EWRAQ KURDIYE
| البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف |

amude.com/ewraq العدد 5 - 01.12.2002

الذكرى الثانية بعد الأربعين لحريق سينما عامودا

حسين أحمد و عبد اللطيف الحسيني  - عامودا                                                                            

هذا المقال تحية لأهالي عامودا كافة , و خاصة إلى ذوي الضحايا .

المكان : عامودا
اسم السينما : شهرزاد
مكان الحادث : سينما عامودا
تاريخ الحادث : 13-11-1960
طلاب مدرسة : الغزالي الابتدائية
اسم الفيلم : جريمة في منتصف الليل
ريع الفيلم : للثورة الجزائرية
عدد المشاهدين : 500
250 عدد الشهداء :
منقذ الأطفال : محمد سعيد آغا
النصب التذكاري : هدية من الفنان النحات محمود جلا ل

ففي عام 1960 – تشرين الثاني - يوم الأحد مساء. و تحديدا بين صلاتي المغرب و العشاء قدمت مدينتنا الوادعة عامودا حوالي 250 طفلا شهيدا لم يتجاوز أعمارهم الخمسة عشرة سنة , أولئك الشهداء الذين دفعهم مدراء مدارسهم لحضور فيلم يخلق الرعب و القشعريرة في نفوس الكبار , فما بال الأطفال الصغار , الطرية أجسادهم و عقولهم التي لا تتحمل نأمة رعب و خوف , حيث كانت بعض مشاهد الفيلم في أقصى درجات الرعب , فمثلا : ثمة شبح أسود مخيف يُدخل القشعريرة الي النفوس يظهر في الجزء الثاني من الفيلم . و نريد أن نذكر أن ذلك كان يحرّض بعض التلاميذ لترك السينما و الخروج منها , فكيف بفيلم يهزّ أعماق الرجال , و يخضّهم. و من البداهة السؤال : هل هذه الإجراءات تم ّ التخطيط
لها ؟ فهل سنسمع في المستقبل القريب أو البعيد أن 250 طفلا شهيدا كرديا احترق دفعة واحدة , و خلال دقائق أو لحظات , ولم تبق عائلة واحدة في عامودا الا وكان لها نصيب مشوؤم ؟ حيث كل عائلة فقدت ابنا لها, و لو تخيّل أحدنا لو عاش أولئك الشهداء معنا الآن , لكان عدد سكان عامودا أضعاف ما هي عليه الآن . و لو تخيلنا أكثر : لو عاش أولئك لكان من بينهم عشرات الأطباء و المهندسين و الكتاب والشعراء . فقط لو عاش أولئك , حتى وان كانوا مثلنا فوضويين , و هائمين و عاطلين عن العمل , حتى وان كانوا عالة على المجتمع . و لو أن هذا القول فيه مبالغة , و أكبر دليل على ذلك : أن بعض جيل أبناء السينما و بعض الناجين من الحريق يحملون أعلى الدرجات الأكاديمية الرصينة التي تفتخر بهم مدينتا عامودا , و نذكر على سبيل المثال بعضا منهم عبد الباسط سيدا ( دكتور في الفلسفة ) , محمد عبدو نجاري ( دكتور في الآداب الشرقية ) , سعد الدين العابد (دكتور في الطب النسائي ) و فرهاد أحمد سيدا ( دكتور في الاقتصاد السياسي ) .



غير أن المهم ذكره القول أن مدينة عامودا التي تعرف بكثرة أدبائها و مثقفيها الذين لم يحرّكوا ساكنا للكتابة من مثل هذه الكارثة التي هزّت أعماق كل انسان يحمل بين جوانحه قلبا و عقلا , ولم يكتب أحدهم بالشكل المطلوب عن ذلك ألا مؤخّرا , غير أن ثمة سفرا خالدا دوّنه آنذاك شاعرمن القامشلي هو( ملا أحمدي نامي) الذي كان يأتي إلى مدينة الحريق ( عامودا ) أثناء الحريق و غبّه , وبذلك دوّن تأريخ السينما . و قد طبع كتابه بعد وفاته و ترجم إلى اللغة العربية قبل سنتين من قبل المترجم صلاح محمد و المراجع إبراهيم اليوسف .
وهذا نقد عنيف لكل كتاب مدينتنا الذين ذهبوا أو تركوا أو هاجروا, و تشتتوا في فيافي الدنيا إلى شتى أطرافها , و باستطاعتهم الكتابة عن هذه الكارثة التي تحتاجهم , و تحفزهم , فكل المهاجرين من هذه المدينة التي لها الحق الكامل بالكتابة عنها , وعن حريق سينماها انهم أبناؤها الذين نقرأ لهم , و نتابعهم يوما بيوم .

تفاصيل وحدود السينما

طول السينما: عشرون مترا
عرض السينما: عشرة أمتار
اتساع المقاعد لمئة وخمسين مشاهدا , أغلب المقاعد من الطين ,هذا في القسم الارضي الذي يسمّى ( صالة ) . أما القسم الثاني فكانت المقاعد من الخشب أي ( اللوج )
الجدران ملبسة بقماش بني اللون , و مدهون , وضع كديكور ليجمّل الجدران الترابية التي تهرأ ت، و السقف مبني من القش , و دعم تحته بعواميد خشبية ,و بابها من الحديد بطول حوالي مترين . و عرضه حوالي متر بدرفتين . يغلق و يفتح باتجاه الداخل . من المحزن أن الباب كان عاليا من ارض السينما بمسافة نصف متر .
و كان ثمة دكان صغير في الجنوب الغربي من السينما لصاحبه ( مقصودو الذي) كان يبيع بعض المكسرات و الحلويات في استراحة الفيلم, و كانت الشاشة عبارة عن حائط اسمنتي أبيض في الجهة الغربية من السينما .

البئر:

كان ثمة بئر مشؤوم مستو بالأرض من الجهة الجنوبية أمام الباب الثاني من السينما , و قد ابتلع هذا البئر الكثير من الشهداء , فان نجا أحدهم من النار استقبله
البئر ليبتلعه المحرك ..

لحظة الحريق:

كانت الشرارة الأولى من المحرك اللعين , و قد استقبلت الشاشة تلك الشرارة, حتى أن المشاهدين ظنوا أن الشرارة تلك جزء من الفيلم القبيح و المشوؤم , 35 ملم , إيطالي الصنع , حيث كان المحرك محركا بدائيا من نوع ( فكتوريا), و في غاية القدم , يشتغل عن طريق الفحم . أي أن هذا المحرك لم يكن قابلا للعمل لساعات طويلة كما عملت يوم الحريق . ففي اللحظات الاولى حين شبّت النارالتي التهمت الصغارالقريبن من النار فاحرقتهم , و لأن الأبواب و النوافذ كانت محكمة الاغلاق , فالدخان و ألسنة النيران كفيلة بخنقهم خلا ل لحظات . و كل طفل كان يريد النجاة , فمن أين له المخرج والنجاة , مادامت النار تخنقه , و تأكل أصابعه و جلده . ومن سخرية القدر أن المطر هدر بعنف شتائيّ, ولكن بعد أن انتهى كلّ شيء في السينما التي باتت أطلالا من الجثث و التراب المحترق الذي يخفي تحته جيلا كرديا .

أسماء الشهداء:

للأسف الشديد لا نملك العدد الدقيق لأسماء الشهداء , و هذا يعود إلى لامبالاة بعض ذوي الضحايا الذين لم يكتبوا أسماء شهدائهم على شواهد قبورهم , كي يتعرف عليهم . و يدوّنهم من يريد أن يؤرّخهم , فمن الغبن أن نجد أسماء مئة و خمسة عشر اسما فقط. من أصل مئتين و خمسين شهيدا . و يعود السبب أيضا إلى الفقر المدقع لبعض أهالي الضحايا الذين لا يملكون أي شيء ليجمّلوا و يضعوا الشواهد على قبور ضحاياهم .
و هذا نداء إلى مَن يهمّهم الأمر:
الرجاء وضع أسماء الشهداء على قبورهم !















محمد سعيد آغا
شهود عيان:

ثمة كثيرون من أهالي عامودا الذين خرجوا عن بكرة أبيهم لمشاهدة الكارثة , وقد جنّ جنون البعض حين احترقت السينما , لأنهم لم يصدقوا ما جرى , حيث تناهى إلى مسمع كل عامودا أخبار الحريق , و كانت الشوارع مليئة و موارة بالناس الذين يركضون على غير هدى . والى أين يذهبون , أيذهبون إلى السينما , أم إلى المستوصف , ام إلى الجامع , أم إلى . . . . . لا يدرون وهم راكضون . حفاة . . هائمون. . ونحن بدورنا نسأل سؤالا وجيها : لماذا لم يتحرك البعض منهم للمشاركة و المساعدة لإخماد الحريق , أو لتخليص بعض ممّن داخل السينما, كما فعل البطل الأسطوري ( محمد سعيد آغا ) الذي دعا المرحوم ( ملا أحمدي نامي) بصنع تمثال له ؟

جثث الضحايا:

تمّ نقل جثث الشهداء من السينما إلى الجامع الكبير( امامه و خطيبه الملا عبداللطيف سيدا ) من خلال عربات خشبية مهترئة الهيكل و الدواليب . وضعت الجثث المحترقة فوق بعضها البعض , وتم التعرف عليها من قبل ذويهم , وذلك من خلال بعض العلامات على الجثث ( كالوشم , كالخاتم ، كالسن . . . . ) و تم دفن الكثيرين منهم ممن لم يتم التعّرف عليهم في قبور جماعية احتضنت أربعة عشر شهيدا , و قبور احتضنت ثمانية أو سبعة شهداء و كانت رائحة الجثث تفوح من مسافات بعيدة جدا . و لمدة شهور عدة , وكان الداخل إلى عامودا من القامشلي يشمّ تلك الرائحة الملائكية التي تبعث الحزن المقشعرّ. و مازال أهالي الشهداء يحتفظون ببعض مخلفات اولادهم ( كالقلم و المريولة المدرسية و المحفظة المدرسية) .



مقبرة عامودا:

أن حجم مقبرة عامودا لا تتناسب طردا مع حجم مدينة صغيرة كعامودا . فقد باتت هذه المقبرة خلال عدة أيام كبيرة بفضل الجثث الصغيرة و الطرية للشهداء , و باتت المقبرة بمثابة مزار يحجّ اليه الحاجّون من أهالي عامودا أو من القرى المجاورة , أو من مختلف دول العالم المسافر اليها , و تركوا ضحاياهم في هذه المقبرة التي باتت لهم من المقدّسات . من الغرابة الكبيرة أن كل عائلة كانت تحفر قبر شهيد ها بنفسها , و ذلك خلافا للعرف المتداول لأهالي عامودا الذين يحفرون قبور الموتى عن طريق أشخاص ليسوا من نفس العائلة . و قد أصبحت هذه المقبرة من المزارات الهامة , فبات البعض يجلبون موتاهم من دول العالم المختلف و يدفنونهم في هذه المقبرة . و يدفعون مبالغ طائلة لجلبهم من أبعد دولة إلى عامودا .
هل يفعلون ذلك تبرّ كا بقدسية المقبرة التي احتضنت الشهداء؟

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
نشر موقع عامودا للثقافة الكردية في هذا العام و العام الماضي ملفا خاصا عن حريق سينما عامودا باللغة الكردية. و قد تضمن ذلك الملف عدة مقالات بالاضافة الى نصوص أدبية تحدثت كلها عن تلك الحادثة الأليمة.
والملف من اعدد سيروان حجي بركو. (www.amude.net/sinema)
جدير بالذكر أن كتاب المرحوم ملا أحمدي نامي "حريق سينما عمودا" (ترجمة صلاح محمد و مراجعة إبراهيم اليوسف) سوف ينشر قريبا في موقع عامودا للثقافة الكردية. (أوراق كردية)


>> صفحة البداية <<



copyright © 2000-2002 amude.com [ info@amude.com ]