www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
12.09.2003 - 01:42

ثورة أيلول المجيدة الذراع القوية للبارتي و قائده الملهم البارزاني الخالد

عبد الرحمن آلوجي*

مما لا مراء فيه إن الأمة الكردية بأصالتها, و عراقتها, و عمق امتدادها التاريخي.. و حيويتها, و خصوبة تاريخها, و تألق نوابغها و قادتها على مر العصور.. برزت إلى الوجود, و تفاعلت معه, و تجاوبت مع منطق الحياة, في نقاء, و طهر ذاتي, و إيمان بالقيم المثلى, و جهادا في سبيل رفع راية الإنسان, منذ فجر التاريخ, لتشكل أرضها مهد ديانات التوحيد الأولى, و مبعث الحضارات, و مرسى سفينة نوح عليه السلام, ليكون ديوان الحضارة الشرقية الأولى, كما ذهب إلى ذلك معظم الدارسين, و خاصة, ما كتبه صاحب الموسوعة الكبرى ول ديورانت في " قصة الحضارة " حيث يشير إلى الرقم الأولى لتاريخ البشرية في منطقة الشرق الأدنى, كما دلت الحفائر في (شانيدر, و كهف دودري, نيفالي تشوري, حموكر, و ليلان, و تل حلف, و كري موزان..)على عراقة و قدم هذه الأمة.. (مما ينبغي أن يفرد له بحث وثائقي خاص..) ليمتد هذا الأثر الحضاري إلى تفاعل عميق مع الحضارة الإسلامية, و تشكل إداري, شامل و مناطقي, في ستة و ثلاثين دولة و إمارة, تتفاوت حجما و دورا و تأثيرا.. ( تاريخ الكورد و كوردستان – محمد أمين زكي)..

و الملفت للنظر إن هذه الأمة, بتاريخها المديد, و عراقة و سعة هذا الامتداد, و الدور المتميز لإعلامها, و مفكريها و مؤرخيها العالميين ( ابن خلكان, الآمدي, ابن الأثير, المسعودي.. ) منيت بكثير من الاحاطة و التآمر, و محاولات الكيد, مما لا ينكر أن يكون لدورها, و موقعها الاستراتيجي, و أرضها الخصبة, أثر في تهالك الطغاة, و محاولات الفتك بما لها من طاقة, و تراث غني, و ثروة بشرية, و غنى معرفي, و مساهمة في الحضارة الإنسانية, في أبعد و أعمق وجودها التاريخي.. مما عرضها للكثير من الأذى و العنت, و محاولات القلع و السحق و الاستئصال, و لكنها قاومت تحديات الوجود, بقوة و شجاعة و بلاء مبين, مدافعة عن تاريخها و وجودها, متحدية, منعة مهيبة الجانب, و قد برز ذلك في اتجاهين:

1 – اتجاه سلمي, معرفي, اتسم بطابع قيمي, رفيع.. ناضل فيه الأعلام و القادة و المفكرون, و المؤرخون و الأدباء.. طوال عهود التدوين, بأقلامهم و أفكارهم و محاضرهم, ليتركوا آثارا خالدة, شامخة, تشهد بحيوية هذه الأمة و قدرتها على العطاء, و تفاعلها الحضاري, مما حفلت بآثارها كتب ( الرجال, و الأعلام, و التاريخ العام, و القرّاء, و الحفّاظ.. ) مما دونه التراث الإسلامي, و أعلى من شأنه, و أشار إلى آلاف النوابغ و العلماء, و الحفّاظ, و القرّاء و المؤرخين, جمع معظمهم في ( مجلدات التراجم و مشاهير الرجال ) مما تذخر به المكتبة العربية و الإسلامية, و تراجم الدارسين و المستشرقين.. و كتاب النهضة, و أعلامها, و ما تركوه من آثار باقية و قيم خالدة, و تراث إنساني رفيع..

2 – اتجاه دفاعي, وجد إلى منطق المواجهة سبيله إلى الخلاص من التهديد, في وجوده و تاريخه و أرضه, مما جعل قادته و مراجعه الكبرى, يخوضون شرف القتال, مضطرين إليه, مدافعين عن كل أسباب التحطيم و القهر, و محاولات التذويب و الابادة.. في انتفاضات و ثورات تجلت واضحة عبر العصور, لتبرز أقوى و أشد, و أصلب في بدايات القرن التاسع عشر, في ثورات البدرخانيين و النهريين, و الشكاكيين ( سمكو آغا ), و لتمتد آثارها إلى انتفاضة الشيخ سعيد بيران, و ديرسم, و احسان نوري باشا, و الحفيد, و ثورة آكري, و ثورات بارزان الأولى ( 1932 – 1945 ), و ثورة مهاباد.. ثم الانتقال كعصارة تراثية غنية, إلى ثورة أيلول التاريخية, في التاسع من أيلول ( 1961 ) بقيادة البارزاني الخالد, الذي شكلت ثورته الذراع القوية, و الدرع الفولاذي, لتنظيم سياسي, عقائدي, تجلى في استناده إلى زخم تراثي كردستاني خصب تمثل في خلاصة ( خويبون, و هيوا, و شورش ) ليجسد ميلاد الحزب الديمقراطي الكردستاني, كخلاصة نتاج ثوري, عميق, راسخ الجذور, مكثف.. واضح السمات, واسع الانتشار و التأثير..

لقد استطاعت ثورة أيلول المجيدة أن تحقق وجودها, و تثبت دعائم هذا الوجود, من خلال الاستفادة القصوى من عبر و دروس الثورات السابقة, و أسباب إخفاقاتها, و عوامل الانتقاص و التراجع, لتشكل الرافد الأكبر لتضحيات الأمة الكردية, و تراث الأنبل إنسانيا, و أخلاقيا, و سيرا ذاتية.. مما شكل انعطافة هامة في تاريخ الانتفاضات و ثورات الحركة التحررية الوطنية, و زادها ثراء و قوة و امتدادا, لتكون أحدى أهم الروافد الحركة العالمية, و أحدى أبرز مقدمات السلم و المدنية, و عناصر الإخاء الإنساني, في ملازمة منقطعة النظير, لحقوق الإنسان و قيمه, و إصرارا عجيب على مواجهة كل ما ينتهك هذه الحقوق في التفاوض و التحاور و السلم و الحرب, و نشدان مجتمع ديمقراطي للعراق, و حكم ذاتي لكردستان كشعار مركزي, تتمحور حوله الشعارات و الآراء و الأفكار, التي تؤمن بالعراق إنسانا و حضارة و تراثا و إخاء و سمواً..

لقد تخرج البارزاني الخالد, و معه قادة و كوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني, من مدرسة كردستانية عريقة, واجهت أعنف درجات الطغيان, و محاولات التصفية, في وحشية قل نظيرها, في كل بقعة من أرجاء كردستان المخضبة بالدماء, فكان واعيا بدوره, مدركا لجسامة التحدي, واضح المفهوم, نقي السريرة, داعية سلام حقيقي, و إخاء عادل.. يكره القتال, و لكنه يضطر إلى خوضه, ليواجه المحن و الشدائد بروح مفعمة بالأمل مشبعة بالثقة, شديد اليقين بعدالة قضية أمته العريقة, جريء القلب و اليد و اللسان, صابرا, مكتسبا, متواضعا جمَّ التواضع, شديد الشكيمة, قوي البأس لا يكاد يعرف المساومة و الانكسار أو التراجع سبيلا, مقداما, يتمتع بقدرة فائقة على مواجهة أشد و أشرس المعارك, و أكثرها همجية و فتكا, مختبرا لقواه و قوى أنصاره و خبرة كوادره, مدركا جسامة المعركة, و شراسة التحدي, لأعتى شوفينية و أكثرها إصرارا على قمع الشعب الكردي, و سحق تراثه, و قبر تطلعاته.. بالحديد و النار..

لقد قبل البارزاني الخالد التحدي, و رضي بالمنازلة, لا حبا بالقتال, و إنما إصرارا على الدفاع عن كرامة سوف تهدر, و منطق استعلائي كان ينبغي أن يسود, و غطرسة فاشية تأبى أن تسمع نداء العدل و الإنصاف و العقل.. لقد كتب عليه القتال ( و هو كره كله, و مقت كله ) و لكنه كان ضرورة تؤكدها جميع الوقائع و الأحداث.. حيث كانت الأنظمة العراقية المتعاقبة, شديدة الانتهاز للفرص, تواقة للتنصل من كل عهد و ميثاق, تأنس من نفسها القوة, فتنطلق لآلتها الحربية المدمرة العنان, تفتك و تقتل و تبيد بوحشية قل نظيرها حتى إذا حوصرت أو دمرت بعض أرتالها أو اضطرت – تحت ضغط الأبطال – إلى الانكفاء و التراجع.. لاذت بالسلم. و دعت إليه, لتلطقط أنفاسها, و تستأنف مسيرتها الغادرة, و تلفظ سمومها الفاتكة.. كما فعلت في ( 1962, 1965, 1970) و أثناءها و بعدها, و بمناورات و دسائس قل نظيرها..

لقد وصف الكاتب الأمريكي دانا شمدت ثورة أيلول في كتابه ( رحلة إلى رجال شجعان ): ( بأنها أعظم ثورة على الأرض..), لقد كانت بحق ثورة عظيمة, تجاوزت عقدا و بضع سنين, شكلت انعطافة أساسية في تاريخ الشعب الكردي (لأنها رسمت له تاريخا جديدا)(1) و استطاعت أن تعيد ثقة الإنسان الكردي بنفسه و بتاريخه, و تبشره بميلاد مستقبل جديد أكثر عدلا و مساواة.. ( لتبث المفاهيم و الوعي القومي و الأفكار الديمقراطية بين أوساط الشعب الكردي.. و توحد صفه, على الرغم من الظروف و تعقيدات الدولية في الحرب الباردة, و أيثار الدول مصالحها و علاقاتها ), و جعل الثورة تعيش ( شبه عزلة دولية و إهمالا.. )(2) ( تحت رحمة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.. )(3) و ليكون حقوق الإنسان الكردي و كرامته و قيمه, عرضة للانتهاك.. و لكن الثورة بقوتها الفولاذية و ذراعها العسكرية الضاربة, و تكتيكاتها, و حنكة البارزاني الأسطورية, و قدرته الخارقة على الالتفاف و المحاصرة و التطويق.. و التفاف جماهير الأمة من حوله, و قدرته على اختراق الحصون و الحواجز, و المواقع الشائكة.. جعلت الثورة تطرق مسامع الدنيا على الرغم من الظروف القاهرة, و التعقيدات الشديدة في السياسة العالمية, و قصر و محدودية امكانات الشعب و الاتصال, و بساطة إعلام الثورة, و غياب التقنية العالمية الحديثة بالاتصال السريع.. مما جعل هذه الانتقالة, و ذلك التعريف الواسع بالثورة و القضية الكردية أمرا خارقا يعطي قائدها و كوادرها التمييز و التألق.. و القدرة الهائلة في تجاوز المعضلات و سحق المعوقات, و الخروج بالقضية إلى المحافل الدولية و أروقتها.. بتطرق معاناة هذه الأمة و آلامها, مسامع الأحرار قادة وساسة و مفكرين في العالم, و لتدخل الثورة النطاق العالمي, و تكون مسار التعريف بالكرد و قائدهم و ثوراتهم.

لقد آمن البارزاني الخالد بان أي انتصار ميداني من شأنه أن يعزز مكانة الثورة, و يعلي شأنها و يرفع من معنويات البيشمركة الأبطال, و سوف يحط من معنويات الجيش العراقي المنهار أصلا, و يزيد من تعقيدات الموقف, و يشدد من الصلابة العقائدية, و العمق الجماهيري للثورة, فكان أعداده لأي منازلة إعدادا شجاعا, محنكا, قادرا و دقيقا, تجلى ذلك في معارك مشهودة في ( هندرين, هلكورد, بيرة مكرون, بيطاس, و معارك البلاط, و كلي علي بك, و معركة زاويتة الخالة – 1961 – حيث استطاع الثوار تحقيق أعظم انتصار.. بسحق ثلاثة أفواج, بعد وضعها بين فكي كماشة..) بحيث استطاع خلال معارك ذات بأس شديد, أن يمد من جبهة القتال, في مناطق وعرة بمسالكها و طرقها الملتوية, و جبالها الشاهقة, و التي تجاوزت ثلاث مرات أرض لبنان مساحة.

لقد حقق البارزاني في معارك طاحنة انتصارات مذهلة, بامكانات متواضعة و لكن بروح عالية, و إرادة فولاذية شامخة للبيشمركة الأبطال, و الذي يعزز فيه كل انتصار إلى سواعد أبطاله.. لقد قلت في ذلك:

بيشمركة الكرد العظيم خطاهم            و خطاك يا نمر أشمُّ اثنان

صنوان في درب تمجَّدَ واحدٍ              يحدوهما قدر الفدا و تفانِ

و صنعا لبنان الحرب في غمراتها       سحقا بزند الكرد كلّ جبانِ

 لقد كان حصار قلعة ( رايات ) في الرابع من حزيران 1962 و المعركة التي قادها البارزاني بنفسه في 27 حزيران معه من أبرز الملاحم التي سطرها التاريخ حين باغتت قوات الثورة الجيش العراقي في ( منطقة جيفة دري و دولو ميدان و هرني بالكيا قبل أن يتأهبوا و شتت شملهم بعد معارك حامية دامت ثلاثة أيام متوالية و طاردت فلولهم التي هربت لا تلوي, عبَرَ بعضهم الحدود إلى إيران و لاذ آخرون بشعب لولان..)( ليرفع بعد ذلك الجيش العلم البض في 11 من تموز من العام نفسه..)(4) و لتشكل هذه الملحمة أحدى الملاحم الرائعة, التي تضع بين أيدي المؤرخين و الباحثين مادة ثرّة تشكل زادا إنسانيا لتراث خالد, لملحمة شعب نبيل دافع عن كرامته المهددة, و كيانه المراد تدميره.. هذا الشعب الكردي الآمن, و المسالم, و المحب للمساواة و العدل و السلام.

لقد أدركت ثورة أيلول من خلال قائدها الخارق, و كوادرها, و البيشمركة الأبطال, إنها ملحمة فداء و تضحية, و ميدان عز و كرامة.. و مبعث نبل و شيم و مروءة.. لتكون مدرسة رائدة لأجيال الأمة, و مفخرة من مفاخرها, و تراثها الإنساني الخالد, حيث لم تنتهك حرمة, و لم تقطع شجرة, و لم تهدم بيتا على رؤوس أطفاله, و لم تأت على أثير, و لم تساوم على الحقوق المدنية و الإنسانية.. فكانت أطهر و أنبل ثورة و أعلاها شأنا.. لتدخل سفر التكوين, و تسطر في سجل الثورات الإنسانية الخالدة, الانتصار الأكثر جماعيا, و ديمقراطيا, و قوة تألق جماهيرية, و امتدادا عارما لفكر و تنظيم خلد و استمرت تأثيره و استمرت امتداداته, لتحقق انتصارات ميدانية و فكرية و تنظيمية.

لم تكن هذه الأسطر منطلقة من باعث حماسي, أو رؤية عاطفية, أو الرغبة في التمجيد, و كيل المدائح, بقدر ما هي انطباعة صادقة, لتأثير عميق, لخص جذوة الانتفاضات الكردية, و أعطاها بعدا شموليا أكثر حضورا و أهمية, كما منحها طاقة على النفاذ و قدرة خارقة على التأثير خرجت من كردستان العراق, لتحشد أكبر طاقة جماهيرية, لتلتف حول الثورة الكردية, المحاصرة إعلاميا, و عسكريا, و أمنيا لتخترق هذه الحواجز الحقيقية لتشمل كل بقاع كردستان, و حيثما وجد الكرد في أنحاء الأرض و حينما وجد الأحرار و ذوو الضمائر من قادة الحركة التحررية و أنصارها و مريديها.

لقد كنا نتابع أحداث الثورة, و دقائقها, و تفاصيل ملاحمها, بلهفة و شوق, و نحن صغار نتحلق حول جهاز (راديو) في مدينة النوابغ و العلماء (عامودا) لننهل من هذا المذياع المحدد بطاقته, و المحاصر بالتشويش, و ما كان يطلق حينذاك (هاني.. هاني) وسط أعلام و علماء و مريدين و أساتذة لنا, كانوا متعلقين, بأنفاس مبهورة بأنباء الثورة, و محلقين في كثير من الأحيان, بما يطلقه الخيال من عنان, مصورين أسطورة المقاتلين, و عظمة تحديهم, و بسالة القائد الرمز, و هو يخترق حجب الظلام, و يبدو سكون الليل, بأزيز الرصاص, و هدير الثوار.. و هم يسطرون أروع الملاحم.. كان المحيط الوطني في هذه المدينة حاشدا, عارما, شديد الحماس, قوي التحدي, يوجههم تنظيم وليد, كان قد تغلغل في أعماق كل أسرة وطنية كردية في هذه المدينة البارة, حيث شهدت ميلادي, و أنا أقبل على الحياة, مفعما بالحزن و الأمل, ناشدا مع باكورة هذا التنظيم الذي خرق كل الأطواق و الأسوار, ليمد جناحيه على الأسر الوطنية العريقة في بلدتنا تلك, و ليستمد من الثورة طاقتها, و من الحزب الديمقراطي الكردستاني ريادة و تألقا, و حيوية طافت كل أرجاء و أنحاف و طيوف الشعب الكردي, لينهل من زاد معرفي غزير, و يجعل من ريادة القائد الملهم طاقته على لم الشمل, و بعث الطاقات, و إيقاظ الهمم, و شحذها إلى تحقيق طموح يتألق, و يسمو, و يعلو فوق الخوف الذي كان يعم كل الأزقة و الحواري و الطرقات.. ليسجل مدا فكريا و تراثيا, و نهجا شامخا لا يزال يعطي بقوة و حيوية و سخاء, و قد دخلنا العقد الخامس ليكون عمرا بحجم الآلام و المحن و الأماني و الطموح و التضحيات.. هذا العمر الذي قدمته الثورة للأمة تأريخا متألقا و تراثا خالدا, و إيمانا عارما بالمستقبل.. ومن أجل ذلك كله, كان هذا السفر الخالد, جديرا بالمراجعة, و التأني فيها, و تحليل وقائعها, لتكون – بحق – مادة أكاديمية, وثائقية, تعقد لها القواعد, و تؤسس من خلالها الأفكار, لتدخل - من أوسع الأبواب – في التاريخ الحديث للأمة الكردية, ممهدة الطريق لثورة كولان التي كانت امتدادة طبيعية لها, و محققة تراثا حضاريا مدنيا من المكاسب و الثمرات التي تجسدت في تجربة ديمقراطية رائدة, أعقبت انتفاضة الربيع التاريخية عام 1991 لتشكل في مجملها المدرسة الكردستانية الغنية, بعطاءاتها, و قيمها, و مثلها الرفيعة, و تضحياتها الغالية, و دماء الشهداء, و دموع الأرامل و اليتامى.. سفرا شامخا يضاف إلى التراث الإنساني, و يمهد السبيل لصرح مدنية شامخ.. تجسد عاليا في الإيمان المطلق بالسلم, و الحوار, في أنصاف و عدل, و إخاء يسمو على الأحقاد و أمراض الثارات و القتل.. و محاولات سحق الشعوب و تطلعاتها, و إيمانها بالحياة.. بإرادة الإنسان و مصيره, و حقه في التمتع بتحقيقهما في ظل حرية ذاتية و انطلاقة مبدئية عالية, و سمو, بطموح الإنسان و فكره و يقظة ضميره..

لقد ولدت الثورة الكردستانية من رحم كردستانية أصيلة, و انبثق بثاتها زاكيا, طيبا مثمرا في أرض زاكية طيبة التربة, انبلجت من فجر مشرق, مولودا نما و ترعرع و قوي و اشتد عوده, ليشمل في البارتي بشقيه التوأمين الزاد المعرفي الأعلى, و الأجدر بالحفظ و الأرقى في فهم العلاقات الإنسانية, و الأوضح في نهجه و رؤيته, على الرغم من جسامة التحديات, و صعوبة المراحل, و دقة المنعطف التاريخي, و شراسة الهجمة, و محاولات حرف المسيرة, و مد رواق المؤامرة, و إشاعة البلبلة, في محاولة لتأخير المسيرة, و هي في صعود, و وضوح و تألق.. مع انبلاج الرؤية العالمية و وضوحها, و نصاعة التوجه العالمي إلى القضية الكردية, رغم المسارات المعقدة و الصعبة و الطويلة التي سلكتها عبر تاريخها الطويل, المليء بالمعاناة و الألم و القهر..

تحية إلى ذكرى أيلول المجيدة, و هي ترتدي حلتها البهية.. و ترفل في هالة نورانية ساحرة..

تحية إلى أبطال ثورة أيلول.. و قادتها.. و القائد الرمز البارزاني الخالد, و هو ينعم بحوله و كرمه في فراديس الجنان..

تحية إلى صانعي الثورة و أبطالها الأحياء.. و الأخ المناضل مسعود البارزاني..

و ألف تحية إلى البارتي, التوأم, في العراق و سوريا, و هما يدرجان في معارج الفتوة و التألق و الانتصار.. فكرا سيرا و نهجا ثابتا, و عقيدة راسخة على الرغم من المحن و الدسائس.. و كلنا أمل بغد باهر مشرق و سعيد..

* عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)

الهوامش

(1): كتاب البارزاني و الحركة التحررية الكردية – تأليف السيد مسعود البارزاني
(2)(3)(4): نفس المصدر السابق

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- عبد الرحمن آلوجي: البارتي في سوريا النهج و التبعية و الثابت و المتحول
(01.09.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: شعور الإنسان الكردي بالاغتراب الروحي والنفسي في سوريا هو أكبر همّ يواجهه: أجوبة عبد الرحمن آلوجي على أسئلة المنتدى للنقاش
(19.08.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: البارتي و تحديات الوجود و الإقتداء و "عوامل البقاء" مع تباشير ميلاد البارتي
(14.08.2003)
- عبد الرحمن آلوجي: البوطي لا يستحق نسبه (11.05.2003)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]