www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
10.05.2003 - 10:53
همسات منسية

زنار عزام ـ المانيا


المحطة الأولى....

كان ياما كان في زمن ليس ببعيد... رجل تجاوز الأربعين , أطفاله خمسة , وله من متاع الدنيا مسكن متواضع  وبضع مئات من دنانير عتيقة يتقاضاها شهرياً من عمله الوظيفي , لا يسد بها الرمق. سنوات عشرون في هودج البؤس مضت به , وسياط الحاجة تلسع جسده النحيل , وفي أفواه أطفاله ملاعق من خشب. وتوالت الأيام , تتقاذفه رياح الزمن , يتغلب عليها مرة... وتتغلب عليه مرات ومرات , ولم يخمد في عينيه يوماً شعاع الأمل أو ضياء الاستقامة أو تموت البسمة فيه يوماً في هجير الصيف , أو صقيع الشتاءات , وكانت أحلامه تنمو وتزهو في لوحة الأقدار , تنشد في أعماقه الحان المحبة والتسامح والوفاء. هو يحيا بالأمل , وأطفاله بلابل السماء... وحصان السعادة المجنح والأجساد الهزيلة ترنو نحو الأفق , وكومة الأطفال والزوجة الصبية , ذات الثلاثين ربيعاً ونداءات الرجاء.. والخالق الأوحد , والعجوز الشاب يموت في اليوم بعدد المئات التي يتقاضاها , دوامة البسمة والبهجة وأغنيات المجد والحب الكبير لا ينتهي... ودياجير الوضاعة والتملق والابتزاز ولعبة الجنس وأكوام الدنانير وعطر الصبايا والأنوثة والميوعة والذهب... ورياح الحضارة والإهمال وشبح الفاقة وزمزمة العفاريت , في محطة النسيان كان هناك حوار... وأطفال خمسة يلفهم وشاح الكبرياء.

المحطة الثانية...

الفرق بيننا يا صاحبي..
المؤهل العلمي.. وليس الثقافي...
تجربة الأيام.. وليس صعوبتها...
مرارة الحياة , وليس التعبير عنها.. نسيان الماضي..
ورحلاات العذاب...
وليس التأمل والصمت..
وهموم الأفواه الخمسة.. والمئات البضع..
وفراغ الأحشاء السقيمة...
وليس البطون المتخمة... والفواكه والحلويات... وقطر الندى..
الفرق بعيد...
وأسوار جدار الصين عالية , لكنها غير منسية...
الفرق جسد هزيل , ومواد صيدلانية , وأكياس مملوءة  بالحقن ,
وزجاجات مختلفة... والخبز والجفاف... ليس البارفان والحذاء المخملي ,
وأغنيات الميجانا....
وليس "الديسكو" ... والآهات والمواويل...
وليس "الفيديو" .... أو رشفات فناجين القهوة وقراءة البخت فيها...

المحطة الثالثة....

تمر الأيام وتتوالى... ورزنامة الانتظار تتساقط أوراقها.. الواحدة تلو الأخرى.. الفرق بعيد بيننا يا صاحبي. المتخمون عالمهم غير عالمنا.. غير دنيانا.
كل شيء من حولهم له ثمن. حتى الدقائق والثواني لها ثمن.
الفرق بعيد...
من يقرأ المشاعر.. والعواطف... والأحاسيس... ....؟
من يقرأ البؤس في مقل الأطيار...؟
من يقرأ البسمة المخنوقة في الحناجر...؟
من يقرأ المرارة...؟
من يلمس الظلام.... أو برد الزمهرير.. أو لفحة الهجير...؟
من يقرأ التاريخ.. والحب.. والسنابل....؟
كوميض البرق , ينسى.. يتثاءب حتى الثمالة..
يا صاحبي أنت .. وهل تعلم أنت من...؟
أخي .. حرفان في الأبجدية...
الأول منها الآه .. والآه معناها التوجع , والألم ..
والثاني منها نداء ..
الفرق بعيد ...
ليس الجوع خبزاً وملحاً , أو جرعة ماء..

المحطة الرابعة...

الوقت له ثمن .. حتى التطلع , والتكلم , حتى إيماءة .. أو نظرة .. حتى التثاؤب .. حتى الشهيق والزفير.. كل شيء له ثمن .. حتى الابتسامة .. والهواء يا صاحبي لهما ثمن... وأطفال خمسة ــ أيها التاريخ ــ جياع بلا ثمن.
الفرق بعيد .. وعبر تخوم جدار الصين تبتعد عن بعضها المشاعر , والعواطف , والفصاحة , والبلاغة , وكل محطات القرابة... وسراب الحب تلاشى في فراغ الأقاويل المملة , والحكايات العتيقة. وتمزق يا صاحبي ثوب الفضيلة , ووشاح المحبة والخجل.
الفرق بعيد بيننا يا صاحبي وقريب.... مرارة التاريخ , وميزان السماء , وتساؤل وشحوب ,   واكتئاب , ومسيل دمعة , وتجاعيد وجه مشوب بالكآبة... ومحطات الرجاء , ووشاح الليل , وأنين السراب , ونداءات كالقبس  وضياء الصباحات , وحسيس الصمت , وأحلام الصغار والأطيار , وحكايات الجوع والمرض... والسواعد الممتدة .. طرية. ندية. سخية. براعم في مقلة الخلود... هؤلاء هم الصبية الصغار..... أطيار خمسة. أحبوا الله والحب فقط.. إنني أكتب من رحم الحاجة .. وأصرخ. وأكتب للأحبة... للمتخمين... وللجياع .. أكتب بلا ثمن. للبحر. لهدير الموج. للملاح. للمهاجر. لهؤلاء الصغار . أكتب بلا ثمن . يا صاحبي. عذراً لا فرق عندي بين جدار الصين , أو جدار الصمت فيك غير شعرة. أو حرفان بالأبجدية. تتساءل الأجيال يا صاحبي .. والكل يسأل. قطعة من ذهب. وقطعة من جسد. أيهما أغلى.. وأيهما له ثمن .. الفرق بعيد بيننا ... والمتخمون عالمهم غير عالمنا .. وغير دنيانا ..


المحطة الأخيرة....

الفراشات تشدو ألحان البراءة.
يموت اليأس , والحوت , والعفريت , والشبح .
يتلاشى هدير الموج .. ويفوح من خلف السراب ,
عطر أزاهير المحبة والأمل ..
وتزهو الكبرياء في خشوع .
وحكايا الصغار .. ومواويل الصبايا ..
تمزق البؤس والجوع , ووشاح الكآبة.
وأنين الزمن المصلوب توقف.
واصفرار الخبز والجسد .. وآهات الضياع والمرض.
فقاعات تلاشت . كالهشيم. تاهت في دياجير المجهول.
ولٌّت هاربة. رحل الماضي .. وفي صحراوات الندم.
صهيل جياد الحاجة ..مزق اليأس صداه.
ومسيل دمعة فوق وجنات الزمن.
رحل الماضي. وجفت من مآقي العشيرة , هطولات المطر ..
وتحطمت أساطير التملق , وأغنيات الرياء .
والجنس والدنانير ... والجسد المباح.
وغابت سحابات المرارة , والصمت والظلام , وجندل الاعصار
أسوار الفشل . وشيخ الأربعين عاماً , قيثارة العطاء .. والأمل ..
واجتياح المستحيل. وفي أعماق القبيلة صورة الماضي ومحطات الندم.
يا صاحبي .. الدنانير وحدها لا تكفي. ولا يبني بها الإنسان مجداً...
أو يصنع ربيعاً... أو يصعد للسماء .
صورة الماضي... والمتخمين , يا صاحبي. وأفراد القبيلة... وهشيم .
ومحطات للضياع... عالمهم .. غير عالمنا
حرفان في الأبجدية ... ألحانها تغريدة الأزمان
في ثغر الخلود....
يا صاحبي .
ريشة الصمت تتساءل. لا يعود تاريخ الحضارة فيها للوراء...
أو يتراجع فيها الزمن.
حائرأ يبقى التساؤل. قيمة الأرواح لا تقدر بثمن...
وأنا. ثالث أفراد القبيلة. مزق الدينار فيهم ثوب الفضيلة... وفي
محطات الأسى , لفهم عشق الفراغ.
وطوى أحلامهم ضباب الزمن.
وفوق حصان طروادة .. اقبلت الأطيار .. والأزاهير الخمسة ...
وشيخ الأربعين عاماً. والزوجة الصبية , والربيع من حولهم.
لعلها الأيام تحكي قصة البحر والجدة ...
والحوت الذي مضغ أحلام القبيلة ...
ونداء كالقبس يعلو .. ويعلو ..
" ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان "

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]