EWRAQ KURDIYE
amude.com/ewraq العدد 3 - 01.10.2002

ثقافة القمع
ردّاً على بافى نازى


جان دوست
jandost@hotmail.com



في العدد 19 من مجلّة مجلّة amude.com/nivis) NIVÎS ) الانترنيتية الانترنيتية الشهرية الصادرة عن موقع عاموده , قرأت مقالة بافى نازى المعنونة "ماذا يريد منّا نزار آغري؟" و قد تابعت على نفس الموقع في الشهور الماضية, ردوداً أخرى بصدد مقالات نشرها نزار آغري تتناول شخصيّات كردية ثقافية و تاريخية بالنقد, وكنت من بين الذين انتقدوا نزاراً على بعض آرائه التي أرى أنّه جانب فيها الصواب.

إن ما يهمني هنا أوّلاً و أخيراً هو الطريقة التي نتعامل بها مع النصوص النقدية و مدى قابلية المثقّف الكردي و المجتمع الكردي لاستقبال النقد و تقبّله صنفاً أدبيّاً أوّلاً , و رؤية اجتماعية تاريخية فاعلة ثانياً.

لقد بدا لي الأمر و كأنّ المجتمع الكردي ليس مهيّئاً بعد لتلقّي النقد الذي يحلو للكثيرين تسميته(هجوماً و تعدّياً و استفزازاً) فالشخصيات معصومة محصنة, و النتاجات بخير و الحمد لله , و ما الأصوات المرتفعة إلا طعنات مغرضة طائشة بل و مرتبطة بهذه الجهة أو تلك, و قد يكون أصحاب تلك الأصوات النشاز مرضى نفسيين ذوي عقد نفسية عصيّة على الحل, شأنهم في ذلك شأن (المجانين) الذين يحاولون بين فترة و أخرى اغتيال زعيم مشهور ليدخلوا التاريخ من فوهة المسدس!!

كانت تلك الرود التي تابعناها تشبه عراك ديوك و شجار قبليين, أقلام تقطر سباباً و شتائم , و مقالات تحاكي البلاغات العسكرية تعج بمفردات مثل: هجوم, عدو, نيران الحقد........و اتسمت بعض الردود بلهجة تهديد واضحة بكشف مخازي العدو و عيوبه النفسية و الجسدية و ماضيه الأسود البغيض و ارتباطاته المشبوهة.....إلخ.

لا أود هنا أن أفيض في تعريف النقد و دوره الفاعل في الثقافة و المجتمع و الكشف الباطني عن النصوص...إلخ, فهذا من باب تحصيل الحاصل, و لكل امرئ زاوية خاصة ينظر منها إلى النقد, و لكن أحاول أن أثير في هذا المقال موضوع(حرية الرأي) و شروط ممارسة تلك الحرية.

يقول بافى نازى: من لم يكن خبيراً في اللغة الكردية , و لم يكن مطّلعاً على أدبنا(هكذا!!) , ليس له الحق في النقد!!!!!

هكذا إذاً!! فحق النقد هبة يمنحها من يشاء لمن يشاء, و كأن النقد وظيفة حكومية تلزمها سيرة ذاتية و شهادة حسن سلوك من مختار الحي و صورة تبرز الأذنين بوضوح!! و بدون استيفاء تلك الشروط لا يمكن التقذم إلى تلك الوظيفة و لا القبول فيها!

صحيح أن بعض المقالات النقدية(و نقولها تجاوزاً) تتسم بالإسفاف و ضحالة فكر الناقد و ابتذال مقولاته, لكن هذا لايعني احتكار حق النقد بيد فئة قليلة و قمع طائفة أخرى من ممارسة هذا الحق الطبيعي . المسالة هنا مسالة مبدأ, و النقد حق للجميع, و قد مورس النقد على طول التاريخ باشكال مختلفة و جوبه بأشكال مختلفة ايضاً كالقتل و السجن و الرد بالمثل و حتى الإهمال و غض النظر أيضاً. و قد طال النقد كل من و ما في هذا الوجودو و لم يسلم منه أحد, لا الخالق و لا المخلوق, لا النصوص المقدّسة و لا النصوص الأخرى, و لكي لا يساء فهمي فأنا لا أدافع عن مقالات نزار آغري و لا عن شخصه, إنّما أطالب بإلغاء ذهنية الإلغاء و التخلّص من آثار ثقافة القمع و محاكم التفتيش, و سحب السياط من يد الجلادين و الآلهة الصغار ولاة أمور الثقافة.

إنني أستغرب حقّاً و أنا أتابع كثيراً من الكتّاب الذين يتقاذفون بالمقالات و يتجاذبون أطراف الردود الساخنة التي يطغى على معظمها أثر واضح من ثقافة القمع التي عانينا منها كأكراد و عانى منها الكثيرون و ضحّوا بأرواحهم في سبيل ترسيخ مشروعية النقد, كما قبع الآلاف وراء القضبان لأنّهم انتقدوا فكرة أو نظام حكم أو ....إلخ.

و ما يحزنني هو أننا ورثنا هذه الذهنية و تشرّبناها حتى النخاع و لذلك ترى أحدنا يتعامل مع النقد بعدائية صارخة تكشف عن عقلية قبلية لا تعرف غير الخنجر حكماً عدلاً.

إن منطق القمع السائد الآن, سيساهم في بناء مجتمع خانع خاضع جبان في المستقبل, مجتمع أحادي النظرة و التفكير, تدور كل طواحينه على قطب واحد أحد و يرتدي فيه جميع الناس لباساً موحّداً و يستنشقون كمية محددة من الأكسجين المقنن بقرار من وزارة الغازات العامة!! و إذا كان المثقف الكردي لا يتحمل فضاءات النقد, و ينظر بريبة و شك إلى الناقد فما بالك بحاكم لم يسمع لفظة (لا) من أحد من رفاق دربه!!

إن في التاريخ الكردي مساحات كبيرة قابلة للنقاش, و بحيرات راكدة لم يتجشم أحد عناء الخوض في وحولها و شخصيات لا بد من كشف غوامض حيواتها, و كذلك لا بد من حقريات معرفية في عمق التجارب التي خاضها و يخوضها الكرد بجدّية و جرأة و إحساس بالمسؤولية , و لا ينبغي التقكير بان الأفراد و التجارب و الأحداث , أوثان لا يمكن المساس بها باي حال من الأحوال, بل على العكس من ذلك نحن بحاجة إلى مثقفين شجعان يتناولون الموضوعات مجرّدة من ثوب القدسية التي هي حجاب على البصيرة تمنع رؤية الحقائق. و لنعترف أننا جبناء, و أن المثقف الكردي ساهم بدور فعّال في ترسيخ ثقافة القمع على مدى تاريخ شعبه و إن أكثر تجلّيات صورة المثقف الكردي وضوحاً, هي التي يبدو فيها ساكتاً عن الحق كشيطان أخرس. و لكي أكون واضحاً سأورد مثالاً صغيراً من تجربة قريبة العهد ما يزال بعض من خاض تفاصيلها على قيد الحياة.

في بداية عهد الجمهورية الكردية (مهاباد1946) , جرى اغتيال المواطن الثري غفور محموديان غدراً و بطريقة بشعة, و ذلك كما يبدو إرضاءً للسوفييت الذين كانوا يحركون الدمى من وراء الستار. و كانت تهمة الرجل: ( الشك) في ارتباطاته بالانكليز!!

و مضت الحادثة دون أن يقدم لنا من أرّخوا لتلك الجمهورية الشهيدة, ما جرى بعد اغتيال محموديان.

صحيح أن المصادر كلّها تجمع على أن قاضي محمد رئيس الجمهورية آنذاك, أبدى اسفه على مقتل الرجل و أكد عدم علمه بذلك و قال حرفياً: كان من الأفضل نفيه إلى جهة بعيدة دون قتله!!
و السؤال الذي يؤرقني كقارئ لتاريخ الجمهورية هو: لماذا سكت المثقفون الكرد, خلال حياة الجمهورية و بعدها على تلك الجريمة؟! و لماذا لم يرتفع صوت جريئ ينادي بتفسير ما حدث على الملأ!!و لماذا لم يقدّم الرجل إلى المحكمة بتهمة العمالة!! و أي منطق يسوّغ للحاكم قتل الناس على الظن؟!!

ففي جمهورية يحكمها رجل يمارس مهنة القضاء رسمياً و دينياً و مثقف بشهادة معاصريه, كان من الأولى و لو ظاهرياً إفساح المجال للمغدور به أن يوكل محامياً, تماماً كما فعل الإيرانيون المحتلون(و لو صورياً) , عندما سمحوا للقاضي محمد و الآخرين بتوكيل محام, بل و المرافعة شخصياً في قاعة المحكمة!!!

و أنا إذ أعيد للأذهان هذه القضية التي ابتلعتها الأحداث , لا أتوخّى التشكيك في نبل أخلاق الشهيد القاضي محمد و الطعن في مصداقيّته, و لكنني اريد الوصول إلى نقطة هامّة هي من صلب موضوع هذا المقال.

أعتقد انّه لو قام المثقفون وقتذاك, و رفعوا أصوات الاحتجاج و طالبوا قادة الجمهورية بفتح ملف الرجل المقتول و التحقيق في القضية, ثم تابعوا ذلك بعد انهيار الجمهورية و استنكروا قتل المعارضين على الشبهات و التهم الجزاف, لما تجرّأت منظمات أخرى على تصفية معارضيهاو و لأقامت لهم محاكم و لو صورية. من جهة أخرى كان المثقفون الكرد  سيثبتون أهمية النقد و النبش في التاريخ و الإشارة إلى مواطن الخلل و مواقع الزلل.
إن المثقف سلطة روحية رادعة إلى جانب كونه مبدعاً خلّاقاً, و عليه ممارسة سلطته أينما طلب منه ذلك, و هو النقيض المواجه للخطأ, و ليس طائراَ في سرب السلطة أو ناياَ يصدح بأنغامها. و على هذا فمن الضروري حماية المثقف و ترك هامش كبير لحريته و التعبير عن رأيه(و لو ان كلمة الهامش لا تعجبني كثيراً, لاعتقادي أن الحرية متن به هوامش, و ليس هامشاً لمتون أخرى!!). و من الضروري ايضاً إعادة كتابة تاريخنا و قراءته بحس نقدي عال, لا قراءة مدرسية ترى فيه مجموعة من الأبطال الخارقين و البطولات الأسطورية.

ربّما نختلف في أساليب ممارسة النقد و طريقة تعامل الناقد مع موضوعه, و لكن علينا الاتفاق بضرورة النقد كنصوص فاعلة تهدم و تبني و تؤسس لثقافة تعيش في مناخات الحرية و الجدل و تسمح بقراءات مختلفة للموضوع الواحد.

ملاحظة: ثمت مغالطات كثيرة في مقال بافى نازى المشار إليه, يجدها القارئ في النص الكردي لهذا المقال المنشور في NIVÎS العدد 20.
البداية
المرصاد
شخصية العدد
الأرشيف
التحرير


amude.com



copyright © 2000-2002 amude.com [ info@amude.com ]