EWRAQ KURDIYE
القضية الكردية إلى أين؟
"عزف قومي ـ إنساني على مقام عربي"


  الأستاذ فاتح محمد جاموس*

مقدمات ضرورية:

من جهتي وكقومي عربي أعتقد أن الكتابة في المسألة الكردية بدون موقف تأسيسي، مبدئي وقيمي يعتبر عملاً مبتوراً، إن أي تناول سريع أو تكتيكي أو تفصيلي صغير, أو أي تناول يستهدف أولاً نقد الحركة الكردية بدون موقف مبدئي وأخلاقي واضح تجاهها, سيكون أمراً خاطئاً وسيساهم في حرف المسألة والتشويش عليها. من هنا ستكون نقطة الانطلاق بالنسبة لي شخصياً محاولاً في نفس الوقت مراجعة وتجديد موقفنا التأسيسي والاستراتيجي في حزب العمل الشيوعي, مؤكداً في نفس الوقت أن ذلك بغالبيته سيأتي على هيئة ملاحظات مكثفة وتقريرية عموماً .بسبب الشرط المحيط بهذه المادة.
ولأتمكن من التقدم إلى الأمر ببعض الطاقة على جرأة القول الأخلاقي الإنساني , ثم الفكري والسياسي، ولأبدو على شيء من الموضوعية في العام..و كذلك الواقعية السياسية(أي غير طوباوي وغير حالم). كل ذلك في ميدان يعتبر اللعب داخلة شيئاً حساساً ومعقداً، حارقاً للأصابع واللسان، مسبباً للمتاعب والأذى والاتهامات من كل جهة, خاصة أننا في حزب العمل الشيوعي قد وجهت إلينا أثناء محاكماتنا أمام محكمة أمن الدولة العليا في سورية, التهمة المزورة والباطلة بتمزيق تراب الوطن ذلك بسبب موقفنا من مسألة الأقليات عموماً والمسألة الكردية منها على وجه الخصوص, ودخلت تلك التهمة المزورة على خط إيجاد مبررات للعقوبات القاسية والاستثنائية التي وقعت علينا.. بحيث يبدو الأمر أحياناً وكأننا قد اكتوينا من لهيب " حليب" المسألة الكردية مما قد يدفع بنا إلى نفخ لبنها، ثم التردد والانكفاء إلى الموقف الانتهازي باسم الواقعية...وأولويات المسائل بأهميتها لنا. من منظور لن يكون في هذه الحالة إلا منظور التعصب القومي، لكل ذلك وبعض أسباب أخرى اسمحوا لي أولاً أن أعبر عن ذاتي العربية وعن وعيي القومي العربي، وعن هموم المسألة القومية العربية, بذلك سيوضع الأمر في ميدان المقارنات الأكثر عدالة, كما سيعطيني وربما كل قومي عربي غير متعصب وإنساني المزيد من الطاقة على تجديد الجرأة ووضع المسائل المتشابهة على نفس السوية وقياسها بنفس المعايير, مع اعترافي المسبق أن المشاعر القومية , الوطنية (بترجمة أخرى) هي أكثر المشاعر انشداداً إلى التعصب, وهذا ليس مستغرباً أن يبقى آخر ما يمكن للمرء أن يتخلى عنه بصورته المتعصبة..وليس مستغرباً أن تترك آثارها حتى في ساحة اللاشعور الجمعي والفردي بعمق خطير.
إن ما تحقق في المسألة القومية العربية لا يعتبر شيئاً كبيراً وحاسماً حتى الآن. فلا تزال المهمات الأكثر جوهرية موضوعة على أولويات برنامج العمل القومي العربي. إن مهمة أولية واحدة لم تكتمل بعد, مهمة تحرير كامل تراب الوطن من الاحتلال الخارجي, بل دخلت تعقيدات خاصة ونوعية, إذ غطت نوعية الاحتلالات المتبقية بشكل خاص الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما خلقه من قضية فلسطينية قومية..ثم الاحتلالات الصهيونية الأخرى .. كذلك بدرجة مختلفة جزئياً قضية لواء الإسكندرون والاحتلال التركي, غطت على التراكم الجغرافي المتحرر في إطار قطري انعزالي ممزق,تعززه سلطات محلية انفصالية, هكذا لا تزال مهمة استكمال تحرير بقية أرض الوطن قائمة وبشكل خاص ما ترتبه في إطار المسألة الفلسطينية.
كما لا تزال مهمة الوحدة العربية وبناء الأمة على شكل دولة مركزية ـ وليس في إطار الكمون أو الإمكانية التاريخية فحسب ـ لا تزال مهمة جوهرية.
وبحكم الأهمية الخاصة والمركزية للمسألة الفلسطينية على الصعيد القومي العربي ودورها الكبير في تغذية شروط تطوير الوعي المتعلق به من خلال عملية الصراع مع العدو الصهيوني العسكري، الاحتلالي والاستيطاني ... عدو من طراز خاص يتلقى دعماً غير محدد من أطراف خارجية, كذلك بحكم أهميتها العالمية ومستوى الاستقطاب الذي تخلقه على كل صعيد فإنني سأسوق بعض القناعات الأولية هنا.. فذلك مهم في إطار المقدمات التي أعرضها.

قامت المشكلة الفلسطينية بسبب مؤامرة دولية رأسمالية وصهيونية مذهلة بجرأتها اللاأخلاقية ووقاحتها ـ ومستمرة بسماتها هذه حتى الآن، مع ذلك وباعتماد أكثر الوثائق والمواقف شرفاً في إطار تلك المؤامرة وعلى هوامشها, فإن الأمر يندرج بصفته احتلالاًللأرض وطرداً لسكانها وتشريدهم, والإمعان في المزيد من الاحتلال والاستيطان الصهيوني ـ هكذا سمحت الشرعة الدولية بوجهها الأخلاقي للشعب الفلسطيني بالمقاومة بكل الوسائل المتاحة لتحرير أرضه. كذلك ينطبق الأمر.. أو المبدأ نفسه على أية بقعة أرض عربية أخرى يحتلها العدو الصهيوني ( الجولان مثلاً ) ...أو أي طرف آخر.

إن أية مصالحة تبدو صعبة إن لم تكن شبه مستحيلة مع مثل ذلك العدو بل أية إمكانية لوقف الصراع الفلسطيني العربي ـ والصهيوني تبدو شبه مستحيلة بدون اعتماد أسس متساوية في الحقوق والواجبات على الأرض الفلسطينية .. مع حق الفلسطينيين المطلق بتقرير مصيرهم بأنفسهم بما فيه حق العودة وقيام دولتهم بالمحتوى والشكل الذي يريدونه أو يتفقون عليه.
أعتقد أنه من الصعوبة بمكان على أي شخص لديه حد معقول من القيم الحضارية والإنسانية المعاصرة, الشرف, والنظافة الشخصية..وأستثني هنا القيم والدوافع الوطنية والقومية في الصراع كي لا أتهم بالتعصب أو استخدام الخطاب القديم نفسه..إلى آخر التهم.. أستثني ذلك مركزاً على القيم الإنسانية والحضارية والأخلاق ... أي شخص لديه مثل تلك القيم لا يستطيع أن يرضى بالوضع الفلسطيني ولا يتحمله , كما لا يستطيع القبول بالحالة الصهيونية أو التصالح معها ما دامت محافظة على بنيتها وطابعها ووجودها القائم على الأرض الفلسطينية والعربية.

مقارنات, معايير واحدة:

غدا بإمكاني أن أسمح لنفسي الآن إجراء بعض المقارنات وطرح المعايير الواحدة للقضايا المتشابهة.
لكن لماذا الاهتمام بالموضوع الكردي على هذا المستوى؟ هل هو رغبة في حب التميز, وحب الظهور على الرغم من حساسية الموضوع أو بسبب حساسيته أم هو موقف صادق في نصرة قضية تعرض شعبها للظلم والقهر القوميين ولا يزال؟
أم هو موقف استباقي تاريخي من أبناء قومية حكامها يعرضون الشعب الكردي للقمع.. استباق يبتغي نسج علاقات وقائية للمستقبل بحكم توقع انفجار للمسألة الكردية على نطاق واسع؟ أم هو موقف أخلاقي ومبدئي, إنساني معاصر, يجب تعميقه.؟
أعتقد أساساً أنه من المستحيل أن نقنع الآخرين بعدالة قضايانا القومية من دون الانسجام التام في الموقف المبدئي والممارسة, من دون النظر إلى القضايا الواحدة بمنظار واحد. ينطبق هذا على عدالة قضيتنا القومية بكل مهماتها وبشكل خاص القضية الفلسطينية , كما ينطبق على القضية الكردية.
وأعتقد أن حكوماتنا العربية المتعصبة حفرت وتحفر مشاعر التعصب القومي المتبادلة بين الأمتين والشعبين بصورة فظة وعميقة, وكل ردود الفعل محتملة وخاصة أن المنطقة مقدمة على أحداث خطيرة أولها تسوية الوضع العراقي من قبل أمريكا. إن الإمعان في التعصب القومي والظلم القومي للأمة والشعب الكردي سيسمح للقوى الخارجية باستغلال الحالة الكردية على مداها, مما سيترك آثاراً تدميرية جديدة على الوطن العربي.من المفترض إذن أن يدفع هذا بالنخبة السياسية والمثقفة والأنظمة الأكثر عقلانية وتفهماً لمصالحها إلى بذل جهد إضافي لتدارك الأمر بموقف أخلاقي ومبدئي صادق.. أو موقف عقلاني . بعيد عن الازدواجية والنفاق تجاه القضية الكردية برمتها.
كما اعتقد أنه شيء صحيح ...أخلاقي وجميل أن يكون المرء نصيراً لقضية تتعرض للقهر والظلم, نصيراً لأمة وشعب كانا على مدى تاريخي هائل في موقع الدعم لقضايانا القومية والوطنية... كانا على مستوى عميق من التعايش الراقي مع أمتنا وشعبنا..بذلك المعنى أنا نصير للقضية الكردية.. ألست شخصاً عربياً في موقع الصراع مع العدو الصهيوني من أجل القضية الفلسطينية وبقية الأراضي المحتلة...من أجل مصداقية موقفي أنا في موقع النصير للقضية الكردية فالتشابه كبير بين قضيتنا القومية بكل جوانبها الرئيسية وبين القضية الكردية لكن ما هو وجه المقارنة والشبه بين بالقضيتين؟ما هو منظوري للقضية القومية الكردية؟

إذا أردنا تجاوز موقفنا النظري والفكري القديم في حزب العمل الشيوعي فيما يتعلق بالمسألة القومية والأمة, الذي اعتمدنا به مفهوماً ستاليناً جامداً، إلى موقف دينامي يعتمد شروط وجود الأمة والقومية الناجزة والمجموعات القومية, أكثر حيوية وتفاعلاً مع حياة الصراع السياسي, فإنه يمكن القول بأن وضع الشعب الكردي يمثل أنه, ليست أقل قدراً , أقل تحققاً في شروط وجودها من شروط وجود الأمة العربية.. إن وجود روابط عصبية متخلفة في وسط الشعب الكردي خلقت وتخلق ولاءات بعيدة عن الوعي القومي المركزي, لم يمنع أبداً قيام حركات ومحطات نضال قومي كردي, كان آخرها ما حققه العمل الذي قاده حزب العمال الكردستاني في تركيا, كما يجب القول أن قضيتنا القومية وشروط وجود أمتنا... تتعايش مع عصبيات بدورها الأخرى متخلفة ذوات دور نبذي طارد للوعي القومي العربي.. ليس هذا فحسب بل هناك تفاوتات كبيرة وحادة خلقت حالات وعي إقليمي قومي , خلقت ما يمكن التعبير عنه بالمجموعات القومية العربية المتفاوتة بوعيها ومستوى اقترابها أو ابتعادها عن المجموعة القومية الأكثر رقياً ووعياً , كما تمثل حالة وجود وطموح تطور الأمة, بمعنى آخر.. أن هناك تعقيدات ذاتية ليست أبداً أقل شأناً وأهمية من تعقيدات القضية الكردية مع ذلك نعتبر أن هناك أمة عربية ونطالب بالوحدة العربية وتحرير كامل التراب..على ذلك الأساس لا أكثر ولا أقل هناك أمة كردية وشعب كردي على الرغم من كل سويات التخلف والعصبيات القديمة وحالات استغلال ذلك في خلق صراعات كردية داخلية لصالح أطراف خارجية.
ـ الأمة الكردية والشعب الكردي مقسمان على أربع دول في المنطقة هي تركيا والعراق، إيران وسورية, مرتبة بحسب أهمية وفعالية عدد السكان في كل دولة ... والشعب الكردي ليس حالة عابرة أو استيطانية مجلوبة, بل حالة أصلية من حيث وجوده الجغرافي في هذه المنطقة الجبلية الشاسعة التي لا يزال الأكراد يشكلون النسبة الحاسمة فيها على الرغم من كل عمليات اللعب السكاني.كالتهجير القسري والتوطين البديل. بذلك المعنى الأرض الكردستانية محتلة والمهمات المطروحة أمام النضال القومي الكردي هي من حيث الجوهر لأن هناك مهمات تفصيلية عديدة ثقافية وسياسية وغيرها .. لسنا بصددها.

أولاً :
تحرير كردستان. لسان حال الأمة الكردية.. الشعب الكردي وقواه القومية يقول لشعوب المنطقة لسلطاتها وحكوماتها وقواها السياسية الأخرى.. ألا نستحق بعد ذلك المستوى من التعايش الراقي والاندماج الاجتماعي والأقلياتي والقومي والديني الإسلامي معكم.. ألا نستحق نفس حقوقكم؟ هل من حقكم فقط تحرير أراضيكم المحتلة. ألم نكن جسداً مقاتلاًُ معكم في الدفاع عن تراب وطنكم وأرضكم..؟ لماذا هذا الموقف المنافق والمتعصب..من قبلكم، عندما يستيقظ وعينا القومي ونجد أرضنا محتلة ونطالب بتحريرها.

ثانياً:
وحدة الشعب الكردي , وبناء الأمة ـ الدولة الكردية المركزية على أرض كردستان التاريخية, أيضاً لسان حال الشعب الكردي وقواه القومية تقول: لماذا مرت وتمر عليكم موجات التطور العالمية الشاملة.القومية , والاشتراكية. والديمقراطية، والإنسانية المعاصرة دون أن تمر علينا بنفس المستوى ونفس الشروط ونفس القدرة على التفاعل … بل بحقوق أدنى, كم من شعب أو أمة في الأرض لا تزال مقسمة وأرضها ممزقة ومحتلة مثلنا؟ ألم بعد ذلك شيئاً نادراً،شعوب وقوميات عدد سكانها بعشرات الألوف تحولت إلى دول ممثلة في الأمم المتحدة, هل عدد الأكراد غير كاف وتحت الحد الحرج , وهل هناك حد حرج في عدد السكان الذين يمكن أن يشكلوا شعباً أو قومية أو أمة, هل نقيم في أرض ليست أرضنا ـ قمنا باحتلالها على الطريقة الصهيونية مثلاً .. أم هي أرض كردستان التاريخية.
ألا نمتلك لغة وثقافة وفنوناً أصيلة ومتنوعة وبناء فوقياً قومياً خاصاً أليست لدينا طموحات قومية.. ألم تتشكل في صفوفنا قيادات سياسية قومية خاضت نضالات طويلة ونحن وراءها.. نحن قسم من الشعب الكردي غير بسيط في كل مرة؟ ألم ندفع ثمناً مهماً من أجل قضيتنا القومية.. بماذا تختلف عنكم في المنطقة إلا أننا تعرضنا لمؤامرة دولية رأسمالية قسمت شعبنا وأمتنا من آجل مصالح كبرى .. بين أربع دول في المنطقة … لا بل حتى بهذا نشبه وضعكم العربي جداً .. بذلك خلقت قضيتنا الكردية وغدت معقدة, حتى لغتنا القومية لا نستطيع مثلكم التحدث بها بنفس الدرجة من الحرية والآمان ..ولا نستطيع الكتابة بها .. القانون يعاقبنا على ذلك في الكثير من مناطق كردستان .. ثقافتنا وفنوننا لا نستطيع ممارستها بحرية عداك عن تطويرها بصورة مستقلة .. وفوق كل ذلك تعاملوننا كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة.. مرة أتراك الجبل , وأخرى أجانب بدون جنسية , ومرة مسلمين فحسب .. ومرة آريين فارسين قدماء .. هل كتب علينا التمزق والانقسام بين أكثر من قومية ودولة.. ويطلب منا السكون والاندماج على حسابنا دائماً .. بأي منطق. بأية معايير أخلاقية وقيميه يستمر الأمر على تلك الشاكلة.

أهمية القضية الكردية:

تكتسب قضية ما أهميتها أساساً من خصوصيتها وفرض ذاتها ووجودها من خلال تلك الخصوصية على المنطقة المعينة، ومن ثم الجوار والعالم. تكتسبها من قدرتها على التفاعل والتأثير،أو من مستوى تنوع وشدة التناقضات التي تختزنها وتولدها،ومن ثم تنوع وشدة الصراعات الناجمة عنها، والوسائل المستخدمة في كل ذلك تكتسبها من مستوى التشابك مع قضايا أخرى ... وأخيراً فإن أية قضية مهما امتلكت من شروط كامنة أو فعلية للتناقض والصراع والتعقيد فإنها من دون اهتمام أصحابها بها، من دون استعدادهم لدفع الثمن الذي تستحقه فإنها تضعف وتتراجع, تدخل أطواراً مختلفة وقد تستحيل أحياناً إلى قضية من مستويات أدنى.
اكتسبت القضية الكردية أهميتها لكل الأسباب السابقة ولأسباب أخرى إضافية سأوضحها:
هل يعتقد أحد أن هناك إمكانية بعدم اكتمال دورة أو موجة النهوض القومي وبقاء شعوب وأمم مهما صغرت أو كبرت ( خاصة إن كانت بعشرات الملايين) دون وصول هذه الموجات إليها واكتمالها بصورة أو بأخرى؟ هل هناك إمكانية في استمرار وجود أراض محتلة واسعة أو ضيقة لصالح دول وقوميات أخرى؟ هل هناك إمكانية في استمرار وجود شعوب وأمم ممزقة في أكثر من دولة ـ العالم وعلى الرغم من موجة العولمة يشهد موجة قومية في كل المواقع التي تأخرت فيها دورة النهوض القومي أو أعيقت, جرت محاولات لنشلها, مع سقوط الاتحاد السوفيتي انفجرت المسألة القومية التي كانت معتبرة محلولة على الأقل بالمعنى النسبي المقارن مع غيرها في مواقع أخرى. في البلقان انفجرت المسالة القومية ومن أجلها جرت دماء كثيرة في إعصار حروب أهلية وحشية, في فلسطين يعود النضال القومي والوطني في كل مرة مجدداً نفسه لاستكمال مهماته.. هذا الأمر بحد ذاته وفي القرن الحادي والعشرين يعطي للمسألة القومية الكردية أهميتها الخاصة, وهي القضية التي لم تحقق الحد الأدنى من مهماتها .. تحرير الأرض.
إن تقسيم كردستان وتقسيم الشعب والأمة الكردية بين دول أربع وثلاث قوميات ( الطورانية التركية ) والعربية والفارسية. خلقت تعقيدات كبيرة ـ صحيح أنه لعب دوراً سلبياً جداً في تطور النضال القومي وأثر على مستوى الوعي ومسألة توحيده وأخره, كما خلق تناقضات داخلية ـ على الرغم من كل ذلك بحد ذاته له وجه آخر أعطى القضية الكردية أهمية خاصة فهي تشكل أربع دول وثلاث قوميات . وبذلك تدفع بتأثيرها إلى نطاقات اكثر اتساعاً .
كردستان التاريخية غنية بمصادر الثروات الطبيعية , كان ولا يزال النفط واحداً منها، والآن جاء دور المياه, ودخل كل ذلك في الصراعات القومية والسياسية في المنطقة, استخدمت تركيا مصادر المياه في الضغط على كل من العراق وسورية وخاصة سورية من أجل مسائل سياسية عدة ارتبطت بشدة بالقضية الكردية. كما استخدم النفط في ذلك.. تلك الثروات تخلق أهمية إضافية للقضية حتى ولو شددت الصراعات من أجلها.
تأثير النضال القومي الكردي في أية ساحة من الساحات الأربع على بقية الساحات في كل مرة خاصة بتأثير النشاط القومي في كردستان العراق على كامل الشعب الكردي مع ثورة البرزاني, ، أو في مهاباد إيران. وأخيراً و خاصة في تركيا على يد حزب العمال, كل ذلك فرض أهميتها وأكدها.. كما خلق تفاعلات مختلفة بين دول المنطقة بعضها ببعض, بينها وبين دول أخرى على صعيد العالم.
صحيح أن النضال القومي الكردي المعاصر.. قد ضبط بعملية تآمر كبيرة تقودها الآن الولايات المتحدة بشكل خاص في تركيا وجملة آفاق الوضع الكردي.. بالتعاون واستخدام بعض دول المنطقة في ذلك: تركيا وإسرائيل .. حتى شمال العراق هو وضع مرتهن لشروط الصراعات الدولية ولا يمكن اعتباره تحريراً فعلياً للأرض.. أو وضعاً مستقلاً .. مع ذلك وفي حرب الخليج الأولى والثانية بصورة خاصة, تقدمت القضية الكردية بأهميتها.
تكتسب القضية الكردية أهميتها أيضاً من خلال تشابكها في أربع دول مع قضية النضال الديمقراطي والوطني في تلك البلدان, من المستحيل حل قضية النضال الديمقراطي في أي بلد منها بدون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الكردية فيها ودون الاعتراف بتميزها, دون الاعتراف بحقوقها التاريخية والتعامل معها في نفس المستوى القيمي والمعياري لسكان القومية الغالبة (الأكثرية).
تجاوزت القضية الكردية أهميتها المحلية والشرق أوسطية إلى العالمية .. فتركيا تحت ضغط العولمة والبحث المرير عن موقع في الاتحاد الأوربي سحبت قضية حقوق الإنسان والنضال القومي الكردي معها على المستوى العالمي، وغدا تحقيق شروط الحد الأدنى لحماية الوضع الكردي وتخفيف القمع والقهر القومي التركي... غدا ضرورياً لانضمام تركيا إلى الاتحاد .. بإلاضافة إلى مسائل أخرى كإلغاء عقوبة الإعدام وغيرها.
كذلك في إطار العولمة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي ... وتحول أمريكا إلى موقع القطب القائد للعالم دخلت قضية النضال الكردي على الخط من خلال ما ادعته أمريكا بأنه قضية الإرهاب الدولي ووضع حزب (PKK) النضالي .. علاقاته وقوته العسكرية وبرنامجه.. كذلك وجوده في سورية وشمال العراق.
مرت لحظات كادت فيها القضية الكردية أن تكون تسبب حروب بين بعض دول المنطقة تركيا وسوريا.. كذلك تركيا والعراق.. وعادت التناقضات التركية اليونانية إلى الواجهة أكثر من مرة كذلك مع إيران .. بسبب تعاون هذه الدولة أو تلك مع قوى كردية ضد دولة أخرى من أجل تصفية حسابات قديمة ذات طابع قومي على العموم. والقضية تتقدم بأهميتها العالمية إلى درجة يمكننا وضعها في مصاف القضايا الأساسية الأولى من حيث الأهمية وأهميتها ستزداد مستقبلا .

الحلقة المركزية في النضال القومي الكردي. والحلقات الأخرى:

لو كانت كردستان بكاملها محتلة من قبل دولة واحدة لما كانت هناك ضرورة لمثل هذا السؤال. لكن باعتبارها مقسمة.. يصبح سياق النضال الاستراتيجي لتوحيدها.. معقداً وعلى شكل موجات تحركها بؤر مشتعلة تختلف بقوتها وتأثيرها...أما ماذا في الحلقة المركزية؟ فهي القسم المحتل من كردستان في حالة النهوض القومي الأكثر تطورا أو قدرة على التأثير وجر بقية المناطق والحلقات خلفه. كما أنه الأكثر قدرة على تحقيق انتصار قومي والمحافظة عليه في نفس الوقت. على ذلك الأساس ليست الحلقة المركزية شيئاً أو منطقة ثابتة على ضوء شروط محددة بشرية واقتصادية وجغرافية.. بل هي شيء متحرك في هذا العصر خاصة.. إذ تتدخل فيه شروط صراع سياسية متحركة بدورها قد تتحول منطقة ليست ذات أهمية أولى إلى منطقة الحلقة المركزية. لكن على ضوء المعطيات القائمة أعتقد أن الحلقة المركزية للنضال القومي الكردي في المدى الاستراتيجي هي كردستان تركيا على الرغم من تعقيداتها السياسية, وشدة الغضب الطوراني التركي القومي, وعلى الرغم من السبق التاريخي في اشتعال بؤر للنهوض القومي الكردي في كل من إيران والعراق بشكل خاص، ذلك النضال القومي المديد الذي قاده البرزاني وتحقق في إثره ما يشبه الانتصار باتفاق الحكم الذاتي ... وظهور الأمر كأن كردستان العراق تنافس كردستان تركيا على مسألة الحلقة المركزية... لكن لماذا تركيا حلقة مركزية؟.
بدون شك ستبقى العوامل الذاتية الداخلية , المعطاة فعلياً أو الكامنة أساسية في مسألة الحلقة المركزية, أو بمعنى آخر توفر الحد الأدنى من الشروط الذاتية… البشرية والجغرافية والاقتصادية بالإضافة إلى مستوى من الوعي القومي المتطور القادر على الدفع والتوليد, بذلك المعنى وبحكم الأهمية البشرية للتجمع السكاني الكردي في كردستان تركيا، كذلك بحكم اتساع الجغرافيا الكردستانية هناك… تنوعها، تعقيداتها، قدرتها على حماية أشكال نضال متنوعة, وانفتاحها على اكثر من دولة محيطة بتركيا.. بينهما علاقات متناقضة تاريخية قديمة أو معاصرة .... لهذا تعتبر الشروط الكردية الذاتية داخل تركيا هي الأكثر أهمية وحسماً .
الوعي القومي الكردي في تركيا وعلى الرغم من الصعوبات والقمع والقهر الذي واجهه طويلاً . محاولات السلطات التركية تشويهه وخلق تناقضات داخله.. مصادمته ببعض, بتجنيد واستخدام وحدات كردية هذه على مدى طويل(ما أسمى بالجحوش) .. إلا أن ذلك الوعي يعتبر الأكثر معاصرة ورقياً , لأنه تأسس بصفته الأثر بعداً عن حالة العصبيات الكردية المتخلفة, اعتقد أنه أكثر رقياً من ذلك الوعي الذي نهض وتشكل في كردستان العراق الذي يمكن إبداء الكثير من الملاحظات عليه بحكم انتماء قياداته التاريخية الأولى وقوة تأثيرها(الزعيم مصطفى) واستخدامها لوسائل تحريض متخلفة ونفوذها العشائري في المحافظة على نفوذها السياسي ليتحول إلى ما يشبه نمط الإقطاع السياسي على الرغم من أهمية الكبيرة جداً وتطابقه مع الشروط المحلية في حينه..كذلك على الرغم من تطوره في المراحل الأخيرة بالمعنى الذاتي.. أو تطعيمه بقوى أخرى مثل ( الاتحاد الوطني الكردستاني).
تركيا بالذات عبارة عن دولة وجدت في الحقبة المعاصرة من الحركة... تحولت من إمبراطورية عثمانية مترامية الأطراف إلى بلد ودولة كبيرة لها قصص كثيرة عالقة مع جيرانه. أي وجد (على الجمر) .. على حدود التناقضات المفتوحة بالمعنى الداخلي.. كذلك بالمعنى الخارجي بينها وبين جيرانها.

إن قصة الأتاتوركية والعلمانية وجدت أساساً بصورة قسرية ( بالقوة العسكرية) وضبط شروط الحد الأدنى الممكنة... ثم انفتحت القصة على مصاريعها تحديداً في إطار القومية التركية الأكثرية للتراجع عن العلمانية... وعلى الرغم من الشعور القومي التركي العام من جهة العلمانيين والمسلمين يمثل صمام أمان لعد الانفجار بقيادة العسكريين الكماليين وقوة قمعهم.. إلا أن ذلك الصمام انفتحت فيه ثغرات عدة كانت آخرها قبل عامين وكادت أن تساهم مع شروط داخلية أخرى في فتح مجال لحرب أهلية متعددة الأطراف والأهداف .. ليس هذا فحسب , بل قامت تركيا أساساً على عدد كبير من المشاكل الجدية التاريخية... مع سورية(لواء اسكندرون مثلاً)مع العراق مسألة الطموحات في الموصل والعلاقة بالتركمان.مع اليونان مسألة الخلاف على الجزر (قبرص بشكل خاص) والقمع القومي.. والديني القديم, مع أرمينيا والأرمن.المجازر التاريخية والقمع المتعدد الوجوه.. كذلك مع إيران.. كل ذلك يحتاج لعملية ضبط دائمة.. حذرة ودقيقة , مكلفة, ويصبح ذلك صعباً جداً في بعض الشروط كاد أن يصبح في فترة قمة نضالات حزب العمال الكردستاني والنهوض القومي الذي أثاره وتحالفاته مع الدول المحيطة التي قدمت له أشكالاً مختلفة من التسهيلات والدعم مما أثار المخاوف الكبيرة لدى أمريكا وحلف الأطلسي وإسرائيل.. وجعل المؤامرة على النضال القومي الكردي في أقصى طاقاتها لتتراجع موجه النضال القومي بمؤامرة اعتقال عبد الله أوجلان واستمرارها مجذورة في تركيا.. ذلك الوجود التركي والبنية أو التركيبية التركية.. تساعد أكثر في الجعل منها حلقة مركزية للنضال القومي الكردي.

اعتقد أنه من الصعب على تركيا أن تدخل عملية اندماج وطنية متطورة ودائمة أو مستقرة بصورة فعلية بسبب نسيجها القومي ( تركي , كردي , عربي) وأقليات أخرى صغيرة، الديني الطائفي( سني وعلوي) مع مجموعات دينية صغيرة عديدة .. والتناقضات القائمة على ذلك الأساس وعلاقة تلك التناقضات بأطراف خارجية ووجود طموحات قومية جدية... هذا العامل مساعد بدوره للنضال القومي الكردي لتكون تركيا حلقته المركزية. أن الكيفية التي تقترب فيها الحلقات في كردستان من حيث الأهمية. على الرغم من ضرورة الحذر في تثبيت الشروط... وجود إمكانية لتبادل المواقع بين دور تركيا ... وشمال العراق.. كذلك إمكانية تقدم دور المنطقة الكردية في إيران .. مع ذلك في المدى الاستراتيجي وباعتقادي يمكن إبداء الملاحظات التالية على عملية ترتيب أهمية الحلقات الأخرى شمال العراق مع ضرورة الملاحظة أن هناك إمكانية جدية لينقلب ويصبح الحلقة المركزية في النضال بسبب الشروط السياسية العالمية واحتمال وقوع تغيرات واسعة وعميقة في المنطقة. . دون أن يعني الأمر بالضرورة انفصاله على هيئة دولة مستقلة إذ لا يوجد أي طرف كردي ( تقريباً ) مع ذلك الانفصال بصريح العبارة كما أن العالم برمته ضد ذلك.. خاصة أمريكا وأعلنت ذلك بوضوح شديد.. لكن هناك إمكانية في استمراره باستمرار الشروط التي أوجدته بالإضافة للإمكانات التي يحملها على التأثير والتطور على الرغم من كل العوامل التناقضية الداخلية النبذية والصراعات القائمة بين الأطراف القيادية.

ثم يأتي الوضع الكردي في إيران بالترتيب الثاني على الرغم من السعي السلطوي الإيراني في تبريد المنطقة بتقديم العديد من الحقوق القومية الثقافية ... واستخدام الدين صمام أمان إضافي .
وفي الترتيب الأخير تأتي الوضعية الكردية في سورية.. إذ أعتقد أنه لا يتوفر فيها إي حد في المدى المنظور لتتبادل مع غيرها من مناطق كردستان أي دور مختلف في الترتيب , بالمعنى الذاتي، الشروط الذاتية فإن الحالة الكردية في سورية تفتقد الشرط المناسب لتصبح حلقة نضال قومي مركزية.. أو لتغير ترتبها... أقول هذا على الرغم من تطور مستوى الوعي القومي الكردي فيها.. التعليمي والثقافي .. ثم الحزبي السياسي مع ذلك بقي التجمع الكردي في سورية على طول الخط وبصوره أساسية