EWRAQ KURDIYE
من أوراقنا الكردية:
الاثنيات والسلطات في الشرق الأوسط - "الحالة الكردية"*

  هشام داود


الرحّل، القبائل، الرعاة، منتجعو الكلأ، الفلاحون، كلها جماعات و أنواع حياة ألهمت عدداً كبيراً من الروايات و حكايات السفر. هذه الفكرة التقليدية التي كونها الأوربيون عن الأكراد الذين هم، في نظرهم، رعاة رحل ومحاربون قبليون وقطاع طرق جبليون بدأت تمحى على الرغم من أن الأكراد مازالوا يحتلون مكاناً أكثر من ضحل في الأدبيات الاثنوغرافية للمجتمعات الشرق أوسطية التي يجب الاعتراف بأنها متواضعة جداً. ذلك أننا، في ما يتعلق بالشرق الأوسط نجد أنفسنا أمام دول متعددة الاثنيات لم تكن موضع أبحاث مفصلة من جانب العلوم الاجتماعية وأقل من ذلك أيضاً من جانب الأنثروبولوجيا الاجتماعية.
ولنضف إلى ذلك أن " الحضور" الاستعماري لما بين الحربين يتصف بما لا يقل عن ذلك من اختلاط الأذهان – تقريظ لحالة بدوية ديونيزية، ولكن ذلك مع ريبة، بل مع عنصرية معادية للعرب أو معادية للمسلمين ( منذ ذلك الوقت ! ) وتمجيد لـ" الرسالة التمدينية " للغرب (..) وهو ما يساعد على فهم السبب الذي بدت، من أجله، الاثنولوجيا مشبوهة ومصطبغة بالاستعمار لدى كثير من الشرقيين. ولذلك، لم تفعل معظم الحكومات المعنية أي شيء لتجتذب إليها علماء الأثنولوجيا بل مضت إلى درجة اتخاذ تدابير من شأنها أن تحبط عزائم أكثر الناس تشبثاً حيال أولئك الذين يغمرون بالذهاب إليها على الرغم من كل شيء. هل يجب أن نذكّر، أيضاً، بأن البلدان المعنية التي غالباً ما تجد خطأً أو صواباً، دواعي للفخر في ماضيها أكثر منها في حاضرها منحت المستشرقين رعايات وتسهيلات مازالت ترفض إعطاءها للانثروبولوجيين؟ والقليل من الانتباه الذي أولاه الباحثون في فروع أخرى-السوسيولوجيا، علم السياسة والتاريخ(باسثناءات نادرة) للقومية الأثنية الكردية لم يكن، هو نفسه، في قسم منه، سوى وصفي و وعظي.
فهناك، إذن، حاجة محددة جداً لإجراء دراسات مقارنة وسوسيو- انثروبولوجية حول تطور الجماعة الأثنية الكردية ودورها في عالم الشرق الأوسط. والشاغل الرئيس لهذا المقال هو محاولة تلبية هذه الحاجة بإصدار بضع أفكار تتصل بأسباب حدة العواطف الأثنية في مجتمعات الشرق الأوسط المعاصرة. ذلك أن عدة حركات تحرر وطني أو أعمال انفصالية تطرح, من الآن فصاعداً, بصراعاتها الصريحة مع دول مركزية مستبدة مسائل مؤلمة وشائكة في هذه المنطقة التي, يعيش فيها, حوالي عشرين مليون كردي. ومن الجلي أن الأحداث الجارية تبين أننا نشهد تصاعداً لهذه الظواهر و فاجعاً و طويلاً أحياناً, لا يوجد ضده دواء عام ناجع, كما قالت لوسيت فالنسي:" انبثقت التعددية الأثنية واللغوية والدينية كظاهرة اجتماعية وسياسية لم تكن المجتمعات المعارضة مهيئة لها على وجه العموم. والخصوصيات تقاوم وتعاود الازدهار بعيدة عن الزوال بسيرورة دمج وتمثل ".
صحيح أن الأمر يدور حول مسألة ليست, حكراً على الشرق الأوسط على الرغم من أن الوضع الذي تظهر عليه نوعي دون أدنى شك. فيكفي أن نتبين صعود الحركات القومية والاثنية في كل العالم تقريباً. والواقع هو أن ما من قارة ما من نموذج من المجتمعات في مأمن من ذلك كما يبين من انبثاق حالات أزمة، بل وانفجارات عنف وحرب أحياناً من الهند إلى أفريقيا، زمن أوربا الوسطى والشرقية وخاصة يوغسلافيا السابقة والاتحاد السوفياتي السابق إلى أيرلندا، من كندا إلى الجزائر، من الولايات المتحدة إلى أسبانيا وفرنسا... الخ . وحتى سويسرا التي استشهد بها لينين، في زمانه، كمثال على حل موفق للمسألة القومية في المجتمع البرجوازي الديمقراطي – كانت مسالة كانتون الجورا تطرح، بكثير من الحدة، منذ حوالي عشرين سنة.
ويبدو اليوم واضحاً، إذا تحدثنا استرجاعياً، انه كان يوجد بين الماركسية السوفياتية والليبرالية الغربية، على الرغم من المواجهة الإيديولوجية بين الشرق والغرب، توافق سلبي كامن. فقد كان المذهبان، بخفضهما من قيمة ظاهرة القوميات والفروق الأثنية – الثقافية بين الشعوب، يلحان خاصة، على التطور المتعلق بالطابع الخطي للتقدم. ولكن التجربة بينت أن انهيار البنى الاجتماعية القديمة، تحت تأثير التصنيع والتحديث، أنتج أقل النتائج توقعاً: فبدلاً من أن تهدأ العواطف القومية والاثنية، فإنها تعرف، في أيامنا، تجدداً مؤكداً.
عند تأمل نظريات أصل الأمة والاثنية وطابعهما، يجب التخلي عن الفكرة الخاطئة و المنتشرة عن تقادمها حيال ما أصطلح على تسميته بـ "الحداثة " التي تماهي التغير الاجتماعي بانتقال من التقليدي إلى الحديث، من البسيط إلى المعقد أو، أيضاً من "الخصوصية" إلى "العمومية"، للجوء إلى المفاهيم التي صاغها بارسونز ضمن الخط المستقيم للتقليد الفيبري. وفي هذا المنظور، تنتمي المسائل الأثنية إلى العالم "الخصوصي " أو "ما قبل الحديث". فلها، وقد ربطت تلقائياً بـ " المعارك القبلية" وحسب المصطلحات المستخدمة عندما يجري الحديث عن أفريقيا، جانب بالٍ، لا تاريخي يجعلها مشبوهة أو يظهرها بوصفها "عقبات" في وجه التغير أو نتيجة لـ"تحديث غير كامل "، وبالتالي قليل الأهمية بالنسبة للمنظر.
وفي وضع التبعية الجديد هذا، تماثل الحداثة والرواية الحداثية، لدى المجتمعات الطرفية بوسيلة "العولمة" حيث ينحت الكلي على، قياس المحلي والعكس بالعكس. وليست النتيجة الناتجة مجرد تكيف محلي مع نموذج الحداثة، بل إعادة تسعير للعواطف الأثنية والقومية لتشويه الحداثة الغربية إلى ما وراء صورتها الأصلية. ويبدو من كل هذا، كما كتب الانثروبولوجي موريس غودلييه بصواب كبير، أنه يجب ( أن نتذكر، باستمرار، أن البشرية لم تستطع النمو إلا بتمايزها وإن مجانسة طرق العمل والتفكير ضمن صيغة واحدة تهدد مستقبلها كل مرة. ولكن هذا يجب أن لا يخفي علينا أن ما من مجتمع في عالم اليوم يستطيع، عملياً، أن يعاد إنتاجه دون أن يضم إليه شيئاً آتياً من الغرب، أدوات، أسلحة، تقنيات، أفكاراً، علاقات اجتماعية. والجماعات الفلاحية أو الأثنية التي تستميت أشد الاستماتة في الدفاع عن هويتها لا تستطيع، هي نفسها، أن تفعل ذلك إلا بتركها مئات من أعضائها يذهبون ليبحثوا عن وسائل عيشهم في المجتمع الكبير الذي يشملها ويسيطر عليها. والدفاع عن أنماط التفكير والحياة التقليدية، أو التي تعتبر كذلك، لا يتم، وفي الأمر مفارقة، إلا بالتكامل من خلال الهجرات ونمو اقتصاد السوق الخ.. بجماعات تقاوم داخل البنى الكلية التي تهدد هويتها وتنسق، في الوقت نفسه، مقاومتها. من أجل ذلك، فإن كثيراً من البنى المسماة متقادمة أو " بدائية " ليست، في الواقع، سوى بدائيات زائفة مندمجة في سيرورات إجمالية تتخذ، فيها، أشكال حياة وفكر قديمة، حتماً، معنى جديداً ).

النموذج الاثني: إطار نظري

يتفق، بدرجة كافية من التكرار، في العلوم الاجتماعية، أن لا تكون بعض المفاهيم قد عرفت، بعد، بصورة واضحة، مثيرة جملة كبيرة من الأعمال. والمصطلح الوارد في العنوان الفرعي لهذا المقال ينتمي إلى هذا النوع (الأثنية)، وهذه النقطة تستحق التدقيق.
يتواجه، حول الطبيعة الأساس للأثنية، بصورة رئيسية، موقفان تحليليان. الأول مستوحى من النموذج " الأولاني " ويلح على التلازم، على الطبيعة الأولية للانتماء إلى المجموعة الأثنية وعلى ضرورة تلقين اجتماعي مبكر والتكامل مع الجماعة الأولية. وهو يميل أيضاً إلى اعتبار الخصوصيات الثقافية – اللغوية، الدينية أو "العرقية" محدداً مباشراًَ لصورة ما من الشعور الاثني.
ومن يرجح الوجه الأول سيرى، أيضاً، علاقة بين الأثنية والقرابة بسبب الصلات العاطفية القوية التي ينسجها بين البشر الاقتناع بامتلاك أجداد مشتركين ومصير كوني واحد أحياناً ؟ ويعرف ماكس فيبر ملحاً على أهمية الأصل المشترك، الجماعة الأثنية كما يلي: ( سوف نطلق اسم " الجماعة الأثنية " على تلك الجماعات البشرية التي تنمي اعتقاداً ذاتياً بأصلها المشترك. ويجب أن يكون هذا الاعتقاد مهماً لانتشار تشكل الجماعة. وبالمقابل ، لا أهمية لوجود أو عدم وجود علاقة دم موضوعية . فالعضوية الأثنية تختلف عن الجماعة النَسَبية بكونها، على وجه الدقة، هوية مفترضة ).
إن هذا التعريف يظهر بعض التكافؤ بين الجماعة الأثنية والأمة على الرغم من أن فيبر يدخل، في مكان آخر من الكتاب نفسه، تمييزاً واضحاً بين المدلولين: ( فكرة الأمة قابلة للاشتمال على مدلولي الأصل المشترك وتجانس أساس على الرغم من كونه غير محدد بصورة شائعة).
وتشترك "الأمة" في هذين المدلولين مع الشعور بتضامن الجماعات الأثنية الذي يتغذى من مصادر متنوعة كما رأينا من قبل (الفصل الخامس،4).
ولكن الشعور بالتضامن الاثني لا يصنع, في حد ذاته "أمة".
ويكتب غي نيكولا، متخذاً موقعه في الاتجاه " الأولاني " نفسه: ( الأثنية، في الأصل، هي، ذي طابع متفاوت الأسطورية. ولهذه الجماعة اسم وأعراف وقيم ولغة خاصة عموماً، وهي تتوطد بوصفها مختلفة عن جيرانها, والعالم الاثني مكون من فسيفساء من مثل هذه المجموعات الجماعية التي تتكون، هي نفسها، في أغلب الأحوال، من فسيفساء من السلالات. وتوجد قرابة عميقة بين الأثنية والسلالة أو العشيرة، وهي قرابة غالباً ما تدعمها مفردات عائلية، بل وأسطورة منشأ تقييم الأصل المشترك لأعضاء جماعة انطلاقاً من زوجين أوليين أو بطل أسطوري.
ويتبنى عالم الاجتماع البريطاني أنطوني د. سميث، بصورة ما، هذه الرؤية جزئياً: ( الكائنات البشرية أحست بنفسها، دائماً، مرتبطة بهويات متعددة. وحتى في المجتمعات ما قبل التاريخية، تتنافس الأسرة والعشيرة والمستوطن على ولاءاتها. وفي الزمن الذي نصادف فيه مجتمعات تاريخية بسجلات مكتوبة، يجب أن نضيف إلى دائرتي الهوية الأسرية والسكنية دائرة الطبقة الاجتماعية وما سوف اسميه "الجماعة الأثنية" أو الأثنية. ويمكن تعريف الأثنية على أنها مجموعة بشرية يشترك أعضاؤها في أساطير أصل ومنشأ وذاكرات تاريخية وأنماط ثقافية وقيم مشتركة في ترابط مع إقليم خاص وشعور بالتضامن، بين النخب في الأقل. والصحيح هو أن الإسهام السوسيولوجي لأنطوني د.سميث مهم ويتجاوز تجاوزاً واسعاً المنظور "الأولاني" والجوهري الذي يتبدى جامداً بعض الشيء – وسنعود إلى ذلك.
ويعرف الموقف الثاني الموصوف بأنه "أداتي" بكون الحدود بين الجماعات الأثنية مرنة وقابلة للنفوذ وبكون الانتماء الأثني يمكن أن يكتسب أو أن يهجر إرادياً. وتضع: "الأداتية" تنازعات المصالح في مركز التنافسات السياسية ذات التعبير الاثني بتسليمها بأنه يمكن أن تكون للفرد هويتان أو عدة هويات حسب الدور الذي يلعبه في هذا الموقف أو ذاك. ويمكن للانتماء الاثني أن يتوقف على طقوس القبول الاجتماعي والتماهي الذاتي أكثر منه على معايير لا رجوع عنها فرضت منذ الولادة.
ويقترح مؤلفون "أداتيون" آخرون مقاربة أكثر ديناميكية وتفاعلية سوف تعمل على بيان كون الأثنية، قبل كل شيء، مقولة يعود استمرارها، أيضاً، إلى الفروق الثقافية بين جماعات متجاورة.
وهذه المقاربة الجديدة، انطلاقاً من المنطق الأداتي، تقود إلى انزياح لآليات التعريف الذاتي والنشوء الأثني نحو سيرورات أثنية تعطي، على هذا النحو، نصيباً واسعاً للتاريخ. فيبدو إذ ذاك، أن الأثنية مجموع مفتوح يبنى ويفك بناؤه: وهي تعرّف من الداخل كما تعرف من الخارج فالأثنيات نتاجات تاريخية لا يمكن أن يختزل عمقها التاريخ، حول الجماعات التي تؤلفها وهي ناجمة عن علاقات دياليكتيكية بين عدة وحدات متنوعة:فلا توجد، إذن، أثنية نقية، وبدلاً من الحديث عن أصول أثنية ما، يجدر الرجوع إلى أصول السكان. ولكن أياً من هذه التفسيرات لا يبدو، وحده، مُرضياً. فقبل كل شيء، ليست ثقافة مجموعة ما، أبداً، معطى جامداً ولا مجرد "بناء" كما يزعم كليفورد جيرتز.ذلك أننا، من كلمة ثقافة، نقصد جملة التصورات والمبادئ التي تنظم مختلف وجوه الحياة شعورياً، وكذلك جملة المعايير، الموجبة أو السالبة، والقيم المرتبطة بطرق التصوف والتفكير هذه". ثم إن الحركات الأثنية لا تولد آلياً من تنازعات المصالح. وأخيراً، فإن سيرورة التعبئة السياسية للموارد الأثنية لا تعود، حصراً، إلى عملية معالجة للشيفرات الرمزية. وبالفعل، تبقى، ما وراء حجج "التفاعلات الرمزية"، الإجابة عن هذا السؤال:لماذا يحس البشر، إذن، بأنهم يجب أن ينتموا إلى أثنية؟
 وقد كان أحد أكبر الإسهامات في إنضاج نظرية الأثنية، دون شك، إسهام الانثربولوجي فريدريك بارت.فهذا الباحث الذي درس جماعة قبلية كردية في شمال العراق في الخمسينيات شرع، مستلهماً بعض المؤلفين الألمان –وخاصة مولمان-، وكذلك أعمال أ. غوفمان، شرع في تفكيك بناء مدلول "الثقافة" المعتبرة تجميعاً شَكَّلَهُ، لا شعورياً، الأفراد الذين يسعى كل منهم وراء أهدافه المتميزة.ويتوصل هؤلاء الأفراد، باللقاءات عبر العمل،  إلى اتفاق أدنى حول جملة قيم.
 هذا هو جواب ف.بارت على مفهوم "الثقافة"! وهو يتابع، في "الجماعات الأثنية و الروابط"، التفكيك طارحاً كون الأثنية، قبل كل شيء، مقولة "صعود" يتوقف استمرارها على الإبقاء على حدود متحركة، غير مستقرة، تصونها المجموعة لتبني هويتها وتفاوض عليها وتعيد إنتاجها، أي، إذن، على تقعيد متجدد، باستمرار، للفروق الثقافية بين المجموعات المتجاورات: ( يمكن الحديث عن صياغة مقولة أثنية عندما يصنف شخص ما بموجب أكثر هوياته أساسية وأعمها الهوية التي يفترض كونها محددة بأصله وماضيه. وبقدر ما يستعمل العملاء هويات أثنية ليجدوا هوياتهم وهوية الآخرين بهدف إنشاء تفاعلات اجتماعية يشكلون مجموعات أثنية.
 فالمجموعات الأثنية أو "الثقافات" تشكل، في هذا التعريف، مجالات متميزة نسبياً عن تكامل القيمة، والانقطاع بين المجالات يشكل "حدوداً أثنية". وهكذا، فإن الثقافات ليست كيانات، بل تجمعات، وكل فرد يستطيع أن يبتعد ابتعاداً متفاوتاً حسبما يراه. فيجب، إذن، تثبيت الانتماء الأثني بفعالية رمزية كثيفة.
وحتى لو أدخل ف. بارت تعديلات جوهرية على نظريته خاصة بصدد البعد التاريخي، فإنه يبقى مقتنعاً بأن الهوية الأثنية مسألة اختيار، لكن ف. بارت يظهر، بتسليمه بهذا الطابع الأساس للهوية الأثنية مفارقة لا يحلها: كيف نتصور إنضاج مثل هذه الكيانات شبه الموضوعية انطلاقاً من خيارات فردية ؟ فإذا سلمنا، مثلاً، بعنصر اختيار في الهوية الأثنية الكردية أو هوية مجموعات الشرق الأوسط الأخرى، هل نستطيع تطبيق شبكة التحليل هذه على تصور صلة "مقدسة" بين الشعب والأرض ؟ .
ويدعي ديل ايكلمان ولورنس روزن، انطلاقاً من مقدمات مختلفة عندما يعالجان الأثنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنه “... ما سمة للهوية الاجتماعية تبقى مركزية، في كل المواقف. فليست الالتزامات الشخصية مفروضة من جانب القريب ولا من جانب الانتماء الاثني والديني, ولا من جانب المهنة على اعتبار أن كل واحدة من مركبات الهوية هذه توضع موضع العمل بموجب الظروف. وما يهم هو شبكات الانضواء الشخصية التي يبنيها الفرد، إذ لا تكون الأثنية أحد العوامل التي تتدخل (...) وهذه وجهة نظر مفارقة ولا يمكن ، في الحد الأقصى ، الدفاع عنها عندما يدور الأمر حول الجماعة الدينية " .
ومن الصحيح أن الموقف يتبدى بصورة مختلفة، نوعاً ما، في بلدان الشرق الأوسط المسلمة حيث يمكن أن يحل محل الشعور بالهوية الأثنية ( حسب الظروف ) الشعور بالانتماء إلى جماعة دينية واحدة. إن سكان هذه البلدان مفهرسون، فب الإحصائيات، بصورة أساس بموجب المعايير الدينية. والجماعات التي لا تعتنق الإسلام – الدين السائد سياسياً في هذه الدول، إذا استثنينا لبنان وإسرائيل – بين الأقليات القومية. وهكذا، ففي إيران، لا يعد الأرمن واليهود والآشوريون، وحدهم، أقليات قومية، بل يعد ذلك، أيضاً، الزرادشتيون الذين هم، جزء من المجموعة الأثنية الفارسية. وكذلك، فمن المألوف في بعض البلدان العربية تصنيف كل غير المسلمين بين الأقليات الأثنية، إلا أن ذلك هو، أيضاً تصنيف أتباع التيارات الإسلامية غير السائدة في البلدان المذكورة.
فالفروق الدينية قابلة، إذن، بالإضافة إلى ظروف أخرى مرافقة، لأن عاملاً مهماً في التمايز الاثني. وهذه هي الحال مع اليزيديين والشاباك وأهل الحق والعلويين الذين يحتلون، كجماعات دينية، مكاناً على حدة تماماً مع الأكراد، أو بالنسبة مع الدروز بين عرب سوريا ولبنان أو ، أيضاً ، الأقباط بين المصريين.
عند هذه المرحلة من تفكيرنا، ينجم عن هذه الملاحظات انه ينبغي، لدى تعيين هوية جماعة أثنية، أن تؤخذ بعين الاعتبار الحدود التي تميزها بوصفها جماعة معينة من الأفراد، ولكنه ينبغي، أيضا تأمل الصلات التي تقيمها مع جماعات أثنية أخرى. وبالفعل، فلا يمكن أن يتبين التركيب الاثني لمجموعة سكانية ما، بصورة صحيحة، ما لم تستخدم أكثر المواد تنوعاً. إلا أن نظريات الأثنية التي ذكرناها حتى الآن تبدو ببساطة نسبية على اعتبار أنها تقترح علاقات وحيدة السببية بين بعض المتغيرات.
ولكن الاختصاصيين يتناقصون قبولاً لهذه التعميمات المستعجلة ويتزايدون اعترافاً بتعقيد المتغيرات التابعة والعوامل الملازمة لها: مستويات النمو التكنولوجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجموعات الأثنية المدروسة والدول التي تقيم فيها، القدرة النسبية لهذه المجموعات التي يعكسها عددها وتنظيمها ووصولها إلى الموارد، دور النخب، سيرورة الحفاظ على الحدود وإسهام الحروب الخارجية والداخلية في التلاحم، والانتماء اللغوي، طابع السكان، محاولات كثيرة في المنشورات السياسية التاريخية لتصنيف المجموعة الأثنية الكردية وتعيين موقعها بين مجموعات الشرق الأوسط الأخرى.
صحيح أن اللغة لا تكفي وحدها، دائماً لإقامة التمييز الضروري بين الشعوب، ويجب، إذ ذاك اللجوء إلى قرائن أخرى. ولكن مثل هذه الانحرافات ستكون محتومة، وكذلك، في أي، نظام تصنيف آخر. وهو ما يفسر، حتى اليوم لماذا فرض هذا الأخير نفسه في العلوم الاجتماعية باسم التصنيف الاثني – اللغوي. ويعمد هذا النظام، من أجل تجميع الاثنيات، إلى التصنيف التسلسلي للغات التي اجتمعت، فيها، هذه الأخيرة في أسر حسب قرائن القرابة المبنية عن طريق مقارنة التركيب والقواعد. وتنقسم الأسر إلى مجموعات بعضها ينقسم إلى مجموعات فرعية.
وهكذا صنفت اللغة الكردية الحديثة, مع جملة عامياتها، بين اللغات الهندو –أوربية من الفرع الآري، أو الهندو _ آري، وفي المجموعة الشمالية الغربية من هذه الأسرة التي تضم عدة لغات حديثة: الأوسيتية، الفارسية، البلوشية، الطاجيكية، الكردية، التي تبدي قرابات عديدة، وكذلك فروقاً بينها بقدر الفروق بين مختلف لغات الأسرة السلافية أو الجرمانية أو اللاتينية. فهناك، إذن عدة اثنيات أصلها إيراني من وجهة نظر لغوية، ولكنها تتميز، اليوم، باللغة والإقليم.
وبالطبع، فإن الحدود الجغرافية لانتشار الأسر والمجموعات اللغوية في الشرق الأوسط قد عدلت، باستمرار، على طول تاريخها، مع تغيرات ملحوظة جداً حتى خلال فترات تاريخية قصيرة نسبياً. وهكذا، فإن اللغة العربية التي كان سكان شبه الجزيرة العربية هم، وحدهم، وحتى القرن السابع الميلادي، من يستعملونها، أصبحت تستعمل، اليوم، في أقاليم واسعة تمتد من جنوب غرب آسيا حتى شمال أفريقيا وتشكل حوالي عشر اليابسة، وكذلك فإن مجال لغات المجموعة التركية التي تمتد، حالياً من شبه جزيرة البلقان إلى شمال شرق سيبيريا قد توسعت توسعاً عظيماً خلال القرون.
ويجب أن نلاحظ أن نظام التصنيف الاثني _ اللغوي، بعيد عن الكمال. فلم تنتهج ، دائماً ، المناهج التي يمكن ، بواسطتها ، أن تؤخذ بعن الاعتبار مسألتا الازدواجية اللغوية والانتقال التدريجي من لغة إلى أخرى اللتان أمكن لبعض الاثنيات أن تعرفهما . وقد صادف اوليفييه روي، وهو يدرس مجموعات أخرى في الشرق الأوسط، هذه المسألة نفسها مطروحة من جانب المعيار اللغوي عندما أراد تمييز الاثنيات في أفغانستان وفي بعض جمهوريات آسيا الوسطي.. في مزار الشريف وتبريز وبخارى... الخ، الباتشية / الفارسية في كابول وقندهار )، وهو ما كان، أيضاً، في حالة عدد من المناطق الريفية. إلا أنه يبقى حتى لدى من يجعلون من اللغة الطابع المحدد للاثنية، أن تعرّف ما هي اللغة.فقد قسم المجال الفارسي، مثلاُ، تعسفاً، إلى الفارسية (إيران) والدراية ( أفغانستان) الطاجيكية ( الاتحاد السوفياتي ). هل هناك تقسيم حقيقي أم سياسي فقط، وبعبارة أخرى، هل يقوم التمييز على معايير لغوية خالصة أم لأن الاستراتيجيات الدولتية تفضل رؤية ثلاث اثنيات مختلفة ؟.
يبدو حسب تنوع الحالات المدروسة، أننا مرغمون على الابتعاد عن مبادئ التصنيف اللغوي (إلا عندما تكون القرابة اللغوية مؤكدة ) حيث توجد القرابة الثقافية والتاريخية للمجموعات الأثنية وحيث يبقى شعور ثابت بالهوية على الرغم من تفسير اللغة، وهو مل يفسر لماذا اقتصرت الإحصاءات ( التي تجري بانتظام في بعض البلدان منذ نهاية القرن السابع عشر) طويلاً على فهرسة اللغات. وكان يجب الانتظار حتى عام 1920 كي يدخل سؤال مباشر حول الانتماء الاثني (الجنسية) في برنامج الإحصاءات، حصراً، فبعض البلدان ( لبنان، والعراق بصورة فيها مفارقة، إذ تنص المؤسسات السياسية على أخذ التنوع الديني بعين الاعتبار ). وتطرح، أحياناً، في بلدان أخرى من المنطقة، أسئلة حول الانتماء القبلي أو الديني أو بلد المنشأ، وهي تساعد في تقويم المحددات الأثنية ( في غياب أسئلة تتعلق بالجنسية واللغة ) وتبريرها أو التلاعب بها، وتجري هذه التقويمات على الصعيد الحكومي ومن جانب أجهزة علمية واجتماعية. وهكذا، يمكن تحديد إعداد مجموعات أثنية عديدة على أساس هذه المعادلة. إلا أنه يبدو لنا من غير المفيد أن نضيف أن تعدادات السكان وغيرها من أشكال الإحصاءات تتخذ، في كل بلدان الشرق الأوسط، طابعاً متحيزاً ( غالباً ما تسعى الأوساط الحاكمة إلى تمويه وجود مجموعات أثنية ودينية وأقليات قومية وكذلك المسائل المرتبطة بها ).
وهذا هو السبب الذي يكون، من أجله، من الصعب، على نحو خاص، أن تميز، موضوعياً، بعض الجماعات الأثنية _ الدينية في تركيا وإيران والعراق و بلدان أخرى من الشرق الأوسط ( خاصة بسبب سياسة التمثل القسري ) وهي بلدان لا تتمتع القوميات، فيها بالمساواة في الحقوق. ويحب، أيضاً، أن تحسب حساباً لكون بعض الباحثين يجهلون التطور التاريخي للشعوب والسيرورات الأثنية الجارية أكان ذلك لأنهم يقرون سياسة الأوساط الحاكمة أم لأنهم يجزئون الاثنيات اصطناعياً.
وفضلاً عن ذلك، لا يمتنع بعض الباحثين عن أن يوجهوا إلى, الانثروبولوجيين والاختصاصيين من فروع أخرى في العلوم الاجتماعية وفي كل عمومياتها تقريباً، اللوم لأنهم.. أعطوا المشروعية والاعتماد.. للواقع الاثني الذي ليس هو، في نهاية المطاف، سوى صنيعة الاستعمار، أو لأنهم أيدوا تسلط الحكم القائم على الشعوب والثقافات التي يدرسونها. وقد رد الانثروبولوجي جان بيير ديغار على هذه المآخذ قائلاً: " ما هو السؤال المطروح ؟ أن الأمر يدور حول معرفة ما إذا كانت، الهويات الثقافية، الهويات الأثنية، تشكل قسماً، وقسماً فقط ( لأنه توجد، أيضاً، هويات طبقية...الخ ) وما إذا كان، إذن، للهويات الثقافية مضمون موضوعي يستطيع الاثنولوجي استيعابه اختبارياً.
والجواب على هذا السؤال هو، دون أي تردد ممكن، نعم، أن مثل هذا المضمون موجود. وإنكار هذه البديهية التي يستطيع كل واحد إدراكها بذريعة أن كل المجتمعات البشرية غير قابلة للفهرسة والتحليل بتعابير أثنية إنكار يساوي في عقمه وعبثه أن تنكر، باسم مناهضة العنصرية، وجود فروق انثروبولوجية داخل الجنس البشري. وبشكل وعي الهوية القومية، خاصة عندما لا يعيق شيء تحديدها الطبيعي، أهم محدد اثني ويجب عدم الخلط، هنا بين تسييس الأثنية والقومية الأثنية على الرغم من أنه يمكن أن يجد، فيها، محصلته عندما يمكن إثبات شرعية المطالب التاريخية بإقليم، ويمكنه، وهو الذي تبلور خلال فترة تاريخية طويلة، وعلى الرغم من أنه تعبير معمم عن كل العناصر المكونة للجماعة الأثنية، أن يكتسب بعض الاستقلال.ولذلك، يمكن أن يبقى في حال ،فصل إقليمي لهذه المجموعة أو تلك من الشعب عن النواة الأثنية الرئيسية.ويستطيع وعي الهوية أن يمارس، بالمقابل، تأثيراً في العوامل التي ولدته في السابق، مسبباً، خاصة، حركات لبعث اللغة القومية وتنشيطها. ودور النخب في ظهور هذه الحركات مركزي.فهي تبدأ في البحث في الثقافة والتاريخ(أو في صنع تاريخ كما كانت الحال مع بعض المثقفين الأكراد عندما واجهوا القومية التركية المنفلتة فربطوا أصل أثنيتهم بالثقافة الزرادشتية) عن خصوصية جماعتهم الأثنية، وفيما بعد تطلب لها الاستقلال. و"المثقفون" الأثنيون هم، بالأحرى، في نظر انطوني د.اسميث، "إيديولوجيون" مستعدون لتنظيم فعاليات ثقافية والمقاومة وقيادتها.
 إن مدلول "الشرعنة المزدوجة" أساس بالنسبة لهذا الموقف(انطوني د.سميث).فالشرعنة تفترض مصادر السلطة التي يمكن أن توجد في جماعات تقليدية أو في "الدولة العلمية" ببنيتها التكنوقراطية وإيديولوجية "التقدم" لديها.وبالمقابلة بين "العالم التقليدي" و"العالم الحديث"، بين جماعة أثنية والدولة ضمنية عندما لا تتوصل الصيغ "الإصلاحية" و"التمثلية" إلى حل هذا التوتر، في حين أن الأثنية القومية تقدم حلاً لأنها، في الوقت نفسه، تقليدية وحداثية. وينبغي أن نضيف أنه إذا كان انطوني د.سميث يعترف بأن الأثنية موجودة بشكل أو بآخر منذ العصر ما قبل الصناعي، فإنه يحدد موقع عودتها الحديثة إلى ظهور كأساس لحركات سياسية وثقافية في سياق التحديث. ولكنه يرفض الفكرة القائلة أن القومية الأثنية منذورة للانحسار بقدر ما تحل معايير النجاح "العقلاني العمومي" محل المعايير التقليدية، "الخصوصة" والمناسبة كأساس للنظام الاجتماعي.ويميز في تيبولوجية الحركات القومية لديه بين المتنوعات “الإقليمية" و"الأثنية" مع تسليمه بإمكان وجود حالات هجينة بين مراحل النمو الاقتصادي للبلدان المدروسة مهما كانت نتيجة الحركة والأطوار السابقة للاستقلال والتالية له.
 &