EWRAQ KURDIYE
دور الفكر في نهوض الأمم
زرادشت و فلسفة النور (2 من 2)

  عبد الإله إبراهيم باشا الملي - سى رة كانية (رأس العين)

الفكر و المادة في الزرادشتية:

كما ذكرنا فالكون تكون من الطاقة التي تشكلت من فكرة التكوين والتي أطلقها أهورا مزدا فالمادة تشكلت في الفكرة وقد أثبت العلم باكتشافه أصغر جزء بالمادة وهو " الكوراك " وهو حركة دائمة بين الطاقة والمادة فهو يخرج عن الشكل ثم يتشكل ، ومن هذه الطاقة تشكل النترون و إلكترون والبروتون ومنها تشكلت الذرة و الجاذبية التي تربط الذرات تشكل المواد و الأشياء و الأشكال هي بالأصل طاقة ، والطاقة حركة ، والحركة وعي ، والوعي فكرة ، فدعوة زرادشت للعقل البشري الانطلاق من المحسوس إلى المجرد بحثاً عن المطلق ،مرادها البحث في المادة و التجريد بمساعدتها وصولاً للفكرة ، وهذا لا يتنافى مع ما اكتشفه  العلم في "الكوراك" بتحوله ما بين الطاقة والمادة ،فالكون التي شكلته الفكرة بطاقاتها هي التي أوجدت الشكل الأول للمادة وهي النار ، التي جلبت الهواء ،التي جلبت الهواء ،الذي جلب الماء :الذي جلب التراب وبتعاون العناصر الأربعة أوجدت الخلية الأولى النباتات والحيوانات وهي إلى الآن تساعد في تشكيل الإنسان غاية الفكرة ،وذلك بان يعي الإنسان ذاته فتشكل الفكرة التي أطلقها أهورا غايتها "الإنسان الكامل" المكتشف لطاقاته ليكون خليفته فما دام الإنسان دون الكمال عليه أن يبحث في المادة ليتفهم الفكرة ليصل إلى ذاته بكماله ،فكل إنسان يموت يستمر كجزء من الفكرة  ومن خلال طاقاته في الحياة التي تتحول إلى فكرة ،وتبقى العناصر الأربعة بعد موته ،وهي شكل المادة فيه لأجل فكرة جديدة إلى أن تكتمل الفكرة بوعيها لذاتها بوصولنا إلى الإنسان الكامل غاية الفكرة ،فتشكل المادة يساعد على وعي الفكرة لذاتها فالوعي الإلهي شكل المادة ، والمادة تشكل الوعي في الإنسان ،فالعقل البشري يبحث في إطار هذه الحركة الدائرية ما بين الفكر والمادة وذلك في بحثه في تصغير الدوائر حتى وصل إلى "الكوراك" علمياً ، وفي توسيع هذه الدوائر تأملياً بالتجريد بحثاً عن المطلق ، ومن خلال التجريد التأملي تتطور العلوم المادية ،فهناك علاقة جدلية تتطور الحياة ما بين الذين يصغرون الدوائر وما بين الذين يوسعونها ولا يمكننا الفصل بين هذين العالمين المادي والغيبي لا في حال الشمولية إن كانت مادية أو غيبية تأملية فتنفصل الحركة ما بين التصغير و التوسيع للدائرة فتخرج الحركة عن بحثها في الكمال.   كما أعطى الفكر الزرادشتي العلم أهمية كبرى كالرياضيات والطب والعلوم الطبيعية والكيمياء وأهتم بشكل خاص بعلم الطاقة و صنف طاقات الجماد والنبات و الحيوان والإنسان ،وقد منعت الزرادشتية تحويل المواد النافعة إلى مواد ضارة وحرمت العلوم التي تضر الحياة .

رمزية النار:

أخرج زرادشت رمزية الطغاة أنصاف الآلهة إلى رمزية النار ، فهي النور و رمز المعرفة ورمز التضحية ورمز الإعطاء و طاهره ومطهرة وتطلب السماء بخروجها عن الجاذبية و وصفها بابنة أهورامزدا ، ومازال الأكراد يطلقون على البيوت المعطاءة ببيوت الأوجاغ ، وكورجاع للبيوت التي فقدت عطائها .والأوجاغ هو بيت النار وما زالت النار تستخدم في الكنائس والجوامع وفي الأولمبياد و هي الأزلي للقرابين " الشهداء" .يقول الزرادشتي مبتهلاً إلى النار: “أيتها النار يا ابنة اهورامزدا ،امنحينا مرشداً معلماً يسعه أن يعلمنا كل ما يمت إلى الخير ويجلب لنا الرغد الآن و إلى الأبد ثم هيئي لنا أفضل الحالات في الطهر و الإشراق و التألق فعلنا ننال ذلك المعلم مقابل الطهارة والورع والتقوى التي تزدهر بها الروح ، تأججي في هذا المنزل إلى الأبد توقدي دائماً في هذا البلد ،اسطعي في هذا البيت و ليزداد تسعرك في هذا الزمن المفعم بالأحياء .والإحياء الكمال للعالم."

مفهوم النخبة في الزرادشتية:

النخبوي في الزرادشتية هو الإنسان الذي استطاع أن يبني ذاته ليكون نفعاً للعام ويحمل هذا الإنسان الشعور الجمعي جاعلاً ذاته في خدمة العام وتتدرج النخبة من خلال طاقاتها للتحمل مسؤولية المجتمع والارتقاء به وقد نهض المجتمع اثر احترامه للنخبة وبتنفيذه  لطروحاتها وحاربت الزرادشتية النخبة المزيفة التي تنفذ من خلال جهل العامة فأقرنت الكلام بالعمل .
ترنيمة 46 : الشرير ذو الأفعال المخزية البغيضة يمنع مؤيدي "الحق " من رعاية القطيع في المناطق والبلاد ، وإن من يسلبه السيطرة أو الحياة أيها "الحكيم" أياً كان هو الذي سيسير حثيثاً على دروب العقيدة .

الفكر و الثورة الاجتماعية :

أقام الفكر الزرادشتي في عصره ثورة ثقافية بتحطيمه الوثن في عقل الإنسان وقد مهدت هذه الثورة الثقافية ظهور كاوا الحداد الذي  أزاح بدوره النخبة المزيفة التي أفسدت المجتمع فوضع الفكر الزرداشتي مرشداً للثورة الاجتماعية  التي عمت بلاد الآريين ، استطاع هذا الفكر أن يحول المجتمع الرعوي الغير مستقر إلى مجتمع زراعي حرفي فأوجد القرى والمدن و القوانين التي تحمي المجتمع وحقوقه فازدهر الاقتصاد وساد العدل و كان النهج المتتبع و المساواة بالفرص وصولاً للعدالة و احترام النخبة وبهذا استطاع زرادشت أن يشكل المجتمع المدني الذي أوجد مؤسساته في دولة الحق .

المجتمع والقانون الاجتماعي :

لقد جاء التنظيم الاجتماعي و قوانينه في المجتمع تعبيراً عن التنظيم الوضعي للفلسفة الزرادشتية التي تطالب النخبة بالارتقاء في القانون للوصول إلى الناموس الكوني و هو الحق و بالتالي فإن المجتمع بأفعاله يقوم على مفهوم المطابقة بين القوانين وأوامره ونواحي الأخلاق الزرادشتية و قوانين المجتمع المتماهية معه ، وهذه القوانين تخضع للتغيير من قبل النخبة و ليست جامدة ،ضمن  أساسيات الفكر الزرادشتي فقد كان القانون الاجتماعي يفرض أشد العقوبات على الذين يعيثون في الأرض فساداً ، وبالمقابل يحترم النخبة المبدعة التي بنت ذاتها لخدمة المجتمع و تطويره.

الأخلاق في المجتمع الزرادشتي :

أعدت الزرادشتية مجتمعاً صالحاً متماسكاً مترابطاً من خلال تربية وإعداد أفراد المجتمع وذلك بغرس القيم الصالحة في النفوس و بتحريم الأعمال والأفعال التي تعود بالضرر على الفرد والمجتمع ، كالكذب والغش والنفاق والسرقة والخداع والقتل والربا ومن هنا كان الصدق هو اللبنة الأساسية في التوجه نحو الفضيلة والأخلاق الحميدة وذلك بدعوة الإنسان إلى التوحد (بفكره وقوله وفعله) ليمتلك الصدق ، وهدف الزرادشتية استخدام العقل للوصول إلى مجتمع أخلاقي يسعى للمثالية ، وجسد ذلك الدعاء الزرادشتي: ”أنستطيع أن أولئك  الذين يجددون هذا الوجود” ، ويقول أيضاً في يسنا 45\الأدعية: ”هكذا أتحدث : أصغوا ، اسمعوا الآن أيها الناس القادمون من الأقاصي و القادمون من الأماكن القريبة تبغون المعرفة . تذكروا جميعكم كل ما هو ضال .لا تكن معلم السوء القاضي على الحياة مجدداً”.
اعتمدت الزرادشتية في تصنيفها للمجتمع وبشكل مجازي على القطيع:
1- الراعي : الحكماء والعلماء ، الجانب التشريعي.
2- الكلب :الأمراء والإداريين و المحاربين ، الجانب التنفيذي .
3- الغنم :عامة الشعب : مربي الحيوانات والزراع و الحرفيين . وهم يخضعون للجانب التشريعي و التنفيذي وعلى اثر هذا التصنيف صنف أفلاطون المجتمع اليوناني إلى طبقة ذهبية وفضية و برونزية . لكن تصنيف زرادشت أعم :
الطبقة الأولى:بيشويان :الزعماء ويقصد منهم كبار رجال الحكمة والتأمليين و العلمانيين و قد وردت في الأفستا باسم أثروان وحرمت الزرادشتية التعرض لهذه الطبقة ومهاجمتها كما تم إعفائها من الضرائب لتحسين وضعها فالقوة الفكرية يجب أن تسود اقتصادية لتطوير المجتمع.
الطبقة الثانية : ارتشاتر :وتعني الفرسان وقد انحدروا أفراد هذه الطبقة من الأسر الحاكمة والأسر الكبيرة وقد سيطروا على المناصب العليا الإدارية في الدولة والجيش.
الطبقة الثالثة :كشاوزران: المزارعون أو (واستريا) كما وردت في الأفستا ويعمل أفراد هذه الطبقة في الزراعة وتربية المواشي وقد اعتبرت الزرادشتية عملهم مقدساً لما يقدمونه للمجتمع من خدمات .
وانفرزت طبقة الحرفيين بعد الاستقرار في القرى والمدن في الطبقة الثالثة أسموها دستورزان أي طبقة الحرفيين و قد سكنت هذه الطبقة المدن وقاموا بجميع المهن والحرف الصناعية وعين لكل حرفة كبيراً يشرف على أمور هذه الحرفة وفي العهد الساساني ظهرت طبقة جديدة وهي طبقة دبيران "طبقة الكتاب " وقد انحدر معظم أفراد هذه الطبقة من طبقة المحاربين واحتلت هذه الطبقة الدرجة الثالثة في المجتمع الساساني.حيث تم ارجاع طبقة المزارعين والصناع لتكون الرابعة وكان باستطاعة الفرد التنقل بين الطبقات حسب قدراته وانعدامها. ويشابه ها التشكيل الطبقي للمجتمع ما هو موجود لدى
اليزدانيين الأكراد حتى الآن دون التجميد للطبقات ارثياً :
1-طبقة البير ( الحكماء)   2– طبقة المير (النبلاء ) 3- طبقة المريد (عامة الناس) .وتكونت طبقة أخرى أوجدها عدي بن مسافر لتكون رابعة وهي طبقة الشيخ ويذكر باسيل نكتين:إن المجتمع الكردي ينقسم إلى ثلاث طبقات :
1- التورن : وهي مشتقة من توف رند "البذار الحسن" النبلاء.
2- المحاربون :الرعاة .
3- الغوران:المزارعون .

الأسرة في الزرادشتية:

تعد الأسرة اللبنة الاولى لبناء المجتمع وتعتبر أقدس النظم الاجتماعية ونظام الأسرة الزرادشتية بطرياركي.إذ حمل الآباء مسؤولية شؤون الأسرة.فالزواج لمن بلغ الحلم والغاية الأساسية من الزواج هو الإنجاب وكان مجال الاختيار في الزواج لديهم واسعاً ، وللمرأة مكانة رفيعة في المجتمع الزرادشتي وإن كانت تخضع في مكانتها لموقعها الطبيعي ، فكانت تسير بين الناس بكل حريتها سافرة الوجه ولها الحق في قبول الزواج أو رفضه ولها الحق في غدارة شؤون الأسرة من عقار أملاك بتوكيل أو مباشرة وإن كانت الملكية في الأصل للزوج وأعطيت المرأة في الزرادشتية حق التنقل بحثاً عن عمل . اما نساء الطبقة الحاكمة فلا يختلطن بالرجال علناً وحرم على الحوامل منهن رؤية أحد حتى الآباء فتوضع الملكة الحامل ن لقاح واحد في صومعة ويشرف عليها النساء المتعمقات بالدين يرفعن لديها الجانب الروحي إلى أن تضع فيخرجها الولد نقياً يشرف على تربيته صنفه الملوك،رجال الدين والحكمة ليتمثل أخلاق المجتمع الزرادشتي وربما أخذوا هذه الفكرة عن الخيول الأصيلة فالفَرَس الأصيلة ترفض لقاحاً ثانياً إلى أن تضع . أما الطفل في الأسرة الزرادشتية فله حق الحضانة لدى الأم حتى الخامسة ولدى الأب حتى السابعة ثم يدخل التعليم ليتعلم الأفستا ومن العلوم العامة إذا كانت لديه القدرات ومن ثم تعلم الفروسية. ومن أقوال الزرادشتي: ”إذا أردت أن تعمل عملاً صالحاً فاجعل ابنك أفضل منك.” أما الابنة فيطلق عليها بالزرادشتية (LXM) أي ربة الزهور وهي فرحة المنزل.ترضعها أمها مدة سنتين كالولد وتبقى في رعاية الأسرة كالولد حتى السابعة حيث لا وزر ولا جناح عليهم في هذا السن وقد ألف الآباء إرسال بناتهم إلى المعابد والمدارس وتساعد الأم الابنة في تعليمها شؤون المنزل ورعاية الحيوانات لتكون زوجة صالحة، ودعت الزرادشتية إلى احترام كبار السن وخدمتهم والاستفادة من تجاربهم ، ونرى أن الزرادشتية كونت الأسرة المتماسكة لتكون اللبنة في بناء المجتمع الذي تشكل من ترابط ، وميزت الأسر التي استطاعت أن يكون لها دوراً ريادياً في بناء المجتمع لتكون مثالاً للتطور الاجتماعي تلك الأسر التي ضحت بالأرواح والأموال فكسبت ثقة الشعب بنضالها الارثي فكان نبلها مقروناً بحركة نضالها وعطائها . فالأسرة في الزرادشتية هي نواة لتشكيل مجتمع أهلي تتسع حلقاته ليكون العالم أسرة إنسانية .

مفهوم الطاقة في الزرادشتية وتأثيرها على الفرد و المجتمع:

وفقاً للتعاليم الزرادشتية ودراستها دراسة علمية وجادة فإن النار حركة ونشاط وطاقة ،و الطاقة لها أثرها في جميع المخلوقات الأرضية ويؤدي كل مخلوق وظيفة الآخر لاختلاف الطاقات والطاقة طبقاً لتلك التعاليم هي الجذر أو الينبوع لجميع الكائنات وإذا بحثنا في علم نشأة الكون لوجدنا أن الطاقة هي أصل التكوين ، وتنقسم الطاقة الأساسية في الزرادشتية إلى 16 مركز في الكون وتتجه هذه في 16 مركز في الأنسان ، لأن الإنسان يتمثل الكون ومختصره وهو غاية الوجود والشر في مفهوم الطاقة يأتي من داخل النفس البشرية وطاقاتها وذلك لعدم تمكن العقل البشري من استيعاب كل الطاقة الكامنة لديه ،فتتحول الطاقة الغير مستوعبة إلى طاقة عبثية تدفعنا إلى الخطيئة ، ويسعى الإنسان أن يستفيد من أخطائه مطوراً عقله فالعبثية تسفر عن نظام إذا تعامل العقل نعها ليتم الارتقاء (وصولاً للعقل الخير) المتمكن من التعامل مع طاقاته ، وبجمود العقل تتحول هذه الطاقة العبثية إلى طاقة لها جاذبية تنتظم إليها وهنا يكمن الشر وذلك بسيطرة القوى الغير عقلانية على العقل ،بسبب سيطرة الطاقة المادية على الطاقات ما فوق المادية الخيرة بطبيعتها فيبقى الإنسان في دائرة المحسوس فينعدم التجريد لديه ليولى عقله فيتعقد التمييز بين
الخير والشر وسنحاول إلقاء الضوء على التأثير الذي تستطيع الطاقات أن تتركه على طبقات المجتمع الزرادشتي:
1- ضرب الحكماء :يكون التطور الروحي لهذه الطبقة من البشر في الذروة إذ وصلت الطاقة إلى أوجها.
2- ضرب المحاربين : وهذه الطبقة أدنى رتبة من الحكماء من حيث التطور إذا استحوذت على أفرادها الطاقات العلوية حاربوا ذوداً عن القضايا النبيلة ، وإذا هيمنت عليهم الطاقة من النوع الكثيف أصبحوا جنوداً للارتزاق أو لصوصاً أو قاطعين طرق يفسدون في الأرض.
3- ضرب المزارعين : وهؤلاء أدنى رتبة من المحاربين فأن كانت الطاقة المؤثرة فيهم من النوع العلوي اللطيف كانوا مزارعين منتجين يحلبون الرخاء لمجتمعاتهم ، ومتطفلين ومتسولين ، إذا كانت الطاقة من النوع الكثيف.
4-ضرب الحرفيين: وهذه الطبقة دون مستويات سالفة الذكر فإن الطاقة لديهم من النوع اللطيف وجدتهم في إتقان عملهم وغلبت عليهم العفة و الأمانة وإن كانت الطاقة من النوع الكثيف وجدتهم لا يفكرون إلا في الربح وكسب الأموال تملأ نفوسهم الرغبات والأهواء الأنانية ، وصدق زرادشت لقد تكونت الرأسمالية من الطبقة الحرفية التي تبرجزت وأصبحت تملك المعامل والذين حذر نيتشه من خطرهم ومن فساد المجتمعات إذا سيطرت على الرأسمال .

التقرب من أهورا مزدا في الزرادشتية:

لقد خلق أهورا الإنسان ليكون خليفته على الأرض وإن إحساس الإنسان بالعبودية يأتي من شعوره بالنقص أمام خلافته التي لا تتم إلا باكتشافه لقدراته .فالزرادشتية لا ترتئي الخالق بمفهوم السيادة بل الكمال وتسعى إلى التقرب من أهورا بالخروج عن العبودية إلى خلافته على الأرض . وهذا التقرب يتم بـ:
1- الصلاة :وهي خمس صلوات " كاه اشهن – الفجر ، كاه رقون – الظهر ، كاه إزيرن –العصر ، كاه عيوه سرتيرد –الليل " يتوجه المصلون إلى النور كالشمس أو النار ويدعون أهورا مزدا أن يمنحهم الحكمة ومعرفة الحياة ، والقدر على إيجاد سبل العيش وأن يلهمهم الصبر ويمنحهم النية الحسنة ويدعون أن يتوحدفكرهم, وقولهم وفعلهم على الخير ليمتلكوا النقاء ليتحدوا بأهورا ويحمدوا في صلاتهم أهورا على المعروف.
2- المعرفة :طلب العلم والبحث عن المعرفة تقرباً من أهورا في الزرادشتية فالنخبة التي تسعى بعقةلها في البحث في الطب والهندسة والكيمياء وغيرها من العلوم التي تساعد الإنسان في حياته ومعرفة ، هم من أقرب الناس لأهورامزدا.
3- العرفان :محبي الحكمة"الفلاسفة" الذين يبحثون بتأملاتهم عن عرفان الله بعقلهم هم أيضاً أشد قرباً إلى أهورا مزدا .
4- العمل :قدست الزرادشتية العمل ورفعته إلى مصاف التقرب من أهورا فبالعمل الصالح ويقترب الإنسان من أهورا ، و يساعد قوى الخير في قهر قوى الشر وتطهير العالم منها هذه القوى التي تتصيد المحتاجين والفقراء والضعفاء وتستغل حاجاتهم لتدغعهم إلى طريق الضلال ، فالعمل يمنح الإنسان الحرية و القوة ، فقد حث زرادشت المجتمع ليمتلك القوة ففي الزرادشتية الشخص المتزوج أعلى مرتبة من الشخص العازب والذي يملك بيتاً أرفع منزلة من لا بيت له ، والغني أعلى منزلة من الفقير . ويقصد بالغني الرجل الذي أغنى نفسه عن الحاجة فالكسل وعدم المسؤولية يولدان الفقر والتشرد وهناك دعاء في الزرادشتية يقول: " أعمل كي تكون من زمرة الأشخاص الذين يساهمون في رقي وكما هذا العالم" .

الدولة في المجتمع الزرادشتي:

يعد زرادشت مفهوم الدولة مفهوم الدولة عائقاً أمام العالمية ولكن لا بد من التعامل مع هذا المفهوم وتطويره ليكون العالم وطناً للجميع وقد نظم الفكر الزرادشتي المجتمع في الدولة باعتماده على النخبة . النخبة التي قادت المجتمع و التي تركت فيه أثراً من خلال التضحيات التي قدمتها لتكوينه ، وتتكون السلطة من خلال المجلس النخبوي للمجتمع ويطلق عليه اسم "موجستان" أي البرلمان حيث يجلس في الأعلى أفراد من العائلة المالكة وطبقة النبلاء الذين امتلكوا الحكمة وفي المجلس الآخر يجلس القادة وحكماء الرعية ، وكان الموجستان يمتلك الحق في إعلان الحرب متى شاء ،كما وجدت محكمة للرقابة على الحكومة إن كانت الدولة تنفذ المهام الملقاة على عاتقها طبقاً للدستور ، ويحق للموجستان خلع الملك وتعيين غيره.

السياسة ودورها في المجتمع الزرادشتي:

السياسة وهي المنهج الذي اتبعته النخبة في التعامل مع العامة للنهوض بها لتكوين مجتمع نخبوي متقارب فكرياً ، ويروي عن الملوك الزرادشتيين كالملك "دارا" بأنه كان حكيماً في السياسة عادلاً في إدارة شؤون الرعية ويذكر المؤرخون أنه أول من منح الرعية حرية السياسة وحرية الرأي والاعتقاد والحرية الشخصية.

تأثير الزرادشتية على الأديان:

تأثرت الديانات السماوية بالتوحيد الزرداشتي واختلفت فيما بينها على ماهية الإله علماً أن الإله في الزرادشتية إله نقاء وتأثرت أيضاً بالسراط المستقيم والجنة وجهنم والبرزخ بالرغم من اختلافها على تفسير هذه المفاهيم ، فالجنة في الزرادشتية هي عالم الأرواح الثري وجهنم "العدمية" والصراط المستقيم هو توحد الفكر والقول والفعل على الخير عند الإنسان هذا التوحد هو الطريق إلى هورامزدت ، والبرزخ هو الرجوع إلى العناصر الأربعة.
فاليهودية مثلاً أخذت التوحيد مع مفهوم المخلص ومفهوم النخبة علماً أن النخبة في الزرادشتية تخرج من كل الشعوب وليست القبيلة الإبراهيمية ، والمخلص هو مسؤولية العقل البشري وصولاً لـ "الإنسان الكامل" وتأثرت المسيحية أيضاَ بأخذها المفهوم إله نقاء ومفهوم المخلص و مفهوم الغنوسية " الإيمان يلغي التشريع " واتخذت الصليب الشعار المتراسي شعاراً لها.
أما الإسلام فقد تأثر الشيعة بمفهوم المخلص ، وتأثرت حركة التصوف في الإسلام بمفهوم العرفان "معرفة الله " وبأن الإنسان مختصراً عن الكون وهو خليفة الله .
يقول محي الدين العربي:

أتحسب أنك جرم صغير                وفيك انطوى العالم الأكبر

كما تأثروا بمفهوم "الإنسان الكامل". يقول الحلاج طالباً من تلاميذه أن يسبقوه علماً بحثاً عن هذا الإنسان:

اقتلوني يا ثقاتي           إن في قتلي حياتي

 وتقول رابعة العدوية :

ما عبدناك خوفاً من نارك ولا طعماً في جنتك
فالعشق الإلهي هو الطريق إلى الله " العرفان "

وتأثر بالزرادشتية الديانات الاخرى مثل الإبراهيمية في الهند عن طريق كنكرانفاكه ، وكذلك تأثرت التاوية للاوتسي وتلميذه كونفوشيوس بالعرفان أي معرفة الله "التاو" وهو الطريق إلى الله من خلال معرفته.

تأثير الزرادشتية على الفلسفة العالمية:

 نقل زرادشت دعوته إلى اليونان بسفره إليها وتأثر سقراط وأفلاطون بالفكر الزرادشتي واعتنق فيثاغورس وتوتيانوس الزرادشتية ، وأخذ الفكر يعم اليونان وفيما بعد أقنع أرسطو طاليس تلميذه الاسكندر بغزو الشرق لتلافي الخطر . وسقط الشرق من خلال حملة الاسكندر وترجمت الزرادشتية إلى اليونانية بعد إحراق كل المكاتب في بلاد الزرادشتية وظهرت بعدها الفلسفة الهيلينية نواة الفلسفة العالمية ، وبعد اكتشاف الأفستا نهاية القرن الثامن عشر ظهرت الفلسفة الألمانية بمبدعيها أمثال هيغل الذي تأثر بالجدلية ، ونتشه لفلسفة النخبة . أما الفلسفة المعاصرة فمفهوم العالم الجديد و العولمة هما من ضمن الفكر الزرادشتي الذي حمل النخبة مسؤولية العولمة وصولاً إلى العالمية وذر زرادشت أيضاَ من صراع الشمال مع الجنوب بأن " إدرج" قوى الشر مجتمعة ستتجه إلى الشمال وتحجب الخير عن أهل الجنوب ، وحذر من تشكل الرأسمال بأيدي الحرفيين الذين أصبحوا فيما بعد أصحاب ودعى أن يكون الرأسمال في يد النخبة المدركة ليخدم التوجه الإنساني ، وبدا الاقتصاد العالمي بالتحول ليكون في يد النخبة أمثال ميكروسوفت وغيره.

البيئة في الزرادشتية:

دعا زرادشت إلى الحفاظ على البيئة بعدم تلويث العناصر الأربعة ، الماء والهواء والنار و التراب ، ودعا إلى احترام الطاقة وعدم هدرها وحث على زراعة الأرض وتجفيف المستنقعات وقدس الشجرة. ويقال أن شجرة زرعها زرادشت كان يبرك بها الناس قطعها الخليفة المعتصم ليسقف بها قصره في السامراء خوفاً من عبادة الناس لها.


وثنية الشعب الكردي:

عانى الأكراد من وثتيتهم بعد أن تركوا فكرهك الزرادشتي فاصبحوا أداة لمن هيمنوا عليهم بالقوة فكرياً وفقدت كردستان مفهومها كفكر وشعب وأرض ويسعى أعداء شعبنا ومنذ القديم أن نكون شعباً دون أرض ، ويتحمل مثقفو هذه الأمة مسؤولية إعادة المفهوم لكردستان "فكر وشعب وأرض " بأن يستنبطوا من الميثولوجيا ذاكرتهم المعرفية المفقودة وأن يزيحوا الشوائب عنها ويطورها ، لقد تراكم على الفكر الزرادشتي أطناناً من الطمي وخرافات العوام ذات الدور المفسد للحقيقة في التاريخ الفكري وما شوهته النخبة المزيفة التي لاءمت الفكر لمصالحها ،لذا كان لا بد هنا من توافر أركيلوجيين فكريين وفلاسفة وحكماء يقتصر دورهم على فك طلاسم كهوف الفكر التي طمرها الرعاع والعوام وأصحاب المصالح والأعداء ، وبالتالي تنقيتها و توضيبها بعد إزالة العلائق و الشوائب و الزوائد عنها وأعادت صياغتها لتلقى تكريمها في متاحف الفكر الأصيل للبشرية ، لنحظى بداية الطريق إلى المفهوم كردستان ألا وهو "الفكر" الذي يحرر "الشعب " ليستعيد حقوقه في " الأرض " .

خلاصة طرحنا:

في البداية كانت الفكرة ,فالفكرة هو الذي ينظم المجتمع وهو الذي يطور الاقتصاد وهو الذي يصنع الأمم ، علماً أن كل المفكرين يتوقعون في المستقبل  "حرب الثقافات " من خلال حوار النخبة وستسقط أفكار كثيرة في ساحة المعركة ويذكرون الزرادشتية من ضمن الثقافات المتصارعة في ساحة الفكر ، فالفكر لا يخضع للزمن وإنما يعبر الزمن من خلال حاجة البشرية ، فليس هناك ما يسمى بالرجعية ، وإنما هذا الفكر يصلح أو لا يصلح ، والعقل البشري يتعامل مع ما يحتاجه من أفكار والبقاء للأقوى ، من خلال صراع الحقائق النسبية الباحثة عن الحق المطلق علماً أن صراع هذه الحقائق يتم بالحوار فالمثاقفة تهذب وتطور ثقافات الشعوب التي تسعى لتشكيل الثقافة الإنسانية بمسؤولية مشتركة.
>> صفحة البداية <<

 copyright © amude.com [ info@amude.com ]