www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
14.08.2003 - 21:16

البارتي و تحديات الوجود و الإقتداء و "عوامل البقاء" مع تباشير ميلاد البارتي

عبد الرحمن آلوجي*

مع بروز فجر ميلاد جديد للبارتي في السادس عشر من آب, نرى لزاماً أن نخوض في إجلاء معالم هذا الحزب الكردستاني العريق فلسفة و تاريخا و تراثا حيث تناول العديد من الباحثين و الكتاب موضوع البارتي و تحدياته عبر وجوده التاريخي, و مراحله المتدرجة, منذ بدايات نشأته, إلى مراحل تميزه و نضجه, ثم اكتمال نتائج ثورته التحررية, أيلول ثم كولان و الانتفاضة و ثمراتها, و آثارها, في تجربة ديمقراطية فريدة قل نظيرها, لتكون نوذجاً يحتذى في المنطقة, و ثمرة طبيعية لقوة البارتي, و فكره, و عقيدته النضالية, و الأسس التي اختطها منذ ولادته الطبيعية, و نشأته الواضحة, و ترعرعه القوي في بيئته الكردستانية النقية.

لقد مر البارتي - عبر مسيرته النضالية الرائدة - بمراحل سجلها له التاريخ النضالي الحديث و المعاصر, للشعب الكردي في كردستان العراق, ليعكس بظلاله و آثاره الايجابية, و ثمراته الطيبة, الصورة المثلى لنظرية (الكوردايتي) في مختلف أجزاء كردستان, ولتتميز هذه البصمة النضالية في وضوح أكبر في سوريا, الجارة المتاخمة للثورة الكردية, و المساندة بوعي و مسؤولية, و فهم تاريخي عميق, و هي تخط أولى صفحاتها في سفر (تكوين الإنسان الكردي), و هو يسطر أروع ملاحم الفداء و التضحية, و قرابين الشهادة, معمدة بسيل الشهداء, و هم يعبرون إلى الخلود, في فراديس ذات أرائك, خضر و استبرق, و جنات خالدات..

لقد عبر البارتي - و عبر انتفاضاته, و اتفاقاته, و سلامه و قتاله, و رؤيته و فلسفته - عن ضمير الأمة, و وجدانها اليقظ و روحها المتوثبة, و نبضها الساخن, و هي تلج محراب التاريخ من أوسع الأبواب, و تطرق الخلود بتضحيات باسلة, و رؤى مخضبة بالدماء, و فلسفة مروية بدموع الأرامل و آلاف الثكالى .. في تحدٍ لا يعرف الهوادة, و إقدام لم يعرف التراجع, و تقدم معهود خرق قواعد المسيرات الكبرى, لتكون كما قال دانا شمدت (أعظم ثورة على الأرض) عمقاً و اقتداراً, و تخندقاً, و جبهات سلم و قتال و تحاور و تفاوض, في إتقان تنظيمي قلَّ نظيره, و درس حياتي تجلىّ في أعمق رؤية, لأروع حدث, و هو يتخطى الحدود, ليتجاوز القطرية و الإقليمية إلى رؤية عالمية واسعة و شاملة أحاطت فهماً بمعطيات التجربة, و رسمت بوضوح آفاقها, و تجلت بعمق استراتيجيتها, و جلت غوامض دبلوماسيته, قلَّ أن تجد مثيلاتها في حركات التحرر, في حالات الحصار و التطويق و مطاردة المقاتلين, و مقابلة سلاحهم البسيط, و إيمانهم العميق, بأعتى الأسلحة, و أشدَّ الأنظمة و الفلسفات فاشية و طغياناً و قهراً و وحشية في مواجهة الطموحات الأساسية الكبرى التي جسدتها الثورة كـ زراع قوية للبارتي, الذي رفض كل الأشكال التي واجهته تلك الطموحات و التي تشكلت الدولة العراقية على أساس سحق هذه التطلعات و عدم الاعتبار ببنود الدستور و مواده الأساسية, رغم افتقاره إلى العدل الكامل و المساواة المطلوبة و تحقيق الحدود الدنيا لإرادة الشعب الكردي في العراق.

لقد سبر البارزاني الخالد بعمق أبعاد الثورة, و أحاط بها, و ألمّ بقدراتها, و فهم طاقات أبنائها, و درس بعمق مدى تطورها و ارتقائها, فحدد المرحلة, و درس الظرف التاريخي, و أحاط ببعديهما, و استلهم - من خلال طاقاته و إبداعاته- أروع الدروس, و أدقها في توقيتة زمنية عالية, و رؤية دقيقة للحدث, و إحاطة شاملة بالموقف المفترض اتخاذه, بناءً على معطيات مدروسة بعناية و دقة و إحكام, فكانت الرؤية الشاملة, و التقدير الصحيح لكل موقف, و الدقة المتناهية للأهداف و الوسائل و الامكانات, و الأدوات المتخذة: عدة و عدداً, مما وفر مقومات دقة التقدير, و حسن الدراية, و فهم المرحلة, و بالتالي صياغة قراري السلم و المهادنة, و القتال و التفاوض, و الدعوة إلى عدم ادخار أية وسيلة في سبيل إعلاء شأن الثورة و توفير مستلزمات قهر العدو سياسيا, و رفع شأن الثورة, و إعطائها نفسا للتواصل, و كسب الأصدقاء, و مخاطبة لضمير الإنسان العربي, و طرق مسامعه, و إسماع صوت الكرد الأخوي, و الدعوة الحارة و الصادقة إلى السلام و الأمن و المواطنة الحقة في كل فرصة و في كل وقت سانح, الأمر الذي أوصل صوت الثورة إلى أصقاع بعيدة في العراق و العالم, رغم أدوات القهر و التعتيم و آثار الثروة الطائلة التي أنفقها العدو للترويج لآلته المدمرة و فكره الفاشي المرعب..

لقد جاءت الثورة عملاً مبدعاً للبارتي, و ثمرة طيبة يانعة غرسها القادة و المبدعون و على رأسهم البارزاني الملهم, قائداً محنكاً, و مفكراً عظيماً, و رائداً لا يخطىء أهله.. أميناً, داعية سلام, رؤوفاً بالعراق و شعبه.. مؤمناً بالحق كله و العدل كله.. ديمقراطياً, يؤمن بالآخرين, و يحترم فكر الآخرين و عقيدتهم و آراءهم و رؤاهم, مهما كان الخلاف قوياً.. و مهما تعددت هذه الآراء و تنوعت.. يرقى - و في مرحلة زمنية متقدمة- إلى مستوى الفهم العالمي, للسلام و ضروراته و مقدماته و ضوابطه.. يؤمن بـ إخاء عادل و فكر حر متوازن, لا يطغى فيه (الأنا ) و لا السطوة القاهرة, و لا المكاسب الأحادية, لفكر شمولي, لا يؤمن إلا بمصالحه, و لا يصغي إلا لصوته, حيث ينبغي أن يعلو عليه صوت, و يخضع له الآخرون, بكل تراثهم و ثقافتهم و ارثهم الحضاري و التاريخي العريق..

لقد حدد البارتي بعلانية و وضوح و دقة, أهدافه الكبرى, و مسيرته إليها, و أدواتها النضالية المشخصة, و وسائل الدفاع المشروع, و عدَّة ذلك كله, دون وقوع في أسر الإخفاق, و عوامل الإحباط, أو اغترار بمكسب آني, أو تبجح بما لم يحدث, أو قفز فوق الضرورات و الوقائع المعاشة, في منطق معتدل, و رؤية دقيقة موضوعية, و احترام لطاقات الآخرين و امكاناتهم, و استغلال للكفاءات و القدرات الراقية الشقيقة و هي تتخندق مع الثورة في مواجهة الطغيان و الغطرسة و أسلحتها المدمرة, مستفيدة من طاقات و إبداعات الشعب العربي و أحراره و خيرة مفكريه, لنقل المعركة من احتدام قومي, و صراع فئوي خطط له الأعداء, إلى حالة مواجهة الطغيان و الاستبداد, و القهر العنصري و التذويب العرقي و محاولات الابادة الجماعية, في قدرة فائقة على رصد و تحليل الوقائع و ترجمتها, و إعلاء شأن الوثائق و الأدلة, كأرفع مستوى أكاديمي على الرغم من صعوبات الثورة, و تخلف المرحلة, و أدواتها البسيطة, و وسائلها المحدودة.. في درجة عالية من الوضوح و الدقة و التناهي في الحصر و الضبط و الإتقان, و بيان الحقوق الدستورية و القانونية للشعب الكردي الذي خضع في غير إرادة لمصالح آنية, قسمت على أساسها العراق, و جزئت كردستان رباعياً وفق اتفاقية سايكس بيكو..

لقد تميز البارتي - في إتقانه و وضوحه, و تراكم تجاربه - عن الحركات و الانتفاضات و القوى الكردستانية المتقدمة, في بدايات القرن التاسع عشر, إلى مشارف القرن العشرين, بكونه:

1 - ثمرة تجارب و عصارات كردستانية تجسدت في تراث كردستاني, حقق نجاحات و إخفاقات في ثورات النهريين, و شيخ سعيد, و سيد رضا, و إحسان نوري باشا, و محمود الحفيد, و البدرخانيين, و قاضي محمد.. لتكون زاداً حقيقياً, يستمد منه البارتي, كل عومل ازدهاره و تطوره.. و تجاربه المريرة.. في استخلاص دقيق, مثل الأرضية الخصبة, لانطلاقة مبدعة, و خاصة بعد أخفاقة آكري داغ, و انحسار التنظيم الكردي (خويبون) و الذي (وضع برنامج عمل سياسي منظم..) حيث كانت (فكرة تنظيم الحركات الكردية قد اختمرت كضرورة ملحة.

2 - امتداداً لتنظيمات و تشكيلات و قيادات, لم يتح لها أن تمتد في الزمان, و تتأصل في المكان, و تتجذر في قيم عقائدية, تترجم فعلاً جماهيرياً واسعاً, و تأثيراً زمنياً كبيراً.. ليكون بذلك وريثاً قوياً, لتراث ضخم, و فكر كردستاني متقدم, و قوة تواجه التحديات, و تحول دون الارتداد أو الإخفاق, لبناء انعطافة فكرية و سياسية رائدة, خطط لها أن تدوم و تستمر, و تقاوم عوامل السحق و القهر, و خلخلة البناء التنظيمي و العقائدي, و تحقيق الطموح العادل و المشروع للشعب و قواه..

3 - استمداداً لعمق جماهيري و حياتي و فكري, و كسب الرهان في القدرة على التوغل في العمق زماناً و مكاناً, و تألقاً و انتشاراً, و قدرة على التعبئة و التأصيل و التأثير, و وضع القيم النضالية, و ترجمتها واقعاً يومياً معاشاً, تمثل في قدرة واضحة على الاستمداد من الجماهير الكردستانية الواسعة, بطاقاتها و إبداعاتها و ثرواتها و خيراتها و خبرة أبنائها, مما شكل عمقاً حياتياً, وهب للاستمرار و الامتداد و التوغل كل أسباب النجاح, و أتاح لها القدرة على مواجهة تحديات المرحلة, بدقة و اقتدار..

4 - استلهاماً للدروس و العبر, و توخياً لرسم أفق ثوري جديد, يعطي ثمراتها للأجيال و الطاقات الجديدة بفاعلية و إحكام, من خلال الوقائع و المحن و الأحداث الدامية, و النجاحات و الاخفاقات, عواملها (معارك بيطاس, هلكرد و بيرمكرون, هندرين, زوزك.. و معارك قره داغ, أزمر و جوارتا... و ملاحمَ و ثورات و انتفاضات سابقة, درست مراحلها بحنكة و إتقان و دراية..

5 - كره القتال و الحرص البالغ على الاحتكام إلى السلم و الجنوح إليه, و الإيمان به كـ وسيلة ناجعة, و حلاً مرضياً, مهما كانت نية النظام و جلاوزته, في الهدنة المغلفة و الهادفة في كل انتصار للثورة إلى الاستفادة من الوقت و التقاط الأنفاس, و الهجوم المباغت, و خرق الاتفاقيات بكل فظاظة و انعدام للوفاء بالعهد. يتوضح ذلك في مفاوضات العاشر من كانون الثاني 1965, و ما تلته حتى الثاني عشر من شهر آذار من العام نفسه, و ما أعقبته من معارك طاحنة, استأنف النظام القتال مع أول فرصة فكانت معارك ضاربة في بيرمكرون في 28 نيسان حتى الثاني عشر من أيار 1965, تلتها معارك قره داغ, و أزمر و جوارتا في 25 حزيران من العام نفسه, حتى المعارك الكبرى في رواندوز حيث دارت رحاها في منطقة واسعة (( في خليفان و ملتوكر و راوندوز و ديانا)) و كانت أبرز الملاحم فيها (( ملحمة كورك)), ثم المواجهة الساخنة في (بري مركة).. حيث أبلت قوات الثورة بلاء حسناً, و كان القائد العام البارزاني الخالد, يدير كافة الجبهات بحنكة و شجاعة و دراية كاملة بالميدان, قلَّ نظيرها.

لقد فرض عليه القتال (كتب عليكم القتال و هو كره لكم), و لو احتار, و قيد له أن يكون حراً في اختياره لما اختار شيئاً سوى السلام, و الدعوة إليه, و التضحية في سبيله يقول:

((لله شاهد عليَّ أنني أكره القتال, فالقتال أسوأ السبل لمعالجة الأمور, إلا أن البعث لم يترك لنا سبيلا آخر..)), لقد كان النظام عبر مراحله المديدة - يحرص من حين لآخر- على مباغتة الثورة, و الضغط عليها, سواء في الدعوة إلى المفاوضات, أو استغلال أية فرصة سانحة للإجهاز على أي مكسب سلمي, و هو ما أدركه البارزاني الخالد و رفاقه و خيرة كوادره المخلصين, و لكنهم لم يشاؤوا تضييع أية فرصة لإبداء حسن النية, و الدعوة إلى السلم, و الجنوح إليه, لإفهام الشعب العر بي في العراق, أنهم أصحاب قضية و رسل محبة, و دعاة سلام و مدنية, بخلاف ما أشيع عنهم من حب للقتال ورغبة فيه, وصَلَف, وميْل إلى الفتك والعنف وهو ما روّج له أعداء الكرد, وألحّ عليه الفاشيون في كل حين, حين يصمون الكرد بأنهم ( شعب توّاق الوحشية والعنف, راغب بطبيعته في القوة الباطشة, عالّة على الآخرين في الحضارة ) كما ذهب إلى ذلك العنصري البغيض محمد طلب هلال, في مقدمة مشروعه العنصري السّيء الصيت, وكما فعل الكثير من المرجفين, وهم يحاولون إلصاق تهم الوحشية والبربرية - و البطش بشعب آمن, مسالم, شجاع كـ الشعب الكردي. وهو ما يمكن تأكيده لمن يتابع ويقرأ ويمعن بإنصاف في فكر البارتي و فلسفته و ورؤيته الشاملة للأحداث, طوال تاريخه المرير, ليُدْرك بعمق وجلاء حرصه على الإخاء والعدل والسلام, وجنوحه مع أية بادرة إلى قبول ( الحوار و الحلول التفاوضية, والخضوع للحكمة والمنطق, والاحتكام إلى القانون الدولي ), والتماس كل السبل لرأب الصدع, و إبلاغ الأخوة العرب والشعوب المجاورة (قادةً وساسة و مفكرين ) أن للكرد حقّهم في الحياة و الإدارة, و الإرادة الحرّة, أسوة بكل شعوب وأحرار العالم, في دعوة مدنية يؤكد على الصيغ العملية و الدساتير و القوانين الناظمة للعمل السياسي, وترسيخ مبدأ الحق الكردي المشروع, في صيغه القادرة المعبئة, مما ألهم القادة والمفكرين إلى إشادة ( مركز البارزاني للسلام )

في أكبر عاصمة لأعظم دولة في العالم ( واشنطن ) ليكون ( مركز البارزاني للسلام) أكاديمية للدراسات السلمية, ودعوة لأحرار الكتاب و الباحثين و المفكرين لجعله منبراً حرّاً, يدافعون من خلاله عن قواعد السلم و المدنية و التحرر و الإنعتاق من الدكتاتورية, و مفرزاتها الإرهابية المهددة للأمن و السلم العالمي..

لقد أثبت البارتي أصالته و عمقه, وبعده الفكري المتألق, في الدعوة إلى الحوار و العقل و تغليب لغة المنطق, و القانون, و شرعة الأمم المتحدة, و اللوائح القانونية و الدساتير, و المواثيق و العهود الدولية.. وإيثار التفاوض طريقا ًإلى السلام و الازدهار, ونبذ العنف, وكره القتال, ليتقدم بذلك على السلطات المتعاقبة في إيثارها منطق القمع و الملاحقة, و الفكر الشمولي القاهر, و رسالة الحديد والنار, و كل محاولات الإبادة و التطهير العرقي, و فظائعَ وجرائمَ تجلت في مقابر جماعية مرعبة, وآلاف مؤلفة سيقت كالقطعان إلى مقاصل الموت العشوائي أحياءً و أمواتاً.. في مشاهد فظيعة قلَّ نظيرها في التاريخ الإنساني, وطوال عهود ظلامية بائسة و دامية, تلظَّت فيها العراق من أقصاه إلى أقصاه بنيران الحقد و الهمجية, و الفكر الاستعلائي البغيض, ورفض الآخرين, وسحق تطلعاتهم..  الأمر الذي جرَّ بويلاته وحروبه و كوارثه المدمرة على العراق, ليأتي التحرر, نهاية لأكثر العهود ظلاماً و إجراماً و فتكاً, ليستفيق العالم المتمدن على جرائم فاقت الخيال, مما دفع الأحرار في كل مكان إلى مقارنة ما دعي بحب الكرد للقتال, وما ارتكبت بحقهم و بحق الشعب العراقي من جرائم تندى لها الإنسانية خجلاً وتوارياً و انكفاءً..

لقد أثبت البارتي دقته و صواب فلسفته, وعمق رؤيته, و جلاء نظرته السلمية, و استشرافه لآفاق المستقبل, وإثبات عظمة و عبقريتة هذا التراث الكردستاني العريق, وامتداداته وانتشاره, وعمق توجهه, في دعوة إلى بناء عالم متمدن, أكثر جمالاً وسلماً و إشراقاً, و أكثر انفتاحاً على الديمقراطية و العدل..

6- ومن أبرز خصائص البارتي, و أكثرها التصاقاً بجوهره, عمق الانتشار زماناً و مكاناً في معظم أرجاء كردستان, في تأثير شامل و واسع, قلّما حظيت به الثورات والانتفاضات و التنظيمات الكردستانية على كثرتها, و سعة انتشارها, وقوّة تأثيرها, فقد نهض ( البارتي) بقوة على أعمدة صلبة و شاهقة من الانتفاضات و الثورات الكردستانية, وتنظيمات (خويبون, شورش, هيوا ) في طابعها المنظم, و قانونها الموجّه لطاقات الشعب, وفق قيم ومعايير جديدة.. ثم في مدرسة قاضي محمد في الحزب الديمقراطي الكردستاني إيران..ومشاهد بزوغ جمهورية مهاباد, و أحداثها الدامية.. و وضوح وتألق ثورات وانتفاضات بارزان الأولى ( 1932 -1945 ) و ما تلته من أحداث, وسبقتها من وقائع كردستانية, كان البارزاني الخالد, يقرؤها بعمق, ويحيط بها محللاً و دارساً, وقائداً ميدانياً, ينجد ويغيث, ويشارك فيها منذ نعومة أظافره, مستلهماً بعبقرية نادرة كل الطاقات و العبر و الدروس, ليعلى عليها الصرح الكردستاني الشامخ المستند إلى ولادة تنظيم كردستاني, سرعان ما فجّر ثورة أيلول في التاسع منه, ليكون يوم ولادته الحقيقية, إعلانُه الثورة التي لم يكن منها بدّ, كـ ذراع دفاعي قويّ, عن فكر البارتي و فلسفته ورؤيته الشاملة, لحياة مدنية سلمية, مشهودة للكرد, تماثل أصالتهم و عمق عراقتهم, و حبّهم الشديد لحياة آمنة, وديعة, ذات بهاء و عمران و علم وثقافة, بعيداً عن طغيان الغطرسة و الاستبداد و أدران العنصرية و آثامها و منكراتها, و اضطهاداتها, و ألوان جرائمها و وحشيتها..

لقد جاء البارتي في منتصف الأربعينات في السادس عشر من آب 1946. ثمرة مخاض كردستاني شاقّ, و عسير ليكون ترجماناً واضحاً و أميناً عن رؤية كردستانية و وطنية عريضة, و فكر متّزن سلمي هادئ, و صلابة مبدئية لا حدود لها, أعطتها شخصية القائد الملهم البارزاني الخالد كل عوامل الخلود و الاستمرار بما أوتي من مواهب خارقة, و قدرة على النفاذ في أعماق الشخصية الكردية, وإدراك لضرورات الحركة, و مراحلها الذاتية و آفاقها الموضوعية, و إخفاقات الثورات و الانتفاضات الكردية, و دروسها و عبرها, وتاريخها النضالي الدامي, و آلاف القرابين.. وقوّة وهمجية العدوان, وصلافة و غرور العنجهيات القومية الطاغية, و الفكر الذرائعي, والتراث الهائل من المواجهات و الخيانات و النكوص, ونكث العهود من طغاة الاستبداد, الذين استغلوا جمال و عمق و روعة أصالة الكرد, وطيبة نفوسهم, وصفاءً روحياً عميقاً.. ليصلوه نار الحقد و المكر والخديعة..   وليدرك البرزاني الخالد, و هو يجمع هذه الخيوط, الطريقة المُثْلى في الحياكة و النسج و هو يدير الصيغة الأولى.. في بناء فكر كردستاني, و مدرسة وطنية بالغة الوضوح, في بناء البارتي و وضع لبناتها الأولى.. لـيترك آثاراً خالدة ( آتيت على ذكرها في حلقات طويلة, البارزانية تراث و قضية, البارزانية فكر و ممارسة..)

لقد انبثق البارتي في ولادته الطبيعية من رحم كردستانية أصيلة, فكان مولوداً وفياً, قوياً, معافى, نشأ وترعرع و نما و قوي و اشتد عوده, و هو يرضع لبان أمّه الكردستانية, وثمرات و خيرات وطن, تجرّع المرارة وذاق الويلات, فارتوى و اكتمل بالمرارة, لتؤتي أكلها.. وهي تمدّه بالطاقة على الحياة و الامتداد, لمواجهة كل المثبطات و المعيقات و المكائد, ورسم حياة أكثر أماناً ورغداً وبعداً عن الوصاية و القمع و نهب الثروات, وقتل الإبداعات, و سحل الطاقات الكردية..  

ومن أجل ذلك كان امتداده الكردستاني الواسع, ليلقي بظلاله على الفكر الكردستاني, و الرؤية الكردستانية في كافة أرجاء كردستان.. متمثلاً شخصية البارزاني التي جسّدت الأصالة و العمق وقوّة الفكر و نصاعة الإبداع, و الرؤية الواعية المستنيرة, و صلابة الموقف و عناده و صبره, و حكمة الدهر, و يقظة تامّة على المكائد و الدسائس, وإدراكاً مبصراً للأهداف الكبرى, و الطرق الصائبة إليها, لتحقيق الطموح الكردستاني الأعمق و الأوسع و الأكثر مرونة و قوّة و نصاعة.. الأمر الذي أدّى إلى تفتّق الأذهان, وبروز الأرضية لبناء تنظيمات كردستانية مماثلة, كانت كردستان إيران سباقة إليه و من خلال ثورة مهاباد, ومشاركته الفعالة الأولى في إنشاء التنظيم الكردستاني الرائد و المتجسد في الحزب الديمقراطي الكردستاني (1945), ثم الانتقال إلى كردستان تركيا ( أم الانتفاضات و الثورات الكردستانية ) لينبثق الحزب الديمقراطي الكردستاني أيضاً, والذي تحول فيما بعد إلى ( K.D.K) ثم (KOK) ثم (KOK.S) بتأثيرات وتطورات (ليس لنا الخوض فيها في هذا التحليل)... كما امتدت الآثار العميقة إلى الشعب الكردي في سوريا, والذي كانت تتناهى إلى أسماعه أنباء الانتصارات الكردستانية في ثورات شيخ سعيد , و الشيخ محمود الحفيد, وإحسان نوري باشا, و ثورات بارزان الأولى و خويبون , وإخفاق جمهورية مهاباد, و رحلة البارزاني الخالد إلى الاتحاد السوفياتي , في رحلة عبور نهر آراس  .. وما أعقبها من أحداث و وقائع, لحقت الشعور القومي, ودفعت النخبة من أبناء الشعب الكردي في سوريا, وتحت تأثير قوّة و امتداد البارتي, وشخصية البارزاني الخارقة – إلى الإعلان عن تنظيم حمل الطبع الكردستاني نفسه (الحزب الديمقراطي الكردستاني - سوريا ). والذي تحول فيما بعد إلى البارتي الديمقراطي الكردي, ثم الحزب الديمقراطي في سوريا ( البارتي ), ليلبي بالضرورة هذا التوجّه الكردستاني العميق, و ليرقى إلى بناء تنظيمه, بأهداف كبرى مرسومة, سرعان ما تجاوزها إلى فكر أكثر انسجاماً مع واقعه و تطلعاته و أهدافه و قدراته, ليتعمق فكر البارزاني الخالد, و يتأثّر خطاه, و يرقى إلى الامتدادة الكردستانية العميقة, وتأثيرها الواسع في كل بقعة كردستانية, تنبض بالحياة والأمل, و تسعى إلى رفع الحَيف و الجور عن كاهل الأمّة الكردية المعذبة..  لتنعم بالأمن والسلم و الإخاء والعدل و المدنية, في تأثر بالغ في النشأة والانطلاق والتطوّر بالآفاق الكردستانية, وفكر البارزاني الخالد, و متابعة حثيثة ودقيقة لأحداث الثورة ومفرزاتها ومعطياتها, و تطورها..  والتضحية من أجلها بكل قوة واستمرار. ولقد بسط البارتي امتداده, بفكره النيّر, وقدرته الخارقة على تخطي حواجز الحدود المكانية و الزمانية, ليكون مرجعاً و محطة استقطاب, و مركز قرار قومي, تحرّري, يحمل طابعاً إنسانياً عميقاً..  يؤهله لقيادة فكرية رائدة في المجتمع الكردستاني, دون أن يحتكر لنفسه الإيثار والهيمنة وروح الاستقطاب القسري, في إرادة خيّرة لتمثل فكر كردستاني أصيل يؤمن بضرورات المرحلة, وعمق التحدي الكردستاني, وظروف و مراحل تطوّر كل جزء, وعلاقاته مع المركز و الجيرة, وتركيزه على محو آثار العداوة و الضغينة, و الأحقاد الفاشية المريضة, في رؤية دقيقة موضوعية متوازنة للحدث, وقراءة عميقة لواقع المجتمعات الكردية, و النسج و التركيبات الاجتماعية و الاثنية القائمة, في ضرورة ملحة على ضرورة الموائمة و التوافق والتكامل في ظلال هذه التركيبة الدقيقة وتعقيداتها ورؤاها, و تشابك العلاقات, وتراكمات السنين, و ضلال الرأي العام, وانحرافاته الخطيرة باتجاه ضرورة رفض كل قومي وإنساني يفكر فيه الكرد, ومحاولة إذابته سلماً إن أمكن, و حرباً وقتلاً وإبادةً إن لم يكن لهم أن يصهروا و يذيبوا الكرد في بوتقة الفكر القومي الاستعلائي, وحملاته الشرسة, وليكون ذلك قوّة دفع و محرّضاً أساسياً للشعب الكردي في سوريا, للدفاع عن وجودهم و تميزهم وثقافتهم, وتأثرهم الكردستاني و القومي البالغ, لإنشاء تنظيم يلبي الحاجات ويحقق الطموحات ويسعى للأهداف الكبرى.

 لقد أدرك البارتي - منذ البداية - أن الرحم الكردستانية الطاهرة التي أنجبته سوف تنجب أخوة له, و أن الأشقاء في أجزاء كردستان سوف يستلهمون من الأب الروحي مؤسس البارتي (البارزاني الخالد ) الدروس و العبر و التوجيهات الأصيلة و المحكمة, فكانت ولادات البارتي ضرورات حياتية, متأصّلة, متنوعة كأغصان شجرة وارفة الظلال, قويّة النسغ, قادرة أن تؤتى ثمارها سائغة, يانعة, دانية القطاف, وإن حاول المرجفون والعنصريون, حرقها, و قطفها, والتسلط على ثمراتها...   ولكنها راسخة كشجرة طيبة, أصلها ثابت وفرعها في السماء..  

ومن أجل ذلك كان التأثير والتأثر متبادلاً بين الأشقاء في كل جزء كحصيلة طبيعية لولادات كردستانية أصيلة أولاً, و للهجمة الحقيقية التي تزامنت وتماثلت في كل جزء, ومع كل مرحلة, وإن اختلفت أشكال المواجهة وأساليبها و أدواتها و درجة قمعها وفتكها, والوسائل المستخدمة في كل ذلك, إلا أنّ الهدف كان واضحاً وهو ضرب البارتي. سواء بتحريض داخلي, أو سحق خارجي, حيث ارتدادات وانشقاقات, ومحاولات تدمير البنية الداخلية للتنظيم, وخلق أجواء المهاترات و التضليل و التشويه, ودعوى الارتباط بأعداء خارجيين, في مقولات تكاد متشابه..   ليتعانق و يتقارب و يتلاقى البارتي في كل من العراق و سوريا أكثر, في علاقة رفاقية لا تكاد ترقى إليها أية علاقة أخرى, على الرغم من المعاناة و الضغط, وعوامل الإركاع, وظروف المطاردة, المتشابهة الأهداف, والمختلفة الأدوات و الأدوار و الوسائل..  مما جعل العلاقة توأمية, تسعى إلى البناء, ورفع راية نهج يعتمد الوسطية و العقلانية والشجاعة التي لا تعرف التهوّر, و المرونة التي لا تدنو إلى التخاذل والمساومة, والدعوة إلى السلم والديمقراطية والإخاء التاريخي بين العرب والكرد وشعوب المنطقة, واليقظة في محاربة الطغيان العنصري وأدواته و أدرانه المقيتة, وعقمه المرضي, وأحقاده البائسة..  وإن اتجه الديمقراطي الكردستاني في إيران وجهة خاصّة إلا أنّه احتفظ بعلاقته الودية كردستانياً مع الافق ليترشح مع نهجه السلمي, ودعوته إلى الديمقراطية حلاً لمشاكل أيران و المسألة الكردية هناك.. إلا أن (K.D.K) الذي تحول تحت ضغط الظروف و التعقيدات المتعددة, وخصوصاً بعد انقلاب كنعان إيفرين, إلى النمطية الفكرية ذات الصيغ النظرية البحتة في انخراط في التطرف اليساري, وابتعاد تدريجي عن الساحة, وبقاء الرموز الكردستانية الأصيلة مبعث احترام , دون أن تحقق العمق الجماهيري , بخلاف البارتي في سوريا و الذي اشتدّ في التأكيد على نهجه الكردستاني الثابت , وتعميق خطّه الفكري , والإصرار على ثوابته و فلسفته النضالية, الأمر الذي دفعه إلى أن يتحمل ضريبة مبادئه و صلابته وتطلعاته, وقدرته على الامتداد والمواجهة, فكانت المؤامرات تحيط به من كل جانب, و التفجرات الانقسامية في داخله تتربص به, وتحاول إركاعه وثنيه وليّ ذراعه وضرب خيرة مناضليه وكوادره, ومحاولة التشويه والتشويش في حياتهم, لإلهائهم عن أداء الرسالة القومية والوطنية والإنسانية في أشد الظروف حاجة و حرجاً, وتعميق نهج البارزاني الخالد, في أصالة وعمق وإصرار وعناد يكاد يرقى إلى مستوى المواجهة ..  حتى كانت المواجهة الأخيرة, في الخلاف الذي حدث في الحزب, والأزمة المصنوعة التي خطط لها المضللون, وأنخرط في مؤامراتها الداعون إلى سحق الحزب, ولجم تطلعاته في الدعوة إلى إقرار الشرعية وتطبيق النظام وبنوده, وتثبيت دعائم نهجه, والحرص على بناء حياة تنظيمية تحترم الأسس والقواعد, و تستهجن التمرد على هذه القواعد, وتدعو إلى مواجهة مخططات التحريف و التحطيم و جرف المكتسبات, وسحق التطلعات نحو المشاركة في حياة سياسية جديدة في سوريا, هي مطمح كل وطني و قومي حرّ و يسعى إلى الحداثة والخير وإعمار الحياة الفكرية و الاقتصادية و السياسية, في وقت أحوج ما نكون إلى متانة البارتي وقوته, و قدرته على الريادة, وقيادة الحركة و الجماهير, ولمّ صفوفها, والاستعداد لبناء حياة سياسية جديدة في سوريا

لقد أثبت البارتي جدارته وعمق انتمائه, وعظمة امتداده, و مرونته في التعامل مع أشقائه, وحرصه على نجاح التجربة الكردستانية الرائدة, وآثارها العميقة في كل العراق, وفي كل جزء من كردستان, في إدراك واضح و جلي للطموح الكردستاني, وحرص بالغ على ضرورة تحقيق امتداد حقيقي يعتمد التكافؤ والتواصل والتكامل بين الأشقاء في كل جزء يتكامل مع المركز ويرتبط بسياسة بلده, ويتعمق بعديه الوطني و القومي, في ملائمة قوية, واضحة, عميقة الملامح, سحيقة الجذور, لا تحتمل تأويلاً, ولا تفسيراً ولا تكاد ترتهن بمرحلة دون أخرى تأكيداً لعلاقات تاريخية وطيدة, وحس أخلاقي, ورؤية متجذرة, وتضحيات هائلة, وموقف صامد في ساعات المحن, ولقد أدرك وهو يخطط ويبرم