EWRAQ KURDIYE
العدد 7 - 01.02.2003
بين التصنع و الإبداع
(مقال نقدي تطبيقي)

  هيمدار جزيري – سوريا

مدخل و تمهيد:

إن كنا من المسلمين بضرورة ظاهرة التأثر و التأثير بين النصوص الأدبية ، و حتمية ظاهرة التناصّ ، إن سلمنا بكل ذلك ، فإننا نسلم أيضا وبدون شك ، ببعد التناص ( و التأثر و التأثير و الاقتباس و المحاكاة) (1) عن السرقة الأدبية .

التناص كظاهرة صحية:

تذهب الدراسات النقدية إلى اعتبار الكاتب قارئا" قبل أن يغدو كاتبا" (2) و أن النص – أي نص – "يتضمن وفرة من نصوص مغايرة يمثلها و يحولها بقدر ما يتحد و يتحدد على مستويات متعددة" (3) ، و أن التناص بوصفه ظاهرة حتمية و مؤكدة و قدر للنص، يجعل النص مفتوحا" على غيره من النصوص، وتتعدد التعاريف و التحديدات حول مفهوم التناص ، إلا أنه لا يقبل في أية منها أن تصنف السرقة الأدبية في إطار التناص أو في أية ظاهرة حوارية بين النصوص الأدبية .
إن الكاتب بمعايشته ، لأحداث و قراءات و مواقف على مدى تجربته الشخصية و الأدبية ، يختزن الكثير منها و تتجمع في ذاكرته و لا يمكن للكاتب بنتيجة ذلك أن يكتب بمعزل عن ذاكرته  التي تكون – أو من المفترض أن تكون -  في اللاشعور حين استحضاره لتلك القراءات و المشاهدات ، و الكاتب – المبدع طبعا" – يستطيع أن يعطي النص الحاضر أبعادا"  و جماليات  تختلف عن تلك التي في النص  الغائب  أو على الأقل تعميق تلك الأبعاد ، و حين يصر الكاتب على إبراز نص غائب أو صورة غائبة  في نص جديد دون إعطاء النص الغائب أية جمالية جديدة  أو بعدا"  جديدا" على الأقل فإن الكاتب قد أوقع نفسه  حتما"  في مطب التصنع  وهذا  التصنع الذي يجرى على حساب جمالية النص و الآخرين لا يمكن وصفه بأقل من سرقة أدبية والتصنع بحد ذاته قتل للإبداع كما يقال .
بين يدي الآن انموذجان مكتوبان باللغة الكردية ، لم يشذا عن ما قلناه أعلاه .

النموذج الأول:


جان دوست
نص للكاتب جان دوست، نشر في صحيفة (azadiya welat)(4) الكردية تحت عنوان (bêkêriya helbestan)(عدم جدوى القصائد) ، جاء فيه: ma heta xwîn nerije ez tiştekî nanivisînim, ma heta kurdek neyê Kuştin, xameya lal naxebite….(ألن أكتب شيئا" إلا بعد أن يراق الدم ، ألن يتحرك القلم الأخرس إلا بعد أن يقتل كرديُ ).
وفي مكان آخر: Gelo bi kêrî çi tên ev helbest li ber vê xwîna kû erzan diherike
( ماذا تساوي هذه القصائد يا ترى مقابل الدم المراق )
وفي مكان آخر : çi bê kêrin helbest, li ber kuştina zarokekî bê guneh
(كم هي عاجزة القصائد ، أمام قتل طفل دون ذنب ).
حين قراءتي لهذا النص تراءى لي و للوهلة الأولى أنني أقرأ نصا" "منسوخا\ ممسوخا" عن نص قرأته مسبقا" .
يحاول الكاتب جان دوست استحضار قصيدة " قنديل" للشاعر (شيركو بيكه س)(5) والتي يقول فيها :

-قنديل-
في آخر الليل
كل ليل
أقول لقلمي هامسا" :
إذا كان قنديل شعرك
لا يضيء
إلا بدم شهيد جديد
فلتشل يدك
ولتعم
لتعش الناس ولتمت القصائد



في نصه المذكور حاول جان دوست نسخ هذه الصورة الرائعة ، و إلباسها  ثوبا"  جديدا" ، لكنه لم يوفق ، لأنه ينطلق  أساسا" من الاستدعاء القصدي ل : الصورة – الرمز التي  رفعت القصيدة إلى  مستويات من الصوفية الانسانية  تلهب العقول و المشاعر ، وهذا الاستعاء القصدي يبرأ  نص جان دوست من التناص مع نص شيركو .
وفي مواضع أخرى كثيرة، يحاول الكاتب جان الالتفات اللامجدي حول الصورة الأصلية لشيركوه بيكس ودون أي تغيير في الناحية التعبيرية و الجمالية للنص .
جدير بالذكر هنا أن جان دوست يفتتح نصه بعبارة : Nîvê şevê derbas bûye (انتصف الليل).

ربما يأتي هذا أيضا" كمحاولة للتماهي مع حالة شيركو بيكس :

في آخر الليل
كل ليل


ويمكن للقارئ الرجوع إلى النص في المصدر المذكور ليكتشف بنفسه كم أن السيد جان دوست يلف و يدور لإخفاء الصورة الأصلية و إيداعها في حسابه الخاص.



فرهاد جلبي
النموذج الثاني:

نص للكاتب السيد فرهاد جلبي بعنوان (heval)(الرفيق)(6)
يبدو النص للوهلة الأولى كأنه منسوخ بطريقة غير متعبة ودون عناء يذكر عن قصيدة قصيرة معروفة للشاعر الكردي الشهير كوران (7) حيث يقول:

كردي ...... و كيس تبغ
حفنة زبيب وبندقية
ثم صخرة
وليأت العالم
كل العالم


نسخ السيد فرهاد على غرار كلمات القصيدة السابقة أقصوصة له مع تغيير أسلوب السرد فقط حيث يقول حرفيا":

têra wî lêxistin û jê re gotin:
dê vê carê bêje bê kî bûn hevalên te "ne peyivî"
destê wî şikandin! ne got
kindir anîn û helawestin "kenî"
çûn li şûna wî geriyan, li bilî tiving û tûtina wî ne dîtin

لا يخفى على قارئ الكردية أن السيد فرهاد قد أرهق نفسه كثيرا"  بتغيير أسلوب السرد  وإضافة جمل وكلمات للنص الأصلي ليصبح مختلفا"  عن النص الأصلي ولو قيد شعرة ( نتجاهل هنا الهشاشة البنائية في النص ) ، حيث تكفي قراءة السطرين الأخيرين لإثبات ذلك  حيث  يصف الكاتب فرهاد جلبي   الموقف البطولي لمعتقل  بعد ضربه و كسر يده وتعذيبه بالقول: "ذهبوا ليفتشوا مكانه فلم يعثروا إلا على بندقية وتبغ!!"

هوامش و مراجع:

1- مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق بين هذه المفاهيم : التناص و الاقتباس و التأثر و التأثير والمحاكاة.
2- د. عبد النبي اصطيف : مجلة راية مؤتة – جامعة مؤتة – مجلد ثاني –عدد ثاني-1993 ( عن الموقف الأدبي ، العددان 317-318 ، ص 168)
3- د. جابر عصفور : تعريف بالمصطلحات الأساسية ، ملحق ترجمة كتاب عصر البنيوية لإريث كريزويل ، دار سعاد الصباح ، ط1 كويت 1993 ، ص392
4- النص منشور في صحيفة azadiya welat ، العدد 90 ونظرا" لكونه طويلا" فلا يمكن كتابته بأكمله.
5- القصيدة من ديوان شيركو بيكه س (مرايا صغيرة) وهي منشورة أيضا" في مجلة الثقافة الجديدة ( العراقية )، العدد 231 العدد 5 سنة 38 ، 1991 ، ص130 وهي مترجمة عن اللغة الكردية.
6- أقصوصة للكاتب فرهاد جلبي منشورة في مجلة aso الكردية العددان 5+6 ، 1998 ، ص37.
7- قصيدة الشاعر كوران منشورة في مجلة العربي الكويتية ، العدد 404 –يوليو 1992 ،ص138 و كذلك في كتاب : كوران عبدالله ، شاعر كردستان الخالد – إعداد محمد علي توفيق ص95 ، وهي مترجمة عن اللغة الكردية


>> صفحة البداية <<
[ copyright © 2002-2003 amude.com - info@amude.com ]