|
| | البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف | |
| amude.com/ewraq | العدد 6 - 01.01.2003 | |||||
|
ماهية
الجنس الأدبي
لكتاب "حياتي
الكوردية" أو صرخة الشعب الكوردي للدكتور نورالدين زازا؟ الدكتور عبدي حاجي - القامشلي
إن إجراء تحليل نقدي لنص الكتاب يبين على أنه أقرب إلىالسيرة الذاتية منه إلى المذكرات رغم أنهما يتداخلان أحيانا و يصعب إبراز الحدودالفاصلة بينهما أحيانا أخرى. فالسيرة الذاتية هي شكل من أشكال التعبير, و فعاليةيحاول المرء من خلالها تصوير حياته الخاصة و البيئة التي تأثر بها, و الأحداث التيوقعت في عالمه. و يجمع مؤرخو السيرة الذاتية عل القول:بأن البيئة الثقافية فيأوروبا الغربية في العصر الحديث هي التي احتضنت السيرةالذاتية و غذتها و ساعدت على تطورها, هذه الثقافة التي اتسمت بذهنية تحليل الذات وبالإدراك الفردي للعالم, وهي التي أدت إلى ولادة (اعترافات جان جاك روسو, التي تعدبداية السيرة الذاتية في أهم الثقافات الأوربية)[1] و السيرة الذاتية اصطلاحا جنس أدبي نثري يحول كاتبهاحياته و تجربته إلى كتابة , و يجري سرد أحداثها بصورة تعاقبية , غير أن النثريةليست سمة مطلقة لها , إذ إنه ثمة نصوص شعرية سيرية أيضا. جاء في( معجم مصطلحاتنقد الرواية: إن السيرة الذاتية هي نص سردي يتميز عن الرواية بضمير المتكلم بأنه لايقدم متخيلا وهميا, بل يعرض الأحداث الحقيقية التي دفعت الراوي/الكاتب....و السيرة تقدم كشفا عن حياة مكتملة تقريباعنفترة الطفولة أو الشباب أو نشاط ظاهر الأهمية في حياة فرد هي وسيلة مختارة لمعرفةالذات).[2] ويقدم فليب لوجون في كتابه(السيرة الذاتية.الميثاق و التاريخ الأدبي) تعريفاللسيرة الذاتية ينص على أنها:"حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجودهالخاص,وذلك عندما يركز على حباته الفردية و تاريخ شخصيته بصفة خاصة"[3]. و يشملهذا التعريف- حسب ما أورده لوجون-على أربعة أصناف مختلفة هي اللغة التي تكون نثراأو حكيا, وثانيهما الموضوع المطروق وهو حياة فردية وتاريخ شخصية معينة, وثالثهماتطابق السارد و المؤلف, أما الرابع فهو وضعية السارد ويتضمن تطابق السارد و الشخصيةالرئيسية وكذلك منظور استعادي للحكي.إن إجراء تحليل داخلي لنص السيرة الذاتيةبوصفها جنسا أدبيا يبين أنه لا يتاخم حدود أجناس أدبية أخرى كالمذكرات واليومياتوحسب, بل يتداخل معها, بحيث يصعب أحيانا إبراز الحدود الفاصلة بينها, كما هو الحالبين المذكرات والسيرة الذاتية, وفي هذا الشأن يكتب جورج ماي قائلا:"إننا كلماأوغلنا في البحث عن الحدود الفاصلة بين السيرة الذاتية والمذكرات ازددنا يقينا منأنها غائمة زئبقية"[4], وهكذا نجد أن" الشعر والحقيقة "للشاعر الألماني غوته هيسيرة ذاتية كثيرا ما تتحول إلى مذكرات, وثمة مذكرات تشتمل على عناصر سيَر ذاتية. إنما يميز المذكرات عن السيرة الذاتية هو أن اهتمام الكاتب في الأولى ينصب على العالموعلى الناس الذين التقى بهم, ويكون مدارها الأحداث التي شاهدها المؤلف أو شاركفيها, في حين أن كاتب السيرة الذاتية يهتم أولا بأحداث حياته وتكوين شخصيته فيعلاقاتها المتبادلة مع العالم. وإذا كانت استراتيجية الكتابة في السيرة الذاتيةتتطلب تجربة حياتية غنية تأتي بعد أن يقطع الإنسان مرحلة طويلة من حياته, ووجودمسافة زمنية بين زمن القص وبين زمن الحدث, بحيث تصبح الذكريات في أغوار الوعيالإنساني غلى شكل طبقات رسوبية أدناها الماضي البعيد وأعلاها الحاضر القريب, فإنالأمر يختلف لدى كاتب اليوميات إذ تنعدم عنده القطيعة بين زمن الكتابة والزمن الذييكتب عنه, فهو يقوم بتدوين ما جرى له وتأمله وأحس به يوما بعد يوم وسنة بعد سنة. إنكاتب السيرة الذاتية عادة يكتبها وقد بلغ سن النضوج أو تجاوزه "إن ما يجمع معظمكتاب السيرة الذاتية خاصيتان مشتركتان, أولاهما أن سيرهم الذاتية نتاج بلوغ سنالنضج إن لم نقل الشيخوخة, وثانيهما أن ذكرهم قد سارت به الركبان قبل أن ينشرواقصصهم".[5] السيرة الذاتية إذن هي فعالية نصية تقوم باختراق الزمنالماضي ومحاولة للعودة إلى عهد الطفولة والشباب, إنها انطلاقة من الماضي إلىالحاضر, وإحياء لتلك المراحل الحياتية المهمة التي تظل محفورة في ذاكرة الإنسان.ولهذا السبب نرى أن ذكرى الطفولة تشغل حيزا كبيرا في السيرة الذاتية, وقد يعود مردذلك, كما يقول جورج ماي, إلى أنه"إذا كان الحديث عن طفولة الشخصية يستغرق من السيرةالذاتية حيزا كبيرا...فإنالميل الفطري لكاتبالسيرةالذاتية يلائم ذوق القارىء كل الملاءمة:فالأول بحاجة إلىإحياء ماض عزيز عفا, والثاني يجد لذة في أن يرى نفسه فيغيره"[6] لقد كتب د.نور الدين زازا سيرته الذاتية"حياتي الكوردية, أو صرخة الشعبالكوردي" في السنوات الأخيرة من حياته, هذه السيرة التي تميزت بفضاءاتها المتعددة:كردستان تركيا, سوريا, العراق, لبنان وسويسرا.عاش صاحب هذه السيرة في عصر مليءبالاضطرابات وحافل بالأحداث والأزمات السياسية الكبرى, فقد ولد غداة الحرب العالميةالأولى إذ ارتكبت السلطات التركية مذابح مروعة ضد الأرمن, وكان طفلا لم يتجاوزالسادسة من عمره, حينما اندلعت ثورة الشيخ سعيد عام 1925, ثم لجوئه, وهو في العاشرةمن عمره, مع شقيقه الأكبر الدكتور أحمد نافذ إلى سوريا, ونشوب الحرب العالميةالثانية التي أسفرت عن هزيمة دول وانتصار دول أخرى, كما شهد قيام جمهورية مهابادوسقوطها واندلاع ثورات كردية في تركيا والعراق, توجت بالثورة الكردية في العراق تحتقيادة مصطفى البارزاني هذا فضلا عن حروب وأحداث أخرى وقعت في منطقة الشرق الأوسط.أفرد نور الدين زازا الصفحات الأولى من كتابه لطفولته في مدينة "معدن" الواقعة علىمنابع نهر دجلة في كردستان تركيا حيث ولد فيها ونشأ في كنف أسرة على جانب كبير منالثراء.فالطفولة تعد أهم مرحلةفي حياة الإنسان وأكثرها حميمية ودفئا, لذا نلاحظكاتب السيرة يعود إليها دائما, لا سيما أنه عندما يشاهد ما هو مماثل لمكونات عالمهالطفولي رغم البعد الزماني والمكاني, ففي "ريف دمشق" عندما يرى نور الدين زازامشاهد مماثلة, فإنه سرعان ما يستذكر طفولته ويعيد سيرتها الأولى"كان هناك نهر صغيرينبع من منحدرات جبل حرمون ويجتاز حقول القرية....وكنت أفرح بالركض عبر الحقولوركوب الحمير والخيول وصيد السمك وتسلق الجبال وكنت استذكر حياتي في معدن معبوزو"[7], في حين أن ثلوج سويسرا وجبالها وطبيعتها المشابهة لطبيعة وطنه تهيجأشجانه وتذكره بمسقط رأسه "لقد أنهيت أطروحتي في بيت ريفي (ديا بليريه) مقابلالجبال التي كانت تذكرني بكردستان كل يوم"[8]. كان نور الدين زازا شديد التعلق بتلك الطبيعة التي نشأ في أحضانها وأحبهاوشكلت إحدى مكونات عالمه الأول, ونجد في سيرته وصفا رائعا لطبيعة كردستان بجبالهاوأنهارها وثلوجها, زد على ذلك أنه قدم صورة لنمط حياة الأكراد وعاداتهم وتقاليدهم,بحيث يمكننا القول بأن ما جاء في سيرته هو "موسوعة الحياة الكردية". ثم يتحدث صاحبالسيرة الذاتية"حياتي الكوردية...." عن أسلافه ودورهم في مدينة "معدن" وتاريخهاأيضا, بعدئذ يتوقف عند مأساة الأرمن ومذابحهم التي نفذتها السلطات التركية, فقد كانالمشروع التركي يستهدف القضاء على الشعب الأرمني واجتثاثه من جذوره, ولهذا لم تتورعالسلطات التركية في استخدام أكثر الوسائل بشاعة وأشدها رعبا بغية تطبيقه, ولم يكنالأرمن وحدهم ضمن هذا المشروع, بل الاكراد أيضا الذين كانوا ينتظرون دورهم فيالمذابح بعد حين. فما أن اندلعت ثورة الشيخ سعيد عام1925 حتى راح مصطفى كمالأتاتورك يعد العدة لضرب الأكراد هذه المرة, فقام بتجنيد ما بحوزته من قوى عسكريةلسحق ثورة الأكراد وإعدام القائمين بها وفي مقدمتهم الشيخ سعيد, كما أنشأ في هذهالفترة محاكم الاستقلال التي كانت مهمتها قمع الأكراد وتدمير مدنهم وقراهم وممارسةسياسة التطهير االعرقي ضدهم, مثلما جرى للأرمن من قبل. إذ أن السلطات التركيةمازالت تتجاهل إلى يومنا هذا وجود الشعب الكردي ذاته, والذي يربو عددهم على15 مليوننسمة وتصفهم بأتراك الجبال وأن لغتهم ما هي إلا لهجة من لهجات اللغة التركية, فيحين أن علماء اللغة يجمعون على القول بأن اللغة الكردية هي لغة قائمة بحد ذاتها لهاكيانها المستقل وليست لها أية صلة قرابة بعيدة كانت أم قريبة مع اللغة التركية, فهيتنتمي إلى أسرة لغوية مختلفة عنها تماما هي أسرة اللغات الأوربية التي تضم أكثر منمئة لغة, في حين أن اللغة التركية تنتمي إلى أسرة أخرى هي أسرة اللغات التركية.يؤكد نور الدين زازا في سيرته على أن الأكراد لم يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء تلكالمذابح التي ارتكبتها السلطات التركية ضد الأرمن, بل بالعكس, فقد أبدوا تعاطفهم معالشعب الأرمني في محنته الأليمة ومدَوا له يد العون والمساعدة بشتى الوسائلالمتاحة, فقد بذل عدد كبير منهم التضحية بالمال وبالنفسفي سبيل إنقاذ الأرمن وحمايتهم, كما قدموا لهمالمساعدة في اللجوء إلى سوريا هربا من بطش السلطات التركية, وما احتضان أسرة نورالدين زازا للفتاة الأرمنية "جاجو"إلا مثالا على أن الكثير من الأكراد في "معدن"قدهبوا لنجدة الأرمن وحمايتهم من تلك الأعمال الوحشية التي أقدمت عليها القواتالتركية. كما يؤكدعلى هذه الحقائق المستشرق الروسي م.لازاريف قائلا:" قدم الأكرادأثناء الاضطرابات في صاصون عام1903-1904 مرارا الدعم للأرمن في السر والعلن, الذيبفضله لم يتمكن الأتراك من القيام بمذبحة جديدة"[9], وظل الموقف على ما هو عليه فيأثناء المذابح أيضا, فقد كتب المؤرخ, الذي ورد ذكره آنفا, يقول:" عندما شرع الأتراكفي تهجير الأرمن وتنفيذ المجازر الجماعية بحقهم, وجد عدد كبيرمن الأرمن الملاذوالمأوى عند الأكراد.ففي ديرسم مثلا,اختفى عن أنظار الأتراك ما يقارب20ألف أرمنيبين الأكراد"[10] ويذهب المؤرخ أبعد من ذلك عندما يقول:"عندما كان الأكراد أنفسهميعانون الجوع, فإنهم كانوا يقتسمون مع الأرمن آخر كسرة خبز لديهم,كما حذر البكواتالأكراد مرارا الأرمن من مخططات السلطات التي تعد لهم"[11] ويورد لازاريف ما أكدهالمؤرخ الكردي يامولكي على أن ثلاثة أرباع الأرمن الذين نجوا في الأناضول,كانبمساعدة الأكراد الذي أنقذوهم وأخفوهم عنالأنظار, و قد كان الاكراد يقدمون على ذلك رغم أن السلطات التركية كانت تعاقبهمعقابا شديدا على مساعدتهم للأرمن". إن قيام نور الدين زازا بسرد هذه الأحداث التاريخية, التي تركت أثرا بالغافي نفسه, ليس غريبا على السيرة الذاتية, ذلك أن كل إنسان-كما يكتب جورج ماي-مهماكان بسيطا ويعتزل الناس, تتأثر حياته ضرورة بالأوضاع التاريخية التي نشأت فيها,ولذلك فإن الحديث عن هذه الأوضاع, وإن جاء على سنن أدبية سبقت ظهور الوعي الذاتي,لا ينبغي أن نعتبره دخيلا عليها"[12]. إن ما جرى للأكراد من قتل ومجازر وتدميرلقراهم ومدنهم وتهجير قد ألقى بظلال قاتمة على طفولة نور الدين, التي أصبحت, شأنهافي ذلك شأن طفولة معظم الأكراد, بلا طفولة, وفي ظل هذه الظروف العصيبة اضطر نورالدين, وهو في العاشرة من عمره, وشقيقه الأكبر الدكتور أحمد نافذ إلى اللجوء إلىسوريا الواقعة تحت الانتداب الفرنسي, حيث أقام في عدد من مدنها وتعرف في دمشق علىعدد من الشخصيات الكردية أمثال العلامة جلادت بدر خان وغيره.وفي تلك الأجواء أخذيتبلور وعيه القومي وراح يتعلم اللغة الكردية من جديد لما لها من أهمية في الحفاظعلى كيان الشعب وثقافته, كما كان يحث الآخرين على تعلمها أيضا. وفي عام 1944 يمم نور الدين زازا وجهه شطرالعراق حيث كان تواقا للقاء القائد الأسطوري للشعب الكردي مصطفى البارزاني, ولكن لميتسنَ له ذلك, إذ تمَ إلقاء القبض عليه بعد عبوره الحدود العراقية وأمضى سنة كاملةفي سجون الموصل وبغداد والعمارة, وبعد أن يتم تسليمه إلى السلطات السورية يسافر إلىدمشق ومنها إلى بيروت لمواصلة دراسته الجامعية, فقد انتسب إلى معهد العلوم السياسيةوالاقتصادية في الجامعة الفرنسية ببيروت, وإلى جانب الدراسة راح يعمل في البرامجالكردية التي تبثها إذاعة بيروت متحدثا فيها عن القضية الكردية, كما فتح مدرسةليلية لتعليم الأكراد القراءة و الكتابة, وفي عام 1947 يسافر إلى سويسرا لتحضيرأطروحة الدكتوراه وبعد دفاعه عنها يغادر سويسرا إلى سوريا وذلك عام1956, وبعد مضيعام أي 1957 يؤسس الحزب الديمقراطي الكردي ويترأسه أيضا مستفيدا من الاجواءالديمقراطية السائدة آنذاك لكن ذلك لم يدم طويلا, إذ سرعان ما تعرض نور الدين زازافي سنوات الوحدة وما بعدها للاعتقال و السجن فقد كان يقضي كل مرة شهورا فيالزنزانات وأقبية التعذيب تحمل خلالها الكثير من المعاناة والألم والإهانات. وفيعام 1967 يعود نور الدين إلى مسقط رأسه في كردستان تركيا حيث يلتقي فيها بأهلهوأقربائه وأماكن طفولته التي كان في شوق وحنين دائمين إليها, غير أنه لم يتمكن منالبقاء في تركيا وغادرها مضطرا إلى سويسرا لاجئا ثم مواطنا وعاش فيها إلى أن وافتهالمنية بعيدا عن وطنه. إن إحدى الطرائق التي تعتمدها السيرة الذاتية هيالحوار الذي يكون غايتهالأساسية هو "جعل الحكاية أكثر حيوية بل وأكثر درامية". يؤكد م. باختين فيكتابه"شعرية دوستويفسكي"على"أن العلاقات التالية:اتفاق-عدم اتفاق-تأييد-إضافة-سؤال-جواب...الخ تعتبر علاقات حوارية خالصة"[13]. تشغل الحوارات مساحة كبيرة في سيرة نورالدين الذاتية, وتفضي أنماط الحوارات القائمة فيها على الثنائياتالتالية:نفي/إثبات,اتهام/رفض,سؤال/جواب. وينتمي إلى النمط الأول, الحوار الذي جرىبين نور الدين ومعلمين تركيين في القطار ويتضمن وجهتي نظر مختلفتين تماما حول موضوعمحدد, فالطرف التركي,الذي يمثله المعلمان, ينفي وجود الشعب الكردي وجغرافيتهوتاريخه,في حين أن الطرف المتحاور الآخر وهو في هذه الحال ضمير المتكلم يحاول علىالعكس إثبات ذلك معتمدا على المصادر العثمانية ذاتها, وهذا هو نصالحوار: - لماذا هذه الدهشة, هل هناك مجاعة في تركيا, فأجابتالمعلمة قائلة: - لسوء الحظ, و بالإضافة إلى التعبئة العامة التي أدخلتعام1939 والتي حرمت الأرياف من الأيدي العاملة فإن زراعة الحبوب في الشرق قد أتلفتمن قبل حشرة(السونة) في السنوات الأخيرة. - ماذا تقصدين بالشرق؟ اجابت المعلمةقائلة: - الشرق هو جزء من تركيا يضم محافظات ملاطية, إيلازيغ,دياربكر, ماردين, أورفة, سيرت, هكاري,وان, ومحافظات أخرى. فسألتهاثانية: - وماذا جرى لهذه المحافظات خصوصا؟ فقطع زوج المعلمةالكلام بعصبية وقال: - لا شيء مطلقا فهي كبقية محافظاتبلدنا. - يبدو أنه تاريخيا و حتى في عهد الامبراطورية العثمانيةكان يطلق اسم خاص على هذه المناطق أليس كذلك؟ فأجاب المعلمان بصوت واحدقائلين: - إنها تشكل دوما جزءا مكملا لتركيا,إلا أنه في السابقكانوا يسمونها(الولايات الشرقية) واليوم يقال بكل بساطة(الشرق) (جنوب شرق البلاد).فقلت لهما وأنا أرفع صوتي رغما عني. - ولكن على الخرائط العثمانية, رأيت( كوردستان أيالتلري)مكتوبة بالحروف الكبيرة, وكل الناس يعلمون أن الشرق والجنوب الشرقي يشيران إلىكوردستان لأن هذه الأراضي مأهولة بالأكراد.فرد محاورونا على الفورقائلين: - لا توجد كلمة( كورد وكوردستان) في معاجمنا إنهما مناختلاق أعداء الأمة التركية الواحدة التي لا تنقسم أبدا....[14] أما النمط الآخر من الحوار فينطوي علىثنائية الاتهام/ الرفض وعلى وجهتي نظر متباينتين و متناقضتين بحيث يتعذر التوصلمعها إلى أي شكل من أشكال التفاهم, ناهيك الحديث عن التوصل إلى الحقيقة التي تولدبين الناس في مجرى تحاورهم مع بعضهم البعض. وهذا النمط من الحوار كثيرا ما كان يجريبين نور الدين زازا وهو رهن الاعتقال وممثلي السلطات والأجهزة القمعي إبان عهدالوحدة وما بعده ودون أن يستند هؤلاء على وقائع دامغة,الأمر الذي كان يواجه بالرفضمن قبل نور الدين. والنمط الحواري الثالث ينطوي على ثنائية سؤال/ جواب, ترتدي بعضالأسئلة طابعا استفزازيا في حين أن الأجوبة هي في غاية الوضوح والدقة وذات دلالاتعميقة مؤكدة على تشبث صاحبها بأرضه وتراثه ولغته وعلى إيمانه العميق بقضيةشعبه لقد جرى هذا الحوار بين نور الدين زازاوصبي كردي يبلغ من العمر أحد عشر عاما كان يرعى أغنامه في سهل كَوران بكردستانتركيا, هذا الحوار الذي نسرد نصه كاملا: قلت له باللغة التركية: - أهذهالأغنام لك؟ فأجابني بلغة كردية وبلهجة متحدية: - لا أفهمالتركية فقلتله بالكردية وأنا أتظاهر بالدهشة: - كيف؟ ألا تذهب إلىالمدرسة؟ فأضاف بهدوء قائلا: -لا, ولماذا ؟ لأنهميرغموننا على تعلم اللغة التركية ونسيان لغتنا. - أليس من الأفضلالذهاب إلى مدرسة تركية بدلا من أن تبقى جاهلا؟ > فأجاب منزعجا قائلا: - لن أبقى جاهلا, ففي النهار أرعى أغنام القرية, وفيالمساء أذهب إلى (الملا) - آه, نعم, لتفعل ماذا؟ - لأتعلم الكوردية طبعا. - وهل الحكومة تسمح لك بذلك دون أن تتدخل؟ - آه, كما تعلم معلمنا (الملا) ذكي جدا, فهو يقول ظاهريا بأنه يعلم القرآن والفقه. - وماذا يعلمكم في الحقيقة: - يتكلم لنا بشكل خاص عن الشعراء.... - وأنت هل تريد أن تبقى كورديا أو أن تصبح تركيا؟ فأجابني وهو يحدق في بعينيه الواسعتين الداكنتينوالمضيئتين: - كلا يا سيدي لا يستطيعون أن يجعلونا أتراكا. إن مرجعية النص السيري هو الواقع الذي هو خارج النص, ويعد التطابق أوالتشابه بين هذا الواقع وما يتحدث عنه في النص وكذلك التطابق بين السارد والشخصيةالرئيسية التي هي ذات التلفظ و ذات الملفوظ في آن معا بمثابة نقطة الانطلاقالحقيقية للسيرة الذاتية, فما يرويه نور الدين زازا من أحداث حياته الخاصة في تسلسلزمني لوقوعها وتلك التي وقعت في عالمه وكان شاهدا عليها هي حقيقية وقعت فعلا وليستوهمية"فالسيرة الذاتية التي تفتقرإلى الجانب الحرفي لا تعود سيرة ذاتية, إذ لا بدللسيرة الذاتية أن تصف حياة الفرد كما حدثت تقريبا. ومن دون كتابة حياة الفردوتجربته كتابة حرفية, سيكون النص رواية... فحرفية السيرة الذاتية تتمثل في وفائهالما هو قائم, ولما كان قائما..."[16]. وطالما أنه يتعذر إخضاع ما جاء في نص السيرةالذاتية للتحقيق بمقارنته مع واقع خارج عنه ولا وجود له الآن, فإن السيرة الذاتيةلا تتحدد " عن طريق مشابهة مع شخص واقعي يتعذر التحقق منها, بل بعيدا عن ذلك, عنطريق نمط القراءة التي تولده تلك المشابهة والثقة التي تفرزها, والممنوحة للقراءةفي النص النقدي"[17] تتحدد ملامح شخصية نور الدين زازا ونتصورها من خلال الخطاب الذي أنتجه, فقدكان شخصية فاعلة ومبدئية وغنية روحيا ترفض الخنوع وتعشق الحرية التي ينسبها إلىأرفع القيم الإنسانية, فالحرية بالنسبة لها هي قانون الحياة, كما أنها-أي شخصية نورالدين – كانت تتحلى بشجاعة فائقة قل نظيرها, فقد كان لسان حالها يقول لا نقيصة أكبرمن الجبن, الذي يعد ارتدادا و خيانة أخلاقية وقوميةأيضا. لقد كان لغياب الديمقراطية وانعدام حرية الرأي والتعبير وسيادة الذهنيةالمتخلفة والمنغلقة على ذاتها وضيق الأفق القومي والممارسات الشوفينية واللاإنسانية ضد الآخر وعدم الاعتراف بوجوده وبحقه في الحياة أثره الكبير في قرارنور الدين بمغادرة البلاد. ولكن الأهم من ذلك كله هو يقينه بأنه طالما ظلت هذهالأجواء هي السائدة فإنه سيقضي حياته كلها خلف قضبان السجون وبالتالي لا يتمكن منفعل أي شيء وليس بمقدوره خدمة شعبه, فلم يشأ أن يرى نفسه جثة حية "لن تمنحني سورياإلا حياة الكسل والخمول والموت البطيء في السجون ولن أستطيع فيها قط أن أفيدشعبي"[18] إن الشخصيات التي تتمتع بثراء روحي هي التي ترفض الظلم و أشكال الاضطهادكافة قبل غيرها, ويصعب عليها ممارسة حياتها العادية والإبداعية في أجواء تنعدم فيهاالحرية, لذا تحاول الابتعاد عنها والهروب منها نشدانا للحرية. والتاريخ حافل بأسماءلامعة اضطرت على مغادرة أوطانها, وحسبنا نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر.فقد حاول شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين الهروب من روسيا وهو في منفاه جنوبالبلاد, كما أن نيقولاي برديايف الفيلسوف الروسي الشهير قد ترك بلاده بعد قيامالثورة البلشفية, وترك الشاعر التركي ناظم حكمت بلاده للأسبابذاتها. كانت سيرة نور الدين زازا سيرةرجل متعدد المواهب ومتنوع الاهتمامات, فهم لم يكن سياسيا وحسب, بل شاعرا ومدوناللفلكلور ومثقفا لامعا ارتبط مصيره منذ نشأته الأولى بمصير شعبه المتعطش للحريةوالانعتاق. [1] جورج ماي. السيرة الذاتية.تعريب محمد القاضي, عبدالله صوله, تونس-قرطاج, عام1992\ص11 [2] د.لطيفزيتوني. معجم مصطلحات نقد الرواية. عربي- انكليزي- فرنسي,الطبعة الأولى,عام2002لبنان-بيروت\ ص111 [3]فيليب لوجون. السيرة الذاتية.الميثاق والتاريخ الأدبي. ترجمة وتقديمعمرحلي,الطبعة الأولى,عام1994,المركز الثقافي العربي, لبنان- بيروت\ ص22 [4] جورج ماي. السيرة الذاتية\ ص 132 [5]المصدر السابق\ ص 36 [6] المصدر السابق\ ص 115 [7] نور الدين زازا. حياتي الكوردية أو صرخة الشعب الكوردي. ترجمة روني محمددملي, أربيل-2001\ ص 55 [8]المصدر السابق\ ص 104-105 [9]م. س.لازاريف في كتاب الحركة الكردية في العصر الحديث.مجموعة منالمؤلفين.ترجمة د.عبدي حاجي, دار الرازي. بيروت-لبنان, الطبعة الأولى, عام 1992 \ ص48 [10] المصدر السابق\ ص 92 [11]المصدر السابق\ ص 92 [12]جورج ماي\ ص 146 [13]ميخائيل باختين.شعريةدوستويفسكي.ترجمة د.جميل نصيف التكريتي.دار توبقال.الدار البيضاء-المغرب,عام1986\ص275 [14]نور الدين زازا. حياتي الكوردية...ص71-72 [15]المصدرالسابق\ص186/187 [16]هيو.ج.سلفرمان. نصيات. ترجمة على حاكمالصالح و د.حسن ناظم. بيروت- لبنان. المركز الثقافي العربي, عام2002\ص153 [17]فيليب لوجون ص65 [18]نور الدينزازا\ص182 "حياتي الكوردية" http://www.araspublisher.com/Zaza.htm
|
copyright © 2000-2003 amude.com [ info@amude.com ] |