إعطائه أكثر من بعده, وهو يؤكد نجاح الوجود في المعركة الكونية, و الذي يتطلب الضبط و الاتزان, بدلاً من تأكيدات الذات بلا رحمة, في دعوة إلى احترام الآخرين, بل مساعدتهم بدلاً من إزاحة المنافسين و سحقهم مما يدعو إلى محاربة كل محاولات الطمس و السحق, و إزاحة الآخرين, و تذويبهم, و نهب خيراتهم و تحريم حقوق الحياة و الوجود, و التمييز الأ ثني, و السمات الإنسانية و الإخائية عليهم, و ضرب طوق أمني يمحو تراثهم و فكرهم و عقائدهم النضالية, فالطبقة الواعية- من أية أمة- هي تلك التي تنشر أهدافاً شاملة حقاً هي وحدها التي ستكون قادرة على الإفلات من ضياع الأيديولوجيات السياسية المنغلقة .. كما أن الحياة الاجتماعية و بشكل خاص جانبها السياسي, تفترض إنتاج مدلولات و تذكر و إقرار شرعية الأهداف النبيلة و تمجيد القيم المقترحة للعمل العام, و لا تقوم الأيدلوجيات السياسية- و المذاهب الفكرية- إلا بمتابعة هذه الظاهرة المستمرة و الحاسمة, في وجود وإنتاج المجتمعات.. و هو ما ينبغي التأكيد عليه, و الإصرار على نشدانه, بحيث يصلح التراث الإنساني, بقيمه و مثله, و أهدافه الكبرى, و طموحاته, و آفاقه, و قوته على تحرير الإنسان, بحيث يصلح للإنسان, و يرقى به, و يسعى إلى اغناء عالمه, و إبعاده عن أدران و منغصات الفكر العنصري, و آثاره, و نتائجه, و آنانيته و انغلاقه, و أفكاره البدائية الهزيلة, و تخبطه و تردده, و انكساراته أمام المد الحضاري, و وحدة النشأة الإنسانية, و مساواة الإنسان, و جوهره المتوحد, و اختلافه و تنوعه, و خصوبة آرائه و أفكاره, و نصاعة إبداعاته, في العلوم و المعارف و الآداب و الفنون, مما يصلح أن يشق للإنسان رؤيته, و امتداداتها, وإشراقاتها, و ما تترك من آثار إيجابية من شأنها أن تحقق للبشرية الإخاء و السلام و الأمن و الازدهار العلمي, و التطور التقني, بما يحقق الرفاه و التقدم, و بناء معالم حياة إنسانية, و فكرية جامعة, و نهج ديمقراطي, يعتمد الأرقى و الأجمل و الأنسب للإنسان و حضارته و تراثه و تاريخه و علاقاته الدولية , و مواقفه القومية, ذات البعد الإخائي, و الوحدة الإنسانية, الراغبة عن كل ما هو دانٍ و مُسِف ٌّ و هزيل.. و الساعية إلى بناء فكر قومي إنساني, يكون نتاج التاريخ, بحيث تغدو الفكرة القومية مولدة لمبدأ تاريخي, لأن الشعور القومي, و فكرة الأمة و الجنسية من الأمور التي تعد في غالب الأحيان ثمرة تحول تاريخي, و البشر الذين يعيشون في منطقة واحدة, يتشاركون في تجربة مشتركة, و هو أمر واقعي, إذ يتجهون إلى التحدث بلسان واحد, إلا أن البراعة الحقيقية في الفكر القومي هي في خلق وعي سياسي بعيد عن التضخيم و المبالغة.. و كل تجاوز لهذا الوعي باتجاه منح القومية فوق خطها التصاعدي, و فوق نتاجها التاريخي في بيئتها و وسطها الطبيعي المشترك, وادعاء تفوقي, لا يخدم المسيرة القومية و تطلعاتها و أهدافها, و أهداف الجماعة التي تعيش في منطقة واحدة, و تجمعها ثقافة مشتركة, وتراث جامع, تحاول من خلاله تجاهل الآخرين, أو سحق تطلعاتهم, أو قمعهم, بالكيل بأكثر من مكيال.. و من أجل ضمان حرية الآخرين, و معرفة ما للآخرين, ينبغي إدراك مفهوم التنوع إلى جانب التوحد, و لايمكن الارتقاء إلى هذا المفهوم, ما لم نتجاوز عقد الاستعلاء, و تخرج من بدائية القومية الواحدة و مفهومها الهزيل, و مراعاة الخصوصيات القومية كما في فرنسا حيث كان الفرنسيون يتكلمون في رقعة أرضه ا قبل الثورة ثلاث لغات على الأقل بالإضافة إلى الفرنسية(لغات دولية- باسك- بريتون) و حالة إيطالية حيث لم تكن اللغة الإيطالية منذ قرون مضت سوى لغة أدبية تتوضع على اللهجات المحلية.. كذالك الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية, و كندا, و يوغسلافيا, و الهند, و باكستان, و الصين, و العالم العربي, و أندونيسيا, و الفلبين, و أجزاء واسعة من عالمنا المعاصر..
و يقتضي الأمر أن نورد القول نفسه بشأن الأرض و الدولة إذ أن الأراضي و الدول التي اتخذت في إحدى مراحل تطورها صنعةً قومية, لم تحتفظ قط بالأبعاد نفسها عبر التاريخ, لا بل إنها اختلفت باستمرار تبعاً للتطورات السياسية الدولية و الحضارية إلى أن بلغت امتدادها الحالي, كما هي الحال في الإمبراطوريات التاريخية القديمة, كالكوديوم, و الإمبراطورية الآشورية و الميدية و الهيتية, و الرومانية و الفارسية, و الخلافة الإسلامية و العباسية و العثمانية و قطاعات واسعة من أمريكا و أوروبا, و أراضيها التي خضعت لسلطانها, و هيمنتها, و ضمت شعوباً و قبائل, و أقواماً و أجناساً مختلفة..
ومن أجل أن نحقق التوازن و العدل, و نعترف ما للآخرين, من سبق و فَض ْ ل, وما للبشرية من توحد و تنوع, و أن ترقى بها إلى حقوق الإنسان, و العدل و المساواة, لابد أن نقر بخصائص الشعوب, و سماتها و خصوصياتها و نسعى إلى الاعتياد و المطابقة مع الدولة القومية و ليكون ممكناً تماماً معرفة كيفية استبدال هذه المطابقة مع إحدى المجموعات الأخرى إن لم يكن كلياً فجزئياً, و إن لم يكن لسائر الأغراض, فلبعضها كما هي الحال في الاتحاد الفدرالي..
إذ أن الإقرار بمبدأ ما للآخرين من تميز و تخصص و توضح, يطرح التنازل الجزئي من بعض حقوق المركز, في توحد, و توازن, و اعتراف باللغة و الكيان القائمين, مما ينسجم تماماً مع حق الإخاء الإنساني, الذي أقرته التشريعات و الشرائع و القوانين, و لم يكن نشازاً, ولا خطأً ولا خطراً يمس الآخرين, طالما يتمتعون بكامل حقوقهم و يرتقون بها, و يقرون بما وقعوا عليها من مواثيق و قوانين و معاهدات دولية تجمع على حق أي شعب على وجه الأرض, في تقرير الصيغة التي يرتئيها لتنظيم حياته السياسية و الاجتماعية و الحقوقية مع أم ت ه, و مع الآخرين, المشاركين له, حياته في مجتمع إنساني معين, فلا يعود بذلك إلا بحقه الطبيعي الذي وفرت له الحياة الحرة الكريمة, في ظل قوانين العلم, و مفهوم العرق, و توحد النشأة الإنسانية, و وحدتها, وتنوعها, و القوانين الحياتية و الكونية, و القواعد الأخلاقية, و الأعراف و الشرائع و القوانين الدولية الناظمة, و التي أقرت حق تقرير المصير لكل الأمم و الشعوب, بما يلاءم حياتها, ووحدتها, و تلاؤمها مع درجة الوعي و التطور, و ما تختار لأنفسها أو مع الآخرين, بتحديد درجة هذا الاختيار, اتحاداً كان أم وحدة, أم افتراقاً, و بما لا يحقق إلا المصلحة العلية المشتركة.. و هو ما يعتمده العلم و المنطق, و تقره العدالة, و يصوبه الوعي السياسي و الاجتماعي, و لا يفرض عليه إلا منهج يعتمد العشوائية و التلقائية, أو رؤية تعتمد البدائية و القسر, و إلحاق الآخرين, و سلب خصائصهم و مقومات حياتهم, و سمات فكرهم و تراثهم, وتاريخهم النضالي, وتضحياتهم و بطولاتهم..
و الكورد من أعرق شعوب الأرض, وأكثرها توغلاً في التاريخ الإنساني, وفاعلية في الحضارة الإنسانية, و هو ما أكدنا عليه مراراً, وفق معطيات علمية, وتاريخية, و شواخص, وشواهد أثرية من خلال( حمو كر, شان يدار, نيفالي تشوري, كرى موزان, ليلان, تل حلف, مملكة آلالاخ..) شواهد شاخصات, تنبئ عن آثار عريقة, لم يعد يرقى أليها أدنى شك, ليدل على مساهمة كبرى في إنشاء دول و إمارات و إمبراطوريات قادوها أو شاركوا فيها, حتى كان لأجدادهم الأوائل في أبعد حقب التاريخ الأثر الإنساني البارز في إهداء الرسالة الإنسانية الكبرى إلى البشرية حيث رست سفينة سيدنا نوح عليه السلام على جبل جودي, و كان من أحفاده ( براسوز) و هي كلمة كردية خالصة تعني(آخ العهد), كما خرج سيدنا إبراهيم الخليل- وهو هوري عريق- برسالته الكبرى( الحنفية البيضاء), إلى أعماق الجزيرة العربية, مع ولده إسماعيل عليهما السلام, ليتناول رهطه الطاهر, رسالة التوحيد الكبرى, رحمةً للعالمين..
إن هذا الشعب العريق, الذي سطر- كما يقول ول ديورانت- في أرضه أول رقم حضاري للبشرية, إن هذا الشعب له الحق أن يحيا حياة حرة, آمنة, كريمة, بعيدة عن الوصاية, ومحاولات الإبادة الجماعية, و أشكال و ألوان التذويب, ومحاولات الصهر العرقي, بعد أن بذل أقصى ما يملك من إمكانات و إبداعات و طاقات في الحرب و السلم, و ميادين واسعة من البناء المدني و العمراني, ليستحق وفق كل الأعراف و القوانين الدولية, و الشرائع السماوية, و النظريات الاجتماعية, في الوحدة و التنوع, و سائر الفلسفات و المنظومات الفكرية, ما يستحقه الآخرون, وما ترتئيه هذه القواعد الإنسانية و الأخلاقية و الشرائع السماوية من حق التعبير عن إرادته وحياته وفكره و تراثه, و حقوقه الحياتية الشاملة, و وفق طبيعة علاقاته مع الآخرين, و درجة تطور هذه العلاقات, لتهدأ هذه الضجة المفتعلة, و ينحسر هذا الخطر المزعوم, الخطر الكردي, كما تؤكد عليه الفضائيات العربية, في حملة منكرة, متواصلة, كأن هذا الشعب حكم عليه أن يكون محكوماً, تابعاً ذليلاً, يخطط له الآخرون, ويفكر عنه الآخرون, و يحاولون صهره, وقمعه, و إذابته في وضح النهار, وفي ظل القانون الدولي, و أمام أنظار العالم, بعد أن ذاق الويلات و المحن, التي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً, حيث يحق للترك أن يطلبوا فيدرالية أو حكماً ذاتياً ل ـ تركمان العراق وهم لا يتجاوزون ربع مليون إنسان, في حين لا يحق للكرد وهم يتجاوزون في كردستان تركيا وحدها عشرين مليوناً أن يكون لهم حق الوجود, و حق الثقافة ؟! في الوقت الذي نجد بأن أثنين و عشرين دولة عربية, لا تكاد يفكر القوميين العرب بأي حق ممكن للكرد..
إننا أمام محكمة التاريخ, و منطق الحياة, و مفهوم العدل الإنساني, و شرائع السماء, و قيم الأرض و قوانينها.. ينبغي أن نحتكم إليها:
1- فإما أن يكون الكرد شعباً من شعوب الأرض, إن لم يكن أعرقها, و أكثرها تجزرا في التاريخ الإنساني, فيستحق كل ما يستحقه الآخرون..
2- و إما أن يكون بلا لغة ولا أرض ولا تاريخ, ولا كيان, كما يدعي عتاة الفاشية, وأعلام الفكر العنصري؟! و حينها ينبغي محوه وإزالته من الوجود, أو جعله خادماً ملحقاً بالآخرين ؟ فلا يستحق إلا أن يكون تابعاً ذليلاً ؟!
3- و إما أن تشرع له قوانين أخرى تنسجم تماماً مع خصوصي ت ة اللاإنسانية, إذا أقرت شرائع وقيم بهذه الخاصية له ؟! و حينها ينبغي للمجتمع الدولي المتحضر أن يزجه مع كيانات أخرى غير معلومة الهوية و الانتماء ؟! و هو يمكن أن يكون من سخريات القدر, و مما يبعث على التقزز و الاشمئزاز..
إن قدر الشعوب المضحية إن تنال جزاء تضحياتها الجسام, و أدوارها التاريخية المشرفة, و عطاءاتها الإنسانية الكبيرة..
إننا لا نريد تميزاً, ولا ندعي تفوقاً, وإن كانت عراقة هذه الأمة, و تجزرها التاريخي, وأدوارها, وأداؤها الحضاري, مما شهد به التاريخ, وكتب عنه الأعلام, فقد حكم الكرد الإمبراطورية الفارسية ردحاً طويلاً من الزمن, وشكلوا إمارات ودولاً وإمبراطوريات, وساهموا في حضارات, وأفرزوا أعلاماً في الفكر والسياسة والفن والآداب, فكان لهم فضل لا ينكر, فما معنى أن يتنكر لوجودهم, ويسعى إلى سحقهم أقرب الجماعات إليهم, فمن كان منهم ملايين المستعربين, والذين لا يزالون يذكرون أصولهم الكردية, ولا تزال مناطقهم تمج بآلاف العشائر والجماعات الكردية المستعربة؟
إن الحملة الهائلة التي دأب الإعلام العربي على رفع عقيدته بها, اِثر المناقشات المحتدمة حول مستقبل العراق والمنطقة, إن هذه الحملة لن تنفع ولن تجدي في طمس الوجود الكردي, وإيهام خطره, وما يمكن أن يؤثر على مقدرات المنطقة, أو السعي إلى تفتيتها , وزرع كيان غريب بينها؟!
إن هذه المخاوف غير مجدية, وغير واقعية, فالكورد قائمون على أرضهم منذ آماد سحيقة, وشكّلوا على أرضهم كيانات فاعلة, خيرة, واغنوا واغتنوا بالآخرين, وكان رسل سلام و هداية.. من أرضهم انبثقت أعظم الرسالات, و على هذه الأرض الخصبة المعطاء, تفجرت ينابيع الخير, وسوف تتفجر ينابيع العطاء, ويكون الكو رد رسل محبة و إخاء وسلام, وسوف تمتد أيديهم إلى الإخاء و البناء و الأعمار.. ولن يكونوا أداة شر أو إيذاء.. فهم كسائر الأمم و الشعوب, لهم حقهم في حياة حرة كريمة مصانة, تنسجم مع تطلعات العصر و آفاقه, ودرجة تطوره, ومما تعززه طبيعة علاقاتهم مع الشعوب المتآخية المتجاورة من حقوق الجيرة و التواصل و التناصر, لا التخاصم و التدابير و محاولات السحق و الإزاحة و الإزالة, ونهب كل خيرات الكورد , و تسخير طاقاتهم, وزجهم في مهالك الموت, في مقابر جماعية, وتحريم كل ما شأنه أن يحقق لهم استمرار الوجود و الامتداد والتحضر, أسوة بالآخرين..
إن للأمة الكوردية ما لغيرها- وفق كل المعايير و الأعراف و اللوائح- و عليها من الواجبات تجاه المجتمع الإنساني ما على الآخرين, من دعوة إلى الإخاء الإنساني, والسلام, والمدنية, ورفد الحضارة و التراث الإنسانيين, بما يحقق وحدة التوجه و التنوع, و اعمار الأرض, ومقاومة الإرهاب, ونشر السلام, ونبذ الأحقاد وزرع الطم أ نينة, ومحاربة الفساد, والمشاركة في التنمية, وتنقية البيئة, وتهيئة المناخات المستقرة, لنشر العلم و التكنولوجيا, والمساهمة في التقدم العلمي, وإنجاح مسعى الإنسان في تفجير أكبر الطاقات الإنسانية, بما يعزز خلافة الإنسان في الأرض, ويسعى إلى امتلاك القدرة على إسعاد البشرية, ونشر القيم العليا, بما يحقق الازدهار و الرفاه والتقدم العلمي, لكوكب يسعى إلى معرفة الكون, وفك ألغازه, وتسخير طاقاته الكبرى, لخدمة الإنسان, وبناء عالم ينجو من الرعب والفتك والعنصرية وآثارها البغيضة, وأفكاره ا الهزيلة, وتصوراتها البدائية العقيمة..
إن الشعب الكردي العريق, شعب مسالم, يدعو إلى احترام خصوصي ة, وخصوصية الآخرين, ويسعى إلى بناء حياته وفكره وحضارته وتراثه, مع الآخرين, وفي ظل القوانين والأعراف والقيم والأفكار التي يقرها العلم, فلا يعاندها , و لا يعاديها , ولا يرى لنفسه إلا ما يراه الآخرون لأنفسهم, وما يثار يلاك في الأعلام المرئي و المقروء و المسموع, من حملات واستنكار لهذا الحق, لا يغني من الحق شيئاً, و لايمكن أن يعطل المسيرة الإنسانية الصاعدة, باتجاه خدمة الشعوب, ورفع الغبن عن كواهلها, وإزاحة الستار عن السراديب والردهات المعتمة, والتي أخفت الجرائم بحق الإنسانية.. ليشرق يوم جديد للإنسان, يرفع من شأنه, ويسمو به, ويرقى بمفاهيمه, نحو مجتمع أكثر إنسانية وتحضراً وانفتاحاً, وبعداً عن الهيمنة والاستعلاء وطغيان الآخرين.. و إن غداً لناظره قريب.

* عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)



المصادر:

1. بيان حول العرق لـ أشيلي مونتاجو
2. سورة الروم/22-..
3. الأيديولوجيا و المنازعات – بيير أنا
4. معنى الأمة – المعهد الدولي للفلسفة السياسية – البرتيني
5. الأمة و القومية

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- عبد الرحمن آلوجي: البارتي و تحديات التطور و مواكبة الحدث
(27.11.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: ثورة أيلول المجيدة الذراع القوية للبارتي و قائده الملهم البارزاني الخالد
(12.09.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: البارتي في سوريا النهج و التبعية و الثابت و المتحول
(01.09.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: شعور الإنسان الكردي بالاغتراب الروحي والنفسي في سوريا هو أكبر همّ يواجهه: أجوبة عبد الرحمن آلوجي على أسئلة المنتدى للنقاش
(19.08.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: البارتي و تحديات الوجود و الإقتداء و "عوامل البقاء" مع تباشير ميلاد البارتي
(14.08.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: البوطي لا يستحق نسبه (11.05.2003)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]