EWRAQ KURDIYE
العدد 7 - 01.02.2003
مسائل متعلقة بالحداثة الشعرية:
الحركة الشعرية في الجزيرة نموذجا

  إسماعيل كوسة و حسين أحمد - عامودة
amed-on@amude.com

( الحلقة الأولى )

-1-

يبدو أننا سنستمر إلى أمد طويل في وضع تعريفات وهمية للشعر ، وننظر لها على هذا الأساس إلى حد الخيال ، فثمة من يرى أن الشعر هو الحالة الوجودية – النقية ، التي يعيشها الإنسان في محيطه الاجتماعي المنكسر والمحبط والمقموع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، فهذا التعريف وان يلامس قليلا أو كثيرا – بؤرة الشعر المتوترة في إشعال قضايا الحياة ، فهو تعريف قاصر ومجزوء في فهم الحالة الشعرية و ماهيتها في الوجود والحياة ، فقلة قليلة من الناس يمكن لهم أن يقاربوا الشعر بغموضه الحي ومونولوجاته أي تقمصه روح الشاعر ككل وموسقاه الداخلية .. الخ ، إذن فلاوجود لتعريفات مكررة ومبسطة في المطلق الإنساني للشعر والكل يدرك ماهيته وحقيقته في إشعال الحرائق وانبعاثه من جديد فهذه هي أبجدية الشعر الحقيقية وإشكاليته الجميلة عبر التاريخ الإنساني منذ اليونان وحتى هذه اللحظة الحاضرة – الغائبة فنيا وإبداعيا .

-2-

أن أية قراءة لمفهوم الحداثة الشعرية في الجزيرة لابد أن ترتكز على أسس القراءة الصحيحة للشعرية من منظور ربطها بالحركة الشعرية في سوريا خصوصا و بالحركة الشعرية العربية وتتطوراتها عموما دون إغفال تجربة مجلة ( شعر ) وريادتها الغنية في ذلك ولا يغفل هنا مسألة الحداثة الغربية وتأثيراتها على مجمل الشعر الحديث عندنا ولان الشعراء الأكثر ظهورا في الساحة الثقافية تأثروا تأثيرا واضحا بمجمل هذه المسائل فهكذا إذن يمكن أن تعطي هذه القراءة دفقات ورؤى مستقبلية تستفيد منها الأجيال الشعرية دون استثناء وبالتالي  وضع الخصوصية الشعرية على محك البحث التحليلي واستنتاج العوامل التي أدت إلى تهميش الظاهرة الثقافية – الشعرية في الجزيرة ويمكن أيضا في هذا الخصوص تحليل بنية الشعر من الداخل كالإيقاع ( الموسيقى ) والصورة والتقطيع والمونولوج وما هنالك من مسائل تخص الشعر كظاهرة إنسانية .
هكذا فان تحديد المصطلحات ضمن سياقها التاريخي – الجغرافي معا هنا مهم جدا لان المصطلحات المتداولة في الراهن الثقافي ليست وليدة أرضيتنا الفكرية والاجتماعية والثقافية و إنما دخلت عبر بوابات كثيرة ( العربية والغربية ) ويمكن القول هنا أن الحداثة العربية نفسها تأثرت بالحداثة الغربية فنموذجا أدونيس في كتابه ( زمن الشعر ) اخذ كثيرا من آرائه واستنتاجاته التي تخص قصيدة النثر من كتاب الناقدة الفرنسية ( سوزان برنار ) ( قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا هذا ) ولكن بفتح الفضاء واسعا أمام الطاقات والإمكانيات الشعرية القوية والمواهب الإبداعية الخلاقة يمكن للشعرية عندنا أن تعطي رؤيتها وخصوصيتها ومصطلحاتها وابعادها الحداثوية وتؤثر مستقبليا في الحياة الثقافية في الجزيرة ككل .

-3-

لكن لم يتقبل الناس وهذا ما هو واضح حتى الآن الحداثة الشعرية في الجزيرة وهذا يعود ربما إلى خلل ما في البنية الثقافية للمجتمع الجزراوي مما أدى إلى انزواء الحداثة رويدا رويدا إلى زوايا النسيان واثر فعليا على عدم ظهور أسماء لامعة لتحرك المشهد الثقافي تحريكا فاعلا وحيويا تنظر للحداثة وتتفاعل مع الآخر الثقافي فالمبدع الحقيقي ظل حتى الآن منطويا على ذاته بغياب المؤسسة الثقافية لتأخذ بصوته وصرخاته إلى العالم وببساطة شديدة لان العالم اليوم يتفاعل مع بعضه عبر المؤسسات الثقافية وهذا ما هو مغيب تماما عندنا .
هذه البنية الهشة تضرب بالإبداع الجميل عرض الحائط مكسرا كل القيم الإنسانية السامية التي هي في الأساس دعوة الحداثة الشعرية فالمناخ السائد اليوم لا تهيأ للحداثة أرضية ثابتة في أن تطل وتكون شعلة التطور الحضاري لا يمكن هنا فهم بنية الحداثة فها صحيحا إذا لم تتغير هذه البنى الثقافية المستهلكة في راهننا ولكي تكون الحداثة ظاهرة كونية وحالة إنسانية لابد من كسر وإزاحة كل الحواجز والقيود التي تقف حجر عثرة أمام طاقاتها الخلاقة المتصاعدة عاموديا والمتمددة أفقيا . وبما أن الحالة النقدية ليست على ما يرام ولا تسر الخاطر على الأقل في ما هو ظاهر لابد من فسح المجال لما هو مخفي في الباطن الثقافي وهذا من المستحيل تحقيقه إذا ظلت الرقابة بهذا الشكل الجهنمي تمارس كل فنونها التفتيشية في إخفاء الجميل الإبداعي وإظهار القبيح اللابداعي .

-4-

هنا فللحداثة وجوه واحتمالات عديدة هي بداية ليست حالة نظمية مقيدة بأسس شكلانية برانية بقدر ما هي حالة رؤية تخرج من اللاوعي الكامن في أعماق الإنسان لتخدمه في نفس الوقت لذلك فمشروع الحداثة في العمق ضد التقليد وتأتي من خلال سياق كسر السائد الثقافي الهش والمتجذر وهي الحالة هذه تقوم بفتح آفاق جديدة ومستمرة أمام الإنسان قد تكون غامضة وغريبة غير واضحة من هنا واجهت الحداثة الشعرية في بدايتها رفضا كاملا لمشروعها ومنهجها في طرح رؤاها واحتمالاتها هكذا تتطلب القراءة دقة متناهية لاستنتاج ما بين السطور وإذا فهم المشروع الحداثوي من هذا المنطلق بشكل صحيح يمكن قراءة العالم أيضا بشكل صحيح .

-5-

يقول الشاعر( شوقي بزيع) في مجلة العربي الكويتية ( 529 ) "الحداثة ليست مطلبا قائما بذاته ، ولا هي مجرد نزوة عابرة أو ترف مجاني أو مراعاة للموضة والزي بقدر ما هي استجابة حقيقية ومشروعة لما يحدث داخل المجتمع واللغة من تغيرات".

-6-

فالمشهد الشعري في الجزيرة يسوده الفوضى وبغياب أدنى معايير نقدية تؤطر الحالة ضمن ظاهرة صحية وبالتالي يمكن طرح هذه الظاهرة للمشهد الثقافي العربي عموما بصورة نزيهة وصادقة من المبتدأ و حتى الخبر لكن ما يبدو للعيان عكس ذلك تماما لان الفوضى هي سيدة الساحة الثقافية بامتياز وبوجود مخربين أقوياء تريد المشهد متفسخا على ما هو عليه مستفيدة من هذه الإشكاليات العميقة لابراز ذواتهم المريضة وممارسة هلوساتهم ونفاقهم تحت يافطات براقة من الشعارات المستهلكة.


( الحلقة الثانية )

-1-

في الحقيقة أن مقاربة المشهد الشعري الثقافي في الجزيرة ، مسألة خطيرة وصعبة إلى حد ما لان تحليل المشهد لم يمارس نقديا على بساط البحث والتقصي والفرز ، ومازالت إشكالياتها مكبوتة وقائمة حتى اليوم ، فهذه الحركة إلى الآن  لم تتمكن في طرح حقيقة صورتها ( سواء كانت إيجابيا أو سلبيا ) لذلك فمن هذا المنطلق الثقافي الإنساني ، نحن هنا نقدم أسئلة تبحث عن إجابات غير جاهزة على مقاييس ثابتة ، وبالية آكل الدهر منها وشرب ، ولا نقدم هنا أيضا أجوبة جاهزة لأسئلة مطروحة سابقا وما نوده من جميع الكتاب والمبدعين والمعنيين وعلى الرغم من كل هذا الشتات الفكري – الجغرافي ، أن يطرحو ا أراءهم بجرأة متناهية ،ودون الالتفات للوقع الثقافي الراهن – المريض الثابت ، فان كل الممارسات الخاطئة التي تسود حياتنا الثقافية فهي إن دلت فإنما تدل على هذا الانحطاط الذي نعيشه اليوم وبكل تبعاته المدمرة لمستقبلنا الثقافي .
الهام في هذه المسألة تقصي الحقيقة وان كانت مرة ، فشعراؤنا ربما بقصد أو بغير قصد لا يجتهدون بخصوص ذلك ، وهم غير مبالين إطلاقا في إظهار البؤر المتوترة والقامعة للحياة الثقافية ، وهنا نحن  أمام قضيتين هامتين نضعهما أمام القارى والمبدع على حد سواء .
الأولى : الكتاب الذين يكتبون بالكردية ، فهم ليسوا خريجي مؤسسات ثقافية تربوية – علمية اجتماعية كردية ، فقط كانت ومازالت حتى اليوم ثقافتهم فردية .
الثانية : الكتاب الذين يكتبون بالعربية ، فاللغة العربية كانت ومازالت أيضا قاسية عليهم ومعهم ،لا نهم ابن موروث شعبي آخر وثقافة أخرى ، لذلك فالكتاب عندنا ضحايا هذه الازدواجية اللغوية ، التي تسود حياتنا الثقافية في الجزيرة ، لذلك يمكن القول بسهولة أن اكثر النتاجات التي تكتب اليوم وتنشر سواء كانت باللغة الكردية أو العربية ،  لم تتبلور خصوصيتها الإبداعية لا ثقافيا ولا فكريا ولا أيدلوجيا .   ولا يمكن الادعاء مطلقا بان لدينا ظاهرة ثقافية – إنسانية – كونية – آذن فهناك تأخر وهامشية في طرح مثل هذه المسائل ، هناك ما هو مكبوت مخفي خلف الستائر ، أي في الظل ، ومؤسساتنا الثقافية ، لاتتعمل بجدية ورؤية واضحتان مع هذه القضايا الثقافية الحيوية ، تبدو أنها عاجزة عن وضع منهج علمي لمواكبة هذه الحالة الثقافية الراهنة ، ولذلك فحتما سنظل متأخرين عن العالم وتحولاته الفكرية والعلمية...... الخ

-2-

القراءة الشعرية مازالت قاصرة في فهم الحالة الشعرية الراهنة ، لذلك تبدو القصيدة الحداثوية الجديدة ، غير مفهومة وغامضة ولا تكمن العلة هنا في القصيدة الحديثة ذات أبعاد ورؤى وانما بالعكس تماما فالعلة في القراءة الخاطئة ولاستنتاج الذي نصل إليه هو أن الشعر الحديث يحتاج إلى قارئ حديث ، أي بمعنى ما أن يتحلى ببنية ثقافية رصينة ، فمثلا ليس أي قارئ  يمكن له أن يفهم شعرية ( سليم بركات ) خصوصية واستنتاجا ، لان حداثة سليم بركات بكل بساطة لها دلالاتها واسقاطاتها ، وتأتي أيضا من آفاقه الواسعة للتغيير والتجديد وكسر المفاهيم الجامدة التي قزمت الشعر في أطر كلاسيكية بالية وباردة . هكذا فان بركات تمكن من تفجير اللغة ، تفجيرا قويا ومرعبا ، وغير في الجملة الشعرية والصورة والوظيفة بكل تقاطيعها ومجاهليها واستعاراتها الغامضة ، فشعره لا يحتاج  إلى مناسبة لكي يلقى من على المنابر الفضفاضة والكاذبة ،  شعره في الأساس ضد المنبرية والخطابية والمناسباتية وهو يفرش النص الدلالي والمستبطن للمعنى لغة وروحا ، وعلى القارى مجاراة نصه وفهمه ، فهو لا يعترف لا بالوزن ولا بالقافية ، فقصيدته تكون شكلها بنفسها ولوحدها .
إذن فالحالة الشعرية البركاتية ، تحمل في طياتها دلالات كثيرة في فتح الآفاق الشعرية الغامضة على الإنسان وقوالبه الجاهزة .

-3-

فقراءة الشعرية ومن خلال ما يكتب عنها في الصحافة الأدبية هنا وهناك وعلى سبيل المثال في صحيفتي ( الثورة والكفاح العربي ) تأتي ناقصة ومشوهة أحيانا تشويها فاضحا في تلك الكتابات تزييف مجحف وقلب للحقائق الشعرية وحتى ربما الإنسانية منها تحديدا ، فاليوم الكثير من الشعراء تحولوا إلى نقاد ( وربما نحن منهم) أيضا ما بين ليلة وضحاها ليس لمتابعة التجربة الشعرية ولخلق تجربة نقدية رصينة تواكب الحالة الإبداعية المنفلتة وانما فقط لخلق بلبلة حول تجاربهم الضعيفة والمهزوزة والهشة والقزمة ، و في النهاية لا يقدمون الصورة الحقيقية للمشهد الثقافي بل يزيفون ( المشهد تزويرا مؤلما ).
فالناقد الذي لا يملك أدواته النقدية ، ويقع تحت تأثيرات الشللية باحثا عن الارتزاق أينما وكيفما كان لا يمكن أن تكمن في ذاته كشف المجهول الإبداعي الحقيقي ، وهذا ما نجده بكثرة على ما هو سائد من كتابات و أراء صحفية تنشر في هذه الجريدة أو في تلك الصحيفة .
كان يمكن خلق تجربة نقدية صحية وغنية لولا هذه الإشكالية التي تتحكم بمصير الكتابة الإبداعية الجديدة ، والتي هي بانتظار الفرصة الحقيقية لتظهر و تنتعش وان أي تجاوز للممارسة النقدية الحقيقية ستؤثر على مستقبل الكتابة عندنا حتى أمد بعيد .
ولكي نكون واضحا اكثر ، فان القائمين على الصحافة الأدبية عندنا يساهمون بشكل أو بآخر في انكماش المشهد وتقزيمه ، إذن ماهي المعايير ، ومن هو الناقد الحقيقي الذي تتوفر فيه القدرة في مواكبة التجربة ، وأين مكامن الأزمة هذا إذا اتفقنا على وجود أزمة وهل يمكن الخروج من هذه الحالة .... سؤال موجه لكل المعنيين .

للمقال تتمة في العدد القادم (أوراق كردية)...

>> صفحة البداية <<
[ copyright © 2002-2003 amude.com - info@amude.com ]