www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
30.11.2003 - 03:09

الأردن .... محرقة الأدب والثقافة

نالين سليمان

لم نعد نعرف إن كان من الأولى بنا أن نسعد بحظنا أم نندبه لأننا ننتمي لهذا العصر، عصر التناقضات الكبيرة والخيبات الكبيرة، عصر ترتبط فيه كل مدارات الحياة بالسياسة ومصالح الحكومات ذات الأوامر المقدسة التي تنافس قدسية أوامر الإله في وجوب نفاذها....

ففي العالم الثالث الموصوف بالعالم النامي ( والذي لا تنمو فيه إلا أساليب القهر ) تسيطر الحكومات والسلطات على محاور الحياة البائسة التي نحياها فتوغل في فرض هذه السيطرة، وكثيرة هي مسارات الحياة التي تعرقلها السلطات باسم المحافظة على الأمن، ولكن إلى أي مدى يمكن لحمّى اعتباراتهم الأمنية أن تتلاعب بمسيرة الشعوب وحضاراتها وثقافاتها، شعارات كثيرة ترفعها الحكومات تهلل فيها للحرية والفكر والتقدم والتطور، في حين تتطاول أيدي سلطاتها القمعية بمختلف وجوهها لقتل صور الحياة ومصادرة أشكال التطور والتقدم....

في العالم العربي الذي تعاني فيه الديمقراطية من الاحتضار الطويل والذي يعاني فيه الإعلام والفكر والرأي من الجمود والشلل، ببركة من مقص الرقيب حيناً وسوط الجلاد أحياناً أخرى، وكل يوم يتعاظم خوف السلطات من كابوس الديمقراطية وحرية التعبير، وهذه المرة وصل إلى حدٍ غير مبررٍ في الأردن، البلد الذي يحكمه الملك عبد الله خلف الملك الحسين وابنه من امرأة بريطانية توّجت ملكة في بلد عربي وأنجبت ملك الأردن الحالي، الملك الذي درس في بلاد الغرب وحمل دماءهم ورضع من ثقافتهم ولكنه لم يرث النظرة الغربية للحرية ولم تنتقل إليه عدوى النظرة الغربية، سلطاته الأمنية تصادر الكتب وتحرقها لأنها ترى في الكتب والأدب والثقافة والفكر تهديداً لأمن الدولة، وكأن العرب قد أعجبتهم الأمثولة التتارية في حرق مكتبة بغداد في الماضي، فباتوا يحرقون الكتب ولكن على الطريقة العربية الأردنية هذه المرة، ومن ضمن الكتب التي أصابتها نيران المحرقة الأردنية رواية للكاتب الكردي الكبير سليم عنوانها ( دلشاد ، فراسخ الخلود المهجورة ) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر_ بيروت_2003.م ، ولا أدري ما الذي أدّى بها إلى الحرق، فقد عرفنا الكثير عن  سليم بركات هذا الكاتب والروائي والشاعر صاحب اللغة العربية الأدبية المتقنة والتي ينحني لها كتّاب العرب وأدباؤهم وشعراؤهم إجلالاً، ولكننا لم نعرف عنه مطلقاً بأنه مصدر تهديد للأمن الأردني.

لم أقرأ رواية سليم بركات المحروقة ولكني قرأت العديد من المقالات النقدية التي تتناول الرواية وأحداثها وشخوصها ولغتها الأدبية وتجمع جميعها على تميزها وإبداع كاتبها، وجميعنا يعرف أن الهمّ الكردي ولِنَقُل الهاجس الكردي محرك كبير لقلم  سليم بركات، وهو الطاغي على كتاباته، فما الذي جعل أمن الأردن أو سلطاته أو حدوده يستشعر الخطر من رواية سليم بركات ( ولو كانت إحدى الدول المحتلة لكردستان قد فعلت ذلك ربما كانت ستجد لنفسها الذرائع ) ، أما هذه الدوغماتية التي ميزت الموقف الأردني فليس لها تفسير، ولا أدري ما الذي جعل السلطات هناك تنحو بهذا الاتجاه الأليم فتصادر الأدب، وكيف يتناسى الحكام وسلطاتهم أنه لم يعد بالإمكان منع الأدب والثقافة والفكر والحقائق والآراء والمقالات والصحف من الدخول إلى الوصول إلى الشعوب في عصر وصلت فيه تكنولوجيا الاتصال إلى أوج قوتها وذروة انتشارها، فيكفي أن يجلس المرء على جهاز كومبيوتر مربوط بشبكة الإنترنت حتى يطلع بكل سهولة على الصحف والمحظورة أو يقرأ الكتابات الممنوعة من المواقع الإلكترونية العديدة الأنواع والاهتمامات والتوجهات والتي لا يطالها الحظر ما دام استخدام الشبكة مباحاً، وإن كان ورق الرواية قد أحرق في الأردن فإن مضمونها سيصل إلى الناس هناك، والأهم من كل هذا إن السلطات تنسى المبدأ الأزلي ( كل ممنوع مرغوب ) ولعل السلطات الأردنية بحرقهم للرواية قاموا بالترويج لها انطلاقاً من المبدأ السابق.

أنا لا أدافع عن سليم بركات ، فأنا أصغر بكثير من أن أكون في مكانة تخولني لذلك، كما أن سليم بركات أكبر بكثير من الحاجة إلى دفاع أمثالي وليس أصلاً في موضع قد يحتاج فيه أصلاً إلى دفاع، ولكني أنعي الحرية والتحضر والرقي في الأردن ما دامت الحكومة تمنع عن شعبها الأدب .....( مسكين أيها الشعب الأردني )...
وإن أُحرِقَت رواية سليم بركات فهذا لا ينقص من قدر هذا الرجل المبدع الذي يعجز أدباء العرب عن منافسة لغته ( البركاتية ) المميزة والتي يطوع فيها اللفظ فيجعله نغماً ويصنع من الكلمة بحيرة خيال، كما أن ترجمة أعماله إلى لغات أخرى دليل على تميّز ما يكتبه، وحرق روايته اليوم يمثل اعترافاًً بمدى أهمية ما يكتب، وربما يرى هؤلاء المحرقين في كتابات سليم بركات أبعاداً لا نستطيع أن نراها لأننا لا نخاف فقدان الأمن من ورائها بل نكتسب منها كل الفخر والأمن، وأود أن أنقل إلى كاتبنا الكبير تحية محبة صادقة مني ومن الكثيرين مثلي ( كرداً وعرباً ) الذين تسحرهم أعماله ويقيمون علاقة عشقٍ مع لغته ويكتشفون معها أبعاداً جديدة وظلالاً أخرى للكلمة، وحده سليم بركات قادر على الإبداع في نسجها ... وأتمنى أن يتقبل منا التحية ....
ولتكن نار محرقة الأردن برداً وسلاماً على حروفه.....

29/11/2003 م

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]