EWRAQ KURDIYE
| البداية | هيئة التحرير | | الأرشيف |

amude.com/ewraq العدد 5 - 01.12.2002

مدخل إلى علم الاجتماع في كوردستان
الأكراد في سورية نموذجا

فرحان المرعي - ديريك / سورية                                                                                   

إن علم الاجتماع كعلم مستقل هو جزء من عائلة العلوم الاجتماعية , و له تعاريف متعددة لدرجة إن لكل عالم اجتماع تعريفه الخاص , إلى أن هناك اتفاق مشترك في صيغة مشتركة تقريبا باعتباره علم دراسة الظواهر و العلاقات و السلوك الاجتماعي , فيقول ابن خلدون على سبيل المثال : " و كأن هذا علم مستقل بذاته , فإنه ذو موضوع و هو العمران البشري و الاجتماع الإنساني و ذو مسائل و هي بيان ما يلحقه من العوارض و الأحوال لذاته واحدة بعد أخرى ...." . و يعرف اوغست كونت مصطلح سوسيولوجيا بدراسة الظواهر الاجتماعية في حالتي الثبات و الحركة . أي فحص الشروط الدائمة و الملازمة لوجود المجتمع و فحص قوانين نمو المجتمع و تطور أوضاعه . و يقول روبرت ماكيفر بأنه العلم الذي يدور حول العلاقات الاجتماعية .... الخ .
و لعلم الاجتماع ميادين متعددة أيضا و لكل من هذه الميادين علاقة تأثر و تأثير في علم الاجتماع , كعلم الاجتماع الريفي , العائلي , الاقتصادي , السياسي و الديني و غيرها من الجوانب الاجتماعية المختلفة .
و في العصر الحالي اصبح لعلم الاجتماع أهمية القصوى في ظل التناقض و الهوة الشاسعة بين النهضة العلمية و التقنية و الحالة المتردية في العلاقات الاجتماعية و الإنسانية و مظاهر البؤس و الشقاء و التخلف في أطراف العلم .
فمع أن الحضارة حققت إنجازات عظيمة و هائلة في الجوانب المادية و العلمية فإنها تعاني أزمة في الجوانب الإنسانية , و كم هو ساخر و مؤسف هذه الحضارة التي تنتج افضل الآلات و التقنيات تنتج في الوقت نفسه أسوأ البشر و تقف عاجزة أو متعجزة عن أيجاد حلول لكثير من الأمراض الاجتماعية و مظاهر التخلف و البؤس في المجتمعات البشرية .
البشرية تعيش حضارة و تقدم سريع من شأنها أن تحمل معها انقلابا في أنماط التفكير و السلوك و تبدلا في العادات و التقاليد و العلاقات العامة و هذا أمر لا مفر منه و يمكن ذلك بشرط أن يقرن هذا الانقلاب بمزيد من الثقافة و العلم و حسن تنظيم الوقت و مكافحة البطالة و الالتفاف إلى مقولة العدل و القانون و النظام .
تتصف العمليات و الظواهر الاجتماعية في وقتنا الراهن بتسارع حركتها و شدة تغيرها و بنشاط المتزايد الذي يترك أثارها في الطبيعة و المجتمع مما ينبغي استنفار كافة الإمكانات و الطاقات و تضافرها لرصد واقع تلك العمليات و التنبؤ بمسارها في المستقبل بهدف السيطرة عليها و توجيهها بما يخدم الإنسان و المجتمع و أن السيطرة على هذه العمليات الاجتماعية يتطلب من المتخصصين معرفة دقيقة بها و الكشف عن العلاقات السببية و القانونية التي تخضع لها هذه العمليات و معرفة مدى تناقضها و توافقها مع الواقع و الحياة و الموقف منها بما يتناسب مسيرة التطور البشري والاجتماعي .
إن هذا المجال الميداني الفكري التحليلي اصبح اليوم جدلا علميا و دوليا محترما يحفز على النقاش و الحوار و تبادل الخبرات و المعلومات لإرساء اسس و دعائم لبناء علم اجتماع يحتل مكانا متميزا إلى جانب العلوم الأخرى و التنسيق بين مختلف العلوم المتخصصة و أدراك آليات التفاعل و التأثير فيما بينها أخذين بالحسبان علاقة الإنسان بالمجتمع أكثر من باقي العلاقات القائمة .

مدخل إلى الموضوع :

يبدو أحياناً إن بعض القضايا و الأمور و المعايير و القيم الاجتماعية التي نتعامل و نتفاعل معها صغيرة و بسيطة بالنسبة لنا , مقارنة مع بعض الأفكار و المفاهيم السياسية التي نتناولها بكثرة في حياتنا اليومية و كتاباتنا و نقا شاتنا , مثل قضايا الحرية و الديمقراطية و حق تقرير المصير و السلاح و الجبال , و مع تأكيدنا أن هذه الأطروحات هي قضايا إستراتيجية في الحياة السياسية الكوردية و هذه حقائق لا تقبل المناقشة و المساومة , إلا إنه لمجرد رؤية و ملاحظة على كثير من شؤون الحياة اليومية و السلوكيات و الممارسات الاجتماعية نجد أن المجتمع الكوردي في سورية يتميز بالبطء الشديد في التطور و التجدد في عاداته و تقاليده و نمط تفكيره و في فعالياته و نشاطاته الاجتماعية , مع العلم أن التقدم في العلاقات الاجتماعية العامة هو بمثابة المقدمات الأولية لبناء مجتمع قوي و متماسك و قادر على تحمل المسؤوليات الكبرى , لأن إقامة مجتمع متزن و منسجم يقوم أساسا على كمال الأفراد الذاتي و التنظيم الصارم للعلاقات الاجتماعية وإغناء النفس روحياً و ذهنياً و تحقيق السيادة في المجال الاجتماعي و محاربة المفاهيم و المعتقدات الشاذة في المجتمع .
إن الدول المهيمنة على كوردستان تحاول بشتى الوسائل الممكنة من تعميق الجهل و التخلف الاجتماعي ضمن المجتمع الكوردي و تشجع هذه الدول على القيم و المفاهيم السطحية و الشكلية البائدة و على بقاء حياته اليومية عشوائية و فوضوية , و يمنع من تطوير المناطق الكوردية اقتصاديا و ثقافياً و تعرقل من دخول المنشآت و الاستثمارات و المؤسسات الثقافية فيها حتى يبقى هذا المجتمع بعيداً عن الحضارة و التطور مما يسهل التحكم به و الهيمنة على قدراته و طاقاته .
و ما تكرسه تلك الدول و القوى المهيمنة من قيم و مفاهيم و علاقات متخلفة يتم التمسك و الحفاظ عليها من قبل فئات و شرائح المجتمع الكوردي بدعوى الحفاظ على قيم و عادات الأباء و الأجداد أو بحجة الحفاظ على الخصوصية الكوردية و غالباً ما يشرعن لهذه القيم و المعتقدات شرعنة دينية و عرفية دون تمييز بين القيم النبيلة و العادات البالية و دون وعي لضرورة التغيير و التجدد المستمر في الحياة , إن القوى الكوردية السائدة هي أيضاً تتماها مع الأوضاع القائمة و تساهم مع القوى الظلامية ( بقصد أو بدون قصد ) في تعميق و تجذر التخلف و الجهل نتيجة غياب أدوارها التنويرية و الثقافية المطلوبة .

القوى الكوردية السائدة و تأثيراتها الاجتماعية :

1- القوى الدينية والخطاب الديني:
يعتبر الدين من العوامل الضابطة للسلوك و النشاط الإنساني في كافة المجتمعات و للمجتمع الكوردي طابعه الخاص باعتباره من أشد الشعوب الإسلامية تمسكاً بالعقيدة الإسلامية و تعاليمها معتقدين بأن معظم التعاليم الإسلامية تتوافق و طبيعة التقاليد السائدة في مجتمعهم . و رغم أن الثقافة و التراث الإسلامي تشكلان مخزوناً نفسياً و روحياً لدى الجماهير الكوردية و يتعايش معها جسداً و كياناً و رغم الجوانب الإيجابية و الإنسانية في الإسلام نجد الخطاب الديني الكوردي المتداول والممارس يتمحور في معظمه حول قضايا ثانوية وطقوسية وتفاصيلها تبتعد عن قضايا جوهرية في الحياة والدين فما زال هذا الخطاب منشغلاً بالخرافات والأساطير ويدور حول الأرض المسكونة بالجن والعفاريت وعذابات الموت والنار ويتم التعتيم أو إنه يجهل أو يتجاهل الجوانب الثورية والإنسانية في الدين جوانب التحرر والاجتهاد والعدل والمساواة والجهاد في سبيل الحق في سبيل كرامة الإنسان ومع تفشي الكثير من المظاهر السلبية في المجتمع الكوردي والمنافية أساساً لجوهر الدين مثل الكذب والنفاق في العلاقات الاجتماعية والتسول والتسكع والثأر والمفاهيم الخاطئة حول المرأة وحقوقها وقضايا الزواج والمهور والمظاهر السلبية في الاحتفالات والمناسبات وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية التي تناقض التطور والحضارة .
نجد أن معظم الفئات والفعاليات الدينية تركز جهودها الاجتماعية والتعليمية والثقافية ونشاطاتها الإنسانية في الإسلام الطقوسي والشكلي وتمجيد السلف وكأن جوهر الإسلام هو ممارسة الطقوس والرجوع والسلف والتراث لبناء المجتمع وغض النظر عن جوانب العقلانية والاجتهاد وعن حاجات واهتمامات الإنسان الواقعية والضرورية الراهنة.
في كل الأحوال إن الخطاب الديني الكوردي هو دون مستوى حتى مناقشة وحوار آليات ومنطلقات الخطاب الديني الإسلامي بشكل عام والتي تتمثل في الآليات التالية كما جاء في كتاب ( نقد الخطاب الديني) للدكتور نصر حامد أبو زيد:
1- التوحيد بين الفكر والدين .
2- رد الظواهر إلى مبدأ واحد.
3- الاعتماد على سلطة التراث.
4- اليقين الذهني والحسم الفكري.
5- إهدار البعد التاريخي.
6- الحاكمية لله.
7- النص.


فهو خطاب متخلف عن العصر والزمن وغيبي ووعظي إنشائي لا يبحث في مشكلات المجتمع وهمومه بل يصب اللعنات على الناس والمجتمع ويتوعدهم بالويل والبثور وعظائم الأمور.

2- مؤسسة العشيرة:
إن ظاهرة العشيرة هي قالب كوني وكل مجتمع يتطور لا بد أن يشهد هذه الظاهرة وتعتبر العشائرية أقوى شكل للظاهرة الكوردية حيث لعبت دوراً كبيراً في تكوين وتفعيل العلاقات الاجتماعية الكوردية, ولا نركز في هذه المحاضرة على الظروف التاريخية والموضوعية لنشوء ظاهرة العشيرة الكوردية بقدر ما نريد التأكيد بأن تلك الظروف لم تعد موجودة وجوداً واقعياً لبقاء العشيرة كمؤسسة قوية , بل حلت محلها مؤسسات أخرى اكثر ملائمة للتطور البشري , وكما نعلم أن الظروف التاريخية التي انوجدت بسببها العائلة المحتدة أو العشيرة.
كما يذكر ذلك فريدريك انجلز في كتاب( العائلة والملكية الخاصة والدولة ) تتمثل في الظروف التالية:
1- الانعزال النسبي عن العالم الخارجي إلا في حالات الصراع مع العشائر الأخرى للاستيلاء على المراعي والأراضي.
2- العيش المشترك لأبناء العشيرة نتيجة ندرة وضعف تطور القوى المنتجة.
3- أعضاء العشيرة كانوا ملزمين حيال بعضهم البعض بتقديم المساعدة والحماية عند الخطر كما في حالة الثأر.
4- تملك العشيرة مدفناً مشتركاً ولهجة مشتركة وحتى طقوس دينية مشتركة .
5- حقوق وواجبات في قضايا الزواج كما في الزواج الداخلي.
6- الحق في انتخاب زعيم للعشيرة.
إن تناقض هذه الظروف مع التطورات السياسية والاقتصادية مثل نشوء الدولة والطبقات وتطور القوى المنتجة وتراكم الثروة لدى البعض كانت من الأسباب الجوهرية في تفسخ الروابط العشائرية وانحلالها شيئاً فشيئاً وتكون العائلة النواة والتي هي الوحدة الاقتصادية في المجتمع, ورغم هذه التطورات نجد أن الظروف الذاتية والنفسية لبقاء العشيرة هي الراجحة والراسخة في التقليد , في السلوك والوجاهة والفخفخة الفارغة, والتقيد بالأعراف بدلاً من القانون والتمسك بهوية النسب والعشيرة بدلاً من هوية العمل والعلم والإبداع والتفاعل الثقافي والقومي , ومازالت القلية تفكر وتحن إلى الماضي ويصبغه صبغة ذهبية ويسفِّه الحاضر وتطوراته.
من جانب أخر إن معظم الرموز العشائرية الكوردية لا تحمل فكراً وثقافة سليمة فهي تعيش أزمة في الفكر والوعي , كما أنها لا تحمل فكراً اقتصادياً استراتيجياً من شأنه تطوير المناطق الكوردية رغم الإمكانيات الكبيرة لدى بعضها , بل أن إمكانياتها المادية تستثمر وتصرف في المواقع الهامشية والمشبوهة أو في مواضع بروزة شخصياتها وذاتياتها المريضة وارتباطاتها التي تثير الشك والريبة.
يقول إسماعيل ثصشكة ضي في كتابه (كوردستان مستعمرة دولية) " هل رأينا مرة أغنياء أكراداً ومن كبار ملاكي الأراضي والشيوخ يخصصون جوائز للكتاب ويدعمونهم ؛ أو يمنحون مساعدات مالية لأولئك الذين يجيدون اللغة الكوردية ؟ وهل يدعم هؤلاء تطوير اللغة والثقافة الكوردية وتوسيع نطاق استخدامها؟ وهل هناك برجوازية كوردية تدعم وتشجع أنشطة مثل الموسيقى والرسم والمسرح الكوردي وغير ذلك ......؟
إن بعضهم قد يصرف مبالغ طائلة في مناسبات تافهة تقليدية كدلالة على الوجاهة الاجتماعية و البحبوحة اللتين فيهما ينعمون رغم إن الأحوال الداخلية لهم عكس ما يبرزون من قلة العناية بالطفولة و سوء التغذية و تسلط على الجنس الأنثوي و تبخيس لقيمتها , فالوجاهة هنا هي تعويض رئيسي عن الإحباطات المتنوعة التي يعانون منها و خاصة التعبير عن الذات و انحسار إمكانيات تنمية الشخصية و إثراء الحياة و الإحباط العاطفي و الجنسي .
و الأخطر من كل هذا إن بعض الرموز العشائرية تلجأ إلى القسر و الاعتداء ضد أبناء قومها لأسباب تافهة جداً و لمجرد اهتزاز مصالحها و مواقعها , و تشجع ظواهر الثأر و الانتقام و الهيمنة , و غالباً ما يلبس هؤلاء رداءاً قومياً يحاولون من خلاله اللعب بأحاسيس المواطنين و دغدغة عواطفهم و هم يحلمون من وراء هذا النفاق القومي العودة إلى مواقع السيطرة و الهيمنة التي خسروها بعد فشلهم و إفلاسهم الاجتماعي و الشعبي .

3– التنظيمات و الأحزاب السياسية :
السياسة ظاهرة اجتماعية معقدة و تدخل في إطار الظواهر الاجتماعية الأكثر جماهيرية و شعبية , و الأحزاب السياسية تكون على الدوام نتاج الظروف الاجتماعية التي تسود المجتمع و ترجع أهمية الأحزاب السياسية من وظيفتها في تربية المواطنين سياسياً و فكرياً و مساعدتهم على تكوين آرائهم السياسية وبلورتها و كذلك في تكوين كوادر من المواطنين المتدربين على قيادة العمل الوطني في كافة المجالات لما تمتع بها الأحزاب من قدرة على تنظيم الجماهير و تجنيدها .
و بحكم الظروف و الأوضاع الكوردية القائمة ينخرط الإنسان الكوردي في السياسة منذ الصغر , فكانت الحركة السياسية في سورية هي المكان الأجدر و المناسب للإنسان الكوردي في ممارسة دوره و التعبير عن آرائه و للدفاع عن حقوقه , حيث لعبت هذه الحركة في بدايات التأسيس دوراً إيجابياً و وطنياً في يقظة الوعي القومي و نشر الثقافة الكوردية و لغتها عبر الصحافة و المنتديات و المراكز الثقافية المختلفة و تأكيد الهوية الكوردية القومية , و الدعوة و النضال في سبيل حقوق الشعب الكوردي المشروعة و برزت على الساحة أحزاب و شخصيات وطنية بذلت و قدمت تضحيات في سبيل الوطن و مبادئه و أهدافه.
إلا أن هذه التنظيمات والأحزاب بدأت أدوارها بالانحسار والضعف في العقود الأخيرة وانشغلت بقضاياها الداخلية وانشقاقاتها أكثر من انشغالها بالقضايا الكوردية والثقافية والاجتماعية , ويمكن القول أنها عجزت عن إدارة المجتمع وتنظيمه وتثقيفه وتنويره بالشكل المطلوب ومالت التنشئة السياسية نحو الفردية والقبلية أكثر من ميلها نحو الأنساق السياسية القومية, وسيطرت الأقلية على التنظيمات التي ظهرت بمثابة شكل جديد للعائلة والعشيرة القديمة وضعفت دور القواعد والجماهير الأمر الذي أدى إلى إحلال الطاعة والإعجاب محل النقد والمناقشة والثقافة الحزبية محل الثقافة الوطنية وحلّ أشخاص وعائلات في قيادة الأحزاب بدلاً من جماهير وأعضاء.
كما أن هذه الأحزاب لم تملك الجرأة السياسية والفكرية لمواجهة واختراق جدار التخلف الاجتماعي بل أنها وقعت في أحضان العقلية العشائرية والدينية أو سايرتها حفاظاً على مواقعها وكسب رضاها وارتبطت بعض النخب السياسية بمصالحها وامتيازاتها الشخصية في وقت كان المجتمع الكوردي بحاجة إلى تضحيات وجهود من أجل مصالحه وأهدافه.

4- المثقف الكوردي والفئة المثقفة:
هي الفئة الأقوى والأكثر ديناميكية في المجتمع بما تملكه من طاقات و مؤهلات في الفكر والثقافة تساعدها على الفعل والتغيير, والمثقف الكوردي قبل أن يكون مثقفاً كوردياً هو مكتسب صفته كفرد في المجتمع وهذا المجتمع يحمل جملة من السمات تحدد سلوكيات أفراده ؛ طبيعة العلاقات بينهم؛ نوعية التعامل أي أنه توجد خصوصية كوردية فالمثقف الكوردي بالإضافة إلى أنه يعيش حياة مشتركة مع غيره فهو ابن بيئة اجتماعية ذات تيارات وشرائح متعددة ومتداخلة ولكل من هذه الشرائح مثقفوها .
فهناك مثقف العشيرة والعائلة, ومثقف التيار الإسلامي, والتيار الماركسي, المثقف الحزبي, ومثقف السلطة الانتهازي الذي لا ينتمي إلا إلى مصلحته, ومثقف التيار القومي وغيرهم .
كل أولئك يتسلح بأفكاره الخاصة ويدافع عن طبقته وشريحته ومصالحها .
إنه أمام واقع وظروف موضوعية معقدة بنى اقتصادية واجتماعية متعددة متشابكة ؛ فقدان المؤسسات والكيانات الثقافية والسياسية – هذه العوامل وغيرها – تنعكس على أدائه لواجباته, ودوره كما يجب ؛ ينطوي على نفسه ينعزل عن المجتمع عن همومه ومشاكله ينزلق أحياناً إلى مواقع انتهازية وحزبوية ضيقة.
و هنا يجب أن ننوه إننا لا نتناول المثقف الكوردي كفرد لذاته و مجرد مبدع ومحدد بكفاءته التقنية , بل علينا أن نكسر معنى المثقف في معاييره الأكاديمية و الموروثة , و ثقافة النخبة , نتجاوز كل تصور تقليدي للثقافة و المثقف و سحبه من مقام الأفكار و الاختصاص و الذات الموهوبة و نهاجم المثقف الانتهازي و دوره في ممارسة النظرية فقط , بل أن نتجاوز مرحلة المثقف السلبي , الموجودون بأجسامهم و بعملهم الروتيني و مشاكل حياتهم اليومية الصغيرة , و لكنهم غير موجودين بعقولهم و لا بقدراتهم الحقيقية , متفرجون سلبيون يشاهدون الأحداث تجري أمامهم و لا يتحركون , عاجزون عن المحاولة و إبداء الرأي يعيشون في المجردات والشعارات و الترهات .
يجب أن نتناول المثقف الكوردي كتشكيلة جماهيرية شعبية , كتلة من المثقفين السياسيين الوطنين , قوة فاعلة في عملية التنظيم و القيادة , قوة فاعلة في التنوير و الوعي , قوة فاعلة في عملية النضال الوطني , و ساحة هذا النضال واسعة و كبيرة استثنائية , فهو نضال من أجل الجغرافية و التاريخ و الذات و اللغة و الاقتصاد و الثقافة و الهوية .
إنه صراع , صراع حامله الأساسي المثقف , السياسي المثقف , المتحرر من الأنا و الحزب و المصلحة , يضع نصب أعينه المجتمع و قضية مستوعباً مجمل التحولات و التبدلات و يسخرها لتحقيق أقصى قدر من النجاح لأمته .
في رأينا لقد فشلت القوى الكوردية السائدة في تحقيق التنوير و العلمانية و إنها بهذا العجز و الفشل قد ترك المجال لنقيضها لأخذ زمام المبادرة و العمل , و لكن هذه الحقيقة لا تحجب عنا دور العديد من الشخصيات السياسية و الثقافية و الوطنية و الفعاليات الاجتماعية الكوردية و مساهماتهم في نشر الوعي و الثقافة الصحيحة ضمن المجتمع و محاربتهم للسلبيات و المواقف و المفاهيم الخاطئة و إضاءة المواقع المظلمة هنا و هناك ..
قد يكون من الصعب في محاضرة أو مقالة بحث و دراسة جميع الظواهر و الفعاليات و العادات و التقاليد و القوى المؤثرة في المجتمع الكوردي بالتفصيل و الكشف عن أوجه تناقضاتها مع الواقع و تأثيراتها في فرملة عجلة التطور و التقدم , فهذه بحاجة إلى جهود كبيرة من قبل الباحثين و المختصين في العلوم الاجتماعية و في جهد مشترك يرسم الإجابة على كثير من القضايا التي يمكن تحديدها و مناقشتها و إلى طريقة في التفكير تكون نقدية علمية بناءة رشيدة .
كما لا بد من التنويه و الملاحظة بأن المجتمع الكوردي في سورية يكاد يخلو من كثير من الظواهر السلبية و السيئة أو إن نسبة تواجدها ضئيلة جداً مقارنة مع المجتمعات المجاورة مثل ظواهر الإجرام و تعاطي المخدرات و الطلاق و انخفاض حوادث الثأر إلى نسب متدنية جداً .
لذا نشير في هذه المحاضرة و باختصار شديد إلى ظاهرتين من ظواهر الاجتماعية عند الكورد و التي هي في تماس مع حياته اليومية تقريباً و يحتل حيزاً كبيراً من ثقافته و تراثه و تقاليده و فلوكلورها كما الاحتفال بعيد نوروز و احتفالات الزفاف عند الكورد .
يعتبر نوروز ظاهرة سياسية و قومية و اجتماعية في آن واحد و يرمز في بعض جوانبه إلى معان حضارية و دينية , و هو تقليد سنوي يحتفل به الشعب الكوردي في كل أرجائه , إلى جانب شعوب شرقية أخرى و هو تعبير كذلك إلى تطلع الكورد إلى الحرية و السلام و الحنين إلى مستقبل زاهر .
و هو قبل كل شيء حقيقة تاريخية و مناسبة وطنية جاءت نتيجة انتفاضات شعبية قامت بها شعوب رافديه من بينها الشعب الميدي أسلاف الكورد حققوا انتصاراً تاريخياً على الإمبراطورية الآشورية منهياً بذلك عهوداً من الظلم و الاستغلال .
لذا لهذا اليوم دلالة على مناهضة الظلم و الاضطهاد و الدفاع عن الحقوق , و هو ليس مجرد يوم ربيعي يتغنى فيه بالورود و الزهور و الخروج إلى أحضان الطبيعة و إشعال النيران و إن كانت هذه الرموز و الدلالات لا تقلل من قيمة نوروز و قدسيته .
إن إعادة الروح و الحياة و المعنى الحقيقي لنوروز , و الحرص على الاحتفاء بهذا اليوم بأشكال متعددة و جميلة , و تجاوز حالة الروتين الممل لأعياد و احتفالات نوروز و عدم اعتباره يوم ترفيهي و استهلاكي هو مسؤولية سياسية و اجتماعية و حاجة وطنية لغرس القوة والإقدام و بث روح التضحية لدى الناس و لإعادة المعاني الوطنية و الإنسانية لنوروز و إبراز الوجه الحقيقي للشعب الكوردي أصحاب بطولات و انتفاضات و فنون و آداب و تراث و حضارة .
إن الشعب الكوردي غني في ثقافاته , غني في فنون الموسيقى و الغناء و الرقص و هذه دلائل على تقدم الشعوب و عظمتها , إن الاحتفالات و المناسبات بالإضافة إلى إنها طقوس اجتماعية هي حالات نفسية و روحية و أحاسيس تطهر النفوس و تصقل المشاعر و إن التعبير عنها بوسائل اكثر حضارية و مدنية لهو دليل على احترام الشعوب لتراثها و فنونها و فلوكلورها , إن السعادة و الفرح هي مرآة للواقع السعيد ,و الفرح الذي لا يعبر عن الواقع خير تعبير هو ترف و الفرح عندما يتحول إلى ترف غالباً ما يكون غير حقيقي و يصبح لعبة عشوائية و يصد عن الحياة الجدية و يعيش على حساب الحياة الطبيعية و هو تشويه للحقائق و للفن و الجمال .
الفن و الجمال يجب أن يكونا في خدمة الأخلاق و الروح و الفكر لبناء مجتمع راق , لا في خدمة التجارة و الإعلان و الاستهلاك و التنافس من أجل الظهور و المظاهر الزائفة .
المجتمع الكوردي بحاجة إلى معايشة شيء من الفن و الرقص و الموسيقى كي يجعل حياته على قدر من النظام و الترتيب على قدر من النبل و الجمال من أجل التطهير النفسي و تهذيب الذوق و ضبط المجتمع و أن يكون المقصد من الأشياء مقصد جميل آتوكما يقول احدهم إن الذين يقصدون المقاصد القبيحة من الأشياء الجميلة هم فاسدون , أما الذين يقصدون المقاصد الجميلة من الأشياء الجميلة فهم المثقفون .

الخاتمة :

إن المجتمع الكوردي في سورية ما زال هو مجتمع تقليدي يعيش تحت ضغط العادة و الأعراف و العلاقات فيه قائمة على رابطة الدم و القرابة بدلاً من العلاقات القائمة على أساس العمل و الثقافة و القومية , يفتقر إلى أبسط قواعد التنظيم و الانضباط الاجتماعي , و يغلب عليه طابع الفوضى و الانفعالية و العاطفة و النمطية في التفكير , كما إنه يفتقر إلى أساليب لتعامل الحضارية مع الواقع و نشاطاته و فعالياته فالتمسك بالتقاليد و مراعاتها و احترام الأعراف يعاش كمصدر للاعتبار الذاتي نظراً لما يتضمنه من قبول اجتماعي و يتناسب هذا الأمر عادة مع مقدار العجز الداخلي عن التصدي و المواجهة و مقدار الخوف من التحرر و التجدد .

المصادر:

1- سيكولوجية الإنسان المقهور ... د. مصطفى حجازي
2- أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة .... انجلس
3- نقد الخطاب الديني ... د. نصر حامد أبو زيد
4- كوردستان مستعمرة دولية ... البروفيسور . إسماعيل بيشيكجي
5- مجلة كولان العربي العدد ( 68- ك2-20002) على هامش دعائم علم اجتماع كوردي . هادي غزاوي
6- غر امشي و البحث عن سؤال الثقافة . فيصل دراج – مجلة النهج العدد ( 19-1988)
7- نشر مقاطع من هذه المحاضرة في مجلة الأجراس العدد ( 12-2001) و العدد ( 13-2002)
8- و جريدة الاتحاد – الصحيفة المركزية للاتحاد الوطني الكوردستاني العدد ( 451)

>> صفحة البداية <<



copyright © 2000-2002 amude.com [ info@amude.com ]