09.10.2003 - 21:25
قراءة لكتاب:
"الخانات
الكردية في
خراسان في عهد
السلالة
القاجارية"
للباحثة
الروسية أولغا
زيغا لينا
د. رضوان
علي
بالنسبة
للمضطلعين
على الدراسات الأوروبية
عن الأكراد
يعتبر اسم أولغا
زيغا لينا
معروفا بدرجة
كافية ولا
يخلق ذكر
اسمها الروسي إلى
جانب
المقالات
والدراسات
العلمية حول
جوانب مختلفة
من تاريخ
وحياة الأكراد
وبالأخص أكراد
إيران ومنذ أكثر
من عقدين من
الزمن إلا
وقعا ايجابيا...
لكن حتى المهتمون
بالشأن
الكردي
والمعتادون
على قراءة
نتاجاتها
سيجدون دون شك
متعة إضافية
في استكشافهم
لاسم هذه
العالمة
مقترنا بالعمل
العلمي الجديد
لجزأ من الأكراد
يجهل وجودهم
حتى الكثير من
المتابعين
النشطين للدراسات
الكردية. وهو
موضوع أكراد
خراسان. والغرابة
المستدعية
للدهشة هنا
ليست فقط من
متعة التجول
في الأطلال والآثار
التي خلفها
نبلاء
المجتمع
الكردي الخراساني
او في المعلومات
النادرة عن
هذه الأنحاء
الخلابة
"المهجورة من
الذاكرة الكردية"
والتي سادت
فيه العنصر
الكردي ردحا
طويلا من
الزمن، بل من نوعية
معالجة ومعاينة
هذه الحسناء الروسية
الذكية للعديد
من المظاهر
والظواهر
الكبيرة
والصغيرة بل
وخفايا حياة الخانات
وأسرهم و
المجتمع
الكردي برمته
وذلك كله بمهارة
وعناية فائقة.
إن أهمية هذه
الدراسة تصبح
أكثر حيوية
إذا عرفنا إن
الكثير من التفاصيل
لهذه الصفحات الغابرة
كانت غائبة
تماما او
مجهولة
للتاريخ
الكردي
الحديث.
هكذا إذا كان
انطباعي الأول
حينما انتهيت
من قراءة كتاب
أولغا زيغا
لينا.
"الخانات الكردية
في خراسان في آخر
عهد السلالة
القاجارية"
و الذي كان
حسب معرفتي،
اخر كتاب
للمستشرقة، وقد
صدر عن دار
النشر
"فوستوجنايا
ليتراتورا" ( الأدب
الشرقي) في
العام الماضي
2002 في موسكو
واشرف على تحريره
البروفيسور
المعروف م.
لازاريف.
والدراسة
التي تضم 250
صفحة من الحجم
المتوسط تتعرض
في إطار تسلسل
تاريخي مقتضب الأحداث
الرئيسية في إقليم
خراسان الإيراني
نهاية القرن
التاسع عشر
وبداية
العشرين لتتناول
بإسهاب مختلف
الجوانب
الاقتصادية والسياسية
والعسكرية
والاجتماعية
والثقافية
"للمجتمع
الكردي الخراساني"
في تلك الآونة
والذي كان
يسمي حسب
الاصطلاح
المتداول آنئذ
ب "كردستان
الخراسانية".
لان قوام
النسيج الإداري
الذي ساد
المنطقة تألف
من أربعة
"خانات" كردية
كل منها تتمركز
حول مدينة وهي
حسب أهميتها
(كوجان) و
(بوزنورد) و (كيلات)
و (دره كيز). بالإضافة
إلى إن الأكراد
وفي هذه
الفترة نفسها
كانوا يشكلون
غالبية السكان
في "دائرتي"
رودكان و
جيناران في
مقاطعة مشهد.
إن المتعة
في الأمر هو إن
الخانات أو الإمارات
الكردية كانت
على درجة جيدة
من القوة
العسكرية
والمادية
وكانت كل منها
تملك جيشها
الرسمي،
المسلح
بدرجات
متفاوتة، وإدارتها
الذاتية
الشبه مستقلة
عن المركز
لتجبي
الضرائب وتبث
في الأمور
القضائية
وتسهم بدرجة
نشطة في
استقرار الأمن
وتملك أهمية
استثنائية في
الحفاظ على
الحدود
الشمالية من الإمبراطورية
الفارسية
آنئذ لقاء
التمتع
بسلطتها
المطلقة في إدارتها
ولقاء منح الألقاب
والأوسمة
الرسمية التي
كان شاهات إيران
لا يبخلون بها
عليهم. وكانت
بعضها
(بوزنورد
وكوجان) تملك
في فترات
مختلفة علاقات
خارجية جيدة
مع روسيا وإنكلترا.
وقد سافر بعض
الخانات
الطموحين عدة
مرات إلى
تركستان
وروسيا وأوروبا...
بل
حضر احدهم ( يار
مامد خان)
زعيم بوزنورد
حفل تنصيب
القيصر
نيكولاي الثاني
في سان
بترسبورغ عام
1894... وكان في آخر
سنوات عهده 1902
حينما بلغ
السبعين من
عمره( حكم
ثلاثين عاما)
تخلس من
مهامه بحجة
الذهاب إلى
مكة المكرمة
لاداء فريضة
الحج فذهب الى
اوربا
للاضطلاع على الحضارة
الأوروبية
والاستفادة
من تجاربها في
تنظيم الحياة
هناك...وكان هو
نفسه قد طلب
ضم إمارته إلى
الإمبراطورية
الروسية أسوة بإمارة
بخارى وكوكان وأخرى..
التي سادت في
نفس الوقت في
آسيا الوسطى
وضم قادتها على
التوالي إداراتهم
إلى الإمبراطورية
الروسية.
إن
المؤلفة
تتحدث بطريقة
شيقة وعذبة عن
أمور أخرى من
حياة هذه
الخانات وشعبها
و في الجوانب
الاقتصادية
والاجتماعية
والسياسية
والثقافية...
بل تورد أمثلة
عديدة عن الأحوال
التجارية
(التي كما
يبدو من سردها
قد احتكرها
عدة عوائل
ارمنية كانت
تأتي إلى
المنطقة بشكل
منتظم بغية
شراء الجلود
والقطن
والمنتجات
الزراعية الأخرى وبالأخص
الفواكه الجافة...وكذلك
تتناول بمتعة
استثنائية أولى
خطوات
التصنيع في
"كردستان
الخراسانية"
فهنا تذكر أمثلة
حية عن تشغيل
عدة معامل لحلج
ونسج القطن
وآخر لصنع
الزيت من بذرة
القطن... وعن
المحاولات الأولى
للتنظيم
الجمركي
والبريد وشق
وتحسين طرق
القوافل وبالأخص
تلك التي تؤدي
إلى
المقاطعات
الروسية
القريبة، حيث
كانت مراكز
مجموع هذه
الخانات
والبلدات
فيها مكتظة بالسلع
الروسية والإنكليزية.
والدراسة
غنية بالأمثلة
الكثيرة حول
كيفية المزاحمة
والمضاربة
بين السلع الأجنبية
في أسواق
كوجان
وبوزنورد
وشيرفان ...وعن
السبل التي كانت
تتبعها القنصليات
الأجنبية في
المنطقة
والمخبرين
المحليين
بغية مضايقة
توزيع سلع هذه
الدولة او
تلك.
ان الكتاب
يعتبر بحق
جولة حية في
الحياة اليومية
الاجتماعية
والسياسية
والثقافية... للمدن
والبلدات
الكردية في
خراسان، ولا
تغيب عن ذهن
المؤلفة
مجالا ما دون
التطرق إليه بأسلوب
شيق وبطرافة
الحكاية.
ولهذه
وغيرها من
الاعتبارات الأخرى
التي تزيد من
قيمة هذه الدراسة
يمكننا
اعتبارها أهم
دراسة عن
تاريخ الإمارات
الكردية الأربعة
في هذه الحقبة
على الإطلاق
ولولا
معرفتنا
بوجود دراسة
مماثلة
باللغة الفارسية
للسيد ج. توحدي
من مجلدين " مختصر
تاريخ الأكراد
في خراسان" صدر
عام 1985 في مشهد
لكان بالا
مكان الجزم بأنها
الدراسة
الوحيدة
والغير
مسبوقة
ولكن ورغم كل
هذه
الامتيازات
والحسنات التي
لا نقاش حول أهميتها
وحيويتها
للتاريخ
الكردي إلا أن
التقييم العلمي
المتروي
يستدعي قبل كل
شيء تصنيفا لكل
جوانب الكتاب
والعبور على
"الايجابيات"
كما على
"السلبيات"
حتى يتمكن
القارئ الغير
مختص(لان
الحديث يجري
قبل كل شيء عن
بحث علمي)
للتخلص من انطباعات
الوهلة الأولى
وفهمها في
سياقها الآني.
أضف إلى أن
النقد البناء
يتطلب
موضوعيا نسق
الكتاب
ومراجعته
بعيدا عن الأهواء
الذاتية وعن
تأثيرات
المعرفة الشخصية
بالكاتبة.
إذا بعيد عن
هذه
الاعتبارات و
بغض النظر عن
المشاعر
الذاتية
المتولدة عن ملامسة
حسناء
اوروبية
لمادة من صميم
حبنا يجب
المرور على
"نواقص" هذا
العمل الممتع.
فبدءا
من العنوان
واختيار كلمة
"الخانات" كمرادف
لكلمة"الإمارات" التي فضلتها
المؤلفة لتفي
على ما يبدو
بالمعنى الإداري
والقانوني
المراد منه بالأصل
الفارسي
للمصطلح
تحاول
المؤلفة
جاهدة الحفاظ
على المؤدى الشكلي
للظواهر
التاريخية
التي تتعرض
لها. لكن ومن
الصفحات الأولى
مباشرة نجد إنها
تتعثر أحيانا
في التضاريس
الوعرة للأحداث
وأحيانا أخرى تتناثر
جهودها في
الثنايا
العتمة للموضوع
الذي ما زال
غير معروفا علميا،
كما ذكرنا... الى
حين تداركنا
بعض ملامح
البيئة
الشرقية
دميمة بعسر
المعنى ومثقلة
بؤد "
الترجمة". لنقف
حائرين أمام
عدم تطابق أنموذجية
المظاهر
الكردية (
الحياة الاجتماعية
العادات
والتقاليد..الخ)
مع مضمون وفحوى
السرد
التاريخي. ومن هنا أيضا
تظهر خطورة
ريب "التكهن"
الناجمة عن
عدم ملائمة
"الانطباع
المولود بشكل
استثنائي" في
نسيج الوثائق
الغابرة مع أصالة
الملامح في
الصورة
الحقيقية. ومن
هنا نجد أيضا بوضوح
معاناة
الباحثة في
تحديد مناحي
توجهها
العلمي و في
تفسير وتعليل
ما لم تنته
منه
التفسيرات
والتأويلات لا
سيما وان
العديد مما
تستخدمه
كوثائق لم تمسه
أيدي
الباحثين من
قبلها. فإعادة
بناء ورسم التكوينات
التاريخية
تتطلب ترميم
الصورة
المفقودة بناء
على معرفة
جذرية وواسعة
بالقاعدة
الموضوعية لتاريخ
المنطقة
والشعب
وخصوصياتهما
وشيئا منالمعرفة
العملية
للاستقرار
على نتيجة
الواقعية.
قد تكون
هذه الشائكة
نموذجية
للعديد من
غيرها من
المستشرقين أيضا
الذين لا يستشفون
رائحة ولون التاريخ
الا من يبس الورق
الأصفر للوثائق
والتي تتردى أهمية
محتواها
وفحواها
نتيجة عدم
مراجعتها
وتصنيفها
أكثر من مظهرها
المغبر في الأروقة
العتمة من
الارشيفات
المهملة. إذا
في هذا المنحى
لا تكون
"نواقص"
الكتاب الذي
نحن بصدده أكثر
خطورة من
العديد من
الكتب التي
صدرت وتصدر عن
الأكراد في
مختلف دوائر
الاستشراق. حيث
يبدو مؤلفيها
غير آبهين
بالنتيجة واستقراء
الواقع أكثر
من سرد
الحقائق وأنصاف
الحقائق
والشائعات
على منوال
واحد ومثال
تاريخ"التواجد
الكردي في
خراسان"
كموضوع قائم
بذاته أكثر الأمثلة
وضوحا على ما
نرمي من
التحقيق فيه
في هذا الجانب.
لقد تناولت
المؤلفة هذا
الموضوع
الحساس جدا بشيء
من العجالة
والسرعة بحيث
لم ترتكن إلى
نتيجة في
تحديد أحقية
وشرعية الأكراد
في إنشاء كيان
علي الأرض
التي سكنوها
على مدى أكثر
من عشرة قرون،
وبقي موضوعها الأساسي
"تاريخ
الخانات
الكردية في خراسان"
وكأنه موضوع
بغير جذور تاريخية
وليس إلا
محاولة ميؤسة لإيجاد
مجد قومي عابر،
أو كحكاية
سلسة عن قبائل
ذهبت تبحث عن الكلأ
والمراعي فعرجت
إلى الزراعة
فالمدنية فالعسكرتارية
.. الخ .وتوارت
عن الانظار بنفس
السرعة التي نشأت
فيه. هذا
وإذا لم يكن
هذا المؤدى هو
عين الهدف
المتوخى منه
لكن للأسف، اقل
ما يمكن قوله
هو إنها تركت
باب الشكوك
مفتوحة على
مصراعيه
للقراء. فمرة
اعتبرت
المؤلفة أكراد
خراسان "مهاجرين"
قدموا إلى هذه
المنطقة"البعيدة
عن موطنهم الأصلي"
وأخرى تذكر بان
"الأكراد
استوطنوا
المنطقة لأنهم
وجدوها خالية
وغير مسكونة".
وبعد هذا وذاك
تذكر "وجود الأكراد
في خراسان"
كحقيقة اتفقت
عليها عدة
مصادر بما
فيها العربية والإسلامية
منذ القرن
العاشر... ! فإذا كانت
منطقة خراسان المجاورة
في الحقيقة لموطن
الأكراد
التاريخي و
تتساوى زمنيا
تاريخ
انتشارهم فيها
مع الشعوب الأخرى
فما الذي يسمح
بعد ذلك بإطلاق
صفة "المهاجرين"
على الأكراد
و"السكان الشرعيين"
على
الآخرين؟؟
ثم بين
الفترة التي ذكر
فيها
الجغرافيين
العرب والإسلاميين
في القرن
العاشر (
الاصطخري
وابن هيكل
وغيرهما )عن تجول
القبائل
الكردية بحثا
عن المراعي في
"كويستان" (أي
خراسان) والأقاليم
شرق بحر
الخزر.. مرورا بأكثر
الكتب شهرة
وانتشارا عن التاريخ
الكردي "شرف
نامه" للأمير
شرف خان
البدليسي... إلى
التقارير
السرية
العسكرية أو
السياسية
لممثلي الدول
المتنافسة
على المنطقة منذ
أواخر القرن
التاسع عشر
حتى
العشرينات من
القرن الماضي
والى
التكوينات الإدارية
الحديثة والأحداث
السياسية المعاصرة
لا توجد حقبة
واحدة تقوض فيها
الوجود
الكردي في
خراسان. وعليه
إذا كان الأكراد
في إيران
عموما
يعتبرون
عنصرا ثابتا
منذ فجر
التاريخ ووجودهم
في شمال وشمال
غربي إيران
مثبت وثائقيا
منذ أكثر من ألفي
عام
وامتدادهم
الطبيعي أو ألقسري
( كنتيجة
لسياسة متبعة
بحقهم في
مراحل مختلفة من
التاريخ) إلى
المناطق
الشمالية
الشرقية المجاورة
تم عبر
التاريخ وعلى
مدى قرون حتى
شكلوا في بعض مناطقه
الأغلبية
الساحقة وشكلوا
كياناتهم
الذاتية...
فبأي حق بعد
كل هذا يمكن اعتبارهم
" مستوطنين"
ومهاجرين إلى
المنطقة.
إن التكوينات
الإدارية الكردية
الأربعة والتي
"تشبه لحد
بعيد في
تكوينها الإمارات
العربية الحالية
في الخليج "
حسب تعبير
المؤلفة
نفسها، كانت
في الحقيقة "إمارات
" كردية شبه
مستقلة عن
المركز طهران...
وقد نشأت على
خلفية تاريخ
طويل ملئ بالأحداث
الجمة التي
غيرت الكثير
من معالم
الجغرافيا والاتنوغرافيا
...وكلها كانت
خلال الفترة الأخيرة
من حكم
السلالة
القاجارية في إيران
أي السلالة
التي سبقت في
الحكم
السلالة
البهلوية الأخيرة.. ولكن من
المفيد ذكر إن
هذه الفترة الطويلة
من تاريخ
الوجود
الكردي في
خراسان استمر
العنصر
الكردي فيها
بالحفاظ ليس
فقط على وجوده
وعلى تراثه
ولغته وهويته
القومية بل
وتمرس في
الانفتاح على
اللغات
والحضارات
المجاورة دون أن
يفقد عنصرا
واحدا من
عناصر وجوده "كقوم"
و"ملة".د. رضوان
علي
|
|
|