www.amude.com  
  الصفحة الرئيسية www.amude.com - مركز عامودا للثقافة الكردية
27.01.2003 - 23:15

حوار مع الشاعر الكوردي شيركو بيكس

حاوره: زبير مخصو

يعتبر الشاعر الكوردي شيركو بيكس من أهم الشعراء الكورد قاطبة في المرحلة الحالية ، وهو ابن الشاعر الكوردي المعروف فائق بيكس. وقد اكتسب شيركو هذه المكانة المرموقة نتيجة تطويره المستمر لقصائده ، والارتقاء بها الى مراتب العالمية. ولعل جوهر وسر خصوصية الشعر عنده ينبعثان من شعرية الفكرة في الأساس ، يضاف إليها النفس الإنساني الطاغي في القصائد. نشر العديد من الدواوين باللغة الكوردية ، وترجمة أربع مجموعات الى اللغة العربية. ولعل من أدلة رفعة قصائد بيكس الجمالية والحس التفاعلي مع ترجمتها العربية، وهذا يدل على مدى شاعرية بيكس ، وعلى المستوى العالمي الذي بلغته أشعاره الجميلة.


بداية . . لماذا الشعر . . ؟ بمعنى لماذا التورط بهذا الفن الرجاج الزئبقي ؟

ببساطة لا نني أرى فيه حياة أخرى غير الحياة التي أعيشها! انه سفري وقدري. هكذا اصبح الشعر ملازما لوجودي .. تماما كروح وجسدي. تعرفت على الشعر منذ صباي وأنا اسمع من الآخرين ومن والدتي بان والدي شاعر مهم. ولاكنني لم اكن واعيا او متفهما لجوهر الشعر آنذاك بل كنت أشمه من حولي كالتربة وكشعر بمي. وكنت أتحث بوجوده بيننا ومع تعاقب الأعوام أحببت الشعر وصرت ابحث عنه في ثنايا اللغة الكردية بلهفة متواصلة وكانت بذرة الشعر الاولى قد نبتت عبر صوت آبي .. فقد كان النبع الأول الذي شربت منه من لغته ومن أحاسيسه الوطنية، وأناشيده الكردستا نية. ان حبي للشعر كان كحبي للأشجار، والثلج والجبل ، والطيور المهاجرة. وقد رايت الشعر لاول مرة بلونه الشفاف في العيون العسلية لا حدى فتيات حارتنا الشعبية . الشعر هو السؤال الدائم ، هو الحلم الذي أراه في اليقظة وفي المنام أيضا. علاقتي با الشعر علاقة عشق متعطش لا يرتوي.
انه الماء .. ولماذا الماء .. ؟ !
لأننا دون الماء لا شى !
كذالك أنا .. دون الشعر .. لا شئ .

ما رأي الشاعر بيكس في موجة الحداثة الشعرية ؟

لا حياة دون حداثة. في كل مجالاتها الحداثة هي ان نبدع وان نتواصل مع المستقبل وان نأتي بكشوفات جديدة تغني الحيات بروافد ترتوي منها التجربة والموهبة. والحداثة كما افهمها هي الانفتاح على آفاق الآخرين عبر المزج والتواصل، إنها الرؤية التي لا قناعة لها بما توصل إليه الماضي. إنها مع الحب الاتي والولادة الجديدة دائما! إنها الصعود الدائم، هي التغير الدائم في نظرتنا وعملنا وهي الإنسانية حين تكون كلمة تشرق فيها المحبة. ان الحداثة الشعرية تحلق في المطلق خارج الزمن وهي غير صعبة بمرحلة محددة إذا لا حدود للإبداع سواء أكانت حدودا لمكان ما او لزمان ما. وفي الشعر تعني الحداثة اللغة الخالقة والكلمة المجنحة والدهشة التي تبهرنا كما تبهرنا الأشياء التي نراها لاول مرة. رأي بالحداثة الشعرية مرتبط ارتباطا عضويا بما أقراه، أي بالنص الشعري وليست هناك رأي اعتباطي خارج النص. والسؤال هو أي نص يطلق عليه سمة الحداثة؟ ومن هو الشاعر الحديث؟

إننا أمام كثير من النصوص الشعرية أحيانا نقرا نصا شعريا ذي شكلانية حداثية ونجد فيه فكرا متحلفا وربما كان كاتبه شاعرا شابا ولكنه يفكر بعقلية هرمة كما في بعض النصوص التي يكتبها شعراء إسلاميون. الحداثة هي التجاوز الفكري الذي يخلق شكلا شعريا متقدما، والرؤيا الحداثاوية هي التي تأتى في المقام الأول وهي المصدر والنبع الذي يفتح الطريق أمام الشكل الأنسب للقصيدة، والقصائد التي تدعي الحداثة في هذه الأيام نصوص تشبه الجسور المقطوعة وبالتالي لا تستطيع ان تصل الى الطرف الآخر ( القراء ومحبي الشعر ) ، وهي نصوص تنسى بسرعة وتفقد طعمها بعد القراءة الاولى .. هذا إذا استطعنا ان نكمل قراءتها.. وأنا ضد الحداثة لآجل الحداثة فقط ، ومع الحداثة التي تشكل إضافة مهمة للتجربة المبدعة.

وأنا ضد الحداثة لآجل الحداثة فقط ، ومع الحداثة التي تشكل إضافة مهمة للتجربة المبدعة.

لم اطلع على تلك الصحافة بصورة كافية ، واكنها صحافة محدودة الانتشار ولا تصل الى كل المهتمين ، وذالك مرتبط بالواقع المؤلم للحالة الكردية عموما .
الصحافة في عالم اليوم تنوعت كثيرا ، وتوسعت آفاقها وطرق طباعتها وتوزيعها ، وأنا اطلعت على بعض المجلدات الكردية السورية وبرغم مما ينشر فيها من بعض المقالات والنصوص الجيدة ، فإنها قصيرة اليد ودائرة انتشارها ضيقة الى حد مؤلم. ربما في الآونة الأخيرة انفرجت هذه الدائرة قليلا بفضل "الإنترنت". و برأيي كلما توسعت الحرية توسعت آفاق الصحافة أيضا.

ما رأيك بالشعراء الكرد في سورية؟ وهل تصل إليك نتاجاتهم الأدبية ؟

لقد سنح لي الاطلاع على بعض النصوص الشعرية للشعراء الكورد السوريين، وذالك عبر بعض صفحات الجرائد والمجلات العربية وعن طريق العلاقات الشخصية وصداقاتي مع بعض منهم خلال فترة إقامتي في السويد. أول ما لفت نظري في نتاجاتهم هو تمسكهم بالروح الكردية وارتباطهم التاريخي بالتراث الكردي ومحاولاتهم الحثيثة لاحياء الذاكرة الكردية عبر الصور الشعرية الجميلة، وعدم ابتعادهم عن جغرافيتهم القومية وعشقهم الدائم لأرض وطبيعة كردستان.

هل أنت راض عما توصلت إليه من مرتبة شعرية وإنسانية ؟

نعم.. ولا في ان واحد. إنها حيرة الشاعر وقلقه الدائم بحيث لا يركن الى القناعة في عالم الشعر . نعم لا نني كما أرى أضفت الى الحداثة الشعرية واللغة الشعرية الكردية بعض الأشياء وساهمت في اغنائها وتلوينها على الأقل ضمن تجربتي الشعرية.
لا . . لأ نني لم اخفف طموحي الشعري الذي احلم به .. حيث أكون سعيدا لبعض الوقت حين اكمل قصيدة جديدة ولا البث ان أعود الى دوامة القلق وكأنني لم اكتب شيئا على الإطلاق.
الإبداع لانهاية له ، والكتابة نفسها لا ترتوي أبدا و الشاعر لا تنتهي حداثته على الورق مهما حدث . انه العذاب " السيزيفي " ان جاز التعبير. لا وجود للسعادة الدائمة حين نكون في قلب القلق الدائم ، وبتعبير آخر لا ضفاف للطموح الأدبي حتى نصل لها ونقول: ها قد وصلنا !! لان الضفاف هنا تشبه السراب الدائم الذي نجري وراءه ومع كل خطوة جديدة نظن إننا سنمسك به! انه ظلنا الذي لن نستطيع إمساكه أبدا .

من المعروف ان الفنون على اختلافها مرتبطة نبض الشارع. كيف استطاع الشاعر شيركو بيكس التعبير عن هذا النبض ؟

سؤال مهم. فهذا الارتباط يعني الطرف الآخر و الأهم من المعادلة الشعرية، فنحن لا نكتب للفراغ ، و عملية الكتابة في جوهرها تعني الأخذ و العطاء. أنا اغني لنفسي و للآخرين أيضا و غنائي بحاجة الى مستمعين أيضا، فالأغنية بدون مستمع كالماء المالح او كالصياح في كهف مهجور، و الفنون بحاجة الى بصر و سمع و أحاسيس الآخرين و رؤاهم. ان هذا الارتباط بنبض الشارع يعني الارتباط بقلوب و بوجدان الناس، و كذلك هي عملية نقدية في نفس الوقت بحيث تساعد على تطوير تجربة الشعر و اغنائها من خلال ما يقدمه الآخرون من ملاحظات نقدية مستمرة. ان نبض الشارع كما افهمه أيضا هو حركة التاريخ من حولنا، حركة المجتمع و القراء و عشاق الفنون، أي حركية الحياة نفسها و التي لا يستطيع الشاعر او الفنان ان يهملها او يتركها لانه هو نفسه جزأ من هذه الحركة الدائمة، وهذا لا يعني ان يصبح الفن تحت الطلب وانما يكون الفن حيا في ارتباطاته و تواصله  مع عشاقه و قرائه، وآلا تكون الكتابة متعالية على هموم الآخرين او مبتعدة خارج المكان و الزمان و دائرة في الفراغ اللوحة الفنية مثلا تعرض لكي يراها الناس و القصيدة لكي يسمعها الآخرون او يقرءوها، وهذا لا يعني بالضرورة ان يقدم الفن نفسه بسذاجة او ان ينازل عن خصوصيته الإبداعية ولغته الخلاقة من خلال تجربتي الشعرية. كنت دائما قريبا من هذا النبض بوصفه حاسة أخرى حاسة الارتباط و عكس مشاعر الآخرين من خلال نبض الحياة اليومية و ما فيها من ألم و أمل إنها حاسة جديدة او لنقل إنها ( أنا ) حين أكون في سويداء الناس، إنها نحلتي التي لا تمل من الحركة الدؤوبة و المستمرة ما بين الحدائق و الورود و شهد العسل، او هي طائري الذي لا يكف عن التحليق في فضاء مليئة بالأسرار. و مما يبعث على دهشة الشاعر يجب ان يكون مسافرا يجوب التجارب الحياتية المختلفة لكي يقدم رؤياه المتنوعة و عليه لذلك ان يشرب من ينابيع مختلفة و متنوعة او ان يكون دائم الحضور في حركية الشارع العام. و التعبير عن هذا الحضور الفعال لنبض الناس يأتي أولا من خلال التعبير عن نبضي الذاتي و الذي يلتقي غالبا مع نبض الناس حيث ثمة مفاصل مشتركة من المعاناة و مصير المشتركين وهو نبض اللغة التي اكتب بها أيضا، هي نفسها الكلمات و المفردات التي عند الآخرين و لكن حين ادخل هذه الكلمات في نصوصي الشعرية اجعلها تطير بأجنحة أخرى وبحيث تغدو ذات دلالات اكثر خصبا و تنوعا، انه إطلاق الكلمة شعريا حيث ان إنسانية الشعر و خطابه الفني مرتبط بإنسانية الشعر و بذلك النبض الذي تحدثنا عنه ان الفنان الذي يستطيع ان يعبر عن هذا النبض بفنية عالية، هو الفنان الذي لا يعيش لذاته فقط و إنما يخرج من عزلته لكي يحتضن ألم الآخرين و لكي يمتزج نبضه بنبضهم .



---------------------------------------------------------------------
اتصل بنا لنشر نصك هنا: info@amude.com

 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © 2000-2002 amude.com [ info@amude.com ]