EWRAQ KURDIYE
| البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف |

amude.com/ewraq العدد 6 - 01.01.2003

الصورة الشعرية عند سليم بركات
( رسالة دبلوم الدراسات العليا)

عرض وقراءة: جهاد عثمان

سليم بركات 
في بيروت منحت الجامعة اللبنانية ، كلية الأداب والعلوم الانسانية (الفرع الأول) قسم الأدب العربي درجة ماجستير في الأدب العربي للطالبة سامية السلوم عن دراسة أعدتها حول \الصورة الشعرية عند سليم بركات من خلال ديوانه طيش الياقوت\.

تستهل رسالتها بمقدمة تعرض فيها الوضع التاريخي والاجتماعي الذي يفضي إلى الانتاج الأدبي وصولا إلى موقع بركات في هذا الانتاج فتناقش موضوع التطور في ظل الصراع العالمي(الرأسمالية والأشتراكية) وانعكاساته على النخب الثقافية والسياسية ثم تنتقل إلىفقرة أخرى لتناقش موضوع(التطور المحلي في الساحة العربية) فتعرض للأحداث العامة التي رافقت مسيرة الأنتاج الأدبي لتصل أخيرا إلى تحديد موقع بركات في هذا الانتاج.
"وقد تطورت القصيدة العربية لتلائم ما بعد الحداثة في التسعينيات" مؤكدة أن الحداثة قد قامت على التفكك والبعثرة والتشتت بدل التوحيد والتكامل وان مرحلة ما بعد الحداثة لم تنهض على هذه المقومات إنما قامت على التجاوز وليس على الصراع والتناحر بل التعايش بين المتناقضات لتصل إلى القول" وذلك نراه في قصائد ديوان طيش الياقوت موضوع دراستنا وهو يعتمد بشكل رئيسي في بناء الأفكار على الصورة ويكسر حدود الوزن كلها ، وله لغته المتميزة يراهن فيه الشاعر على لغة جديدة تلائم الوضع التجديدي القائم على غنى نصه بالإيحاء وإلى ظهور الصور مشتتة غير مترابطة في النظرة السطحية لها وتبدو متماسكة في العمق.

وفيما يلي سنعرض للمواضيع التي نوقشت في الرسالة:

1- الصورة الشعرية في المفهوم والإجراء وموقع بركات:

تعود سامية سلوم في هذا الموضوع إلى مساهمات القدماء في مفهوم الصورة الشعرية وطريقة فهمهم لها وتشير إلى النص القرآني الاعجازي الذي حاول القدماء أن يعالجوا الصورة  منطلقين منه وعلى هذا تقول "أن مسألة الأعجاز من المسائل المهمة على الصعيد الأدبي وقد نتج عنها أن القرآن هو القاعدة لعلوم اللغة والنحو والمعجم والتراكيب والصور والحكايات وما ورد في القرآن هوالاساس السليم والصحيح وما عداه يخضع له.
وتحاول الوصول إلى خلاصة آراء القدماء في هذا الشأن فتعرض للعديد من القضايا النقدية كقضية الموازنة بين شاعرين وتستدل بذلك موازنة الآمدي بين الطائيين  وقضية الفحولة من خلال معالجة الأصمعي لها وتقسيمه الشعراء إلى فحول وغير فحول ،وقضية طبقات الشعر من منظور ابن سلام وتعد الدراسة هذه القضايا النقدية بأنها "غير تعليلية " أما قضية الشعر والنثر التي عولجت من قبل البحاث والنقاد القدماء وذلك عندما عرفوا الشعر العربي وركزوا بصورة واضحة على كونه موزونا مقفى ومنهم"ابن طباطا-الحاتمي-المرزوقي –ابن الأثير"فتعد هذه القضايا بأنها تعليلية ،ثم تشير إلى انقسام النقاد إلى تيارين رئيسيين مثلهما المعتزلة أنصار اللفظ والأشاعرة أنصار المعنى "
وتوسع الدارسة بحثها لتتناول آراء بعض الفلاسفة والمتكلمين قي مسألة الاعجاز انطلاقا من تأثيرات المنطق الارسطي واهم نظريات البلاغيين وركزت على دراسة الصورة عندهم وصولا الى جدواها اليوم فتستنتج اخيرا ان الأطروحات التي قدمها القدماء كانت قاصرة عن معالجة نص شعري حديث  من ثم تتعرض لانجازات الغرب في النقد وذلك لما لهم من الاثر الكبير  كمراكز في النقد الأدبي و العربي كطرف متأثر  وتتحدث ايضا عن المذاهب الأدبية الغربية وآلية تأثيرها على النقد العربي حتى تصل الى الشعر الحديث " كان الشعر الحديث متأثرا بالأدب الغربي لكنه منطلق من حيثيات اللغة فهو نتاج تتطور تاريخي للشعر العربي ".

موقع سليم بركات بين شعراء الحداثة

من خلال عرضها لأبرز الأسماء التي ظهرت في تلك الفترة مثل يوسف الخال وخليل حاوي وادونيس الأكثر غزارة قياسا الى خليل حاوي ويوسف الخال تحدد الرسالة موقع بركات بين شعراء الحداثة حيث ان سليم بركات كان من الأسماء البارزة و التي طرحت نفسهابقوة على الساحة الأدبية ,وكان على غزارة انتاجه متميز الأسلوب وغريبا،أضاف الى اللغة والشعر العربي تجربة متميزة يعتد بها.
وتنتقل سامية السلوم لفقرة أخرى لتحدد موقع الديوان في شعر الشاعر فتعرض لمجموعاته الشعرية وبعض مما تتسم به ومن خلال ذلك العرض تحدد موقع "طيش الياقوت" ديوانه الثامن. في هذا الديوان يحاور الشاعر جاره الموت في أمور الحياة العامة فيساوي الأمور على اختلافها أمام الموت ويصنف النهب في الأولى وفي الثانية يكتب عن خواص ظاهر تصوغه مخيلته وفي الثالثة يستطرد في سياق مختزل في صياغة تجربته فيخطفها من الموت التقليد ،ويعطيها حياة جديدة في سياقها اللغوي المتميز

البنية العامة المماثلة لقصائد الديوان :

يتركز الموضوع هنا على التلاحم في البنية العامة للقصائد الثلاث وتأديتها للدور الدلالي على أكمل وجه ،لقد صاغ الشاعر سليم بركات نصوصه الثلاثة بطريقة تفيض شعرية وتبعدها عن ماضيها مستمدة مادتها من أشكال الموت والحياة ولاعتبار غلبة أفعال الأمر والأفعال الدالة على المستقبل على فضاء القصائد الثلاث نجده يواجه بإبداعه الموت في الحياة ولا يصرح بعدائه للرأسمالية بل يأتي بصور موحية فيعبر عن موقفه من خلال الصور والقصائد الثلاث هي "تصانيف النهب –الأقفال –مقالة في خواص الظاهر واستطراد في سياق مختزل".
فالشاعر سليم بركات يميل بشكل واضح إلى الغموض وعلاقته مع الكلام علاقة تمويه لا علاقة توضيح ويعلن ذلك منذ بداية القصيدة، وانتصاره للغموض والخيال معلن في نهاية القصيدة وبالتالي في نهاية الديوان فهو يعيش في الخيال الحر الذي يصوغ مكانا أدبيا يقتل الحياة المريضة في الشاعر ويعطيه حياة صحيحة معافاة في خيال حر يواجه فيه قمع الحياة.
وفي نهاية الفصل الأول تأول الرسالة عنوان الديوان طيش الياقوت :فالياقوت الذي يعبر عن الجوهر الكريم للذات يعبر عن خيال صاحبه ولغة صاحبه وهو على قيمته العالية  يبقى حجرا منتظما كجزء من انتظام الطبيعة  إذ يخرجه عن انتظامه التقليدي بشكل كلي فهو يجعله يطيش ويعبر عن وضع الحياة في هذا الحجر بالطيش الذي يناقض كل انتظام تقليدي.

الصورة في مواجهة الموت

قد يكون المنفى أو الغربة أحد الأسباب المباشرة التي تجعل نظرة الكائن إلى الحياة نظرة متشائمة وانطلاقا من نظرة التشاؤم هذه في الحياة يحاور الموت الذي يصبح قريبا منه ، وهذا حال سليم بركات في قصيدته حيث يواجه الموت بالموت المبتدع الذي يصبح شريكه في الابداع  فيؤدي إلى الحياة من خلال الخلق الأدبي فهو لا يورد أمورا واقعية بل يصوغ من الواقع الذي يوحد الحقيقة والخيال ، يصوغ صورا شعرية يؤدي من خلالها دلالة معينة تمثل موقفه من الحياة والموت والنظام الاجتماعي
قد يكون المنفى أو الغربة أحد الأسباب المباشرة التي تجعل نظرة الكائن إلى الحياة نظرة متشائمة وانطلاقا من نظرة التشاؤم هذه في الحياة يحاور الموت الذي يصبح قريبا منه ، وهذا حال سليم بركات في قصيدته حيث يواجه الموت بالموت المبتدع الذي يصبح شريكه في الابداع  فيؤدي إلى الحياة من خلال الخلق الأدبي فهو لا يورد أمورا واقعية بل يصوغ من الواقع الذي يوحد الحقيقة والخيال ، يصوغ صورا شعرية يؤدي من خلالها دلالة معينة تمثل موقفه من الحياة والموت والنظام الاجتماعي
سليم بركات في مجموعته وعبر صوره الشعرية والقول للدارسة يحدد علاقته بالموت ويبحث عن الحقيقة  ابتداء من قلق الحياة وقلق الموت ويواجه الحزن الحقيقي في الواقع بالفكاهة المبدعة كأسلوب تواصل بين الحياة والموت ويغطي وضوح فكرته بحروب الموت اللغوية

الفصل الثالث: الصورة بين الظاهر والاستطراد المختزل

تتناول الرسالة في هذا الفصل القصيدة الثانية"الأقفال مقالة في خواص الظاهر"والقصيدة الثالثة "استطراد في سياق مختزل " وتتعرض فيها إلى دور الصورة في تأدية البنية العامة في كل منها في القصيدة الثانية يواجه الشاعر الواقع الغيب بلغته الشعرية المميزة ويسير الأمور ولا يعتمد على الحظ فيصوغ النبؤة بألوان الغموض وبإلهامه يتحكم بأقفال الحظوظ في ظاهر يقوم على النبؤة والشعوذة والتنجيم مما يؤدي إلى أن الشاعر قد وجه الخطاب إلى المخاطب "أنت"و إلى المكان الطليق كالغيب فأعلن تواصلا مع المكان ومن عليه وتؤكد أن الشاعر يعبر عن الأقفال التي تبعد المخاطب عن الواقع وعن الحاضر ليتواصل من خلال الخيال الذي يطرح الماضي كبديل عن الحاضر في المستقبل:

"انها البراهين الحمى/ وأنت تظللها بالحبر من تهتك اليقين /وتوقع بالكلمات لتغفو البراهين على شجارها
المكان طلقة الخيال التي ترديك /لتتعافى حرا،حيث المتاه رجاء والكون بأسماله نوارج اليقين "        **مقطع من ديوان " طيش الياقوت"**

تقول الدراسة أنه على خلاف الشائع في الاستطراد من أنه توسع باللفظ على حساب المعنى يقدم الشاعر في هذه القصيدة استطرادا في المعنى على حساب اللفظ ، فالسياق مختزل يوحي بكثافة دلالية استنتاجية غير نهائية وهي تضفي على النص شعرية مميزة ناتجة عن تعدد احتمالات فهم المعنى ، وترى أن الشاعر في رهانه على اللغة وتجديده لها وذاك الغموض الذي يواجه غموض واقعه و خياله انما يقدم العنصر الكردي في لغة عربية قوية ، وتلاحظ أن المشهد في القصيدة مركب من عناصر متباعدة متعددة الأول فيها بسيط مكون من عناصر غير متآلفة وبصيغة غير معهودة والصورة فيه قائمة على تزاوج الحسي والمجرد ويضيف إلى المشهد الكلي عنصرا بشريا "أنت" ، أما بشأن الكردي فيبدو أن الشاعر يحدد لقاءه معه في دوي الطلقة في شيء غير مادي وكأنما يلتق معه من خلال ترداد الموت "الصدى" ،وأما الياقوت فهو ذات الشاعر أو خياله وهو يعبر عن الكثافة الدلالية في اسلوبه بالطيش فيجعل الديوان تحت عنوان "طيش الياقوت".

"العارفون يحملون في جيوب معاطفهم كستناء الحريق/ والحياة كي ترتق بسيول من أحشاء الغيلم / لا أن تحتمل /هيا:
ناموس يهذي في توبال الحديد /فتستولد عتيقا من طالع النشأة / سهرك سهر المكان /ألمك مرسلٌ كحنين الملوك/ وبك نجوى المشكل تتقصى المكاشفات إلى مهبها/ فأعد الوليمة من أخلاط الزئبق ونفاس الرمل / كي تحضر الوحشة في أصفاد الجوهر /وأحك ما تشاء من فروق الخفي /فالمساء في خير ،والليل في خير ،والفجر في خير والصباح والظهيرة وملل الشفق كلها بمديته الأزل من ثدييه "        **من ديوان " طش الياقوت "**

وفي خاتمة الرسالة التي لابد أن سامية السلوم استحقت درجة الماجستير عليها بجدارة تعود لتؤكد أن دراسة شعر شاعرِ مثل سليم بركات محفوفة بالمصاعب التي تحاول جعل الدارس قوياً من خلال يقظته في دراسة اسلوب المتكلم المتميز ، وقد توصلت أخيراً إلى بعض أوجه الشعرية في قصائد الديوان نذكر منها :

1- التكوين الغرائبي غير المألوف في الكلام
2- اخفاء مرجعية الضمائر مما يثير احتمالات متعددة لفهم النص
3- توحيد المتناقضات
4-الانزياح من الانساني إلى اللانساني وبالعكس
5- الجمع بين الحضور والغياب
6- عدم وضع حدود للصور أو تقطع الصور

وفي نهاية رسالتها تكتب سامية السلوم: أن الشاعر سليم بركات كان مجدداً بامتياز ويستحق الدراسة المعمقة لأن له بصمته المتميزة في لغتنا الحديثة ويستحق كل التقدير.


----------------------------------------------------------------
الصورة الشعرية عند سليم بركات من خلال ديوانه طيش الياقوت
رسالة دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي
اعداد: سامية السلوم
اشراف: د.سامي سويدان
بيروت 2001


>> صفحة البداية <<



copyright © 2000-2003 amude.com [ info@amude.com ]