www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
19.08.2003 - 22:39

شعور الإنسان الكردي بالاغتراب الروحي والنفسي في سوريا هو أكبر همّ يواجهه:
أجوبة عبد الرحمن آلوجي على أسئلة المنتدى للنقاش


عبد الرحمن آلوجي*

جواب السؤال الأول:

إن تركيبة المجتمعات في العالم متداخلة في طرازها الأثني والفكري والمذهبي، متماشية مع التدرج المجتمعي، في مراحل التكوّن، والتطوّر والتآلف، ومجتمع الشرقين الأوسط والأدنى من أغنى المجتمعات البشرية وأعرقها، لقدمها في بدايات التأسيس، والتأطيرالمجتمعي أولاً، ولغناها العرقي والأثني ثانياً، و لتداخل الهجرات الداخلية و الخارجية، تحت ضغط العوامل المتعددة، والتي ُيجِملها جميعاً الصراع من أجل البقاء وامتدادته، و تعقيداته, وتشابك عقائده ومذاهبه وأفكاره..... لكونه مهد الحضارات، والأديان والملل والنحل.. ومثار الحروب، ومدار الصراعات الدامية..
لقد سجّل التاريخ أوّل رقم في التاريخ الإنساني ـ كما يقول ديورانت - في الشرق الأدنى, فكانت حضارات (دودري، و شانيدار، وهوريا, وسوبارت، وبابل، وآشور..) وكانت الزرادشتية والتوحيدية والمانوية والمزدكية والإسلام والمسيحية واليهودية.. أصولا ًللأديان والمعتقدات.. وكان رسّو سفينة نوح بداية المهد الثاني، ومنطلق الإنسان، وهو يشقّ طريقه إلى النور، ويعبر النور, و يعبر الدياجير إليه، رسالةً للإنسان، وتحولاًً إلى قيم السماء، وتعالياً على الارتباط الأرضي.. لقد شهدت التلول الأثرية في -آلالافي ـ في المنطقة الوسطي ـ وليلان، وتل حلف، و قلعة هوريا، وكَري موزان، وجاغر، و آش وكاني..// آثارٌ خالدة، تعكس تصورات وقيم وعقائد أقوام عمّروا الأرض، وبسطوا سلطانهم، وخلّفوا أوابد ناطقة، تعلو على تسييس التاريخ، وتعليبه على موائد المصالح، والفئات والأقوام ورغباتها.. لتعبّر عن عراقة الحضارات، وتجذرها، وعمقها في تراب وطن ضمّ( الهوريين، و السوبارتيين, والبارثيين، والسوئيين، والكلدانيين، والفينقيين، وحموكر، وآشور..) لتضم أحفاد هؤلاء جميعاً، مع الهجرات المتأخرة، والموجات المتلاحقة، في الفتح الإسلامي، والغزوات الخارجية، لتضيف تعقيدات إلى التركيبة الديمغرافية، و تنوعاً، وتداخلاً، كان المجتمع السوري ثمرته وإن غلب عليه الطابع العربي، بعد أن أصبحت العربي وعاءً حضارياً، يحتضن قيماً روحية جديدة، وفهماً للحياة متصلاً بمعايير قيمية جديدة، يعطي للمجتمع المتعدد والمتنوع صبغة حضارية مركبة، هي حصيلة تمازج تاريخي متصل بنتاج حضاري خرج بمحصلة دقيقة، غنية، ومعقدة، هي مجمل الصورة المكثفة لهذا التداخل العرقي ـالأثني والحضاري المتميزـ مما يجعل من المجتمع السوري ثمرة هذه التركيبة، وخلاصة لذلك النتاج المركب، وإن حمل طابعا ًرسالياً له أبعاده الروحية و اللغوية والفكرية الجديدة، ولكنه لم يلغِ عمق التداخل وروعة التنوع، وخصوبة التمازج.. مما جعل أي تجاوز له، أو استعلاء عليه، أو تجاهل لعمقه وتجذره، إضراراً بذلك التنوع، وقتلاً لجماليته، وظلماً لخصوبته وتألقه، وحكراً لهذه الدارة النورانية على فئة تجد من حقها الغلبة والسيطرة والتجاهل، وهو ما يخالف العمق التاريخي وأصالة الواقع، وتجذر الانتماء وتنوعه، ما بين العرب والكرد والأرمن والآشوريين والسريان.. مهما كانت الشروط والتعقيدات الحضارية الجديدة.. وهو ما يفرض ضرورة تحقيق العدل في قراءة الواقع أولاً، والتمعن في جذورها وتركيبته ثانياً، وإيفائه حقه في الوفاء لاستحقاقات التنوع، والتعددية، وإعطائهما البعد الحقيقي في التميز والتمايز ودقة التعبير، والسمو إلى الاعتراف بالواقع وحسن التلاؤم معه.. وتحقيق التوازن في الحقوق والواجبات، وإبعاد حكر وسيطرة العنصر العربي، على مقدرات الحياة السورية في فكر أحادي شمولي، يحيط بكل مصالح فئة، ويتجاهل التركيبة المتنوعة برمّتها..

جواب السؤال الثاني

وجواب السؤال الثاني يرتبط إلى حد كبير بالرد على السؤال الأول، إذ أن فهم التركيبة الديمغرافية، يستوجب حسن التفاعل معها، ودقّة الارتباط بها، في جدلية تؤكد على صحة وسلامة الاستحقاقات المفروزة لهذا الوجود المتنوع، والذي لا يمكن لأي وحدة وطنية أن تتحقق ما لم تفهم هذه المعادلة، وتنسجم معها، وتتجاوب مع المنظومة القيمية والاجتماعية، وأبعادهما، لتحقيق توازن دقيق في النظرية والممارسة، للارتقاء بمفهوم التعددية وإغنائها، وفرز معطياتها، ووضع الحلول المعادلة لها، بإعطاء البعد التعددي وظيفته في التطور والبناء، بدل الإعراض والقمع والتجاهل، وما تشكل من اغتراب، وترهل، يقودان إلى الإحباط والتمرد، وفكّ عرى الوحدة الوطنية، لتتهادى مع أوّل امتحان.. إذ أن الفئات المقهورة والمقموعة والمحرومة من حقوق القومية الاجتماعية والثقافية، لا تجد الدوافع المشجعة والحوافز الدافعة إلى الدفاع عن مقدراتها وكرامتها، وهويتها القومية، وتميزها الأثني.. لتجد من نفسها تابعاً، وملحقاً، بشكل قسري يُقاد، ولا يقود، ترسم له سياسة يرضى بها ويرضخ لها دون إرادة منه، ويسعى في سبيل طموحات وآراء وقيم رسمها الآخرون، لتفرض عليه.. مما يجعل الناتج الوطني والإبداعي والثقافي برمته محكوماً برؤية شمولية أحادية مخططة لا يراعي التعددية، ولا يعطي جمالية الخصوبة والتنوع العرقي والعقائدي أية قيمة.. مما يجعل المفهوم الجديد للتعددية محكوماً بآراء وقوالب جاهزة، ومراجع عليا، لا يمكن مناقشة آرائها وفلسفتها وعقيدتها الاجتماعية والفكرية، وهو ما يتنافى مع الحرية و المساواة والعدل.. والمفهوم الجديد.. لحياة فكرية تتخطى الحدود، وتصل الآفاق، وترسم رؤية إنسانية شاملة.

جواب السؤال الثالث

إن الارتكاس إلى وحدات الانتماء الأولى، والارتداد إلى العلاقات البدائية في اختيار النمط الاجتماعي، وترك ملامح المجتمع المدني، والانصراف عن مظاهره، والعودة إلى العلاقات القبلية وروابط الدم أو العصبة.. مسؤولية اجتماعية وحضارية مشتركة.. وهمٌُُُ اجتماعي ومدني كبير، له دوافعه وأسبابه، ونتائجه وثمراته، وأولى هذه الأسباب ترتدّ إلى تجاهل التعددية والاغتناء بها، وإعطائها البعد الحقيقي في التعبير عن المفهوم الجمالي والإبداعي والتراثي المقارن والمتنوع، والتي تعدّ السلطة، ومراكز القرار مسؤولة عنها إلى حد كبير.. فلو أن التنوع العرقي والفكري والعقائدي أخذ أبعاده في التكامل والتواصل والمواءمة، لكان الترابط الاجتماعي والعقائدي بديلاً عن الارتكاسات، والنكوص في العلاقات، والارتداد إلى بيئات قبلية، بمفاهيمها الاجتماعية المتناهية في الأوّلية، والبساطة و الضحالة.. وهو ما يعكس رؤية مبتسرة، وتراجعاً فكرياً، و سذاجة عقائدية.. مما تنعكس آثاره في سلبية اتجاه الأحداث والمواقف والمسؤوليات الوطنية الكبرى، اتجاه التطورات الهائلة، والقفزة الحضارية في المجتمعات المتقدمة، ورؤيتها لبناء مجتمع قائم على التعددية والديمقراطية والتنوع، ومجتمع المؤسسات المنظم.. والقادر على تعبئة الطاقات وتنظيم الإبداعات، وزج كل القدرات بتنوعها وجماليتها وروعة انتمائها إلى نسغ ناضج شامل، و حاضن يكون المسؤول عنه الإطار الأكثر عمقاً وتجذراً وقدرة على التحريك والتعبئة، وتلبية ضرورات الوحدات الوطنية، بدل التفكك والتراجع، والارتداد إلى هموم (العائلة والقبيلة والطائفة) ولواعجها وثاراتها، وتقاليدها الأولى.. وعصبيتها الساذجة.

جواب السؤال الرابع

سبق أن أجبت على شطر من السؤال في بيان مفصل للتركيبة الاجتماعية للمجتمع السوري، بواعثه وجذريته، وتأصّله، وبناء عليه فأنَّ أية عملية تجاهل، أو تجاوز أو قفز فوق واقع التعددية، وضروراتها، وأبعادها الإنسانية، وعمقها الحياتي، وإيثار العنصر العربي وتغليبه غير عادل أولاً، و مجافٍ للحقيقة التاريخية، وواقع التطوّر الاجتماعي الحضاري ثانياً، وتأخير لمسيرة البناء، وإضرار بالوحدة الوطنية ثالثاً.. وقد سبق تفصيل ذلك، وبيان أضراره، وسيئاته، وآثاره الخطيرة..

جواب السؤال الخامس

لا يمكن لأي إصلاح، ولا لأي مصلح، أو مفكر، أو داعية عدل وسلام..أن يكون منصفاً و موضوعياً، ورائداً حقيقياً لبلده.. إذا كان محكوماً بمنظومة فكرية جاهزة، تقيده، وتحول دون رؤيته العلمية المتوازنة، للقيم وسلّمها ومعاييرها.. خاصة إذا جنح وخالف في تطبيق هذه المعايير، فأراد لنفسه ما لم يرده للآخرين، وسلب منهم ما احتكره لنفسه، فاختلت لذلك المقاييس، ولم يعد يجعل من نفسه ميزاناً فيما بينه وبين الناس، لأن الإصلاح الاجتماعي والرؤية العادلة للأشياء تستوجب مراجعة دقيقة، وحكماً عادلاً، ورؤية للحقائق، في جماليتها وقدسيتها، وروعة تعدديتها، أمّا إذا تجنب ذلك، واستعلى عليه، وتجاهل المعضلات المستعصية، في بنية المجتمع السوري.. فقد فَقَدَ كلّ مبررات الإصلاح، ولم يعد بإمكانه أن يحقق التوازن و العدل، ويرتقي إلى مبدأ التكافؤ والمساواة، وصحّة المعايير، ودقّة الموازين.. لأن الضبط الاجتماعي، وإحكام العقد يكون بالدرجة الأولى في الاطمئنان إلى سلامة الأسلوب في التعاطي مع المسألة الاجتماعية وأبعادها السياسية.. والمسألة الكردية في سوريا، تأخذ أبعادها الحقيقية إذا رسمت لذلك سياسة متوازنة وصائبة، ذات معايير ترتقي إلى الحدث وتعلو إليه وتحسن التعامل معه، وتتعاطى الفهم الاجتماعي والأثني الدقيق لمعالم المجتمع وأسسه وتركيبته وبنية علاقاته.. لا في التجاهل والتعامي عن كل مبررات الضبط والاعتدال والارتقاء بهما، وحسن التعامل والتعاطي مع المسألة وأبعادها وضروراتها ومبررات التصدي لها.. وفي مثل ذلك تتحقق المصالحة الوطنية ويسود الانسجام، ونرقى إلى صحة المعادلة ونتائجها السليمة، في إحكام الضبط, و تعرية الخاطئ والظالم وتعقيدات التعالي والاستعلاء ونقصهما وآثارهما المدمرة، حيث لا يمكن أن تستقيم الحياة في ظل الأحكام المسبوقة والرؤى المصنوعة والخاطئة، والأخرى المشبوهة والمضللة...

جواب السؤال السادس

لم تستطع المعارضة في سورياـ إن صحّ التعبيرـ أن تخرج بصيغة دقيقة في التعاطي مع مسألة التعددية، أو مجرد التصدي لها، وربما كان عدوى السلطة ومراكز القرار السياسي والرأي العام.. ينتقل إلى المفاهيم العامة، أو السلوك الحياتي، لمجمل الفكر السياسي، و الرؤية العقائدية للمجتمع العربي الذي آنس إلى سيادة العنصر العربي، واعتمده، واستأنس به قائداً ومحوراً، ومركزاً للمصلحة العليا، ومثاراً لها.. مما يدهش الكثير من هؤلاء أن يكون للأكراد رؤيتهم وللآشوريين نظرتهم المحددة ولسواهم.. ما للعرب من رؤية وتميز وتاريخ ولغة.. ولعلّ هذا التصور لا يزال ينسحب على فئة واسعة من النخبة، ومحيط كبير من الكتاب والمفكرين الأحرار..في سوريا والذين لم يتعمقوا مسألة التعددية، ولم يلموا بالمسألة الكردية، ولم يعترف بعضهم بأبجديتها، بل تعالى عليها الكثيرون، واعتبروها إما أمراً طارئاً مستجلباً للأعداء, وإثارة مقصودة – برأيهم - لبث الفرقة، وتمزيق المجتمع العربي ـ الآحادي التفكير ـ كما انبرى كثير من الكتّاب والساسة في لطم القضية الكردية وجرّها من جذورها، واعتبارها شيئاً مصنوعاً، بأسلوب أقرب إلى سذاجة الأمي البدائي، أو عداوة العنصري الذي لا يكاد يرى الأشياء إلا من منظار ذاتي، ومن موقف منغلق مسبق الصنع، محكوم بإرادة طغيان لا يقهر.. وهو ما ظهر في كتابات الكثيرين, ممّن رددنا عليهم (محمد طلب هلال ـ الموصلي ـ سهيل الزكار..) ولكن المعارضة تتفاوت في صيغها وبرامجها ومواقفها، ولا تكاد تنسجم في كل ذلك، مع بعض الصيحات الفردية، التي ترى للكرد حقا ًطبيعيا ًفي الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. والرؤية القومية المحددة والواضحة المعالم..  هذا إلى جانب مواقف شخصيات عربية رائدة على مستوى العالم العربي ( محمود أمين القاسم ـ فهمي الشناوي ـ الهويدي ـ عبد الرحمن الراشد ـ رجائي فايد ـ سعد الدين إبراهيم..إيهاب نافع.. ) مما يجدر ذكره والإشادة به.. والبناء عليه في تنويرة عربية مبصرة.. باهرة.. يعقد عليها الكثير من الأمل والرجاء.. دون أن نغمط حقّ الكثير من الأخيار والجماعات المتنورة والساعية لبناء مجتمع سوري تعددي، متوازن، حديث ومتطور.. وهو ما نسعى إليه جميعا كتابا وساسة ومحللين.. لينعم مجتمعنا برؤية دقيقة متوازنة، سليمة معافاة..وعادلة.

جواب السؤال السابع

إن أكبر همّ يواجه الإنسان الكردي في سوريا هو شعوره بالاغتراب الروحي والنفسي، والذي هو حصيلة طبيعية، لاختلال التوازن واضطراب المقاييس في التعامل على مستوى المواطنة الحقة بأبعادها و إستحقاقاتها الدستورية و القانونية, و حقوقها الثقافية و السياسية, و إيثار العنصر العربي, و إستبعاد العنصر الكردي و غيره عن مواقع القرار و مراكزه التشريعية و التنفيذية, و مجالات الإبداع, و محاور الفكر و الفن, و جعل كل ذلك في نطاق المحرم لغة و أدبا و تراثاً.. فلا اعتراف رسمياً و لا شعبياً باللغة الكردية في جميع مناحي الحياة العلمية و الثقافية و الفكرية و الإصلاحية.. بل هناك حملة منظمة لمحاربة الإنسان الكردي في لغته و ثقافته و تراثه, بإعلان التعريب المنظم في جملة حياته: في فكره و علمه و قراه و مدنه و مسمياتها و سحب الهوية و زرع المنطقة الكردية بحزام أمني عربي, و محاولة محو و طمس كل أثر قومي للكرد و كل شارة تدل على هذا الوجود مما يخل بأسس المواطنة و يمس العدالة الاجتماعية في صميمها, و يخالف أبسط مبادىء القانون الدولي, و مقاييس المجتمع المدني, و أسس المدنية.. و شرائع السماء و مثلها العليا.. و هو ما يواجه المواطنة الحقة.. في الممارسة و الفكر, و في العمق من التواصل, و التي هي من صلب المجتمعات المتمدنة و أسس توافقها و انسجامها مع الحضارة الإنسانية و لوائح حقوق الإنسان و لوائح حقوق الإنسان.. و غياب ذلك يطرح تساؤلاً حقيقياً حول غياب الفكر الحر و الديمقراطية و العدل و شرائع الأمم المتحدة. و انتفاء مقوماته انتفاءٌ للحقوق و إخلال بالواجبات.. و هو ما نلح عليه, و نركز الأنظار حوله.. و ندعو بقوة إلى إعلاء شأن المواطنة الحقة.. بعيداً عن منطق الوصاية و القمع و التذويب..  و صهر المجتمع التعددي في بوتقة القطبية العربية الواحدة, و الرقعة الشطرنجية, بيادق تستحق الرحمة و تستمطر شآبيبها, في عصر باتت لغة الحضارة, و الإنسانية من مياسم المجتمعات المتمدنة, و سمات المعاصرة و التطور و الحداثة.

جواب السؤال الثامن

سبق أن أشرت إلى أنَّ دور المعارضة في التعاطي مع الحركة الكردية، شروطها، تكونها و آفاتها.. لا يرقى إلى فهم متكامل، وإدراك حقيقي للمسألة الكردية، وللتعددية عامة، بدوافع أتينا على شيء منها، وهي بحاجة إلى تفصيل أكثر (ليس هذا موطنه)، ولعلّ أبرز ما فيه أنّه تصور في الوعي حقاً، لعدم تكامل الصورة من جهة، وللتأثير العام ورأيه، وبواعث تكون هذا الرأي، إلى جانب الصَّلَف المعهود في الحركات التحررية المقموعة و المقهورة في عهود الظلام و الاستعمار، والتي خرجت لتلفّ الحبل حول رقاب أشقائها بالأمس من الشعوب المكافحة، والأمم التي جاهدت لتحتل مكانتها، بعد سني القهر والعذاب وقرابين التضحيات.. الأمر الذي يوقع في مغالطة تاريخية من كان بالأمس القريب، يعيش حالة تتريك بائسة، أو فرنسة مقيتة.. ليطبق القانون نفسه، والأسلوب القهري ذاته، بروح من الإصرار والعنت.. تماثل النمط التاريخي المستهجن، والأسلوب الفج الذي دأب أشدّ الأنظمة عتواً على تجنبها، ومحاولة الابتعاد عنها...لذلك كان لزاماً على الحركة الكردية و ساستها و مفكريها في سوريا، و على الكتاب الكرد أن ينبهوا بقوة إلى ضرورة إزالة المتراكم من تعقيدات الرأي العام و قصوره و سلبيته، و ضرورة السعي الجاد و الحثيث إلى تبصير و إنارة وعيه، و إثارة الجوانب الإنسانية المشرقة في الفكر الكردي المعاصر (و هو ما فعلناه في ثلاثين حلقة من تحديات الفكر الكردي المعاصر..)، ولكن هذا الجهد ينبغي تنظيمه و تأطيره، والدعوة إليه، عبر وسائط الإعلام المختلفة، وشبكات البث و المواقع الإلكترونية، لأن من شأن ذلك أن يحيل وجه الصراع، ويدير دفّة المواجهة، ويكسب آلاف الأحرار من الأخوة العرب الشرفاء، للاضطلاع بعبء و حمل الرسالة الإنسانية في الفكر القومي، و تنقيته من الأدران والشوائب، والارتقاء به إلى فكر متنور حرّ، يرقى إلى فهم العصر، ويواكب الرأي الأخر، و يسمو إلى الانعتاق من ربقة الماضي، و عنجهيته، و غروره و ادّعاءاته الرخيصة، و بهلوانياته الهوائية.. و طواحينه الفارغة...

جواب السؤال التاسع:

من المفترض أن ترتقي السياسة إلى تطلعات كل عصر، وأن تبرمج أهدافها الكبرى، وأن ترقى بها.. وترسم سياساتها و أساليبها، و تكتيكاتها مع الآلة الهائلة للتقدم و التطور.. و ما حققاه من قفزة نوعية، تجاوزت كل العقد و التراكمات، و سمت إلى درجة من اليقظة و التنور، و إدراك ما غمض و ما استدق من خفايا الأشياء و الأحداث و الأفكار.. كما أنَّ من المفترض أن نرتقي بفكرنا و رؤيتنا، و عنوان حياتنا إلى عالم جديد، أرحب وأغزر و أقوى في فهم دقائق الأمور و الوقوف على كوامن الخطر، و إدراك المستكن الدقيق.. و هو ما ينبغي أن تفعله الأنظمة و الأحزاب و المنظمات في منطقة الشرق الأوسط، مع سقوط الدكتاتورية و الشمولية و القسوة و الوحشية و مرادفاتها في العراق، و انعتاق الشعب و حركاته بمختلف اتجاهاتها و تياراتها و فلسفاتها و أعراقها، و هي تودّع أعتى مراحل الطغيان و القهر و الإبادة العرقية، ومجازر الموت و المقابر الجماعية، و حملات الأنفال والحصاد الكيميائي المروع.. كما يفترض أن نكون جميعاً أحزاباً و كتّاباً و مبدعين و مؤرخين أن نحلل و ندرس و نستنتج و نؤمن بمستقبل أكثر مدنية و ديمقراطية، و إشراقاً و انفتاحاً إلى التعددية و اغتناءً بها...
و لكن ما يحدث في سوريا لا يرقى إلى مستوى التطور العالمي لقضايا الشعوب و حركاتها التحررية، و تطور القضية الاجتماعية و أبعادها، و تطورات القضية الكردية و أفاقها، كما أنها لا تزال تهيمن ـ من خلال الحزب الواحد ـ على كل مفاصل الحياة السياسية و الإدارية التشريعية ( مجلس الشعب، مجالس الإدارة المحلية، الوزراء و المدراء العامون.. و المؤسسات و النقابات و الدوائر و سائر أجهزة الدولة..)
كما لم تصدر الصحافة حرّة، ولم يسن قانون حقيقي يحقق انفتاحاً على حرية العمل السياسي، والحق الطبيعي في إنشاء الأحزاب و المنظمات و الجمعيات والنوادي، أو الدعوة إلى المظاهر السلمية في النضال الديمقراطي، على الرغم من المبادرات الخيرة، و الدعوات العلنية إلى الانفتاح و التطور و التحديث، و مواجهة الهدر و الفساد و التسيّب، إلا أن عقبات كبيرة و قوى فاعلة لا تزال تسدّ معظم المنافذ إلى الانفتاح و التعددية الحقيقة و الإصلاح السياسي و الإداري و التشريعي و ضرب كل أشكال المحسوبية و هدر الطاقات و الفساد، و تعطيل قوى الإنتاج الفاعلة، و شلّ القطاع العام و طاقاته الإنتاجية.. و تقلّص العمالة، و فشو ظاهرة البطالة.. وغيرها مما يقف حجر عثرة في وجه كل بواعث الانفتاح و دعوات الإقبال على مدّ جديد، و حياة أكثر أمناً و راحة و كفافاً.. و على الرغم من بوادر التغيير وبواعثه، لم يتحقق منها ما يوحى ببشائر، وآمال هي في الأصل جزء من نضال الحركة التحررية، وهدف أساسي من أهدافها في ضرورة إحياء الآمال بديمقراطية الفكر و الممارسة، وانتهاج سبل التغير الحقيقي، و البعد عن كل مظاهر الارتكاس و التراجع، والنظرة الشمولية القائمة على آليات تدفع باتجاه التـأطير والتثبيط ومدّ الذرائع، واعتماد أساليب ضاغطة، لا تؤتي ثمراتها بل تؤدي إلى إحباطات، و تقهقر و انتكاس..تحمل على التخبط و التراجع، وانحسار التوجيه و التخطيط، والوقوع في مطبات الرهق الاقتصادي و تبعاته وآثاره الخانقة، و المؤثرة بشكل مريع على حياة المواطن وسوية عيشه، وانحداره إلى فقر حقيقي.. مما يدفع بالضرورة إلى البحث عن مخرج يؤدي إلى حياة أكثر إشراقاً و نبلاً ورفعة في ظل مواكبة الحدث العالمي الجديد والنظام المرتقب، لبناء عالم أكثر حداثة و مدنية و علماً و ثقافة و انفتاحا على الآخرين.. و لا يتأتى إلا من خلال مواقف عملية وخطوات جادة باتجاه التغيير، حتى لا يزال الوضع في سوريا يشكو من جميع الآثار السلبية، في الحياة العامة، والحياة السياسية في سيطرة مطلقة على مختلف الأصعدة و المستويات و المفاصل السياسية، وتفاصيل الحياة اليومية حيث التحكم الكامل في مجمل القرار و المقررات والمناهج و المؤسسات العامة، وجهاز الدولة بأدق مناحيه، وأدواته من قبل الحزب الحاكم و الذي لا يزال مصدر الشرعية و القوانين و التشريعات و دقائقها، مع ما في ذلك من احتكام إلى العنصر العربي و جعله مركز التوجه و القرار و المكاسب, و التجاهل الكامل لواقع التعدد الأثني و العقائدي و الفكري و اعتبار العنصر الكردي غريباً عن الساحة، غير موجود أصلا، حتى يحسب لهذا الوجود ما يستحق من متطلبات واستحقاقات قانونية و تشريعية، تتطلب مراعاة هذه الخصوصية وذلك الوجود، ما عدا الممارسات المخلة بكل خصوصيات المواطنة و قوانينها وأنظمتها، و التشريعات المؤسسة على الإنكار و الملاحقة و القهر.. مما يجعل هذا الاعتبار أيضا خارج دائرة التغيير المراد أحداثها إن أمكن، مع تنامي الأصوات الخيِّرة لضرورة الانفتاح، و الإقلاع والخروج من الدائرة المحكمة لتنظيم القائد و السائد، و الذي بدرت في الآونة الأخيرة محاولة فصلة عن الدولة، دون ترجمان عملي واقعي، و حقيقي، حيث ظلت كل الكوادر الحزبية، وظل كل المسؤلين الكبار في الدولة في مواقعهم الإدارية و التنفيذية و المجالس التشريعية.. وظلت الانتخاب و الاقتراع في نطاقها السائد وطرقها المعهودة.. آملين أن نترجم حياتنا السياسية و الفكرية، و ملحقاتها و تبعاتها و ما يترتب عليها باتجاه أحداث تحولات جذرية تطال مختلف القطاعات، وتسهم في بناء عالم جديد، يتغير وفق القيِّم و المعايير و الأسس الديمقراطية المرجوة، و التي يمكن وحدها أ ن تنتشلنا من كل أخطائنا و أباطيلنا، و أقوال ينبغي أن تتفق مع أفعال جديدة.. مشرقة.. خارجة عن الطوق القديم..

------------------------------------------
* عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]