EWRAQ KURDIYE
| البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف |

amude.com/ewraq العدد 6 - 01.01.2003

من أوراقنا الكردية*


عوامل أعاقت نشوء دولة مركزية كردية

د. خليل جندي

يحمل لنا التاريخ , عبر قرون وفترات متباينة , أسماء العديد من الدويلات الإقطاعية الكردية والحكومات التي نشأت على مساحة معينة من أرض كردستان , لها استقلالها الذاتي دون أن تنشأ دولة كردية مركزية تسيطر على جميع أرجاء كردستان . ما هي أسباب هذه الظاهرة ؟
ما دام يدور الحديث عن الدولة القومية , لا بد من دراسة الظاهرة دراسة تاريخية اقتصادية معمقة , من وجهة النظر الماركسية -اللينينية . وأخذ العوامل الداخلية الموضوعية , والعامل الخارجي بنظر الاعتبار .
يرى البعض أن السيطرة الأجنبية على أرض كردستان , وقهر شعبها منذ أقدم العصور إلى هذا اليوم , أعاقا قيام دولة كردية مركزية . وفي هذا الرأي جانب من الصواب , ولكن هذا العامل  الخارجي يمثل واحداً من بين عوامل عديدة . إذاً لا بد من البحث عن العوامل الداخلية التي عرقلت قيام الدولة المركزية الكردية الشاملة للأكراد . أول هذه العوامل يتمثل في طبيعة كردستان الجبلية الوعرة في الغالب , وهي في الغالب غير مؤاتية للزراعة ، أما سهولها ورغم خصوبة بعضها فإنها ما زالت تعتمد على المطر ، الأمر الذي يفسر عدم ظهور حضارات عظيمة ودولة مركزية في كردستان على غرار دلتا النيل ووادي الرافدين .
مما ترك أثره الملموس على مجرى تطور المجتمع الكردي اقتصادياً وسياسياً ، إن بإمكان كل قرية أو جماعة صغيرة ، أن تمارس الزراعة دون الاعتماد على وجود الدولة التي تنشئ وتدير مشاريع الري الكبرى . كما لعبت العوامل الجغرافية وثلوج الشتاء دوراً كبيراً في عرقلة المواصلات ، وبالتالي (عزل المناطق عن بعضها بحيث لم يتم اتحاد قبائل نموذجي ، الأمر الذي له ضرورة في صب التطور في اتجاه واحد ) .
لم يكن عبور القوافل عبر كردستان سهلاً : يضاف إلى ذلك عدم امتلاك كردستان لمنافذ بحرية ، أو حتى لأنهر كبيرة تساعد على تطور العلاقات التجارية .
كل ذلك حال في الماضي دون تطور المراكز التجارية الكبيرة التي توفر شرطاً لقيام الدولة المركزية .
لقد كانت أراضي كردستان الجبلية مثابة الحصن المنيع بوجه الجيوش الأجنبية ، وبالتالي  لم تنشأ الحاجة الماسة إلى دول مركز تتولى مهام الدفاع عن هذه الأراضي ، ثم أن وعورة كردستان ظلت تعيق مساعي الأمراء الأكراد لتوسيع رقعة إماراتهم بحيث تتحول إلى دولة مركزية لكردستان . ثم إن التطاحن والصراع المستمر بين إمبراطوريات المنطقة ظل يمتد إلى أراضي كردستان فتصيبها الويلات والدمار والمجاعة التي أودت بحياة الآلاف من الناس .
كل ذلك أعاق تطورها الاقتصادي - الاجتماعي والسياسي بشكل غير طبيعي .
قسمت كردستان بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية عام 1514 بعد هزيمة الجيوش الصفوية أمام الجيوش العثمانية في معركة جالديران . وشاركهم في تحمل هذا القسيم كبار الإقطاعيين الأكراد الذين باعوا قضية شعبهم ووضعوا أنفسهم في خدمة المستعبدين الأجانب .
لقد عرقلت سيطرة الدولتين والحروب بينهما على أرض كردستان تطور الإنتاج البضاعي فيها ، الأمر الذي أدى إلى تأخر بروز الحركة التحررية الكردية كظاهرة ترافق ظهور الطبقة البرجوازية . وحين نشأت البرجوازية الكردية ظلت لديها ارتباطاتها القوية مع التنظيم القبلي ، ومن الجهة الأخرى كانت تمارس علاقاتها التجارية والتبادلية مع السوق الخارجية عبر تجار أجانب من المناطق المجاورة . وبذلك لم يكن للبرجوازية الكردية كيانها المستقل ولم يتبلور برنامجها الواضح من أجل توحيد السوق الكردستانية وإيجاد دولة مستقلة لها .
وعرقل العامل الديني نشوء الدولة المركزية الشاملة في كردستان . فبعد دخول الشعب الكردي الدين الإسلامي انقاد إلى الخلافة وأخذ ينسى بعض ذاتيته ، ويكف عن استخدام لغته القومية الغنية . وعندما استيقظت آسيا من سباتها وبدأت الحركات القومية بالظهور والنمو ، كان معظم الضباط المنحدرين من القبائل الكردية متشبثين بالخلافة الإسلامية فلم تحركهم الأفكار القومية الكردية . وكان لانقسام الشعب الكردي بشكل أساسي بن هذين المذهبين السني والشيعي تأثيره السلبي إذ أدى إلى خلق المشاكل الطائفية بين الأكراد .
فالتزم الأكراد الشيعة جانب الشاه إسماعيل الصفوي إمبراطور الدولة الفارسية . أما الأكراد السنة فالتزموا جانب السلطان سليم الأول , سلطان الدولة العثمانية . وكان لوقوف الأمراء الأكراد إلى جانب الأتراك السنة في حربهم ضد شاه إيران , في معركة جالديران , أثر كبير في انتصار الأتراك . وباسم الدين تمكن الخليقة العثماني عبد الحميد الثاني ، من تشكيل فرق حربية من بعض العشائر الكردية سميت بالفرق (الحميدية ) وهي تشكيلات غير نظامية ، حاولت الأوساط العثمانية الحاكمة من خلالها تحويل العشائر الكردية إلى قوة احتياطية في يدها بهدف السيطرة عليها أولاً ، ومنن أجل الحفاظ على سطوة السلطان ، ولضرب الحركة القومية للشعوب غير التركية ، مناطق الحدود الروسية والايرانية ثانياً ، (وأخيراً في سبيل إعدادها بشكل اكفأ في الحرب أو الحروب القادمة المتوقعة ،خاصة مع روسيا ) .
عندما كانت الدولة العثمانية آيلة إلى الانحلال والسقوط ، ظهرت ( جمعية الاتحاد والترقي ) أي حركة( تركيا الفتاة) التي دبرت عام 1908 انقلابا على السلطان عبد الحميد تحت شعار ( حرية،
عدالة ، مساواة ) . وتعهد الانقلابيون وضع حد للتمييز في الحقوق والواجبات بين السكان على أساس الدين والعرق . لكن لم يطرأ تبل فعلي في ظل السلطة التركية الجديدة تجاه الشعوب غير التركية . لقد كان السلطان عبد الحميد الثاني يتخذ شعار الجامعة الإسلامية وسيلة للحفاظ على كيان إمبراطوريته , أما الاتحاديون فسعوا إلى نفس الغاية بسياسة قومية متطرفة تناقض مصالح الشعوب غير التركية . لكن بعض الأوساط الكردية خدعتها شعارات جمعية الاتحاد والترقي مثلما أعمت بصيرة الجيل القديم .
وتحرك مصطفى كمال باشا ، من زعماء حركة تركيا الفتاة بمكر لخداع  وتحييد الشعب الكردي في الحرب العالمية الأولى ، حين تولى قيادة الجيش الثاني في دياربكر ، فراح يتودد للأمراء الأكراد ، ويعدهم باستقلال إمارتهم ، متظاهراً بمعارضة سياسة صهر الأكراد ، فأوكل مهام الأمن في مقره إلى وحدة من الأكراد بزيهم القومي . ومن طرق حيله أنه كان يصطحب صبيين من اليتامى الأكراد في زياراته واجتماعاته في المناطق الكردية .
كما خدع البسطاء بصوره مرتدياً الزي الديني . وهكذا استطاع كسب تأييد غالبية الموظفين ، ولا سيما الضباط . وبغية كسب الأكراد لمقاومة الاحتلال الأجنبي لتركيا راح يبدي مناصرته للقضية الكردية قائلاً أنها قضية حياتية للأكراد والأتراك معاً . وفي إحدى رسائله أعرب عن نيته لمنح الحقوق القومية لأخوته الأكراد بعد تنظيف الوطن من الاحتلال الأجنبي ، لكنه ما لبث أن استخدم الأساليب الوحشية ضد هذا الشعب من أجل  صهره وإخماد حركته القومية الناهضة . حينما انتصرت الحركة القومية التركية بزعامة مصطفى كمال ، رأت الدول الاستعمارية أن من مصلحتها تقوية العلاقة  مع حكومته فتخلت عن التعهد بتأسيس الدولة الكردية الذي نصت عليه معاهدة سيفر عام 1920 . وفي مؤتمر لوزان عام 1923، لم يحضر أي ممثل عن لشعب الكردي لطرح قضية شعبه ، سوى أن ممثل تركيا عصمت باشا كان قد اصطحب معه كردياً واحداً وهو النائب عن دياربكر (برينجي زاده فوزي بك ) وفي المرة الثانية النائب ( زلفي زاده بك ) وأعلن الاثنان (( نحن والأتراك أخوة لا توجد بيننا أية فروقات ، ولا نرغب بالانفصال عنهم )) وبذلك خانا شعبهما ووقعت عليهم اللعنة إلى أبد الآبدين . واستناداً إلى تصريح هذين الخائنين سارع مصطفى كمال باشا إلى الإعلان أمام البرلمان التركي أن الأكراد لا يريدون دولة خاصة بهم  .
أسفرت الحرب العالمية الأولى عن استيلاء الدول الاستعمارية المنتصرة على ممتلكات الإمبراطوريات والدول المهزومة في هذه الحرب .
كانت الإمبراطورية العثمانية من أكبر هذه الإمبراطوريات التي صارت ممتلكاتها نهباً بين الضواري المنتصرة .
إن تشكيل الدول الجديدة بحدودها السياسية لم يتطابق مع التكوين القومي ، تطابقاً تاماً . فقد ظلت قوميات عديدة ضمن حدود الدول الجديدة ، أو ظلت قوميات كالقومية الكردية مقسمة بين عدد من الدول دون ضمان حقوقها القومية . ولكن بعد الحرب العالمية الأولى هبت الحركات الوطنية لشعوب الشرق ، ومنها الحركة التحررية للشعب الكردي تطالب بإنشاء دولها القومية .
وكان مندوبو الحركات القومية العربية والأرمنية والكردية قد توجهوا إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 مطالبين بتشكيل دولهم القومية . ولكن المساومات التي جرت بين الدول الاستعمارية على حساب هذه الشعوب أدت إلى تجزئة أوطان هذه الشعوب وإخضاعها لسيطرة الدول الاستعمارية وتم تقسيم كردستان هي الأخرى بأربع دول ذات حدود وكيان دولي معترف به . إن الموقع الإستراتيجي الهام لكردستان وغناها بالثروات المعدنية وخاصة النفط ، جعلها هدفاً لأطماع الدول الاستعمارية ، خاصة إنكلترا وفرنسا وبلغ الصراع بينهما أوجه على كردستان الجنوبية . وبعد انتصار ثورة اكتوبر فضحت الدول السوفيتية بنود معاهدة سايكس - بيكو السرية وأعلنت أنها لا تحمل أي نوايا استعمارية ونددت بالاتفاقيات التي وقعتها روسيا القيصرية قبل اكتوبر 1917 . وهكذا نشأ في كردستان الشمالية فراغ في الرقعة التي كانت مخصصة لروسيا حسب اتفاقية سايكس - بيكو وفضلاً عن ذلك فإن بريطانية أصبح لها مصلحة في كل هذا الفراغ لتكون سداً منيعاً بوجه الأفكار التي تحملها ، بل لتخنق النظام الجديد في مهده إن استطاعت .
يضاف إلى ذلك أن ثورة أكتوبر أصبحت من عوامل النهوض للحركة التحررية القومية الكردية، فتعاظم نضال الأكراد من أجل إقامة دولتهم القومية وأصبحت مسألة تأسيس الدولة مطروحة على بساط البحث في الميدان الدولي الأمر الذي دفع المستعمرين إلى اتخاذ الإجراءات للالتفاف على هذا النضال . ووضعوا البنود رقم ( 62-63-64) من معاهدة سيفر التي تقر ببعض الحقوق القومية الأولية للشعب الكردي لوقف تأثير ثورة اكتوبر على شعوب الشرق ومنها الشعب الكردي أولاً ، وثانياً لأن المستعمرين الإنكليز والفرنسيين الذين كانوا يحاربون الحركة الكمالية التركية ، أرادوا كسب الأكراد إلى جانبهم ، لأن الأكراد كانوا قوة هامة من قوى الحركة الكمالية ولعبوا فيها دوراً بارزاً ، بعد أن وعدهم كمال أتاتورك بإعطائهم الحقوق القومية حال انتصاره ، كما أشرنا . وقد صيغت البنود بشكل تستطيع معه بريطانيا أن تتلاعب بمصير الشعب الكردي ، سيما أنه أوكل الإشراف على تنفيذ تلك البنود بموجب البند (62) ، وأشركت في ذلك فرنسا و ايطاليا ذراً للرماد في العيون . وبموجب هذا البند كان من المفروض إعطاء كردستان الشمالية ما سمي بالحكم الذاتي ، في حين أن البند (64) كان يتضمن منحها حق الانفصال وفق شروط ( اذاءات مزيفة ) . فينص البند (64) مثلاً على أنه : إذا بلغ القاطنون في المناطق التي حددها البند (62) عصبة الأمم ، خلال سنة من التوقيع على المعاهدة ، إن أكثرية سكان تلك المناطق يرغبون في الانفصال عن تركيا ، وإذا أقرت عصبة الأمم أن هؤلاء جديرون بالاستقلال وأوصي به لهم ، آنئذ فإن تركيا تتعهد بقبول تلك التوصية والتخلي عن كل ما لها من حقوق في هذه المناطق .. .
وإذا تخلت تركيا عن حقوقها هذه فإن الدول الحليفة لا تضع أي عراقيل في طريق أكراد ولاية الموصل لينضموا بإرادتهم إلى هذه الدولة .
لم يؤيد الاستعمار البريطاني تشكيل الدولة الكردية لأسباب عديدة ، منها الحفاظ على مصالحه الاستعمارية لدى الحكومة التركية برئاسة كمال أتاتورك . ولدى الحكومة العراقية الصورية الخاضعة للإنكليز وكذلك لتفادي استياء حكام إيران عليها لأن جزءاً من كردستان يقع ضمن حدودها ، وكذلك تفادياً لإثارة فرنسا المنافسة لبريطانيا ثالثاً ، كان لاستعمار البريطاني يخشى أن يؤدي الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي وقيام دولته القومية المستقلة على مقربة من الاتحاد السوفييتي إلى كسر طوق الحصار الذي تساهم فيه كل من تركيا وإيران ضد الاتحاد السوفييتي .
وللدلالة على مخاوف لاستعمار من الموقف الكردي الودي تجاه الدولة السوفيتية ، نشير إلى رسالة الشيخ محمود الحفيد في 20 كانون الثاني 1923 إلى السوفييت عبر القنصل الروسي في أذربيجان ، فيها يقول : (( .. . وطبعاً فإنه ليس بالإمكان أن نكتب عن جميع أعمالنا بالتفصيل في الوقت الذي لا توجد بيننا وبين الحكومة السوفيتية التي نعتمد عليها ونحسها سنداً لنا ، علاقات دبلوماسية حتى الآن ، ولكنني أتمكن من أن أقول شيئاً واحداً هو أن الشعب الكردي بأجمعه يعتبر الشعب الروسي محرر الشرق ، لذلك فهو حاضر ومستعد لأن يربط مصيره بمصيره ، وإن أهم ما يشغل بالنا هو قضية مساعدتنا ، وإن الشعب الكردي ينتظر بفارغ الصبر تأسيس العلاقات بيننا )) .
وفي ضوء ما سبق يمكن فهم عداء الاستعمار تجاه تشكيل دولة مستقلة للأكراد في الوقت الحديث.

المصدر:
مجلة الثقافة الجديدة التي يصدرها
الحزب الشيوعي العراقي العدد (214تشرين الأول 1989)


------------------------------------------------------------------------------------------------
* ملاحظة :
هذه الزاوية الدورية مخصصة لإعادة نشر ما نراه يحمل أهمية فائقة و راهنية بالنسبة لنا نحن الكرد في حقل التاريخ و الثقافة و الأدب والنقد والتوثيق .
لذا نرجو من كافة المهتمين والقراء الأعزاء تزويدنا بمواد من هذا الطراز مع ضرورة الإشارة إلى المصدر الأصلي للمادة بالتفصيل .

(هيئة التحرير)


>> صفحة البداية <<



copyright © 2000-2003 amude.com [ info@amude.com ]