www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
23.06.2003 - 14:53

عامودا التي في خاطري

بيوار إبراهيم


(إلى سيروان حجي بركو و دموع والديه في الغربة لأجل عامودا و حسين أحمد مرة أخرى)


بيوار إبراهيم
إنها عامودا , مملكة الشقاء الأزلي و الحرائق المشتعلة أبداً  , المدينة التي لا تنتمي إلى سلالة الصمت و الهدوء , عامودا التي أرهقتني و ترهقني بحرائقها و تبعث لي أبناء القصائد و المواويل عبر الرياح و العواصف , تتهمني بلامبالاتي نحوها دون أن تدرك الغرق الأسود الذي أغوص فيه بين أمواج دخانها اللازوردي الممتع .
في هذه المرة بدأت المفارقات الغريبة في الغياب تظهر لي معلومات رتبت اختلاط الأوراق لم أكن أعرف إن حسين أحمد هو نفسه الذي يكتب المقالات المتعددة و يحاور الأدباء و الفنانين .. ؛ كان هو مرة أخرى والصحفي لوند رمي من ( تربه سبية ) و داريٌ صامت يحتفل وحيداً بصمته و هو الكاتب المسرحي داريوس داري  , فرشوا فوق بساط غرفتي دواوين تحمل رايات مشتعلة من حرائق عامودا , كل ديوان يعزف وتراً يطرب الأحزان و الأوجاع بين الثنايا :
_ دبلوم في الكرز / عماد الحسن , حديقة واسعة للتعب / إسماعيل كوسه , حارس الهواء / عبد المقصد الحسيني , أنتظر الهواء لأمرَ بكِ / محمد رشو , حنين في الذاكرة / عبد المجيد إبراهيم , و مسرحية جهاز لكشف الكذب / داريوس داري , و مجلة الرأي الحر و  عدة مقالات أخرى باللغة العربية ...
عبر ترقبي للكثير من الإصدارات التي تخرج من عامودا آلمني كثيراً قلة استعمال اللغة الكوردية و خاصة بين الشباب و هنا ترغمني ذاكرتي المنهكة على التساؤل في كل وقت , لماذا تتجمهر الكثير من قناديل و مواويل عامودا حول اللغة العربية , مهمشة أو بالأحرى تاركة اللغة الكوردية بين تأنيات الوأد و صرخات السبايا ؟ ترى ألم يقرؤوا إنذار الأمير جلادت بدرخان عندما قال : ( اللغة هي الشرط الأول لوجودنا... ) ؟؟؟.
اللقاء الأول بيني و بين عامودا كان في الساعة الثالثة صباحاً, أثناء عودتي من حلب حيث مررنا بها و توقفنا لهنيهة حتى نزل أهاليها. ليس من طبعي أن أنزل كثيراً من السيارة أثناء السفر , لكن في عامودا شيء ما دفعني للخروج من البولمان , ما زلت أتذكر جلوسي بخوف على حافة الرصيف و كأنني أشك إن بركان ما سينفجر من بين شروخ  الجدران و تمدد الأرصفة  , مشيت لبرهة وحيدة أتأمل البيوت و الشوارع النائمة و كأن راياتها المشتعلة تعلن الاستسلام للخمود و الانطفاء , صعدنا إلى السيارة و أثناء المسير رأيت الظلام يتماوج بين براري ماردين و خلف آغا , و تتزين بأسلاك الحدود المضيئة بالمصابيح الباهرة ... عيناي احترقت من السهاد في تلك الليلة , شعرت إنني أمشي دروب العواصف و الأعاصير , أقطع المسافات فوق شفاه الخناجر و عبر لقاءي هذا وجهاً لوجه مع عامودا بدأت ذكرياتي تتأبط بأيادي الماضي حتى مزق القدر شرايين الدروب و المسافات و لملمت الغربة المتناثرة هنا و هناك .
و من هنا بدأت أترقب عامودا من بعيد و بدأت هي تترقبني و تنبهني بالعمل دون كلل أو ملل , كلما احترقت أناملي ترسل لي مع الرياح جدائل النار كي تبقى أناملي مشتعلة و هكذا حتى باتت المشاعل تربض على روابي الحقائق و كسرت سلاسل الوقت كي لا ننحي و نتقدم نحو مخيمات الجرح و قلاع الفواجع و مؤخراً أرسلت لي رسائل عدة مع أبناءها :
صباح قاسم و رسالة الحقيقة و الوفاء و اشكره على كلماته الرقيقة بالحب و التكاتف  نستطيع أن نتجاهل صرخات الألم و شروخ الجدران , داريوس داري و رسالة إلى الأهل و أنا أزيد على رسالته سلام إلى كل ذرة رماد و شاهد قبر و دمعة ثكلى و صرخة محروق في عامودا , إسماعيل كوسه الذي يظن إن أدراجي عبارة عن مقاصل للضياع و ليكن واثقاً أنها قصائده لن تضيع في أدراجي لأنه و بصراحة لا أدراج لدي , بل هناك مكتبة و مكتبتي لا تضيع تعب الآخرين قدر استطاعتها بل تعرضها على كل ناظر و طبعاً حسين أحمد ؛ هؤلاء الأدباء الذين لم أكن أعرفهم إلا عبر قراءتي لهم بين أوراق الصحف و المجلات و بالتأكيد عبر موقع عامودا – كوم الذي ساهم بشكل واسع في ترابط العلاقات بين المثقفين الكورد في الوطن و المهجر .
أهنيء نفسي على عامودا التي أردتها و عشقتها كما قابلتها أول مرة , أهنيء روحي لأنها ابتعدت عن الوعثاء الصحراوية و السد يم التائه , كم أرغب نبش ( شرمولا ) بأظافري المقصوصة , كم أرغب بالغوص بين أعماق تلالها الأثرية القديمة و أعود إلى الماضي بآلاف السنين , أسهر مع الميديين و الميتانيين و السوباريين و الحوريين و أما أوركيش التي ألهبت قلوب الباحثين و المنقبين فإنها زمردة راقدة بين التراب .
هذه هي عامودا التي تجلس فوق عرش البوابة الجبلية الشمالية في سهل ماردين الواسع تجاور مدينة ( دارا ) التاريخية  , وضعت خطواتها على الألغام و دمها على الأغصان منذ فجر التاريخ و واجهت غزوات الفارسيين و الآشوريين و المغول و التتار .. حتى وصلت إلى احتلال الفرنسيين و بدأت تجدد رفع رايات حرائقها عالياً حتى انتصبت فوق سينما عامودا و كان الحريق الأكثر شهرة لأن أبطالها لم يكونوا جنوداً في الجيوش أو رجالاً في الثورات و الانتفاضات , بل كانوا أبطالاً من حرير , أطفال احترقوا كما زهور النرجس و النسرين و الأقحوان و ورود القرنفل و الجوري .. عندما يتم ذبحهم و يدخلونها في سلال البائعين .
هذه هي عامودا التي في خاطري , تستفز الطين كي يبوح للمطر عن سر الأريج الذي يفوح من التراب عندما تشرب قطراته , تطلب من ليالي الغربة أن تنادي الروح في أحضان الكون كي يلملم أبناءها الذين باتوا غربا و متشتتين في أراضي الآخرين , عامودا التي تبحر و تبحر بين ثنايا أرواح هؤلاء الأبناء حتى تحولهم إلى فصول حزينة تحطم القلوب و تجعل البكاء يحتوي بكاء و الدموع تلد دموع , عامودا التي احتضنت في إحدى حقبتها  رموزاً كوردية خالدة أمثال : د.نور الدين زازا و أكرم و قدري جميل باشا و د. أحمد نافذ بك زازا و قدري جان و جكرخوين .
بظلال التاريخ القديم و المعاصر لم و لن تهترىء أوراق عامودا لأنها خبأت الدم الأسود في رحم الزمان حتى تحول ذلك الدم إلى أغنيات خالدة .
إنها عامودا التي أنجبت قامتين شامختين و لهما الدور الفعال في يومنا هذا لخدمة الأدب و اللغة الكورديتين و هما : الروائي بافي نازي الذي يغسل الآلام بالثلج و الجليد و الضباب و الباحث اللغوي دحام عبد الفتاح الذي يخرج الانكسارات من بين الحطام و يرمم المفردات حتى تضج بالحب رغم الحياء .
و بالتأكيد تبقى نكهة الصرخة و التأوه و المناجاة للمكان الأول من صرير قلم سليم بركات لذة و نشوة ترغم الغرباء على التلذذ , سليم بركات الذي يتأوه صارخاً بلغته الكوردية عبر الأقمار : ( عامودا ! أوه ... لم أزرها منذ ثلاثين عاماً .. ) .
أحببت عامودا برمادها و حرائقها بملامح مديدة العمر بعيدة عن السلخ و الانسلاخ , لأنها تشعل حرائق الحقائق و تطفىء نيران الزيف و الخداع و لأنني أحبها,  سأفرش روحي المتمدد على مدى الكون فوق بيادرها كي أتحدث بلغتي عبر هذه الروح فيستنشقها هواء الأرض لحظة بلحظة , لغتي التي أنشدت ملاحم الخبز و التبغ و الرصاص و القصيدة و لعثمت الزوايا في الظلام , سأنشد مع الأمير جلادت بدرخان تراتيل البقاء بين دنيا الوجود و آخرة الخلود , سأرتل معه ترتيله الأبدي : ( يا ولدي ! عيب و عار و خجل ... أما أن تتعلموا قراءة لغتكم و الكتابة بها أو لا تقولوا نحن كورد ... ؟! ) .

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]