المفاضلة بين اللغات
خـالد محمد
المفاضلة بين اللغات هي عملية الموازنة بينها للحكم بفضل إحداها على غيرها، وتقديمها عليها، وإعلاء شأنها، موازنة أدت في معظم حالاتها إلى استهجان شغف به القائمون بالمفاضلة، قديما وحديثا، دون تعليل علمي يستهدي منهجا قويما يعصمها من الشطط في الأحكام التي رفعت من قيمة لغة وقللت من قيمة غيرها بفعل العاطفة، أو بفعل نـزعة دينية أو مذهبية أو عنصرية أو سياسية لا تسعى إلى الكشف عن الخصائص التي تمتاز بها كل لغة إنسانية، ولا تتقصى السمات المشتركة بين اللغات جميعا، بل لا تستند إلى حقائق أو مناهج تحرزها من المغالطات. كما ابتعدت المفاضلة عن الدرس اللغوي بانشغالها بالأحكام العامة، وإهمالها القيمة الوظيفية لكل لغة، واهتمامها بالأطروحة التي لم تحتكم إلى منهج، ولم تتوسل بآليات توصلها إلى نتائج دقيقة، حيث شاكلت هذه الظاهرةُ ظاهرةَ تقديم شعب على غيره من الشعوب استنادا إلى فرضيات تحدثت عن شعب الله المختار، والعرق النقي، أو فرضيات تحدثت عن خير أمة أخرجت للناس، وفرضيات أخرى تحدثت عن شعب الحكمة والفكر، وغيرها مما يدحضها تعايش الشعوب وتداخل الثقافات والحضارات وتمازجها وتواصلها. وتمثلت المفاضلة في بعض المقارنات، وفي مظاهر متعددة منها مظهر الاعتزاز باللغة القومية اعتزازاً مصحوباً باستنقاص لغات الآخرين، أو قائما على نحو ذلك، ومنها مظهر استسلام أصحاب اللغات المقهورة لهيمنة لغة أجنبية سائدة. لكن من أهم مظاهر المفاضلة أن السلطات المركزية في بلدان كثيرة تجعل اللغة المهيمنة "معيارا" لوحدة بلدانها، بل تتوسل بعض السلطات بذلك المعيار لفرض سيادة وسمو ورقي وتقدم وأفضلية المتكلمين "باللغة المركزية"، ونفي واستبعاد مثل تلك القيم عن الذين يتمسكون بلغاتهم القومية التي توارثوها عن آبائهم، والذين قد لا يتقيدون بشروط طغيان ذلك المعيار المفروض قسرا، والمستند إلى دعائم خارجة عن مجال اللغة وأنظمتها، وعلاماتها، حيث تغدو المفاضلة خطوة ممهدة لتحقيق تلك الهيمنة اللغوية التي تشكل العتبة الأولى لبلوغ الهيمنة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحيث تصبح اللغة وسيلة قهر اجتماعي وسياسي وثقافي، بدلا من أن تكون وسيلة تفاهم وتواصل ومثاقفة. أما اللغات، فيقصد بها، في هذا المقام، اللغات بمعناها العام والشامل، وهو جملة القواعد المختزنة في أذهان الجماعات البشرية المتعددة والمختلفة، أو جملة الأنظمة القابلة للفهم عن طريق تحويل تلك القواعد إلى كلام منطوق ومسموع، أي إلى نشاط فردي تتجسد فيه تلك القواعد والأنظمة من خلال الاستعمال الفردي لجملة من العلامات والوحدات ذات القيم الوظيفية التي يتحقق بها التواصل.
* لقرائة
هذا النص
تحتاج الى
الأكروبات
ريد ر (Acrobar Reader)
|
|
|
|