EWRAQ KURDIYE
| البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف |

amude.com/ewraq العدد 6 - 01.01.2003

حوار مع الكاتب والصحفي نزار آغري
"لست في معركة كي أستسلم وأرفع الراية البيضاء."


الأسئلة الإشكالية والمثيرة للنقاش التي طرحها الكاتب والصحفي الكردي نزار آغري في مقالاته النقدية، أثارت ردود أفعال متباينة، سواء من الناحية الثقافية أو السياسية. حاولت "أوراق كردية" في هذا الحوار أن تطرح أسئلة مباشرة ودقيقة في محاولة للتعرف على نوايا الكاتب من إثارة تلك الأسئلة التي شغلت بعض الأوساط السياسية والثقافية.


نزار آغري (Dugir)
مقالاتك الأخيرة تناولت رموزاً سياسية وثقافية كردية. بإختصار شديد، هل أنت بصدد مواجهة الذاكرة الكردية ومحاولة تجريدها من وعيها الذاتي التاريخي أم أنك تحاول أن تتجاوز السائد في الحالتين السياسية والثقافية؟

ينطلق السؤال من أشياء تبدو وكأنها بديهيات وهي ليست كذلك وهذه الأشياء هي:

أ ـ الرموز السياسية والثقافية الكردية.
لقد حاولت، في بعض المقالات، الإقتراب من أشخاص أكراد ممن شغلوا أو زعموا شغل مواقع سياسية وثقافية. وسعيتُ أن يكون اقترابي متفحصاً ن قدياً ما أمكنني ذلك. في السياسة كتبتُ عن مصطفى البرزاني وعبد الله أوجلان وغيرهما وفي الثقافة كتبتُ عن أحمدي خاني وجكر خوين وجلادت وأوزون وآخرين. من الذي عيّن هؤلاء رموزاً؟ ولكن قبل هذا هناك سؤال آخر، أهم، يتعلق بمعنى مفهوم الرموز ودلالاته والآثار التي تترتب عليه. فماذا يعني أن يكون إنساناً ما رمزاً. وكيف يمكن الإتفاق على تعيينه في هذه الصورة؟ وما هي الجهة التي يحق لها تنصيب هذا أو ذاك رمزاً؟ وهل يمكن التأكد من إجماع الناس كلهم (الشعب، الأمة، الجماهير...الخ) على هذا الأمر؟
من هو رمز الامة الكردية: مصطفى البر زاني أم عبد الله أوجلان أم جلال الطالباني أم عبد ال ر حمن قاسملو ؟
 هناك قسم كبير من الأكراد يعظم البرزاني ولكن هناك قسم آخر، لا يقل عن الأول عدداً ومكانة، ينظر إليه بمنظار آخر.
وهناك فئات كثيرة تبجل أوجلان إلى حدود العبادة ولا تتورع عن حرق أجسادها من أجله، وفي الوقت نفسه فإن أعداداً غفيرة لا يستهان بها تشمئز من تصرفّاته وسلوكه وأقواله، قبل الإعتقال وبعده، وتنظر إليه بعين الحنق.
وهناك كثيرون يرون في جلال الطالباني مناضلاً كردياً في حين يرى فيه آخرون مرتداً على مصطفى البرزاني ويسمون جماعته جحوش 66. والأمر نفس ه ينطبق على قاسملو الذي لم يتردد في الدفاع عن نظام صدام حسين وأنكر أن يكون هذا النظام قد استعمل الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد في حلبجة وغيرها. فالحال أن ليس هناك إجماع من الناس على مسألة الرموز وماشابه. وبالمناسبة فإن الذي طرح مثل هذا الأمر لأول مرة في رسالة عتاب إلى جريدة الحياة وهدد بالذهاب إلى الملك فهد ليشكو إليه أمري ويخبره عن تهجمي على رمز الأمة الكردية مصطفى البرزاني، حسب مايكرر في كل لحظة، هذا الشخص كان يتهجم على البرزاني، قبل ظهور جمرك ابراهيم الخليل، ويعتبره عميلاً للإمبريالية والصهيونية والشاه وعدواً للأخوة الكردية العربية وخطراً على الحكومة العراقية التقدميةوالثورية........الخ. 
أما في الثقافة فإن الأمر أكثر وضوحاً. الشعراء والكتاب هم أبعد الناس عن أن يكونوا رموزاً مصنمين. بل إن جوهر عملهم يقوم في طرد شبح الرموز والتخفيف من حضورهم. فالرمز تقديس والكتابة انتهاك . وحتى لو سلمنا بأمر كهذا فهل يعني الأمر تناول هؤلاء وأعمالهم ونتاجاتهم ومؤلفاتهم بالنقد والتمحيص؟
ما هي القيمة التي ينطوي عليها اعتبار شخص مثل اوزون، مثلاً، رمزاً من رموز الأدب الكردي؟

ب ـ مواجهة الذاكرة الكردية:
وترتبط هذه المقولة بسابقته ا، على اعتبار أن الذاكرة الكردية (إذا اتقفنا على وجود شيء كهذا) تحتفظ بتلك الرموز في جنباتها وتستمر بها حضوراً في الأجيال الكردية. وهذه مبالغة لا أعتقد أن من الصواب التعلق بها. إذا كانت هناك من ذاكرة جمعية كردية (ومن الصعب التأكد من شيء كهذا) فإنها ذاكرة متنوعة بتنوع فئات الناس في صفوف الأكراد. ذلك أن هؤلاء هم، في نهاية الأمر، أفراد يختلفون في ما بينهم في الثقافة والذهنية والمؤثرات والقابليات وما شابه. والذاكرة متحركة وانتقائية، فهي ليست شيئاً ثابتاً ونهائياً. وأنا على يقين من أن إنتخاب الأشياء في ذاكرة الأكراد المتعاطفين مع أوجلان، مثلاً، يختلف عن ذلك القائم عند الأكراد المتعاطفين مع البرزاني،هذا دون أن نذكر الجهات و الجماعات والأحزاب والفئات الأخرى.
 
ج ـ الوعي الذاتي التاريخي:
 وهذا أيضاً شيء يكتنفه التعقيد وليس مسلّمة بسيطة يتفق في شأنه الناس كلهم.
على أن لا بد لي هنا من محاولة لفت الإنتباه إلى طريقة تفخيم الأشياء وتضخيمها بحيث تبدو مقالة، أو عدة مقالات، قادرة على تحقيق هذا الإنجاز السحري: مواجهة الذاكرة الكردية وتجريدها من وعيها الذاتي التاريخي....إلخ.
ينبغي أن يكون واحدنا أكثر تواضعاً وينظر إلى الأشياء بم نظار عادي بعيداً عن التهويل.
 
الردود التي تناولت مقالاتك ـ باستثناء القليل منهاـ جاءت انفعالية، متشنجة، ارتجالية وتناولت مسائل خطيرة لها علاقة بالمؤامرة والإرتهان إلى جانب أنها تناولت جانب من سيرتك الشخصية، أنت عملياً لم تحاول الرد، هل تعتقد بأن تلك الإتهامات غير جديرة بالرد أن أنك أعلنت الإستسلام ورفعت الراية البيضاء؟

لست في معركة كي أستسلم وأرفع الراية البيضاء. أنا أحاول أن أكتب مقلالت متواضعة أطرح فيها رأيي في بعض الأشياء. وقد يخطأ الرأي أو يصيب. وهذا أمر طبيعي وبديهي. لم أحاول الرد على هؤلاء بالضبط للس بب الذي ذكرته. فتلك الردود لم تتضمن شيئاً يستدعي الرد. هي لم تكن ردوداً تختزن أفكاراً وتمهد الجو للحوار وتبادل الآراء. كان الأمر يتعلق بشتائم و أحكام سوقية و تعابير رخيصة. كيف يمكن الرد على أشياء كهذه؟
ذلك هو السبب الذي منعني من الرد. كان في مقدوري، بالطبع ، أن أخوض في المستنقع نفسه فأسب واشتم وألعن وأتهم وأقول هذا متآمر وذاك عميل والآخر بعثي والرابع جبان....إلخ. ولكن أي خير يرجى من "سجال" كهذا؟
إن لغة الحوار تعيّن، إلى حد كبير، محتوى النقاش. واللغة الرخيصة والسطحية لا تنتج سوى أشياء رخيصة وسطحية.

تناولت في دراسة نقدية أعمال كتاب أكراد، وحاولت أن تتناسى بأن الكاتب الكردي في اللهجة الكرمانجية يتعامل مع لغة مكتسبة، يعني أنه لم يجد الفرصة كي يتعلم لغته الأم بشكل منهجي منظم، وأنت تعرف بأن اللغة المكتوبة تختلف عن لغة التعلم، وسؤالي هو لماذا تحاول أن تستخدم أدوات نقدية غير متكافئة مع الحالة الواقعية ـ التاريخية لسيرورة اللغة الكردية؟

ينبغي التفريق هنا بين مستويين من مستويات اللغة. المستوى الأول وهو مستوى التداول اليومي، الطبيعي ويتعلق الأمر، هنا، بطبقات المجتمع والتربية والمدرسة والواقع السياسي والتاريخي الذي تمر به اللغة. والمستوى الثاني وهو مستوى الإستعمال الإبداعي للغة بوصفها كتابة. واللغة في الكتابة ليست أداة نقل أو تعليم بل هي الكتابة نفسها.
وحين يشرع الكاتب في استخدام اللغة فهو يفعل ذلك، ويفترض أنه يفعل ذلك، على أساس التعامل الإبداعي مها. أي أنه ينطلق من كونه استكمل عدّته التي تؤهله لتفعيل موهبته بالكتابة. والكتابة هنا فن وليست وظيفة.
ورغم الصعوبات التي تضعها الوقائع السياسية والتاريخية في وجه كاتب ما إلا أنها لا تمنحه الإجازة كي يستقيل من أداء عمله الشاق في الرقي بلغته الكتابية إلى أبعد الحدود. ولا علاقة لهذا الأمر بتخلف اللغة أو تطورها، بوصفها مقموعة أو حرّة بكونها لغة مجتمع ديمقراطي أو مجتمع تتحكم به الدكتاتورية. وليس كل الذين يعيشون في مجتمع حر، ديمقراطي حيث اللغة راسخة وحرّة يستطيعون استعمال اللغة بشكل حاذق . وقلة فقط هي التي تتمكن من الوصول باللغة والكتابة إلى ذرى خلاّقة في الإبداع والإبتكار.
 المقاييس النقدية في الحكم على كل منجز إبداعي، على مستوى اللغة، هي مقاييس جمالية وليست مقاييس تاريخية أو اجتماعية. والرواية البارعة تكون كذلك سواء كتبت في ألمانيا أو بريطانيا أو في نيجيريا أو بنغلادش.
  أن نقول أن هذ ا اللغة أو تلك مقموعة ومضطهدة هو حكم سياسي لا علاقة له بالكتابة بوصفها مجالاً للخلق. ولغة الكتابة ينبغي أن تكون راقية فنياً سواء كنا تعلمناها منذ الولادة أم أننا اكتسبناها بجهودنا الفردية في فترات متأخرة من أعمارنا. القمع والإضطهاد وحظر اللغات ...إلخ لا تشكل مبرراً لهزال والكتابة وفقر اللغة وهشاشة التعبير.
لقد كتب ملايي جزيري وفقي طيران أشعاراً بهية باللغة الكرمانجية، ولم يكن حالها آنذاك أفضل من حالها الآن. وميلان كونديرا صار يكتب باللغة الفرنسية بعد هروبه من الدكتاتورية في بلده الأصلي.
والأدوات النقدية الت ي تُستعمل في مقاربة أشعار جزيري وروايات ميلان كونديرا هي ذاتها التي ينبغي أن تُستعمل في مقاربة الكتابات الراهنة.
 
في دراستك النقدية عن جكرخوين قمت بإزاحة الظرف التاريخي لواقع الثقافة الكردية أي أنك لم تترك لجكرخوين عصر انتماء وجردته من زمانه ومكانه بقصد أن تجد مبرراً لدراستك عنه، هل بإمكان الناقد أن يستخدم أدوات نقدية حديثة في تعامله مع حالة ثقافية وإبداعية دون أن يتطرق إلى الواقع الثقافي والاجتماعي والمعرفي التي أفرزت تلك الحالات عملياً؟

أبداً. لم أقم بإزاحة أي شيء. كل ما في الأمر أنني حاولت التعامل مع جكرخوين بوصفه شاعراً وليس مؤرخاً أو عالم اجتماع. لم أجرده من زمانه ومكانه بقصد العثور على مبرر لدراسة كتاباته. بالعكس تماماً نظرت إليه من بؤرة زمانه ومكانه. وهذه النظرة بالذات أوصلتني إل ى الخلاصات التي انتهيت إليها. لقد كان جكرخوين شاعراً شعبياً مكنته فطرته من إلقاء كلام غنائي وموزون يقع في الآذان موقعاً محبباً. وفي ظل مجتمع كردي تسود فيه السوية الشفاهية من الكلام وتهيمن فيه ثقافة المضافات والمجالس الشعبية فقد اعتبره المستمعون بمثابة معجزة هبطت من السماء. وهذا الإنجذاب الشعبي نحوه والتعلق السحري بأشعاره دفعا به إلى القيام بما يشبه دور المبشر والدليل والنبي...إلخ. هذا أمر غالب الحدوث في مجتمعات رعوية، أميّة، مقموعة كالمجتمع الكردي. ( لا ننسى أن المغني شفان تقمص الدور نفسه ولكن بالموسيقى والغناء). لقد حدث ما يشبه الإتفاق الضمني بين جكرخوين وجمهوره (وهؤلاء هم الغالبية الساحقة من الناس). ويقوم هذا الإتفاق على أن يقوم جكر خوين بمهمة تنوير وتثوير وتحريك الناس ودفعهم للإلتفات إلى واقعهم القومي والإجتماعي وتحريضهم على مطاردة الأعداء (من الآغاوات ورجال الدين والمحتلين لكردستان في آن واحد)  ومقابل هذا يمحضه المستمعون الإعجاب والتقدير.
أراد جكرخوين في هذه المعمعة أن يقوم بدور المحرض والداعية حاملاً على كتفه مهمات قومية وطبقية من منظورات شعبوية وشيوعية سطحية ومباشرة.
بالطبع كانت تلك الفترة حافلة بهذه ال هواجس. وكثيرون، مثل جكرخوين، ومن قوميات مختلفة، كتبوا بالسوية نفسها وحملوا المواضيع ذاتها. ولكن أحداً لم يحمل كتابات هؤلاء على محمل الشعر والفن والإبداع.
كانوا ضحلين في مقدراتهم الفنية فلم تشكل كتاباتهم إسهاماً ذا قيمة في ميدان الخلق الفني. وبالمقابل كان هناك شعراء حقيقيون إرتقوا بكتابتهم إلى سماوات الإبداع رغم تناولهم مواضيع شبيهة بتلك التي تناولها جكرخوين.
ما يحدد قيمة الفن ليس التاريخ بل الفن نفسه. ولا يُنظر إلى الفن بمنظار القضايا والفترات الزمنية بل بمنظار الخلق. لقد عاش ملاي جزيري قبل جكر خوين بقرون ع ديدة ومع هذا فقد كتب شعراً راقياً. وكذا الأمر بالنسبة للمبدعين الآخرين، فقد عاش أرتور رامبو في الفترة التي وقعت فيها كومونة باريس التي قام بها الفقراء والمعدمون وهو تعاطف مع الكومونة وأفرادها ومع هذا لم تتسلل إلى شعره أي روح دعاوية أو تقريرية. بالعكس فقد فتح آفاقاً هائلة أمام الشعر العالمي والفرنسي، هو الذي لم يكن تجاوز العشرين من عمره بعد. ورامبو عاش قبل جكرخوين بما يقارب قرن من الزمن. الشعر شعر بغض النظر عن الزمان والمكان.

أشم من مقالات نزار آغري رائحة اللاوطنية هل أنت لا وطني حقاً أم أنك تفهم الوطنية بشكل آخر؟

لا أعرف بالضبط ما هو المقصود بالوطنية واللاوطنية. كما أنني لا أعرف من الذي يقيس للناس وطنيتهم ولا وطنيتهم. كذلك لا أعرف إن كانت المشكلة تكمن في مقالاتي أم في حاسة الشم لديك. في كل حال إذا كانت الوطنية تعني أن أعيش في المجتمع كفرد حر يملك الحق في التعبير عن رأيه وانتقاد جوانب الضعف والخطأ في أي جهة أو فرد فلا تعترض سبيله موانع ومحرمات وما شابه فأنا وطني. أما إن كانت تعني التصفيق للزعماء ورفع صورهم وتمجيدهم مهما فعلوا والسكوت عن الأخطاء بل الجرائم التي ترتكب بإسم الأمة والقضية وما شابه فأنا لا وطني.
 
في ظل حالة الإنقسام التي تشهدها الثقافة الكردية نحتاج إلى أدوات تساعدنا على مواجهة الإنصهار والذوبان في الثقافات السائدة واللغات الرسمية للدول التي تقتسم كردستان. في مثل هذه الظروف جئت كي تشكك في الرموز التي تشكل وعينا التاريخي، هل تعتقد بأن التوقيت مناسب لمثل هكذا نقد، أعتبره البعض عدمياُ والبعض الآخر تجنياً واضحاً على مقدسات الأمة الكردية؟

هذا يعود بنا إلى السؤال الأول، أي الحديث عن الرموز والمقدسات. والآن ها أنت تضيف مسألة التوقيت في ممارسة النقد.
أكرر أنني لا أومن بشيء أسمه الرموز والمقدسات. هذه أشياء توجد في المجتمعات البدائية وكذلك في المجتمعات التوتاليتارية التي تسودها الإيديولوجيات المطلقة كالشيوعية والنزعة القومية المتعصبة (مثل العراق حيث يسود حزب البعث القومي شبه الفاشي) وكذلك الإيديولوجيات الدينية المنغلقة على نفسها. وأعتقد أن أكبر خطر على أي مجتمع أو شعب يكمن بالضبط في فرض الرموز والمقدسات عليه: أي حين تتحول هذه الأشياء إلى أدوات لممارسة السلطة سواء كانت سلطة حكومة أو حزب أو فئة أو جماعة. وقد يعمد الناس، كثر عددهم أو قلّ، إلى التعلق بأشخاص أو أفكار فتفضلهم وتفضلها على غيرهم وغيرها. هذا يحدث في كل مكان، حين يتعلق الأمر بأبطال الرياضة ونجوم السينما أو بزعماء سياسيين، كنلسون مانديلا،...إلخ.
هذه مظاهر نفسية تتكرر دائماً. ولكن ما ينبغي ملاحظته هنا، وهذا أمر في غاية الأهمية، هو أن الناس يختارون رموزهم هذه ويتعلقون بها بمحض إرادتهم. وهم قد يبدلونها  بع د يوم برمز آخر. الخطورة تنهض حين يتم تأطير رموز ومقدسات كتجسيد لسياسة رسمية منهجية مفروضة على الناس. حين يتحول الرمز إلى إيديولوجيا متسلطة وبرنامج جماعي تكون الخطوة الأولى نحو الذهنية الشمولية. وهنا مكمن الفزع.
ما يتعلق بمقولة التوقيت: هذا أمر يتكرر كلما ك انت هناك رغبة في الهروب من مواجهة الحقائق وتقبل المسؤوليات.
ليس هناك توقيت للنقد. النقد مفيد وضروري ومرغوب في كل الأوقات. اللحظة التي يغيب فيها النقد يتسلل الخطأ والعيوب من وراء الظهور.
وأولئك الذين يقولون أن الوقت غير مناسب للنقد لا يقولون أن الوقت غير من اسب للأخطاء والعيوب أيضاً. هم لا يؤجلون ما في أذهانهم ولا يبدلون سلوكهم الذي قد يكون مؤذياً إلى أبعد الحدود.
 ينبغي التمييز، بالطبع، بين النقد بوصفه نشاطاً يومياً  يجري فيه الانتباه إلى الظواهر اليومية من ممارسات القائمين في مراكز القرار التي تؤثر في حياة الناس وبينه بوصفه فناً إبداعياً( في الأدب والرسم والموسيقى والنحت...الخ). والأمران حاجتان ضروريتان وليستا ترفاً أو عملاً شريراً أو مؤامرة عدوانية. يمكنني القول أن وجود النقد وتعمقه في أي مجتمع دليل رقي ذلك المجتمع ورسوخ الحرية فيه. كذلك فإن غياب النقد من الساحة الأدبية هو إشارة إلى فقر   الأدب وضيق أفقه.

لأول مرة في تاريخها تجد اللغة الكردية انتعاشاً ملحوظاً خارج القيود التي فرضت عليها رسمياً، أقصد بذلك التوجه الكردي الواسع نحو شبكة الأنترنيت. كتبت مرة تنتقد المواقع الكردية، لم تقدم للقارئ كيف يستطيع الكردي أن يجني ثمار هذه التقدم التكنولوجي؟

لم أنتقد استعمال الأنترنيت بحد ذاته،  إنتقدت الطريقة التي يجري فيها توظيف هذا المجال التكنولوجي لغايات قاصرة. إذا حاولت إلقاء نظرة على هذه المواقع ستجد أن غالبيتها تكرس التعصّب الحزبي أو المناطقي أو حتى الشخصي. ستجد منافسات سخيفة من أجل الفوز بقصب السبق في ما يعتبرونه إسداء خدمة لهذه الجهة أو تلك. تبدو هذه المواقع بمثابة امتداد دعائية لهذا الحزب أو ذاك أو مجرد منبر لترويج وجهات نظر هذا الزعيم أو ذاك ونشرأخباره وخطاباته وجلساته وأمسياته...إلخ.
وهذا يعود بنا إلى الحلقة المفرغة ذاتها تلك التي لا تنتج سوى خطاب الولاء والمديح والتملق ونشر النفاق والكذب.
المفزع أن يقوم بهذا الشيء أشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم شعراء وكتّاب ورائيين وما شابه. وبدلاً من أن يعمد هؤلاء إلى توظيف هذه الوسيلة العصرية لترسيخ ثقافة حقيقية تنهل من قيم الأ دب والفن وتعزز مظاهر الحوار الحرّ بعيداً عن المواقف المسبقة ونزعات الحقد والتشهير والتفكير والتخوين تراهم يحوّلون المواقع إلى مخافر شرطة يقفون على بواباتها ويرفعون راية الحزب وصورة الزعيم ويقدّمون تقارير عن أي شخص يخالف وجهة نظر الحزب أو الزعيم.

اللغة الكردية تواجه صعوبات عديدة ومن أهمها اللهجات الكردية، الثقافات المتباينة التي ساهمت في تكوين الوعي الحضاري للمثقف الكردي، إشكاليات الأبجديات المتداولة ومدى انسجامها مع اللغة الكردية، هل لديك تصور عن آفاق هذه اللغة وأنت الذي تقرأ بعدة لغات؟

إذا وضعنا جانباً التهديد الذي يحيق بغالبية اللغات العالمية، بما فيها تلك العريقة وسواها، وامكانية انقراض الكثير منها في غضون المستقبل المنظور، فإن اللغة الكردية تحتاج إلى وقت كثير وجهود عملاقة كي تتمكن من توطيد أقدامها. هناك إشكاليات صعبة وجدّية تقف في وجه اللغة الكردية كتعدد الأبجديات واللهجات وقضايا النحو والإملاء وهيمنة اللغات المجاورة وثقافاتها وما شابه. أما القضية الجوهرية فتقوم في تعدد اللهجات كالكرمانجية والسورانية والزازية والهورامية وهي أقرب إلى لغات مستقلة. وأعتقد أن المسار التاريخي سيؤدي إلى إنفصال هذه اللهجات وتحوّلها إلى لغات قائمة بذاتها.

>> صفحة البداية <<



copyright © 2000-2003 amude.com [ info@amude.com ]