EWRAQ KURDIYE
| البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف |

amude.com/ewraq العدد 5 - 01.12.2002

من أوراقنا الكردية*


الدكتور إسماعيل قمندار
و اللهجات الكردية الجنوبية

أجرى الحوار د. جواد بشارة – باريس

صدر مؤخراً مؤلف ضخم عن اللهجات الكردية الجنوبية بما فيها الكردية الفيلية ، للكاتب و الباحث اللغوي د. إسماعيل قمندار المقيم في باريس منذ عام 1971 .
وقد قامت دار النشر البلجيكية الشهيرة و المتخصصة " بيترس " بطبع الكتاب باللغة الفرنسية الذي يصل عدد صفحاته إلى أكثر من 940 صفحة ، بطباعة فاخرة وفي غاية المتانة و الأناقة .
وتمثل هذه الدراسة الرائدة ثمرة ربع قرن من الأبحاث العلمية و الميدانية الصرف للمدن و المناطق الكردية الجنوبية . وتمتد هذه المناطق المترابطة و الموزعة بين إيران و العراق على طول 400 إلى 500 كلم ، يقع القسم الأعظم منها في إيران بين منطقة كامياران ( 100 كلم شمال مدينة كرمنشاه ) إلى مدينة عبادان الواقعة شمال دزفول ، هذا فيما عدا محافظة بيجار الشماليةالتي أدرج الكاتب غالبيتها ضمن هذه المجموعة اللهجية أيضاً . أما في القسم العراقي فتبتدئ من خانقين مروراً بمندلي و زرباطية و شيخ سعد و علي الغربي إلى مشارف البصرة على امتداد الشريط الحدودي المحاذي لإيران . ويمكن تقدير عدد نفوس متكلمي مجمل هذه اللهجات الكردية الجنوبية في العراق و إيران بين ثلاثة إلى أربعة ملايين نسمة أغلبهم من الشيعة الإمامية ، فضلاً عن أقلية باطنية من أصول شيعية تسمى ب " أهل الحق " .
قام الكاتب بدراسة منتظمة للقواعد اللغوية و اللهجية لعشرات المدن و المناطق الكردية الجنوبية وفقاً لأساليب علمية و بصورة معمقة . وتكمن أهمية هذه البحث الواسع في كشفه المفصّل للأنظمة الصوتية و الصرفية و النحوية لمجموعة لهجية كبيرة غير مدروسة مقارنة ببقية اللهجات الكردية الأخرى كالكرمانجية و السورانية و الكورانية : الهورامية و الزازائية . ويتضمن الكتاب أيضاً مقدمة طويلة يستعرض فيها الكاتب تفاصيل لغوية عن الأماكن المدروسة كافة مع خارطة لغوية أولاها ، إلى جانب فصل مهم عن " أخطاء المستشرقين و المشرقيين" ، أهمية كبيرة .
وينوي المؤلف ترجمة الكتاب إلى العربية في غضون السنتين القادمتين ليسد بذلك فراغاً كبيراً في الدراسات اللغوية الكردية . ولهذه المناسبة أجرينا مع المؤلف هذه المقابلة :



س : بداية أود أن تقدم تعريفاً أولياً للكتاب قبل الدخول في تفاصيله .

ج : يعتبر هذا العمل أحد أضخم الأعمال في ميدان الدراسات الكردية اللغوية ، ويتعلق تحديداً بدراسة اللهجات الكردية الجنوبية ، إذ توجد دراسات أخرى عن بقية اللهجات الكردية وبشكل أساسي الكرمانجية و السورانية ، لكن الأمر مختلف بالنسبة للهجات الكردية الجنوبية التي لم تدرس من قبل . وتحتل هذه اللهجات منطقة جغرافية – لغوية كبيرة جداً يصل طولها حوالي 500 كلم يقع قسمها الأكبر بين كامياران شمالاً إلى مدينة عبادان شمال مدينة دزفول ، فضلاً عن أكثرية محافظة بيجار الشمالية التي تقع في القسم الأوسط من كردستان . ويمكن القول إن الجانب العراقي لهذه المناطق يبدأ من شمال مدينة خانقين و أطرافها باتجاه الشيخ سعد و علي الغربي وعلي الشرقي حيث توجد مجاميع كبيرة من الأكراد الفيلية الذين تمتد مناطقهم إلى العمارة و حتى أطراف البصرة و دائماً على الشريط الحدودي الفاصل بين العراق وإيران . وقد تعرض الكثير من هذه المناطق إلى عملية تطهير عرقي أو تبديل عرقي من قبل النظام العراقي في أطراف خانقين و أجزاء كبيرة من مندلي و أجزاء أخرى من زرباطية وعلي الغربي والشيخ سعد حيث تعرضت كلها لما سمي بسياسة التعريب ، حيث تم تهجير أكثرهم إلى إيران و ارغموا على ترك أراضيهم و الهجرة داخل العراق . هذا إلى جانب تعرض مناطق أخرى كردية غير جنوبية إلى هذه السياسة العنصرية مثل سنجار و كركوك . وقد حصل هذا الأمر عملياً منذ وصول حزب البعث العراقي " الحاكم " إلى السلطة ، أي منذ عام 1986 وفي فترات زمنية محددة زادت حدة هذه السياسة العنصرية ( التعريب ) وتسارع عمل السلطات في نقل و تهجير السكان الأكراد من مناطق إقامتهم إلى مناطق نائية داخل العراق أو إلى إيران و إحلال سكان عرب مكانهم .
وذلك منذ معاهدة آذار سنة 1970 بالذات حيث تسارعت وتيرة عملية التعريب بشكل هائل في مناطق الموصل و أكثر منها في كركوك حيث أنها مناطق كردية بشكل أساسي مع وجود جزء تركماني مهم فيها لكن النظام في العراق جعل منها إحدى الإشكاليات العويصة وأصر على تعريبها بأي ثمن . وكذلك طبقت سياسة التعريب على قرى خانقين حيث أجبر القرويون الأكراد على الرحيل وتوطين قرويين عرب في أماكنهم . إن مسألة التعريب العنصرية التي تعرض لها ما يقارب المليون كردي وتركماني عراقي تشكل إحدى المآسي الكبرى التي طالت الشعب الكردي والتركمان في ظل نظام صدام حسين ، هذا مع اعتذاري عن هذا الاستطراد.

س : ما هي دوافع هذا البحث اللغوي وما الذي وضعته نصب عينيك لمدة ربع قرن في تحقيق هذا الإنجاز العلمي الهام ؟

ج : في الحقيقة كانت البداية عبارة عن بحث لنيل شهادة الماجستير ثم الدكتوراه بعد أن حصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب الفرنسي بالأساس من جامعة نانت الفرنسية . وبعد أسابيع من التفكير توجهت إلى موضوع لغوي باعتباري كرديًا و أتكلم اللهجة الجنوبية _ الفيلية ََََ التي لم تدرس من قبل من الناحية الأكاديمية .

س : ما هي خصوصية هذه اللهجات الجنوبية ؟ وهل اللهجة الفيلية جزء منها ؟

ج : نعم هذه اللهجة هي جزء من المجموعة اللهجة التي بحثتها والتي لم تدرس من قبل ولا بأي شكل من الأشكال . من هنا بدأ بحثي و فضولي في كشف القواعد اللغوية لهذه اللهجات الجنوبية . كنت أستخدم هذه اللهجة بصورة شفوية من دون أي معرفة لغوية نظرية أو قواعدية أو بنيانية بالرغم من تمكني منها كما هو حال أي شخص يتحدث لهجته بصورة تلقائية و صحيحة و لكن من دون أن يعرف قواعدها من الناحية النظرية . من هنا بدأت شيئاً فشياً أحلل هذه اللهجة على الورق و أفرزها و أكشفها بالتفصيل و بدقة متناهية من جميع جوانبها مع الصعوبات المرتبطة بمثل هذا العمل كافة وما يترتب عليه من أخطاء تقع أثناء عقلنة الكلام العفوي .
و بعد حصولي عتى شهادة الماجستير وسعت دائرة هذه الأبحاث فحصلت على دكتوراة دولة عام 1988 من جامعة باريس 7 ، ولم أتوقف عن توسيع نطاق أبحاثي التي ضاعفتها عبر إضافتي لأكثر من عشرين مدينة ومنطقة أخرى على أبحاثي السابقة مع فصول كثيرة جديدة .

س : ما هو عدد المتحدثين بهذه اللهجات الجنوبية ؟

ج : عددهم كبير و يتراوح بين 3 إلى 4 ملايين نسمة في العراق و إيران ويتمركز القسم الأكبر منهم في إيران لكن هذه الأرقام تظل تقريبية .

س : لكن هذا العدد لا يستهان به وهم جزء كبير ومهم من الشعب الكردي

ج : بالطبع إنه جزء مهم من الشعب الكردي و يمثل ما بين 10 و15 بالمائة من المجموع الكلي للشعب الكردي وهذه المنطقة معقدة من الناحية اللهجية ومتشابكة و لا يعرفها الآخرون جيدا بما في ذلك الأكراد الذين يتحدثون لهجات كردية أخرى .

س :كيف يمكن توضيح الفوارق اللهجية الموجودة في اللغة الكردية و ما هو حجم هذة الفوارق اللهجية ؟

ج :توجد بعض الفوارق اللهجية بين مجموعات لهجية كردية حسب المناطق يمكن مقارنة تلك الفوارق بما هو موجود في اللغة العربية . فالفوارق كبيرة بين اللهجة العراقية والمغربية مثلاً لكنها أقل وإن كانت مهمة بالطبع بين اللهجة العراقية والمصرية ، نفس الشيء بالنسبة للهجات الكردية ، فالفوارق أكبر بين اللهجات الكردية الجنوبية و اللهجة الكرمانجية الشمالية ، وبينما هي أقل مع اللهجة السورانية الوسطى .

س : هل من شأن هذا البحث أن يساعد الكرد المتكلمين بهذه اللهجات الجنوبية و أن هذه اللهجات قابلة للتعليم والكتابة كأي لغة لها قواعدها ونحوها ومعاييرها ، لا سيما وإن هذا الكتاب يمكن اعتباره رائداً ومرجعاً لكل الأبحاث اللغوية اللاحقة ؟

ج : ينبغي أن أوضح أولاً إن هذا الكتاب ليس كتاباً مدرسياً و ليس منهاجاً تعليمياً ، فالكتاب المدرسي قائم على تدريس ما يعتبر صحيحاً ومقنناً ، أما كتابي فهو بحث لغوي دقيق يعالج مختلف الجوانب القواعدية لهذه المجموعة اللهجية دون أحكام عليها ، ويحتاج إلى مستوى معين لاستيعابه لأنه على درجة عالية من التخصص وغير قابل للتبسيط . و قد أوضحت ذلك في مقدمة كتابي التي تبلغ 74 صفحة وهي جزء مهم وأساسي منه ، ركزت فيها على أخطاء المستشرقين في أبحاثهم ودراساتهم حول بعض المجموعات السكانية الكردية و سعيت لدحض التعميمات السريعة التي لا تستند إلى تروّ في البحث جعلت هؤلاء الباحثين يتعجلون بتقديم وجهات نظر خاطئة حاولت تصحيحها ، خاصة فيما يتعلق بهذه المنطقة التي هي موضوع بحثي الميداني هذا .

س : ما هو منشأ هذه الفوارق اللهجية ؟

ج : الفوارق اللهجية أمر شائع و عام ، و كما تعرف فإن كل لغة حية يعني أنها في تطور ، فاللغة التي لا تشهد تطوراً مع الزمن تعتبر لغة ميتة . و الآن ماذا يعني التطور في اللغة ؟ التطور بمفهومي يعني الانفتاح .

س : أو القابلية على إحداث التحولات والتغيرات ومواكبة الجديد ؟

ج : الانفتاح مهم . ولكن الانفتاح على ماذا ؟ على العالم المحيط وفقاً لجغرافية هذا العالم و تطور العلوم فيه . أي أن اللغة في عيشها وحياتها في حال متبدل مستمر ، والتوافق مع المحيط القريب أولاً ، ومن ثم المحيط الأبعد . وتتعرض الجماعة السكانية التي تتحدث لغة معينة إلى أحداث تقلب بعض المعطيات اللغوية ، فمثلاً ، عندما دخل الإسلام لمناطق شاسعة ، أثر الإسلام عبر القرآن على لغات ولهجات عشرات من الشعوب التي دخلت الإسلام . كالإيرانيين والهنود والصينيين و الأتراك والألبان و البوشناق وسكان آسيا الوسطى والعديد من شعوب أفريقيا الخ ..فهذا مثلاً حدث جوهري أدخل مفاهيم وكلمات جديدة للغات المحلية . ويمكن ذكر أحداث أخرى كالحروب والاستعمار و الثورات العلمية ، التي تحدث هزات كبيرة في التطور اللغوي , أعود للفوارق بين اللهجات ضمن الجمعة السكانية الواحدة التي تتعرض إلى معطيات مختلفة . مثلا لتأخذ مواطناً عراقياً ولنركز على القسم العربي من العراق ، ويسكن هذا المواطن مدينة البصرة ، سيكون عرضة لبعض التأثيرات من اللهجات المحيطة كالسعودية والكويتية ، واللهجات السائدة في خوزستان أو عربستان في إيران ، و ما يتخللها من تأثيرات فارسية ، و بوجود خليج بحري وموانئ و تجارة، يمكن ملاحظة وجود بعض الكلمات والمفردات الهندية في اللهجة البصراوية تأتيها عبر التجارة و التبادلات التجارية ، و لا يمكن مقارنة حجم هذه التأثيرات في البصرة مع تلك الموجودة في مدينة أقل انفتاحاً كالرمادي مثلاً ، من ناحية دخول مفردات أجنبية إلى اللهجة المستخدمة في كل مدينة . وهناك بعض المدن العربية القريبة من المناطق الكردية مثل الكوت حيث توجد مفردات كردية عديدة داخل كلام سكان هذه المدينة من العرب . وكذلك يمكن ملاحظة الفوارق اللهجية في لهجات البلدان العربية ومدى التأثيرات الخارجية المختلفة على هذه اللهجة أو تلك ، فترى اللهجة العراقية مثلا ًمتأثرة بدرجة أكبر بالغة الفارسية حيث توجد مئات المفردات الفارسية داخل اللهجة العراقية ككل بسبب العامل الجغرافي ، بينما تجد أنها قليلة نسبياً في اللهجة السورية مقابل مفردات تركية أكثر فيها رغم وجود مفردات تركية كثيرة في اللهجة العراقية أيضاً ، و ذلك لعوامل جغرافية بسبب سيطرة الدولة العثمانية في الماضي على البلدين .. فاللهجات تتنوع حسب التوزع الجغرافي ، وتتأثر بمعطيات مختلفة تخلق أوضاعاً لهجية جديدة

س : هل من قبيل المصادفة أن تختلف لهجة الأكراد الفيلية عن لهجات السوران والكرمانج إذ أن الفيلين شيعة بينما الآخرون سنة في أغلبهم ، فهل لذلك التوزع المذهبي تأثير على التنوع اللهجي ؟

ج : هذا سؤال معقد و يدخلنا في متاهات طويلة لا مجال للخوض فيها الآن . و لكن يمكن القول إن جماعات ترتبط مذهبياً قد تتجه أحياناً مع الزمن إلى تبني أو استخدام لهجة مميزة عن الآخرين كأنما تتطلب الهوية المذهبية بعض العلامات الفارقة من هذا النوع أو من أمور أخرى قد تتعلق بمظهر الوجه
( إطلاق الشنب والحية مثلاً ) أو بأزياء مميزة بها أو بطقوس و عمارة خاصة ، ويكون هذا التمايز واضحاً أو كتوماً حسب الظروف لكنه تمايز تدريجي لا يحصل دفعة واحدة و بتعمد أو بقرار فوقي . لا أريد هنا الولوج في التفصيلات ، و قد أخصص دراسة خاصة لذلك فيما بعد . او أخذنا المسيحيين في الشرق نجدهم يستخدمون مجموعة من المفردات العربية الخاصة بالديانة المسيحية تختلف عن مفردات المسلمين ، و حتى أحياناً في طرق أو وتائر استعمالها فمثلاً كلمة " الرب " يستعملها المسلمين أقل من كلمة الله بينما يستعملها المسيحيون أكثر من العرب المسلمين . أما بخصوص لهجات أكراد الجنوب فإن التخصص اللهجي يكون على مدى زمني طويل و لم يكن دائماً بمعزل عن الانتماء المذهبي العامل الوحيد في هذا التميّز.

س : قد لا تكون تعمقت كثيراً في جذور هذا التميّز اللهجي – المذهبي ؟

ج : كلا لقد تأملت كثيراً في هذا الموضوع لكن المجال الآن لا يسمح بالغوص في الأعماق . إذ يتعين عليّ أن أشرح خلفيات طويلة ومعقدة ومتشابكة و حساسة جداً . وهي وحدها تحتاج إلى مقابلة طويلة . و أكتفي هنا بما ذكرت بهذا الصدد .

س :لنعد لموضوعنا الرئيسي ، ما هي المرحلة القادمة لهذا البحث ، أي ماذا سيترتب على نشر هذا البحث القيم والشاق ؟ فأنت قمت ببحث معمق للموضوع ليس فقط من الناحية المورفولوجية بل من كافة النواحي القواعدية الأخرى؟

ج : صحيح لقد كان البحث ميدانياً مضنياً بالنسبة لحجم المناطق التي درستها وتتراوح بين 35 إلى 40 مدينة ومنطقة عالجتها لغوياً في نفس الوقت و بشكل مفصل : فمثلاً قمت بتحليل النظام الصوتي
" الفونولوجي " كما يقال بالمصطلح العلمي الغربي ، وخصصت له فصلاً طويلاً للنظام الصوتي في كافة المناطق المدروسة إلى جانب معالجتي للكثير من الظاهرات الصوتية . وبعد ذلك قمت بدراسة النظام " المورفولوجي " أي النظام الصرفي أيضاً في كل مكان درسته و في نفس الوقت من مختلف الجوانب و الأقسام القواعدية المرتبطة بالنظام الصرفي . ثم درست النظام النحوي " سنتاكس " ، و هو قسم كبير أيضاً و مهم في هذه الدراسة اللغوية .

س : هل أنت أول من درست الجوانب النحوية و القواعدية في اللهجات الكردية الجنوبية ؟

ج : هناك بعض المحاولات غير المتخصصة لا تتجاوز العشرة أو العشرين صفحة هنا أو هناك و التي تتطرق إلى بعض الجوانب القواعدية لمنطقة معينة صغيرة " عينة " فيما تمثل هذه الدراسة معالجة لمناطق واسعة و مفصّلة و علمية شديدة التخصص فضلاً عن كونها ميدانية صرفة .

س : كما ذكرت لي فقد قمت بزيارات ميدانية استغرقت بضعة شهور لأكثر المناطق المدروسة طيلة هذه السنوات للتوصل إلى النتائج البحثية الحالية ؟

ج : بكل تأكيد البحث يرتكز أساساً على العمل الميداني و المقابلات المباشرة مع سكان الأماكن التي درستها أما بالنسبة للقسم العراقي من دراستي . و لعدم استطاعتي زيارة العراق فقد قابلت العشرات من العراقيين من الأكراد الجنوبيين الذين يعيشون في بلدان أوربية مثل فرنسا و بريطانيا و هولندا و ألمانيا و السويد من المنفيين أو المهجرين أو المهاجرين . أما في إيران فقد ذهبت إلى هناك ثماني مرات في زيارات ميدانية بحثية لأشهر عديدة حيث درست مناطق الأكراد الفيليين و الأكراد الجنوبيين عموماً ، و لم أستند إلى أية مراجع لغوية مكتوبة سابقة لأنها شحيحة أو غير موجودة أصلاً . و يشكل الجزء الإيراني القسم الأكبر من العينات المدروسة لهذه المناطق التي تبدأ من الشمال بمنطقة قروة ، ثم باتجاه الجنوب نحو مدينة قصر شيرين ، ثم مدينة كرمنشاه التي يبلغ عدد نفوسها أقل من مليون نسمة بقليل و هي أكبر المدن الجنوبية و عاصمة أكراد إيران في القرون الماضية ، وهي جزء من المنطقة اللهجية التي درستها . ثم المناطق المتدة إلى الجنوب من كرمنشاه و قصر شيرين وصولاً إلى شاه آباد ( إسلام آباد ) ثم إيلام و إلى دزفول تقريباً ، كلها مناطق قمت فيها بمسح لغوي مفصّل و تبلغ أكثر من 500 كلم في الجبال و هي مناطق وعرة جداً تخلق التنوع اللهجي ، و كما تعرف إن المناطق الجبلية تتباين في لهجاتها فكل وادي يتحدث أحياناً بصورة تختلف عن الوادي الآخر في إطار نفس اللغة . لذلك ترى التعدد اللهجي في المناطق الجبلية أكثر بكثير منه في المناطق السهلية لأن السهول جامعة لهجياً عكس الجبال العازلة لهجياً ، شأنها شأن الأنهار أحياناً أو البحار ، فهي عوازل طبيعية تخلق بدورها فوارق لهجية .

س : على ضوء ما تفضلتم به هل هناك لغة كردية مكتوبة تتفرع منها لهجات و تكون هي اللغة الأم على غرار العربية بقواعدها وأصولها و تفرعها إلى لهجات حسب المناطق و المدن و البلدان و هل أن كل اللهجات الكردية قابلة للكتابة ؟ فالمعروف إن اللهجات تستخدم للمخاطبة و التواصل لكنها لا تكتب إلا تجاوزاً ( في الشعر الشعبي مثلاً ) .

ج : كل لهجة قابلة للكتابة لكن تطور اللهجات يختلف من مكان إلى آخر فاللغة العربية توحدت وقننت قواعدياً و فرضت نفسها عبر القرآن الذي يمثل ضمير اللغة العربية و قلبها ، فهو منار لقواعد و علوم اللغة . و القرآن و لغته وعلومه كان أساساً و محوراً مركزياً لنشوء حضارة إسلامية مزدهرة . و يمثل توحد اللغة العربية و تقنين قواعدها و انتشار كتابتها جانباً مضيئاً منها . و لم تتوقف هذه اللغة عن التطور و هي إحدى اللغات الحية إلى يومنا هذا . أما بالنسبة للغة الكردية فهي لغة قائمة بذاتها ، لها قواعدها ولهجاتها و هي واحدة من اللغات الإيرانية الكبيرة . و يختلف مسار تطورها عن العربية فلكل لغة تطور تاريخي خاص بها ، فالعربية قبل الإسلام كانت أيضاً عبارة عن لهجات متنوعة و توحدت بلغة القرآن و عبره حيث تشكلت لغة مرجعية لكل العرب . أما اللغة الكردية المقسمة إلى لهجات فلم تحظ بالظرف السياسي لظهور لغة موحدة مرجعية على غرار العربية . بالقابل فقد برز في التاريخ أدباء و كتاب أكراد كتبوا باللغة الكردية بهذه اللهجة الرئيسية أو تلك . و ذلك منذ العصور الوسطى و باللهجات الكرمانجية و الكورانية ، ثم استمر النتاج الأدبي بلهجات أخرى كالسورانية فيما ظلت الكورانية تستعمل كلغة شعرية عند أغلب الشعراء الأكراد في إيران و أقسام من العراق حتى القرن التاسع عشر . هذا إلى جانب وجود كتاب و مؤرخين و شعراء و علماء أكراد ساهموا بالحضارة الإسلامية و كتبوا بلغات أخرى ، بالغة العربية والفارسية و التركية ، مثل ابن خالكان صاحب وفيات الأعيان ، ابن الأثير الذي يعتبر من المراجع التاريخية الإسلامية للحروب الصليبية ، و أبو الفدا ، و كذلك أمير الشعراء في مصر أحمد شوقي و عباس محمود العقاد ، و في العراق شعراء مشاهير مثل الزهاوي و هو كردي . و عالم اللغة العربية مصطفى جواد و هو أيضاً كردي من أكراد الجنوب الفيليين ، و يشار كمال من أكبر و أشهر الروائيين في تركيا فهو كردي لكنه يكتب باللغة التركية و الأمثلة كثيرة .

س : لكن ما ذكرته من أسماء لم يكتب باللغة الكردية إلا نادراً .

ج : هناك شعراء أكراد مهمون كتبوا باللغة الكردية مثل علي حريري و ملا جزيري ، علي ترموكي ، وأحمد خاني ، و يمكن إضافة بابا طاهر عريان . و هناك شعراء في العصر الحديث من القرن التاسع عشر والقرن العشرين كالشاعر نالي و هو شاعر كبير كتب باللهجة السورانية ،كذلك الشاعر حاجي قادر كولي ، و الشيخ رضا الطالباني الذي كتب بالعربية و الكردية و الفارسية و التركية ، كما ظهر في القرن العشرين في كردستان العراق كبار الكتاب و الباحثين و الشعراء يكتبون باللغة الكردية و بخاصة باللهجة السورانية التي هي أكثر ديناميكية في كردستان العراق .

س : و هي إذن اللهجة التي تكتب بها الصحف الكردية الصادرة في كردستان العراق ؟

ج : نعم إن اللهجة المهيمنة هي الكردية الوسطى أي السورانية بشكل أساسي ، و في تركيا هناك كتابات بالكرمانجية بالرغم من الصعوبات السياسية هناك . في إيران و العراق يوجد شعراء يكتبون أو كتبوا باللهجة الجنوبية مثل شامي كرماشاني ، و روشني ، وخان منصور شاكه ، و ملاّ نموشاد و غيرهم .

س : كتابك مكتوب باللغة الفرنسية و الآن أنت بصدد ترجمته إلى اللغة العربية . هل هناك فرصة لظهور ترجمة كردية لهو ، أو بإحدى اللهجات الكردية لتعم الفائدة ، لا سيما و إن عدد الأكراد في العالم يقدر بين 30 و 40 مليون نسمة .                                                                      



                                                                                                                   

ج :يمكن أن تظهر له ترجمة كردية بعد ظهور الترجمة العربية للكتاب على يد مترجمين أكراد يتقنون اللغتين العربية و الكردية الوسطى و الشمالية و الكورانية و الزازائية . هناك كتاب مكنزي عن قواعد اللغة الكردية الذي درس بعض الفروع في اللهجتين السورانية و الكرمانجية ، وهو كتاب مهم للباحثين الأكراد لكنه بقي بلغته الاصلية الانجليزية ولم يترجم إلى اللغة الكردية على حد علمي . فترجمة هذا الكتاب من النوع تحتاج إلى جهد كبير . وقد أخذت على عاتقي أن أقوم بنفسي بترجمة كتابي لوقت طويل وخلال سنة أو أكثر بقليل سأنتهي من ترجمته إن شاء الله وبعد الانتهاء من الترجمة العربية أعتقد إن من الممكن و السهل حين ذاك أن تظهر ترجمة كردية جيدة ، وحينئذ سأراجعها بنفسي ، خاصة فيما يخص تفهم المترجم لبعض المفاهيم و المصطلحات الدقيقة . وربما ستظهر له ترجمة للإنكليزية ، وهي ستكون مفيدة و مهمة أيضاً لأن الكثير من أبناء الجالية الكردية في الغرب يحتاجون إلى الكتاب بنصه الانجليزي .

س : قلت في معرض تقديمك للكتاب غنه يعالج بعض المشاكل الأساسية في مجال اللهجات الكردية فما هي هذه المشاكل ؟ وما هو نوع التفكير و التأمل الذي قمت به بشأن تلك المشاكل أو بالأحرى الإشكاليات ؟

ج : الإشكاليات التي أقصدها تتعلق بالتقسيم اللهجي . ما هي اللهجات المكونة للغة الكردية فيما عدا اللهجتين الكبيرتين السورانية و الكرمانجية ، فأن الإشكال كان معرفة اللهجات الجنوبية التي تضم مجموعة كبيرة من المتكلمين بها و المستخدمين لها ما تزال مجهولة لكثير من الأخصائيين فضلاً عن الآخرين . ولم تعرف أهميتها الحقيقية لحد الآن حتى من قبل الأكراد أنفسهم فما بالك بالمستشرقين ، الذي أخطأوا كثيراً في التعامل معها وشاعت الأخطاء بهذا الصدد .و قد حاولت في بحثي أن أصحح هذه الأخطاء و أبين ماهي اللهجات الجنوبية بعد دراستي لها ميدانياً . وما كان بالإمكان تبديد الأخطاء بدون عمل من هذا النوع . وقد ذكرت كل ذلك في المقدمة .

س : هي بمثابة لب الكتاب ؟

ج : هي جزء مهم من الكتاب و الكتاب كله لب و ليس فيه قشور أو حشو ، فالمقدمة أساسية لفهم المشاكل اللهجية التي عالجتها في دراستي بعد تشخيصها ، وهناك جداول عديدة و إحصائيات و شرح تفصيلي لكل الأبواب الرئيسية في القواعد مع خريطة لغوية اقتضى إعدادها مني ستة أشهر ، وقد و ضعتها في بداية الكتاب و تشمل المنطقة الجنوبية كلها ، علماً بأن تنفيذ هذا العمل في مناطق تبلغ مساختها 500 كلم مربع كلها جبلية تقريباً في غاية الصعوبة .

س: المقدمة يمكن أن تكون وحدها كتاباً مستقلاً بعنوان آراء و نقاشات حول اللهجات الكردية.

ج: نعم لكني فضلت أن تكون المقدمة ضمن الكتاب فبدونها لا يمكن استيعاب بعض الجوانب من منطق الكتاب ، فهي بمثابة تمهيد لموضوع الكتاب .

س :في الختام كيف أن تقوِّم أنت عملك الأكاديمي هذا ؟

ج : المشكلة انني إزاء قارئ غير متخصص على الأغلب و هذا يشكل صعوبة أمامي في تقديم و تلخيص أهمية الكتاب وفحواه ، وبالتالي بلورتي لأفكار مفيدة بهذا الصدد . ومع ذلك ، أرجو أن تكون هذه المقابلة مفيدة للقارئ من الناحية الثقافية العامة وتحثه على البحث بنفسه عما يريد معرفته . وباعتباري أحد الشرقيين الذين تهمهم الثقافة الشرقية و تقدم بلداننا من الثقافية و الفكرية ، حاولت من خلال دراستي هذه أن أخدم شعبي و هو عمل علمي ملتزم استغرق ربع قرن من الدراسة و البحث الدؤوب لخدمة هذا الشعب . وباعتباري أنتسب إلى منطقة هي أكبر من حدود الشعب الكردي يهمني أن تترسخ العلاقات الثقافية بين مختلف شعوب الشرق الأوسط من عرب و كرد و إيرانيين و أتراك و أرمن وغيرهم ، وأن يتعرفوا ثقافات و فنون و آداب بعضهم البعض
البعض متجاوزين بعض الانقطاعات التي حدثت في فترات زمنية معينة بين هذه الثقافات لا سيما منذ القرن الماضي . يلاحظ في العصر الحيث حصول توجه للثقافة الغربية على حساب ثقافتنا المحلية . و بالرغم من مساهمة الغرب في الثقافة و العلوم و الآداب الكونية مساهمة مهمة ، بغض النظر عن الأمور و التوجهات السياسية ، لكن ذلك لا يعني أن يهمل المثقف الشرقي معرفته بالجوانب المضيئة في ثقافاته الأصلية . فأنا كشرقي و ككردي ، يهمني معرفة ثقافات الشعوب القريبة من تاريخياً و أن أطلع على الثقافة التركية و الإيرانية و العربية ، والهندية و الأوزبكية و الأفريقية و بوجه عم، التعرف على مجمل ثقافات الشعوب الإسلامية التي نحن جزء منها ، وهذا أساس للتفتح و التواصل الحضاريين . والتعرف على الثقافة الغربية لا يفترض إهمال الثقافات المجاورة ، فالثقافة الحقيقية هي إجمال اكثر منها انتقائية .

أي لا نترك مثلاً المجال للغربيين وحدهم لدراستنا و نتخلى لهم عن هذه المهام بل نقوم نحن بدراسة تاريخنا وتراثنا و حضارتنا .

ج : نحن قادرون على دراسة حضارتنا و حضارتهم أيضاً ، ولا ننكر أن الغربيين قاموا بدراسات علمية مهمة و دقيقة جداً لحضارتنا . علينا أن نبحث في كنوز حضارتنا وحضارة القريبين منا في القارة الافريقية و الآسيوية إلى جانب معرفتنا و تعمقنا في الحضارة الغربية . ولا يجب أن يكون ذلك على حساب معرفتنا بحضارتنا أساساً التي تشكل خصوصيتنا و هويتنا .

س : سؤال مهم يتعلق بالأبجدية الكردية هناك حروف عربية و حروف لاتينية لكتابة اللغة الكردية فهل لك أن توضح لنا ذلك؟ ج :

كتابة اللغة الكردية في مناطق كرديتنا العراق و إيران تتم بالحروف العربية المعدّلة، وقد حصل إجراء التعديل على الأحرف العربية المستخدمة في الكردية منذ سنة 1929 وأضيفت إليها أساليب و حروف خاصة باللغة الردية ككتابة الحركات أو الصوائت . وفي إيران تكتب اللغة الكردية بشكل عام أيضاً بالأحرف العربية المعدلة ولكن في تركيا تكتب اللغة الكردية الكرمانجية بالحروف اللاتينية ، لأن أغلب الكرد الكرمانجيين موجودون ضمن الدولة التركية و يتعاملون باللغة &#