EWRAQ KURDIYE
من أوراقنا الكردية:
هل يقع جزء من كردستان داخل الحدود السياسية للجمهورية العربية السورية، وما هو وضع الأكراد فيها؟*

  د. زهير عبد الملك


" تأثر بعض الشباب ( يقصد الأكراد) بالنشاط القومي الكردي في كردستان فأقحم نفسه فيه .
صحيح عولجت الأمور في حينه بأساليب إستفزازية ، لكن الفطنة والحكمة غلبت على الجميع ، إن سورية... لاعلاقة لها بما يجري في كردستان فكانت ترفض وتقاوم أن يقحم أبنائها الأكراد أنفسهم بقضايا تمس أمن وطنهم ، اللهم إلا إذا جرى ذلك في نطاق التعاطف القومي المجرد عن أي نشاط سياسي أو إستفزازي"

منذر الموصلي ، عرب وأكراد ، بيروت ، 1995



أكراد سوريا فئتان ، الأولى وتتكون من السكان الأصليين للأراضي الكردية التي وقعت ضمن مناطق النفوذ الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى ، بموجب معاهدات وإتفاقيات عقدت بين فرنسا الدولة المنتدبة على سورية والدولة التركية في أنقرة ولندن للدولة السورية بعد إستقلالها في 1945. وتمتد هذه المناطق من الجزيرة في أقصى الشمال الشرقي ،  إلى جبل الكرد في شمال غربي البلاد. وهي المناطق التي لم يصنفها الجغرافيون العرب في القرون الوسطى ضمن بلاد الشام ، بل اعتبروها مدخلاً لمنطقة الجزيرة . وتتكون الفئة الثانية من الأكراد الذين تدفقوا جنوباً  باتجاه الداخل السوري في وقت يتعذر تحديده بدقة . فقد كانت هجرة الأقوام غير العربية ولا سيما الأكراد لأسباب اقتصادية ظاهرة طبيعية ولا سيما بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام في مطلع القرن السابع الميلادي ،  والواقع هو أن هجرة الأكراد إلى المدن والقرى السوري لم تتوقف مطلقاً ،  لكن وتائرها وحجمها تباينا على نحو ملحوظ وفقاً للظروف الأقتصادية والسياسية ، وقد اندمج هؤلاء المهاجرون الأكراد أينما حلوا وعملوا في البلاد السورية لكنهم لم يفقدوا هويتهم القومية وعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم الأم . ظلت هذه المجتمعات الكردية في سورية لأكثر من عقدين بعد الأستقلال مجتمعات إقطاعية تسودها العلاقات العشائرية ، ويعتمد اقتصادها على الزراعة وتربية الحيوانات ، وتخضع لسيطرة الزعماء المحليين من أبناء الأسر الإقطاعية والأرستقراطية . وبعد أن اكتسبت الفئات الإقطاعية الكردية هويتها السياسية السورية اندفعت لتطوير تحالفاتها مع زعماء العشائر العربية الإقطاعية ، ونجحت في الدخول في جبهة إقطاعية ـ سياسية ذات طابع وطني هيمنت على الريف السوري برمته ، وكما فرضت إرادتها على النظام السياسي السوري قبل الأستقلال وبعده . تمتع الأكراد في سورية ببعض الحقوق الإجتماعية والثقافية إبلن عهد الأنتداب الفرنسي ( 1919 ـ 1945 ) ، بيد أنها اقتصرت على تأسيس الجمعيات الأدبية والنوادي الأجتماعية والثقافية ، وإصدار صحف ومجلات ومؤلفات باللغة الكردية . كما سمحت السلطات خلال هذه الحقبة بنشاط المثقفين والمناضلين الأكراد في الترويج للقضية الكردية والمطالبة بحقوق الشعب الكردي القومية وحقه في تقرير المصير ،  وإسناد ثورات الشيخ محمود الحفيد ومساندة ثورة الشيخ سعيد بيران بوسائل النشر والدعاية السياسية . كما سمحت بنشاط الجمعيات السياسية الكردية وأبرزها حزب خويبون ( الأستقلال)  ،  بيد أن من الملاحظ أن هذه الأنشطة كانت موجهة بالأساس إلى دعم الحراكات السياسية الكردية في تركيا والعراق وإيران ولم تكن تستهدف المناطق الكردية في سورية ، بل إن ثمار هذه الأنشطة قلما وصلت إلى تلك المناطق . وظلت هذه الحقوق مباحة للأكراد بظل الحكم الوطني السوري بعد الأستقلال إلى فترة قاربت منتصف الخمسينات . بيد أن الأوضاع في سورية اتخذت مسارات مختلفة خلال عقد الخمسينات ، فقد بدأت تتبلور في المجتمع السوري والعربي ككل حركة قومية جعلت من تحرير فلسطين قضيتها المركزية ومن شعار الوحدة العربية الشاملة هدفها الأول ومن الأشتراكية العربية وسيلتها للحرية . وبلغت هذه الحركة أوجها عام 1958 على عهد الوحدة بين مصر وسورية ،  لكن هذه الحركة التي لقيت كل ترحيب ومساندة من الأحزاب والمنظمات الكردية ، ومن أبناء الشعب الكردي في كافة أرجاء كردستان كانت تضم في صفوفها بعضاً من غلاة القوميين العرب ، أولئك الذين وجدوا في الحركة الوطنية الكردية خطرا داهما على الأمة العربية ووجدوا في الشعب الكردي عشباً ضارا في الوطن العربي لابد من استئصاله ، متناسيين حقيقتين ثابتتين هما : أن هذا العشب نابت في وطن غير وطنهم ، وأن جذوره متأصلة في الأعماق ويصعب اقتلاعها ، وقد استعصت على الكثيرين قبلهم على امتداد التاريخ . ولم تكن هذه المواقف في الواقع الحال موجهة ضد أكراد سورية فحسب ، وإنما هي موجهة بالأصل إلى الشعب الكردي . وقد جسد أحد هؤلاء الغلاة أصول الفكر العربي القومي المتطرف بأن وضع أحدهم خطة تتكون من 12 نقطة في إطار دراسة نشرت في دمشق في نوفمبر / تشرين الثاني 1963 بعنوان " محافظة الجزيرة : جوانب القومية والأجتماعية والسياسية " . وكوفئ الكاتب بتعيينه وزيراً في حكومة السيد يوسف زعين وحكومات سورية لاحقه أخرى . أما النقاط المشار إليها فهي تتضمن تطبيق: (1) سياسة البتر : وذلك بنقل الأكراد من منطقة الجزيرة وتوزيعهم على سائر محافظات البلاد . (2) سياسة التجهيل : وذلك بحرمان الأكراد من أي نوع من أنواع التعليم بما في ذلك باللغة العربية . (3) سياسة التجويع : وذلك بحرمان الأكراد من الحصول على أية فرصة للعمل . (4) سياسة التهجير : وذلك بتسليم المناضلين الأكراد الثائرين في الكردستان الشمالية إلى سلطات التركية حال دخولهم الأراضي السورية .(5) سياسة فرق تسد : وذلك بتحريض الأكراد على الأكراد . (6) : سياسة الحزام العربي : وذلك على نسق السياسة التي اقترحت عام 1962 . (7) سياسة الإسكان : و ذلك بزرع وحدات سكانية من العرب القوميين الأقحاح في المناطق الكردية لكي يراقبوا  حركات الأكراد حتى يختفوا من الوجود . (8) سياسة عسكرية :وذلك بإقامة معسكرات في منطقة الحزام تتولى ضمان إخلائها من الأكراد واستقرار العرب فيها وفقاً للخطط التي تضعها الحكومة . (9) سياسة التأنيس : وذلك بمساعدة العرب على السكن في المنطقة من خلال إقامة مزارع جماعية يستغلونها ، وتزويدهم بالسلاح وتدريبهم . (10) سياسة الحظر : وذلك بحسب حق التصويت في الإنتخابات أو الحصول على وظيفة حكومية من كل من يجهل اللغة العربية ،  (11) سياسة دينية خاصة : وذلك بنقل علماء الدين الأكراد إلى جنوب سورية وإحلال علماء الدين العرب محلهم . (12) سياسة الحرب الإعلامية : وذلك بشن حملة واسعة ضد الأكراد بين العرب . وقد طبقت الدولة السورية العديد من النقاط هذه الخطة بحذافيرها في أوقات مختلفة و لاسيما في الستينات وبداية السبعينات . فقد أصدرت الحكومة السورية في 1963 مرسوماً تشريعياً أجرى بموجبه إحصاء استثنائي لمحافظة الجزيرة ( الحسكة ) بهدف تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ،  بيد أن أسماء 100 ألف كردي ضاعت من سجلات الإحصاء وبذلك فقدوا الأرض المنتظرة كما فقدوا جنسيتهم السورية ،  وقد حرم هؤلاء من أي وضع قانوني يسمح بزواجهم أو تسجيل أبنائهم في المدارس أو تلقى الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة ،  بيد أن إدارة الجيش السوري لم تفقد أسماؤهم ، فقد دعتهم للالتحاق بالأفواج المقاتلة في مرتفعات الجولان.. ! ولدى تنفيذ " خطة الحزام العربي " بمحاذاة الحدود السورية الشمالية بطول 375 كيلو مترا وبعرض 15 كيلو مترا وهي الخطة التي أعادت الدولة تسميتها " خطة إنشاء مزارع الدولة النموذجية في محافظة الجزيرة " هجرت السلطات السورية بالقوة 000 140 مزارع كردي من المنطقة وأسكنت مزارعين عربا مكانهم ،  وفي 1966 أخطرت السلطات السورية المزارعين في جبل الكرد بإخلاء أراضيهم إلا أنهم رفضوا الامتثال واعتصموا في قراهم ،  وفي 1975 أنشأت الحكومة 40 قرية نموذجية في منطقة الحزام العربي بين عامودة غرباً وديرك ( غيرت السلطات اسمها الكردي إلى المالكية ) شرقاً بما في ذلك منطقة القامشلي ،  خصصت لسكنى المزارعين العرب ووفرت لهم إمتدادات المياه  والكهرباء والمرافق العامة للحياة العصرية ،  وفي حين كانت أجهزة الشرطة السورية والأمن تشن غارات متوالية على القرى الكردية ، وتعتقل أعضاء الأحزاب السياسية الكردية ومؤيديهم بتهمة القيام بأعمال معادية للعرب ،  ومن جراء هذه الممارسات وغيرها ترك الآلاف من الأكراد قراهم وتشتتوا في مختلف بقاع الأراضي السورية ،  أو توجهوا بحثاً عن مورد رزق في لبنان أو في أي بلد آخر ،  ويعتبر دستور الجمهورية العربية السورية كافة مواطني البلاد من العنصر العربي ، ولا يعترف بوجود الأكراد أو غيرهم من القوميات غير العربية ، وعلى ذلك أضحى من المعتذر الدفاع عن حقوقا الإنسان الكردي لعدم وجوده " قانوناً" . وفي 1976 أعلن الرئيس حافظ الأسد رسمياً إيقاف العمل بخطة الحزام العربي وبنقل السكان من قراهم وقرر " ترك الأوضاع على ما هي عليه الآن " .


من كتاب "الأكراد وبلادهم كردستان ، بين سؤال وجواب"

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]