EWRAQ KURDIYE
amude.com/ewraq العدد 3 - 01.10.2002

بانوراما حول الحركة الشعرية الكردية في الجزيرة

كوني ره ش


تلعب الحركة الثقافية دوراً مهماً في حياة الشعوب ، وكما هو معروف نحن الكرد معروفون بمدى تأثرنا بشتى أنواع الآداب والفنون وتحديداً الشعر ، هذا الجنس الأدبي الذي يسكرنا دون أن نشعر ، لكننا مع الأسف نشاهد يوماً بعد يوم أن هذه الحركة الشعرية في الجزيرة بين مد وجزر وكأنها رهينة الأوضاع الثقافية المرتبطة بالصحف والمجلات الكردية .

لو نلقي نظرة إلى شعرائنا الأوائل سنرى أن أسماءهم لمعت عبر الصحف والمجلات التي كانت تصدر في دمشق وبيروت في الأربعينيات من القرن الماضي مثل ( مجلة هاوار وستير وروزا نو وروناهي ) لولا تلك الصحف لما تمكن أولئك الشعراء من إبراز نتاجاتهم الأدبية حيث اكتسبوا بها شهرة واسعة عبر نشرهم لقصائدهم فوق صفحات تلك المجلات ، واليوم نراهم قامات شامخة في سماء القصيدة الكردية مثل ( جكرخوين وقدري جان وعثمان صبري ) وآخرون … ومع ذلك كان هناك شعراء كبار لم يحالفهم الحظ في نشر نتاجاتهم في الصحف والمجلات الكردية مثل ( ملا أحمد بالو وملا نوري هساري وشيخ أحمد شيخ صالح ) وغيرهم من الملالي الذين كانوا يقرضون الشعر ، وهذا التعتيم يعود إلى عدم وجود صحف ومجلات تأخذهم في أحضانها وتفتح أمامهم صفحاتها وتسمو بأسمائهم نحو سماء الشهرة .

أما في يومنا هذا فإن الحركة الشعرية الكردية في الجزيرة السورية مرهونة بالصحف والمجلات وأيضاً بطباعة المجموعات الشعرية ، وكذلك بالنقد البناء وكتابته بشكل صحيح وسليم ، لكننا مع الأسف ! نرى أن مثل هذا الصحف والمجلات في انحسار وشحيحة الصدور وهذا التأرجح اللامعقول في الصدور واللاصدور يحبط الشاعر ولا يشفي غليله في النشر … أما من ناحية طبع المجموعات الشعرية فهذا أمر بالغ الصعوبة بالنسبة للشاعر والأسباب كثيرة ، ومن ناحية النقد والتقييم الأدبي للقصائد والمجموعات الشعرية فإن النقد شبه غائب عن الساحة الأدبية ، هذه الصعوبات مجتمعة التي تواجه الشاعر الذي يكتب بالكردية حصراً يحدو به إلى تغيير لغته الكتابية من الكردية إلى العربية وهنا أرى بأن الحركة الشعرية في انحسار باستثناء قلة من الشعراء المثابرين على الكتابة باللغة الكردية . أما بالنسبة للمستوى الذي ارتقى إليه الشعر الكردي الحديث ، هناك اتهام مباشر يوجه إليه في الفترة الأخيرة بأنه شعر مقلد لم يخرج بعد من مدرسة جكرخوين ، هذا بالنسبة للشعر باللغة الكردية ، أما بالنسبة لكتابة الشعر باللغة العربية هناك اتهام آخر يوازي الاتهام الأول ؛ وهو بأن الشعر الذي يكتب بالعربية في الجزيرة يقلد وبخجل هندسات سليم بركات ، وهنا أقول : جكرخوين قامة شعرية وجدت بين الكرد في سوريا سابقاً عصره ، هذا الشاعر الذي اندثر حقه ولم يظهر حتى الآن أحد من النقاد والباحثين والأكاديميين كي يوفوه حقه .

كتب جكرخوين في جميع المجالات الوطنية والإنسانية وكان شاعراً ملتزماً بقضايا أمته ومصيرها ومصراً على الكتابة بلغته الأم عبر قوله : " إذا كتبت بلغة الآخرين فإن لغتي ستضمحل وتموت ، أما إذا كتبت بلغتي فإن الآخرين سيحاولون قراءة وكتابة لغتي … "

كتب جكرخوين الشعر الكلاسيكي وشعر التفعيلة والشعر النثري ، ولكن في هذا الجنس الشعري الأخير, كان الدكتور كاميران بدرخان وقدري جان وعثمان صبري هم السباقون أما جكرخوين فقد بدأ بكتابته عبر قصيدته الرائعة "كيمه أز" .

وعن مقولة أن الشعر الكردي الحديث لم يخرج من مدرسة جكرخوين بعد ، يحمل هذا الكلام في طياته نوعاً من الإجحاف لحقوق الآخرين كالذين ذكرناهم أعلاه ، وإذا أبحرنا بين صحف البدرخانيين سنلتقي بسفن شعرية كثيرة تبحر بفنية وروعة أدبية عالية بين بحار الشعر ، ولست مع أولئك الذين يقولون بأن الشعر الكردي انحسر وتقوقع على نفسه بعد رحيل جكرخوين عام 1984 بل على العكس تماماً تغير المسار الشعري بعد رحيله وانتفض ذلك المسار بقوة حيث دخل مرحلة جديدة من التقدم والازدهار لكن بمستويات مختلفة ، ويعود فضل هذا التجدد الشعري إلى الكرنفال الشعبي الذي رافق جنازة جكرخوين من أوروبا إلى القامشلي ، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية انتشار التعليم والمعرفة بين الشباب الكرد في سوريا عبر المدارس والمعاهد والجامعات وتأثرهم بالقصائد العربية الحديثة مثل قصائد أدونيس وبدر شاكر السياب ونزار قباني ومحمود درويش ، وكذلك تأثرهم بالشعراء العالميين عبر الترجمة إلى اللغة العربية مثل فلوبير لوي أراغون ، لوركا ، بابلو نيرودا ، رسول حمزاتوف ت . س إليوت ، وآخرين..

لا أظن بأن هذا الجيل الجديد كانوا يقتنون دواوين قدري جان أو جكرخوين أو عثمان صبري حتى يتأثروا بهم بالشكل الذي يظنه البعض ، وهنا يمكن القول إن الشعر الكردي الحديث لم يخرج من مدرسة جكرخوين فقط بل كانت هناك مدارس عديدة ومتنوعة كردية وعربية وعالمية عبر الترجمة ، أما بالنسبة لأولئك الذين يقلدون سليم بركات أرى فيهم حب الأرض والجرأة وحب الكلمة الصادقة والمتطورة حتى تتطور القصيدة في الجزيرة وتدخل مراحل تجديدية ترقى بها نحو البحث عن مكنونات النفس الخفية وعندما تخرج هذه القصائد تبدو وكأنها طلاسم رمزية تجلس فوق سلالم الكلمات ، وعالم سليم بركات عالم مختلف تماماً ، إنه متميز ومتمكن من استخدام أدواته الكتابية حتى يحول أهوال أعماقه إلى عوالم حية صعب أن نجد مثلها في الواقع ، وقليلون جداً من اثبتوا جدارتهم في الدخول إلى عالم سليم بركات الشعري العميق .

ومع ذلك نرى أن الحركة الشعرية في الجزيرة لم تكتمل بعد وهي مع الأسف ناقصة بسبب غياب الأقلام النقدية البناءة عن الساحة الأدبية سواء بالكردية أو العربية ، والأقلام النقدية التي نراها أحياناً في صدر بعض الصحف والمجلات الجزراوية لا تتعدى حدود المدح والتهليل والإطراء من ناحية ، والتهكم والسب والتهجم من ناحية أخرى ، وإذا ما ابتعدنا عن مثل هذه المجلات والصحف ودخلنا إلى ساحة النقد البناء فإنني لا أرى أي فرق بين الناقد الذي يكتب بالكردية والناقد الذي يكتب بالعربية لأن الاثنان ينهلان من ينابيع الثقافة العربية ، وبمعنى آخر إنهما فرعين من نهر واحد ، لأننا تربينا على الثقافة العربية والعالمية عبر ترجمتها إلى العربية ، ولا يوجد شاعر أو كاتب أو ناقد إلا وشرب من ينابيع وأنهار هذه الثقافة العميقة ، والنقد البناء فإننا لا نقرأه إلا نادراً ونحن على أمل بروز بعض الأقلام النقدية البناءة في الساحة الأدبية في الجزيرة كردية كانت أو عربية ، وبالفعل بدأ هذا الأمل يخرج من وراء الآفاق كي يبرز خيوطاً تشع بالتفاؤل وتعبر عن أقلام نقدية متميزة باللغتين الكردية والعربية أمثال رزو أوسي ومحمد شيخو ودحام عبد الفتاح وحليم يوسف خالد محمد باللغة الكردية وايضاً خالد محمد وعماد الحسن باللغة العربية وغيرهم من النقاد الذين مازالوا يعملون في تجهيز أدواتهم النقدية والأدبية, لذلك أقول إن الأسلوب في التعبير واحد حتى ولو اختلفت لغة الكتابة . أما عن الإضافات فلابد هنا من ذكر تأثير الثورة الثقافية في كردستان العراق على مثقفي الجزيرة وبشكل خاص بعد الانتفاضة المليونية عام 1991 حيث أضافت هذه الثورة روحاً جديدة إلى الحركة الشعرية الكردية في الجزيرة واستطاعت أن تخترق التقليد وتبعث روح التجديد في الكثير من الأجناس الأدبية والفنية وبشكل خاص عبر الصحف والمجلات الكردية والعربية التي تصدر في إقليم كردستان العراق وتصلنا أعدادها وبها امتد جسر متين بيننا وبينهم وأصبحنا نسمع وبقوة صرير أقلام الكثيرين من المبدعين الذين يكتبون الشعر الكردي الحديث مثل مؤيد طيب ومحسن قوجان وآزاد دارتاش وسلمان كوفلي وأمير فندي ودرباس مصطفى وعارف حيتو وعصمت بدل وغيرهم … عبر هذا الانفتاح على حداثة الكثير من الأجناس الأدبية بدأ الوعي الثقافي الحديث ينفتح بيننا أكثر وأكثر … وهنا أتمنى من كل قلبي أن ترتقي الحركة الأدبية والفنية والنقدية عندنا وتتجانس مع غيرها من الآداب أسوة بالشعوب المجاورة وتتحول هي الأخرى من المحلية إلى العالمية وبالفعل نرى تقدماً ملموساً لا بأس به يحدو بأدبنا نحو غد أفضل.

28.09.2002
البداية
المرصاد
شخصية العدد
الأرشيف
التحرير


amude.com



copyright © 2000-2002 amude.com [ info@amude.com ]