EWRAQ KURDIYE
الخبر الصحفي بين الجدية والإثارة

  علي شمدين - قامشلو


علي شمدين
-1-

برزت الحاجة لدى الإنسان إلى التواصل والتفاعل مع الآخرين ، منذ أن وجد على وجه المعمورة ، باعتباره كائن اجتماعي بطبعه – كما يقول ابن خلدون – وبدأت أولى محاولاته في نقل الأخبار والأفكار والمعلومات : (( بالحركات قبل أن يهتدي إلى اللغة ، فكان يعبر عن نفسه وينقل أفكاره بتحريك جسده ، أو إيماءة من يده أو رجله ، أو بالتعبير بملامح من وجهه .. ، تلت ذلك مرحلة الرسم على جدران الكهوف والمعابد.. ، ومن ذلك انتقل إلى الإشارة ، ثم جاءت مرحلة الكلام الذي تطور إلى اللغة المكتوبة .. )) (1). لقد ابتدع الإنسان البدائي وسائله الإعلامية الملائمة ، واستخدمها في تحقيق هذا التواصل المنشود ، ولم تهدأ محاولاته المستمرة في البحث عن أشكال أخرى أكثر تقدماً ، وأسهل تداولاً واستخداماً .. : (( ففي البدء ، وقبل اختراع الكتابة ، عرفت البشرية النقل الصوتي للأخبار عن طريق الشعراء ، والرواة ، التجار ، ثم عرفت النقل الخطي المكتوب باليد .. ، وبعد اختراع الطباعة عرفت الخبر المطبوع ، وكان اختراع الطباعة استجابة لحاجة ملحة ، إذ أصبح عدد المتعلمين في ازدياد ، وكذلك عدد المهتمين بالقضايا العامة .. )) (2) ، هذا وقد تم تصنيف تلك الوسائل الإعلامية القديمة إلى ، وسائل سمعية ( كالنفير والجرس والبوق والطبل والمدفع .. ) ، وأخرى بصرية ( كالدخان والنار والمشاعل والمنارات والمرايا والرايات .. ). إلا أن طموح الإنسان لم يستقر عند حد معين ، بل شرع عبر مسيرته التاريخية إلى البحث المتواصل عن أشكال أخرى للاتصال والتواصل بحثاً عن المزيد من المعلومات ، وحباً في الإطلاع عليها لإشباع حاجته واهتمامه .. ، وقد تطورت هذه الوسائل إلى أن وصلت إلى ما هي عليه – اليوم – من تقدم تكنولوجي هائل ، أحدث ما يسمى بالثورة الإعلامية ، التي أخرجت الإنسان من عزلته ، التي كان يعيشها قديماً والتي كانت تقتصر على ما يمكن له أن يطلع عليه ضمن حدود حواسه المباشرة ، دون وسيط إعلامي آخر ، فكان : (( يعيش حتى ذلك الحين في عالم يستطيع أن يعين حدوده بقدميه وحواسه ، فغدا اليوم إزاء عالم يضطر إلى مساعدة الآخرين لكي ينقلوا إليه أنباءه..)) (3). وبدأ الإنسان ينفتح – شيئاً فشيئاً – على عالم واسع وفسيح يتجاوز مدى رؤيته وإطلاعه ، حدود الكرة الأرضية ، ليصل هذا المدى ، بفضل وسائل الإعلام والاتصال الحديثة ( كمبيوتر ، انترنيت ، أقمار صناعية .. ) ، حتى تشمل ما في السماوات وما على الأرض وما تحت البحار .. ، دون عناء كبير أو جهد يذكر ، سوى السعي الحثيث إلى امتلاك هذه الوسائل ( المرئية ، والمسموعة ، والمقروءة ) ، ليطلع عبرها ، ومن موقعه على هذه المجالات الواسعة ، وعلى ما يدور فيها من دقائق الأحداث وتفاصيلها في حينها بشكل حي ومباشر.
وانتقلت البشرية إلى مرحلة جديدة مع اختراع الكتابة كوسيلة أرقى للتواصل ، وأكثر تقدماً للإتصال بين البشر ، حيث أفادت فيها : (( الكتابة في المواضيع التي لم يكن الكلام فيها ميسوراً أو مفيداً ، كما إنها يسرت الاحتفاظ بالآراء والأفكار ، فكانت تلك هي البداية الحقة لتسجيل تاريخ البشرية .. )) (4) ، وعلى الرغم من أهمية هذا الاختراع وإيجابيته ، إلا إنه أفرز في الوقت نفسه بعض الصعوبات ، كالحاجة الماسة لدى الإنسان لتعلم القراءة والكتابة ، وتجلت هذه الحاجة الإعلامية ، في التواصل الذي تم بين الله ( عز وجل ) ورسوله محمد ( ص ) ، عندما اتصل معه آمراً : (( اقرأ باسم ربك .. الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم .. )) (5) ، مثلما كان من قبله قد أكد للمسيح ( عليه السلام ) على أهمية التواصل الكلامي ، قائلاً : (( في البدء كانت الكلمة )) (6).
وبتزايد عدد القراء ، وعدم التمكن من تغطيتهم بالمخطوطات الكتابية اليدوية ، جاء اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر ، بمثابة قفزة نوعية أحدثت تغييراً هائلاً في عالم الإتصال بين المجتمعات ، وساهم في تسهيل انتشار الخبر والأنباء بسرعة فائقة ، ويسَر من عملية تعميم المعرفة بين البشر ، وقد ترافق هذا التطور في فنون الكتابة أيضاً بتحديث صناعة الورق على يد الصينيين منذ عام /105/ قبل الميلاد ، من الألياف السيللوزية بعد أن كانت الكتابة حتى فترة طويلة تتم على الرقم الفخارية ، أو الجلود أو أوراق البردي .. الخ .
وهكذا ، ظل البحث عن وسائل أكثر تطوراً وتقدماً لنقل الكلمة ، هاجس الإنسان وموضع اهتمامه ، باعتبار هذه الوسائل هي بمثابة الجناح الذي يحمل الكلمة إلى أبعد المسافات وأوسعها .. وتعود مسألة الكتابة وتطورها إلى عصور قديمة ، حيث : (( عرفت مدينة أوروك في جنوب وادي الرافدين ، أصول التدوين قبل أكثر من خمسة آلاف سنة ، حين عثر في أحد معابدها على اكثر من ألف رقيم طيني ، تتضمن وثائق اقتصادية ، بأقدم أنواع الكتابة وبابسط أشكالها ، وهي الكتابة الصورية ، ثم تطورت الكتابة الصورية ، وصارت اصطلاحية حتى لم يعد في الإمكان تمييزها كصورة على الإطلاق ، وأصبحت تمثل وحدات لغوية فكانت المسمارية هي كتابة الشرق الأدنى للعديد من القرون كما اقتبستها أقوام أخرى تتكلم لغات مختلفة كمصر وإيران والأناضول وأرمينيا وغيرها ..)) (7).

-2-

ويمكن للمتتبع لتاريخ الإعلام ووسائل الإتصال – قديماً وحديثاً – أن يدرك وبسهولة ، ماهية النواة الرئيسية التي تتضمنها الرسالة الصحفية ، والتي تتهافت تلك الوسائل على نقلها ، كي تفوز بما يسمى ( السبق الصحفي ) ، وهذه النواة هي ( الخبر ) التي تشكل المادة الأساسية التي تسعى وسائل الإعلام إلى نقلها من مصدر الحدث وتصنيعها ، وإعدادها ليكون جاهزاً لبثها وإيصالها إلى الجمهور المتلقي في الوقت المناسب ، بهدف تنويره واطلاعه على المعلومات والأنباء الضرورية عن حدث معين ، وبما يلبي فضوله لمعرفة الأجوبة الدقيقة عن الأسئلة الست التي تراود المرء عن هذا الحدث : (( من الذي اشترك في الحادث ؟! ، ماذا حدث ؟! ، متى حدث ؟! ، أين وقع الحادث ؟! ، كيف وقع الحادث ؟! ، ولماذا وقع الحادث ؟! )) (8) ، وذلك بهدف ضمان التأثير الأكيد على القراء وتوجيههم الوجهة المطلوبة ، وإلا لظل المرء في هذا العالم الكبير جاهلاً بما يدور وراء الأفق ، فيصبح أرضاً خصبة لتقبل الدعايات والانجرار خلف الإشاعات والأخبار الكاذبة المضللة ، التي ترتبط شدة انتشارها ،  بأهمية الحدث والغموض الذي يلفه نتيجة حجب الأخبار الدقيقة عنه ، أو انعدامها ، فيدفعه رغبته وتطفله لمعرفة التفاصيل ، إلى تقبل وهضم ما يقدم إليه .. ، فبينما يعتمد الخبر على البرهان والدليل القاطع ، فإن الشائعة لا يكون برهانها واضحاً ، ودليلها يكون باهتاً ومشوهاً ، ولذلك : (( فإن من يردد الإشاعة ، لا يقوم بنقل خبري ، وإنما يقوم بعملية تقييمية ، يعبر عن رأيه من خلالها ))(9).
كما إن نوع الصحافة يتحدد بحسب نوعية الأخبار التي يتضمنها ، إذ : (( يعتبر الخبر الصحافي النقطة المركزية في الموضوع الصحفي ، ويشكل نشره معياراً يكثف نوعين من الصحافة ، الملتزمة بالخبر ، والملتزمة بالوظيفة الاجتماعية للخبر..)) (10). فما هو الخبر إذن   ؟!

-3-

الحقيقة ، إن مفهوم الخبر يتباين من زمن إلى آخر ، ويختلف كذلك من منطقة إلى أخرى .. ، وقد تعددت التعاريف التي تناولت الخبر ، بتعدد الزوايا والجوانب التي ينظر إليه من خلالها ، فمنها ما اعتمدت عنصر ( الإثارة ) في الخبر ، ومنها ما اعتمدت عنصر ( الجدية والصدق ) .. ، أوتلك التي اعتمدت الناحية الشكلية أو اللغوية في تعريف الخبر .. ، إلا أن أشمل وأفضل هذه التعاريف هو الذي قدمه الدكتور فاروق أبو زيد ، قائلاً : (( إن الخبر هو تقرير يصف في دقة وموضوعية حادثة أو واقعة أو فكرة صحيحة تمس مصالح أكبر عدد من القراء ، وهي تثير اهتمامهم بقدر ما تساهم في تنمية المجتمع وترقيته .. )) (11) ، وهو ينطلق من ضرورة تميَز الخبر ، بالصدق والدقة والموضوعية ، كما يرى ضرورة تضمنه للإثارة والجدية والفائدة ، كعناصر أساسية لبناء الخبر ، والتي تلبي رغبة أكبر عدد من القراء ، وتساهم في الوقت نفسه في تنمية وعيهم الثقافي وتطوير مداركهم ،فيمزج بين عنصري الإثارة من جهة ، والجدية والفائدة اللازمتين في تقديم المعلومات عن الحدث من جهة أخرى ، وهنا يمكن التمييز  ما بين أن يكون الخبر مثيراً ، أو أن يكون جاداً ومميزاً ..
إن ( الخبر المثير ) ، يهدف أول ما يهدف إلى جذب انتباه القراء ونقل المعلومات إليهم ، بغض النظر عن جديتها أو عدم جديتها ، ويعتمد في منهجه المبدأ الميكيافيلي ، الذي يقول : ( الغاية تبرر الوسيلة ) ، بهدف جذب القراء ، والنزول إلى حد الابتذال لإرضائهم ، مثلما يعرِف كل من الصحفي الأمريكي ( جون بوجارت ) والصحفي ( نورث كليف ) ، مثل هذا النوع من الأخبار ، كما يلي : (( إن الخبر هو الإثارة ، والخروج عن المألوف .. ، فعندما يعض الكلب رجلاً ، فليس هذا بخبر .. ، ولكن عندما يعض الرجل كلباً ، فهذا هو الخبر ..)) (12) ، فهما – وكما هو واضح – يغلبان عنصر الإثارة ، ويبرزانه في الخبر ، وتسمى عادة الصحف التي تحمل هكذا أخبار ، بالصحافة ( الصفراء ) ..
أما ( الخبر الهام والمميز ) ، فهو الذي يقتصر في مضمونه على الجدية فقط ، بعكس الخبر ( المثير ) ، ويلتزم بنقل المعلومات الصادقة التي تساهم في توجيه الرأي العام ، توجيهاً سليماً ، بهدف توعيته وتنميته ، ملتزماً بنشر الدعاية الأيديولوجية الصرفة ، ومنحازاً لها ، ويدعم ( لينين ) هذا الاتجاه ، بقوله : (( يجب أن نقول الحقيقة للجماهير ، مهما كانت مرة وأليمة .. )) (13) ، بعيداً عن عنصر الإثارة تماماً .. ، ولكن الواقع الإعلامي المعاش يؤكد على أن : (( التطرف ، سواء أكان في عنصر الإثارة أو في تغليب الدعاية الإيديولوجية .. من شأنه أن يحول دون تكوين الرأي العام الحر والمستنير .. )) (14).
ولا يخفى أن المعنى الذي يتضمنه الخبر ، يختلف من منطقة إلى أخرى ، ففي المجتمعات المتقدمة التي تتميز بارتفاع مستواها الثقافي والحضاري ، فإن وعيها المتقدم يشفع لها أن يتضمن الخبر بعضاً من الإثارة نظراً لكون الرأي العام محصناً بوعيه تجاه الأضرار التي من الممكن أن تنتج عن التطرف في عنصر الإثارة ، أو حتى تجاه تغليب الدعاية الإيديولوجية ، بعكس المجتمعات النامية ( المتخلفة ) التي تعد أرضية خصبة لنمو وانتشار الأضرار والسلبيات المرافقة    لهذا التطرف بسبب التخلف والجهل اللذين يعيشهما الرأي العام ، فتصبح الإثارة آفة خطيرة تدفع بالرأي العام في هذه المجتمعات نحو التشتت والضياع ، مثلما يساهم أيضاً التطرف في الدعاية الأيديولوجية في دفع المجتمع النامي نحو التزمت والتعصب الأعمى والانغلاق .. : (( فاحجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان ، أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة ، أو محشوة بالدعاية والزيف ، إذن فقد دمرت كل جهاز تفكيره ونزلت به إلى ما دون مستوى الإنسان .. )) (15). وهذا فضلاً عن الذين يميلون إلى تقديم تعاريف تنطلق من الناحية الشكلية فقط للخبر ، دون التركيز على مضمونه ، فيقول الدكتور ( حسين عبد القادر ) : (( بان الكلمة الإنكليزية NEWS هي حاصل جمع الحروف الأولى للجهات الأصلية الأربع في البوصلة North - /الشمال ، East/ الشرق ، West/ الغرب ، South/ الجنوب-وعلى ذلك يجب أن تُعرَّف الأخبار بأنها الأحداث التي تقع في جميع الجهات .. )) (16). كما إن هناك من يُعرِّف الخبر من الناحية اللغوية ، على أنه عبارة عن نبأ يحتمل الصدق والكذب .. ، إلا أن الدكتور ( فاروق أبو زيد ) يرفض مثل هذا التعريف ، قائلاً : (( هذا المعنى اللغوي الصرف .. معنى مضلل ، لأنه يخضع مفهوم الخبر لاحتمال الصدق أو الكذب .. ، في حين أن الخبر يجب أن يكون صادقاً وإلا فقد صفته كخبر .. ، فالخبر الكاذب ليس خبراً ، لأنه تقرير عن حدث أو واقعة غير حقيقية )) (1).
وعلى ضوء هذه التعاريف ، يتم تقسيم الصحف بحسب نوع الخبر المنشور فيها ، حيث يقسمها الدكتور فاروق أبو زيد بناء على إثارة الخبر أو جديته ، إلى : (( الصحف المحافظة : وهي الملتزمة بالجدية والاتزان / والصحف الشعبية : وهي التي تعتمد الإثارة في جذب القراء / والصحف المعتدلة : وهي التي تقف في الوسط بين النوعين السابقين .. )) (18) ، أما الإستاذ أديب خضور ، فيقف على مدى اهتمام الصحف بالخبر ، أو بالرأي ، ويقسمها على هذا الأساس ، كما يلي : (( الصحافة الخبرية : وتعتمد على تقديم الأخبار بشكل رئيسي / الصحف الملتزمة : وهي التي تقدم الخبر إلى جانب الموقف والرأي بشكل شبه متساوي / صحف الرأي : وتعتمد على الرأي أكثر من اعتمادها على الخبر ، وهي مرتبطة بصحف الأحزاب .. )) (19).

-4-

لقد مرت البشرية عبر مسيرتها التاريخية بتجارب مختلفة ، للحصول على الخبر وتصنيعه للجماهير ، حيث : (( كانت الصحف في مطلع القرن التاسع عشر ، تنتظر إلى أن تأتيها الأخبار ، وفي منتصف القرن كانت الصحف تبعث بالمخبرين إلى كل مكان ، سعياً وراء الأنباء ، وفي نهاية القرن كانت الصحف تصنع الأنباء ..)) (20) ، وهكذا ظل الخبر يشكل العمود الفقري للإعلام عموماً والصحافة خصوصاً.
فكما أن المجتمعات البشرية ابتدعت لنفسها وسائلها الإعلامية ، كذلك ابتدع المجتمع الكردي أيضاً وسائله اللازمة أسوة بغيره ، إلى جانب استفادته من المكتشفات والإبداعات العالمية في هذا المجال ، مما أمن لنفسه نوعاً من التواصل الذاتي فضلاً عن تأمين الاتصال مع الآخرين لتبادل الأخبار والأنباء والمعلومات ..
فمنذ أن التأم الشعب الكردي في تجمعاته الخاصة ، وهو يسعى بطريقته إلى الإطلاع على العالم المحيط به والاتصال بالمجتمعات المجاورة ، له والتفاعل معها ، بما توفرت لديه من وسائل ، بدأً بالإشارات والحركات ، والنار – نار نوروز مثلاً - ، ومن ثم من خلال لغته الأم التي تنتمي إلى أرومة اللغات الهندو أوروبية، التي تمتلك قواعدها الخاصة وأبجديتها المميزة ، والتي تدرجت كغيرها من لغات العالم في تطورها من التعبير الشفوي إلى الكتابة والتدوين حتى يومنا هذا ..
إلى جانب سعيه المستمر نحو امتلاك - وان بشكل ضيق - بعض الوسائل المرئية والمسموعة إلى جانب المقروءة .. الا أن الصحافة بأنواعها ما تزال هي الوسيلة الأهم المستخدمة من قبل شعبنا الكردي في خلق هذا التواصل المنشودة وهي مع الأسف الشديد ما تزال تقتصر على الوسائل الكلاسيكية والبدائية ،والتي  لا تنسجم أبدا مع التطور الهائل في وسائل الإعلام العالمية ؛ وتتوزع هذه الصحف والمنشورات الكردية إلى أنواع بحسب تعاملها مع الخير والرأي والموقف أو بحسب نوع الخير الذي تنقله على أجنحتها (المثير منه أو الجاد والمميز ) فان القسم الأكبر منها تعتمد أسلوب التركيز على الرأي والموقف في تقديم الأخبار ؛كونها في معظمها صحافة حزبية ؛وتطرح وجهات نظر أحزابها الضيقة ؛وتعتمد في أخبارها على عنصر الإثارة في المناقشة على جذب القراء والأنصار ؛وذلك عبر الجنوح نحو المبالغة والإسراف في طرح الشعارات الإيديولوجية الطبقية منها (كالماركسية واليسارية مثلاً ..) أو القومية والوطنية إلى جانب افتعال كار يزمات وهمية وتسخير هذه الصحافة لتمجيدها…
وهي تخاطب في ذلك عاطفة القارئ الكردي وغريزته ؛لا عقله ووعيه …؛فضلاً عن أن هذه الصحف تنجر خلف أحزابها إلى دوامة شديدة من المهاترات وافتعال (اشتباكات ) إعلامية هامشية لتغطية عجزها وهروبها من المواجهة الجدية مع الجماهير ؛أو التجاوب الملتزم مع استحقاقات العمل النضالي القومي والوطني ..؛ وتجعل من صحفها لوحات رخيصة للإعلانات المثيرة البعيدة عن الجدية والاحترام ، وتفتح أبوابها أمام المواد الإعلامية المسمومة التي لا تبث للجماهير سوى الأضاليل والأكاذيب ومختلف أساليب الدعاية والمهاترات .. الخ ، وإذا كان المجتمع الكردي يشهد هكذا صحف ( صفراء ) ، التي لاتهمها إلا نشر الأخبار المضللة بهدف الإثارة .. ، فإن هذا المجتمع لا يخلو – بالطبع – من تلك الصحافة الجادة والموضوعية والتي تطرح في خطابها الإعلامي ، أخباراً تخدم المشروع القومي النهضوي ، وتترفع عن الأساليب الرخيصة في الإغراء والإثارة ، وتلتزم بقضيتها القومية في كل جزء ، وضمن إطار خصائصها وضرورات نضالها ، بشكل متوازن مع عامل التشويق الذي يتم توليفة إيجابياً ، وبما يخدم القضية المركزية للشعب الكردي .. ، حيث يتم نقل الخبر الجاد والصادق ، إلى جانب الاعتماد على شيء من الإثارة والتشويق ، ففي الوقت الذي يعتمد الخبر المثير على مبدأ ( الرجل عض كلباً – كما يقول نورث كليف ) ، فإن الخبر الجاد يعتمد المبدأ العادي في عرض الأخبار ( الكلب عض رجلاً  ) إلى جانب إثارة الخبر كأن نقول ( إن هذا الكلب مسعور يهدد المجتمع كله ) 0 وهذه الصحف الأخيرة ( الجادة ) ، تسعى برسالتها الإعلامية إلى طرح معاناة الشعب الكردي على أوساط الرأي العام العالمي ، وتتفرغ للعمل على توعية جماهيرها الكردية بقضيتها إلى جانب المساهمة في مواجهة السياسات والممارسات الشوفينية المتبعة بحقه وفضحها ، وكذلك العمل على تعريف الأوساط غير الكردية المتعايشة والشعب الكردي ، بالقضية الكردية ، لاستقطابها إلى جانب عدالتها ، ولا يقلل من شأن هذا النوع من الصحف إن لم تستحوذ بجديتها أكبر القطاعات الجماهيرية التي ما زالت تنجر ببساطتها خلف العاطفة والغريزة وعوامل أخرى ..  ؟!  مثلما لا يزيد من شأن صحف الإثارة والمهاترات ، واحترامها ، بشيء مهما تزايد عدد المستقطبين حولها بدافع التطفل أو الجهل والفضول .. !!

الهوامش :

(1) من مقدمة كتاب ( الاتصال بالجماهير ) / للكاتب الأمريكي أريك بارنو/ ص12
(2) كتاب (الخبر الصحفي) / للكاتب أديب خضور – سلسلة الثقافة الصحفية / ص7
(3) كتاب ( وسائل الإعلام والتنمية القومية ) / للكاتب ويلبر شرام - وزارة الثقافة / دمشق 1969 ص103
(4) من مقدمة كتاب ( الاتصال بالجماهير ) / للكاتب الأمريكي أريك بارنو ص12
(5) الآيات القرآنية ( 1 ، 4 ، 5 ) من سورة الفلق
(6) الإنجيل
(7) جريدة ( الحياة ) العدد / 13530  تاريخ 28/آذار/2000 ، بقلم : إيلي سعادة
(8) كتاب ( الخبر الصحفي ) / أديب خضور  ص20
(9) كتاب ( من أساليب الحرب النفسية / الشائعة أفعى المجتمع ) ، ص3
(10) كتاب ( مدخل نظري وعملي إلى الصحافة اليومية والإعلام ) / الكاتب سامي ذبيان – ط2 حزيران 1979 ، ص9
(11) كتاب ( فن الخبر الصحفي ) / للكاتب الدكتور : فاروق أبو زيد ، ص44
(12) كتاب ( الخبر الصحفي ) / أديب خضور ص46 + ويمكن كذلك مراجعة كتاب (فن الخبر الصحفي ) / د. فاروق أبو زيد ، ص38
(13) كتاب ( علم النفس الاجتماعي وقضايا الإعلام والدعاية / مجموعة من علماء النفس – ترجمة : نزار عبود ، ص20
(14) فن الخبر الصحفي ) / د. فاروق أبو زيد, ص44
(15) مجلة ( الثقافة ) العدد (180) كانون أول 1986 / بقلم : جيان
(16) فن الخبر الصحفي ) د0 فاروق أبو زيد, ص36
(17) المصدر السابق ص35
(18) المصدر السابق ص7
(19) الخبر الصحفي ) / أديب خضور ، ص11
(20) الاتصال بالجماهير ) / أريك بارنو ، ص29

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]