المرصاد
مؤسسات كردية أم دكاكين؟
حليم
يوسف
halimyusiv@hotmail.com
قبل سنوات غزت الآذان الكردية عشرات الأسماء الجديدة الوافدة من أوروبا, و التي كانت تحمل الكثير من البريق و الكثير من التساؤل و حول فحوى هذه الأسماء و مضامينها التي تشير إلى بناء مؤسسات كردية افتقدها هذا الشعب المجزأ بين دول تمنع بائع الخضار أن يحمل دكانه اسماً كردياً و تعاقب اللحام بختم محله بالشمع الأحمر إن لم يكن اسم المحل عربياً مثلاً . و من باب الطرفة أسوق هذه الأمثلة القليلة التي شهدتها لدى صدور قرار خاص عن محافظ الحسكة آنذاك محمد مصطفى ميرو , رئيس وزراء سوريا حالياً, و كنت وقتها في عامودا , و لدى تنفيد القرار بتغيير أسماء المحلات الكردية إلى عربية, لجأ أصحاب تلك المحلات إلى حلول سهلة درءاً للعقوبة و ذلك بإضافة أو إزاحة نقط من و إلى الاسم الكردي ليتحول إلى كلمة عربية أصيلة . و لذلك لم يحتج صاحب محل الخياطة (لورين) مثلاً إلى كثير من الجهد , بل أضاف ثلاث نقاط و شحطة صغيرة ليتحول الاسم إلى (لوزتين) عربيتين أنقذتا الخياط من العقوبة و وضع إشارات حمر أمام اسمه . أما صاحب محل (جنار) فقد أزاح نقطة الجيم إلى الأمام و أضاف إليها نقطة من عنده , ثم سحب نقطة النون إلى أول الاسم , فتحولت (جنار) إلى (خيار) عربي خالص و جميل أنقذ المحل و صاحبه . و بالمناسبة فقد كان محرر (أوراق كردية) صديقي العتيق جان دوست , صاحب محل للخرز و الخيوط في كوباني آنذاك . و كوباني هذه تسمى طبعاً عين العرب , و الغريب أن كوباني دائماً بلا ماء فما من عين هناك و لا عرب أيضاً باستثناء عائلات الموظفين الحكوميين . و قد غير جان دوست اسم محله (شيلان) و يطلق على زهرة برية كردية , إلى( خلف) كخطوة عقلانية . و قد كان حظه أوفر من حظوظ أصحاب اللوزتين و الخيار , إذ أن المنقذ هنا كان خلفاً و لم يكن خياراً. و قد استبشرنا خيراً لدى سماعنا اسماء مؤسسات كردية تقام في ساحات الديمقراطية الاوروبية حيث الكردية بعيدة عن سيوف تلك الدول( المسكينة) . كأسماء من قبيل المعهد الكردي في برلين..باريس..بروكسل...استوكهولم..., أكاديمية الفن الكردي...و اتحاد الكتاب الأكراد و اتحاد الصحفيين..و المثقفين...و ما إلى ذلك. و كثيراً ما أوقدت هذه الأسماءُ الخيالَ الكردي المتعب و المقهور و التائق إلى الحركة و النشاط و الانبعاث بعد موت طويل و مستمر و خاصة لدى الطامحين إلى حالة كردية ناشطة تستطيع النهوض بالحلم الكردي المحاصر بالألغام و الحدود و الجيوش التي تختلف دوماً و لكنها تتفق على إبادة الأكراد. والرغبة في الربت على أكتاف الحرية التي طالما حرمتنا منها السياسة , لتستجيب إلينا قليلاً و تنتبه إلى ما نصبو إليه. و لم يطل الأمر حتى قادني حظي السيئ إلى رؤية هذه (المؤسسات الثقافية) عن قرب. و إذا كان صعباً عليّ الإقرار بما كانت عليه الحال سابقاً , فإنني أستطيع القول بأنني وجد ت نفسي أمام دكاكين بأسماء كردية و الفرق بينها و بين التي تحدثنا عنها في البداية, أن الأولى كانت قادرة على تغيير أسمائها مكرهة, أما هذه فلا تضطر إلى ذلك!! إن هذه الاسماء البراقة اللماعة الصاخبة لا تمتّ إلى الواقع بصلة, و هي أبعد ما تكون مما تشير إليها اسماؤها. فمثلاً عليك ألا تتفاجأ عندما تدخل إلى معهد كردي يحمل هذه العبارة: المعهد الكردي للبحوث العلمية !! فلا تجد في داخله سوى رجل يظل هناك لساعات طويلة, ليس لأجل البحث العلمي بل لأنّه يفرمن زوجته و لا يتحمل البقاء في البيت فيلجأ إلى المعهد لسماع الأغاني التركية و يتكلم الكردية بلكنة تركية عجيبة كما كانت المرحومة جدّتي فاتى تتكلم العربية المعجونة بجميع لغات الارض. و يقتصر النشاط السنوي على الحد الأدنى المطلوب لكي لا تغلق الدولة باب (المحل) أو باب المعهد. أما الأكاديميات, و أستغرب حقّاً هده التسمية , فهي أبنية مستأجرة يطيب فيها شرب الشاي و الأكل بثمن أرخص من السوق القريبة , هذا إن وجدت. ففي برلين مثلاً حيث أسكن , ما يسمى بأكاديمية الفن و الثقافة الكردية, و هي غير موجودة على الأطلاق على ارض الواقع. و اتحاد الكتاب يقتصر على رجل أصدر بعض الكتب الرديئة. و اتحاد الصحفيين يقتصر على مسؤول يظهر في المناسبات القومية فقط للإدلاء برأيه كرئيس للاتحاد حول موضوع سياسي . أما اتحاد المثقفين فقد صار في خبر كان , و الحبل على الجرار حيث الجعجعة مستمرة و ما من طحين!! فقد تكون أحوال الدكاكين التابعة لبعض القوى السياسية أفضل بكثير من حال الدكاكين المسخرة لخدمة الأشخاص, فقد تسخّر هذه المؤسسات لخدمة أغراض سياسية و هذا الأمر قد يقبله بعضنا و قد يرفضه آخرون و أنا منهم, إلا أن يتحوّل المعهد الكردي إلى دكان لشخص يستفيد من الامتيازات التي تمنحها الدولة الاوروبية لخدمة شخصه و شلّته و عائلته و أقربائه المحببين, و الأمر هنا يدعو إلى تساؤلات أكثر!! و إذا كانت الاحزاب السياسية حتى الآن لدينا كأكراد سوريا مثلاً حزب حميد و حزب صلاح و حزب.....و معظم الاكراد السوريين لا يعرفون تماماً الاحزاب و لكنهم يستطيعون معرفتها من خلال الاشخاص الذين يديرون تلك الاحزاب, و كأن المؤسسات الكردية في اوروبا تقتفي اثر تلك الاحزاب فتسمى معهد فلان و معهد عائلة علان و كأنهادكاكين فتحت لأشخاص يتاجرون لتحسين أوضاعهم المعيشية و أوضاع عائلاتهم, و إن اتسعت مساحة العمل فإنها تصل إلى العشيرة و إن اتسعت أكثر فاكثر فإنها لا تتعدّى سقف الحزب. و علي الإشارة هنا إلى أنني لا أقصد حزباً معيّناً بل اقصد جميع الاحزاب , و معظم الاحزاب الكردية في اوروبا كما في الوطن تتساوى في سلوكياتها و تتقارب في ذهنياتها المعادية للثقافة الكردية و العمل الثقافي الكردي و محاربة العاملين في حقل الثقافة الكردية بمختلف الوسائل المباشرة و غير المباشرة سواء بالتعتيم أو بالتجاهل و التضحية بالثقافي لأجل الحزبي و بعدم فتح القنوات المتاحة و التضييق على الراي الآخر و محاولة خنق المختلف و عدم تقديم الإمكانيات المادية و المعنوية لغير المدّاحين و الطبّالين. و الآن قد تنتظرون الحل و أنا فكّرت مثلكم كثيراً و وصلت إلى نتيجة واحدة و هي: إنّ ما ينقص هذه المؤسسات التي أحيلت إلى دكاكين هو عدم تواجد (بزر) لدى أصحابها. و من المرصاد هنا اقترح على هؤلاء أن يبيعوا في معاهدنا الكردية البزر, فهذا أفضل من البقاء بدون عمل. و أن يتفهّم القائمون على أمر هذه المعاهد هذا الاقتراح, ففوائده كثيرة و منها مثلاً نسيان الاكراد همومهم الثقافية( بفصفصة البزر), كما أنه سيدر عليهم دخلاً إضافياً إلى جانب الرزق الذي يأتيهم من جرّاء الاستفادة من قوانين الدول الاوروبية راعية دكاكين الأكراد و داعمة أصحابها.
|
|
|
|