EWRAQ KURDIYE
اضاءات على التجربة الكردية في المسرح

  هوزان عكو - دمشق

يحتاج الحديث عن موضوع الهوية,أوالملامح المحددة لمسرح ما إلى وقفة عند حقيقة وجوده أولا, ثم محاولة تحديد تلك الملامح و الخوض في اشكالياتها. وقد نجانب التسرع عند البحث في المشاكل التي تخص التجربة الكوردية في المسرح والخوض في تقييمها أو تسمية المسرح كورديا. فالكثير من العاملين الكورد في المسرح يعللون فقر التجربة وضياع الهوية الكوردية لها – والحديث عن التجربة في سوريا, مع انه يساق على أماكن أخرى - إلى خصوصية الوضع الكوردي المعلوم وربطه بالأزمة السياسية التي يعانيها الكورد. دون الالتفات إلى طبيعة المسرح كشكل فني وممارسة اجتماعية لها شروطها وتاريخها الحافل بالتقلبات, والتي استطاع خلالها الحفاظ على وجوده بوجود كتاب وأيديولوجيات حاضنة. فالمسرح كان دائما معبرا عن أيديولوجيا الفئة التي تتبناه وتموله*. وتعتبر مسالة توطين المسرح ومنحها هوية الجماعة التي تمارسها من أكثر المسائل خصوصية في تاريخ المسرح. فهل بالا مكان إعلان بدايات مختلفة للمسرح - نتيجة تعرضه لفترات انحسار وبعث متكررة – وربط تلك البداية بالأمة التي أنعشته وتبنته, و منحه خصوصيتها؟ أم أنها مجرد تنويعات وتجارب تضاف إلى الولادة الأصلية التي قامت على ارض الإغريق قبل أكثر من 3000 سنة؟
لن نخوض في تاريخ المسرح, ولكن ما يفيدنا في صيرورته انه كان يكتسب صفة العصر أو الأمة (أو الايدولوجيا) التي تتبناه وتمنحة ملامح تلائم جمهورها. ويتم مع الزمن تكريس الظاهرة وتحويلها إلى عادة أصلية وغالبا ما كان للكتاب العظام دورا في ذلك. فنتعرف على المسرح الإنكليزي بخصوصية مآسي شكسبير ومارلو والمسرح الفرنسي مع راسين ومولير. واكتسبت – كل تجربة – ببراعة الكتاب ومدى معارضتها أو محاكاتها للمسرح اليوناني القديم خصوصيتها. ظل المسرح حتى أواخر القرن التاسع عشر مرتبطا بجغرافية محددة هي أوروبا, يتنقل فيها كإرث ثقافي يجوب الغرب الأوروبي الذي يعتبر نفسه امتدادا للحضارة الإغريقية واللاتينية. توارثوا تقاليدها وطوروها على مستوى الشكل والمضمون, وتعددت فيما بعد مدارسها وتياراتها, تبعا للتوجه السائد وبكافة أشكاله التوفيقية أو المتكررة. انتقل المسرح إلى الشعوب الأخرى مع حملات الاستعمار المتاخرة أو من خلال الدارسين – المهاجرين اللذين قامو بنقلهاالى بلدانهم ( معظم هذه الشعوب لم تعرف المسرح حتى نهاية القرن التاسع عشر ) ** . لكن افتقاد تلك الشعوب لتقاليد الفرجة والصنعة المسرحية وعدم قبول البنية الاجتماعية لها في البداية كما حدث في تجربه القباني العربية في سوريا, أدى إلى ولادات عسيرة أجهضت في كثير من الأحيان, وخاصة إذا لم تجد أيديولوجيا تتبناها أو خرجت متعثرة وما تزال تصحح خطواتها.

و يعاني الكرد مع المسرح مخاضا أكثر عسرا, حيث يتم النقل عن تجربة غير أصيلة, وتحمل مشكلاتها الخاصة التي تراكم العبء على المحاولات الكردية. وغالبا ما يودي عسرالهضم لدى الجمهور و المسرحيين على حد سواء إلى سقوط المشتغلين في مطبات تلك التجارب من قبيل الغموض في الغاية, وفي الغرض من المسرح, و عدم اتقان حرفته والإغراق في مشاكل الأداءو نسخ العروض أو لبث المقولات الأيديولوجية-التراثية بشكل استعراضي, انفعالي, دون تحقيق الشرط الجمالي للمسرح الذي يؤمن الإقبال الجماهيري. وبينما يتعثر المسرح في طور الهواية, سارع البعض إلى منحه التسمية القومية إغراقا في المظهر, و ابتعادا أكثر عن جوهر المسرح الأحترافي. لذا لابد أولا من الاعتراف بان المسرح ضاهرة غير متأصلة في الوعي الثقافي و الاجتماعي الكردي. وللاستفادة منه كشكل للتعبير, يجب توفير شروط عديدة منها: تأمين الدعم و الرعاية المؤسساتية للفرق الناشئة بشكل يبيح لها العمل بحرية لا محدودة بالنسبة لاختيار النصوص و الطريقة التي يرغبون تقديم عروضهم بها, ودراسة المشتغلين لطبيعة الجمهور الذي يتوجهون إليه, بهدف تطوير الفرجة لديهم من مجرد فضول الاستطلاع و الرغبة في "لتفرج "كحالة" طبيعية, كما يحدث قي احتفالات "نوروز" العامة, إلى تقليد للفرجة المسرحية و تمييز بعض مضاهر الفولكلور الشعبي ـالذي يحلو للبعض تسميتها بضواهر مسرحية, كخيال الظل, والحواريات الغنائية...الخ ـ بالتأكيد على خصوصيتها التراثية و شكلها, و قابليتها للمعالجة في المسرح المستقل بذاته. ولهذا لم نتطرق لفنون عريقة, مثل "النو" الياباني و "الكا تا كالي" الهندي, فمع أنها تشابه المسرح الغربي ألا أنها فنون قائمة بذاتها أيضا, و هما شكلان غير قابلان للانتشار, لتعمق الخصوصية الثقافية المحلية فيهما, و صعوبة أدائها, وفهم دلالاتها, في الثقافات الأخرى. ولم يتردد كتاب مشهورون من تلك الثقافات, قي الاستفادة من شكل المسرح الغربي, و كتبوا نصوصا قيمة تعبر عن ثقافتهم الخاصة, نذكر منهم: طاغور, و يوكيوميشيما. ثانيا, دراسة تاريخ الكتابة الدرامية و تطورها والألتفات إلى أهمية النص و الكاتب المسرحي الذي يستلهم التراث و يعالجه, ويقلب الحاضر و يمسرحه. وقد لا نحتاج هنا للإشارة إلى غزارة المواد في التراث والحاضر الكردي. ومع أن المخرج صار يقاسم الكاتب دوره, إلا أن المسرح ينطلق من النص حتما, مع احترامنا لتجديدات و مطامح التجريبيين المهمة التي تهمش النص في بعض التجارب والبحث في مفاهيم علم المسرحية, والعرض المسرحي والاستفادة من تطور الإخراج المسرحي لتفادي مشاكل المكان و التقنية مع غياب صالة العرض في ظل عدم تطور المناخ المدني الديمقراطي. و نخالف هنا الأستاذ "احمد إسماعيل" في دراسته القيمة "مسرحنا المأمول" حيث أعتبر الصالة –المكان المغلق- شكلا قمعيا و محددا لحرية التلقي, على عكس العرض في الهواء الطلق. فالمسرح كمكان قائم في عنوان معين و بكافة أشكاله (العلبة الإيطالية, المسرح اليوناني...الخ) ضرورة أساسية لتحقيق المجتمع المسرحي, وتطور تاريخي للعرض المسرحي لايمكن تجاهله. فالمهمة ليست تعريف الكرد على المسرح بالانطلاق من العرض في الخلاء, ثم, ثم.. فالكرد يعرفون المسرح حتما ( في الحد الأدنى, على المستوى الضاهري), لكنهم يفتقدون للتقليد والمناخ الذي يسمح لهم بكتابة وتقديم عروض مسرحية كردية. و لا يعني ذلك الانتظار حتى تشكل ذلك المجتمع, فمن الممكن الاستفادة من التوجهات الحديثة التي تستنبط حلولا إخراجية تتناسب مع طبيعة العمل المكتوب, وخصوصية المكان و الظروف التي يتم فيها العرض. فمثلا: قد يكتفي أحد المخرجين أو المخرجات بشكل خاص لشجرة وطريق ريفي ما لإخراج مسرحية "صمويل بيكيت" المشهورة "قي أنتظار غودو" و ذلك بوجود ممثلين بارعين حتما. فبمدى براعة الممثل, وقدرته على خلق الشخصية المسرحية بعد خلقها في النص يتحدد نجاح العرض. فالمسرح لا يحتمل إلا الأداء العالي, والمتقن والممثلين المحترفين بخلاف السينما التي تمتلك شروطا مختلفة في الشكل, وبالأخص بالنسبة للممثل, كما تفترض محاولة التعرف على التجارب المسرحية الأصلية, والأمكانات التي تقدمها الحداثة المسرحية فيها وعدم الانشغال بالتأصيل قبل تحقيق مفاهيم مسرحية ( تتوافق وتتعارض) مع الأيديولوجية التي تتبناها, ومع البنية الاجتماعية الموجودة والتي تتفق على الجوهر الثقافي ـالفني للمسرح قبل أي شي آخر وذلك لتهيئة الظروف لكتابة وإخراج عروض تلقى قبولا من الجمهور المتلقي والشريك الرئيسي في العملية المسرحية, وتفسح الطريق للإبداع الذي يحتاج للشكل المناسب للتعبير.

قد يكفي مثلا أظهار بصيص من النور في ظلام عام لإخراج مسرحية, كمسرحية "عندما يغني شمدينو". فنحصل على مسرح , ربما, يحمل بموضعته وظروف عرضه ملامح لمسرح كردي.


* أرنولد هاوزر- الفن والمجتمع عبر التاريخ- ص 91
** لمزيد من الإطلاع راجع:
1- في الجهود المسرحيةالأغريقية و الاوروبية و العربية/عبد الرحمن ياغي
2- المرشدالى فن المسرح(الدراما)/ لويس فارجاس


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]