www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
11.06.2003 - 12:12

إشكالية السردي والثقافي
قراءة في ((قصص من بلاد النرجس))


د . محمد صابر عبيد

مدخل

انفتح السرد الحديث على مداخل متعددة ومتنوعة ، متجاوزا بذلك صلابة التمسّك بالعناصر التقليدية والانتماء الحاسم إليها ، مادّا يده إلى الفنون الجميلة يستلهم منها خواصّا فنية وإبداعية جديدة يطوّر بها تقاناته السرديّة ، أو ماكثا في منطقة الأسطورة محاكيا وناقلا لبعض آليّاتها وتقاناتها ، أو مشتغلا على شكله من الداخل تثقيفا وتطويرا وتشكيلا .
إلاّ أن عنصر الحكاية يبقى ظلاّ سرديا ماثلا يتمركز حوله الحكي وينهل منه ليخلق حيواته القصصية ويطلقها في فضاء السرد .
من بوابة هذا المدخل وعبر مقارباته الآنفة نجتهد في مقاربتنا لقراءة (( قصص من بلاد النرجس )) ، وهي مجموعة قصص كرديّة مترجمة قام بترجمتها القاص والشاعر حسن سليفاني ، وكان سبق له أن ترجم مجموعة قصائد كردية بعنوان (( قصائد من بلاد النرجس )) .

لعلّ من الواضح أن التنوّع الأسلوبي والتقاني الذي شهده اختيار القصص ، وضعها في مشهد يمكّن القارئ من تشكيل تصوّر معقول عن واقع السرد القصصي لدى شعب له خصوصيته ، طالما ظلّ غائبا عن القارئ العربي لظروف وأسباب معروفة ، وربما آن الأوان للانفتاح على الشعب الكردي ، شعب بلاد النرجس ، وربما سيفاجأ الكثيرون بغنى هذا الأدب وخصبه وفنيته أيضا .
وعلى الرغم من أن هاجس الدفاع عن الأنموذج في سياق الحيوي والموضوعي كان الشاغل الأكبر لعوالم  ((قصص من بلاد النرجس )) وفضاءاتها ، إلاّ أن بعضها أظهر طاقات سرد خلاّقة يمكن أن ترتقي إلى نماذج عليا في السرد القصصي العربي وغير العربي . وستسعى قراءتنا إلى استنطاق الرؤية السردية التي اشتملت عليها القصص في إطار أربعة محاور مركزية .

التوظيف السردي لتقانات الفنون الجميلة

حاو ل السرد القصصي في بعض (( قصص من بلاد النرجس )) الإفادة من تقانات الفنون الجميلة ولاسيما السينما والتشكيل ، في تطوبر البنية السردية وتوسيع مديات اشتغالها الفنية . وخلق التوظيف السردي لتقانات السينما والتشكيل وضعا سرديا نقل أسلوبية القص إلى موقع أكثر تماسكا وعطاء .
     في قصته (( خبز محلّى بالسكّر )) يعتمد القاص حسن سليفاني راويا سينمائيا يركّز عدسته السردية على اللقطة المكانية ويصوّرها بدقّة ، كما يصوّر بدقّة شخصيات (( حه لو / عاليا / جنو )) من خلال تركيزه على مناطق معيّنة في مساحة الشخصية ، على النحو الذي يبدو فيه القصّة وكأنها حكاية مفلمنة .
  يمضي حسن سليفاني في قصته الأخرى (( ليلة المطر )) إلى تفعيل حركة الراوي المواجه للمخاطب (( البطل / الشخصية )) باعتماد حساسيّة التصوير المسردن عن قرب ، حيث تضع الكاميرا بطلها المصوَّر في قلب الصورة المكبّرة وتحرّكها بدقّة ، فضلا عن استخدامه آليّة تصوير إطارية تبدأ معها القصة وتنتهي بها ، إذ تبدأ القصة  ((  ـ  أهناك أجمل من المطر ؟  )) ، وتنتهي  ((  ـ حقا المطر جميل .. !! )) ، بكلّ ما تختزنه من إشارات توليد الجمال بعد غسل الأشياء جميعا بالمطر .
لكنه في قصة (( ساعة في حضرة طبيب السعادة )) يقدم حكاية المكان بلسان الراوي المتكلم ، الذي يستثمر طاقة الموروث الشعبي ( الحوت الذي بلع القمر ويسعى هو لإنقاذه ) ، وتنتهي إلى مفارقة في معادلة (( الطبيب النفساني × المريض )) .
أما شهادته الأدبية (( من دفتر الانتفاضة )) فإنها تخضع في قسمها الأول لسارد سيرذاتي يتقنّع بضمير راوٍ مختفٍ يخاطب البطل ، لكنه في القسم الثاني يتسلّم مقاليد السرد ويبدأ برواية الحدث السيرذاتي المجنّس بصفة (( شهادة أدبية )) ، في إشارة إلى تنوّع الضمير الأول ( المتكلم ) بين السرد بالنيابة في القسم الأول ، والسرد الأنوي في القسم الثاني .
    القاص حكيم عبدالله يقدم في قصته (( ليله عاصفة )) ساردا متكلما يسرد الحادثة ويسندها بمرويات من خارجها تحت عنوان ( قالوا : ) ، ما يلبث أن يضاعف سرد الحادثة باسترجاعات سردية مصاحبة للحادثة ومندمجة في سياقها تحت عنوان ( حديث سابق ) ، ثم يختزل الحادثة اختزالا سينمائيا تحت عنوان ( مشهد ) ، يصف مشهد الزوجة المنتظرة لزوجها الغائب ، والطفل من خلفها يصنع إشارة الاستمرار والحضور والتواصل الزمكاني والشخصاني .
وفي قصته (( بضع دقائق من زمن طويل )) يرسم صورة الشخصيّة بطريقة ( البورتريه ) ، إذ تختزن الصورة شبكة من الإشارات والعلامات التي تختصر الزمن والمكان والحدث داخل لوحة الشخصية ، وتعتمد على تشكيل الطبقات ، بحيث أن كل طبقة من طبقات الصورة تستجيب لزاوية نظر معينة تسعى إلى إضافة عنصر جديد لها ، على النحو الذي تكتمل في نهاية القصة وهي تغادر زمن الصورة / اللوحة إلى زمن جديد خارجها :

فجأة رأى الباب الثقيل جدا ينفتح  ..  واحد  ، اثنان  ، عشرون معا
مسكوا يده ، حينما أصبح وسطهم ، لا أعلم كم منعطفا خلّف وراءه
ولا أعلم كم درجة صعد  .. ولأول مرة بعد  زمن طويل  رأى  عين
الشمس من جديد .

الراوي يروي روايته عن الشخصية ( من أمام ) ، فهو لا يحيط علما بالتفاصيل العميقة للحدث المختزن في لوحة الشخصية ، لذا هو يعترف (( لا أعلم / ولا أعلم )) في إشارة إلى استقلالية الحدث / الشخصية عن سلطة السرد .
     قصة (( الصور المعكوسة )) للقاص صلاح عمر تستخدم أسلوبية السرد عبر الشاشة ، فتوظف صور الأحذية بحركاتها وهيئاتها رمزا للحركة المجانية والتشيؤ والاستعباد .
إن سردنة الصورة في شاشة عرض خاصّة تتمظهر عبر مزج الصورة البصرية بالصورة الذهنية ، لخلق تصوّر سردي عن صور يراها البطل معكوسة ، أو أن البطل في وضع حيوي ونفسي معكوس فيرى الصور معكوسة .
آلية العرض والوصف تهيئ للسارد الموضوعي وضعا سرديا مواجها للشخصية ، فيسرد برؤية ( مع ) إذ هو يعرف بأسرار الحدث السردي بقدر معرفة الشخصية / البطل .
      أما القاص كاكل حسن فإنه يقسّم قصته (( نهاوند )) على فضاءين سرديين ، الفضاء الأول فضاء وصفي يجعل من  (نهاوند) جمهورية مثالية أنموذجيه ، ويستغرق الراوي باستخدام عدسة كاميرا تصف بدقة ، ويرسم في صدر المكان إشارات من صنع الجد ( بابير )  ، ويشحن الوصف يالموروث الشعبي .
  الفضاء الثاني فضاء الحادثة السردية بعد أن تحوّل النعيم المكاني لنهاوند إلى جحيم على أيدي الأعداء ، وتبقى الكاميرا لديه تعمل باستخدام عدستين ، الأولى خارجية تصوّر الحادثة السردية ، والثانية داخلية حلمية تصوّر دهشة الجد ( بابير ) وغيابه عن الوعي وأحلامه التي اختلطت فيها الحقيقة بالخيال .
   في حين يذهب القاص تيلي صالح موسى إلى استثمار طاقة التشكيل في قصة (( اللوحة القاتمة )) ، فيدفع الراوي المتكلم التشكيلي لبناء تشكيلية القص ، بادئا بالإشارة الاستهلالية الدالّة على هذا الفضاء السردي الجمالي :

أريد أن أرسم لوحة بالكلمات ، أعلم أنه ليس سهلا ، أتعتقدون
أني سأنجح في رسم هذه اللوحة ؟


إذ نجد أن فكرة سردنة التشكيل ( أرسم لوحة بالكلمات ) فاعلة في حيّز الاقتراح ، ومشتغلة في ذهن الراوي منذ خط الشروع الأول ، الذي يستهدف نقل فعاليات السرد القصصي إلى داخل اللوحة وقد اكتسبت حمولة دلالية معينة بصفتها اللافتة في عتبة العنوان ( القائمة ) .
ويمضي السارد التشكيلي في تجسيد مفردات التشكيل داخل الفضاء المسردن للوحة ، مُظهِرا  حرفية عالية وإدراكا عميقا للأفق البانورامي الذي يحيل اللوحة إلى دراما سردية متحركة :

مثل فارس ليل ، يقف أخوا الفتاة قرب رأسها  ،  ملابس سوداء ،
سيفان أسودان  ،  يمتطيان حصانين أبيضين  .. بسهولة يمكنك  أن
ترى كل هذه المناظر من خلال اللون الأسود والمظلم للوحة  ،  لو
دققت النظر بدقة في اللوحة ، سترى أن كل واحد قد وجّه خنجره
إلى صدر الآخر . وربما كان هذا هو سبب بكاء الفتاة !!..


إن نمو الحدث التشكيلي في إطاره السردي داخل اللوحة يفيد من شعرية اللون ( ملابس سوداء / سيفان أسودان / اللون الأسود والمظلم ) ، في شحن المشهد السردي بالحركة التي تصل بالرائي المتلقي المستدعى للمشاهدة إلى وضع متوتر حاد الرؤية ( سترى أن كل واحد قد وجّه خنجره إلى صدر الآخر ) ، وهو ما قد يؤدي إلى اقتراح تأويلي قرائي لمنطقة أخرى من مناطق اللوحة ( ربما كان هذا هو سبب بكاء الفتاة !! ) ، إذ يفك المسرود التشكيلي لغز نفسه بنفسه .
ولا يتوقف الراوي التشكيلي عند حدود العرض والشرح والتأويل ، بل يتجاوز ذلك إلى استدعاء المروي لهم للإسهام في إكمال اللوحة ورواية حكايتها :

أعذروني ، إن بدت بعض النواقص في لوحتي ، بإمكانكم حسبما
تشاؤون أن تعالجوا هذه النواقص فيها  ،  بإمكانكم بسهولة أن تملؤوا
تلك الفراغات بوجهات نظركم  ..  إذا لم يستهوكم اللون الأسود
بإمكانكم استخدام لون آخر .. لأنني أعلم ، أنكم مثلي أيضا لا تحبون
اللون الأسود .


 ويعرض لهم مجموعة مقترحات تعترف بنقص اللوحة من جهة ، ومن جهة أخرى بضغط الواقع السردي الذي دفعه إلى اختيار لون لا يحبه هو ولا هم ، لكنه لا سبيل إلى الاستغناء عنه لأنه يتعلّق تعلّقا شديدا بالفضاء الوصفي للعنونة ( اللوحة × القاتمة ) ، وبهذا فإنه يحوّل منطقة السرد القصصي إلى مهرجان تتفاعل فيه الفنون كما تتفاعل فيه مكونات السرد الرئيسة ( الراوي  والمروي  والمروي له ) ، في فعالية سردية تكسر طوق العناصر القصصية وتخرج إلى كينونة نصية عالية الفرادة والفنية.

الأسطورة وغرابة المروي

تُظهِر (( قصص من بلاد النرجس )) في بعض نماذجها ميلا واضحا إلى منطقة الأسطورة ومنطقة غرابة المروي ، ويعكس هذا رغبة سردية في تطوير فنية القص عن طريق استعارة تقانات الأسطورة وغرابة المروي ، وتوظيفها في تعميق سلطة السرد على فضاء الحكاية .
  القاص جليل كاكه وه يس في قصته (( كوكو أرابخا )) يتلاعب بالضمير السارد الذي يتلاعب بدوره بالفضاء السردي للقصة ، إذ يقوم باستقدام الفضاء الأسطوري والتاريخي وتوظيفه في حاضر القص ، عن طريق خلط المرجعية الأسطورية والتاريخية بالراهن المحكي ، والسعي إلى صناعة بؤرة زمكانية تلتقي فيها الأزمنة وتتجمع الأمكنة في مثابة سردية واحدة وعلى خط شروع سردي واحد .
البطل ( كمال ) في بحثه عن ( أرسلان ) يتماهى مع صوت ( كوكو ) اليمامة ، كما يستجيب للإيقاع السردي المترامي أسطوريا في حوار ( الو لوميش ) أحد القواد الكوتيين ، مع ( أناهيتا ) ربّة الحب في الديانة الزرادشتية ، في ظل الفضاء المكاني الساحر لمدينة ( أرابخا ) وهو الاسم التاريخي لمدينة كركوك .
  وعلى الرغم من أن الضمير الأول السارد يقارب ضمائر أخرى ، لكنه يبقى مهيمنا على الكون القصصي ، قائدا لدفّة السرد ، ويدور حول الشخصية المركزية ( كمال ) متماهيا معها مرة ومنفصلا عنها انفصالا رمزيا مرة أخرى .
تسعى القصة إلى إدانة الحاضر بالأسطوري والتاريخي ، كما أنها تسعى إلى إدانة التاريخي والأسطوري بقسوة الحاضر وجبروته أيضا .
    وتنهض قصة (( الصوت )) للقاص فاضل عمر على تشغيل إبقاع السرد عبر حوارية قائمة على سرد مقطوع بين الشخصية المتماهية مع ذاتها سمعيا ، والآخر المنفصل عن هذا الفضاء السمعي ، فتبرز الصوت الأحادي وانطوائه على رمز يتعلّق بصوت العصر الذي يحتاج إلى طاقات سمعية خاصة للتوصّل بإيقاعه السمعي .
ويستخدم في قصته الأخرى (( الشيخ الندمان )) السرد بالأسطورة ، إذ يعتمد على أسطورة ( الشيخ الندمان ) الطالع من القبور لإنشاء نسل جديد ، لا شك في أن توظيف الحكاية الأسطورية والسرد الأسطوري جاء لتعزيز قيمة الانبعاث المؤجل القادم مثل الربيع على نحو يقارب أسطورة تموز .
    في قصة (( آكلوا البطاطة )) للقاص د . فرهاد بيربال يجري توظيف غرابة المروي ، الذي تصبح فيه ( البطاطا ) مركز الحياة عند ناس القرية ، بحيث أن أبن القرية ( فريدون ) الذي غادرها لمدة ثلاث عشرة سنة كاملة ، إثر الطاعون الذي اجتاحها ، ثم عاد يحمل الذهب الذي لم يعره أحد اهتماما ، تأكد بأن ( الطاعون ) تحوّل إلى ( بطاطا ) ، وربما كان الذهب الذب حمله إليهم كان بالنسبة إليهم شكلا من أشكال الطاعون .
    ويعمل القاص فرات جوري في قصته (( حلم أورخانوف )) على تفعيل المتخيّل السردي عبر الحلم ، إذ يظهر فضاء الحلم داخل بنية السرد فضاء مفتوحا على أمنيات الشخصية وآمالها ، ويحتشد السرد في الحلم لأن آليته الحلمية آلية ضامّة تتركز فيها الحوادث وتتكثّف وتتعدّد .
إن ( حلم أورخان ) في العودة إلى الوطن حلم سردي يوازن بين زمانين ومكانين وحدثين ، زمان ومكان وحدث الوطن ، وزمان ومكان وحدث المنفى ، وبينهما تصطرع أحلام الشخصية وتنمو وتتعدد ، لتستوي على أرض الواقع السردي خيطا يفصل حلم السرد عن حقيقته .
تتمتع القصة بسيولة سردية ، وحوار رشيق ، وتقانة عالية في استظهار آلية الحلم داخل فضاء السرد .
    يتمركز ضمير المتكلم السارد تمركزا شديد الخصوصية حول ذاته في قصة (( تحليقات )) للقاص أحمد محمد إسماعيل  ، إذ يتحقق له الانفراد بفضاءات الحكي زمنا ومكانا وحادثة ، وتمرين الذات المصوّرة والمتجسّدة على الدخول في تجربة التحوّل إلى أشياء مختلفة يسميها ( تحليقات ) مثل ( ورد / طائر / كأس .. ألخ ) ، مع عدم الانسجام مع الحالة التي يتحوّل إليها ، إلاّ في الحالة الأخيرة التي يتحوّل فيها إلى ( كلب ) بإمرة صاحبه ، حيث يتماهى مع وضعه الجديد ويخشى زواله .
القصة تحكي على نحو رمزي أزمة الإنسان الإنسانية ، وهربه من ذاته بحثا عن قيمة حقيقية لهذه الذات ، وجدوى فعالية وجودها في ظل القهر والاستبداد والعبودية .
إنها استنطاق سردي لمنطقة إنسانية جوّانية باستخدام تقانة سردية تنهض على مونولوج داخلي ، يعمل بإمرة كاميرا شديدة الحساسية تصوّر لحظة التحوّل ولحظة التخلّي في مشهد تصويري واحد .
   ويُخضِع القاص صبيح محمد حسن  قصته (( نهاية الأشياء ))  لتحولات الضمير السردي وتنقّله بين زمن السرد وزمن الكتابة ، والاشتغال على باطنية هذا الضمير عبر مونولوجه الداخلي ، إذ يتحاور الضمير مع تمظهرات الذات بين الخارج السردي والداخل السردي .
إما في  قصته الأخرى   (( أنا وأنت ))   فإنه يقترح تشكيل  السرد  بأكثر من آليّة  ،  ولعلّ العنوان
( الضميري ) يسمح بهذا التنوّع في الاستخدام ، وتستند إلى ذلك أسلوبية استحضار الزمن السردي وتكثيفه في سطح المشهد ، وطرح الحادثة القصصية مجزّأة على النحو الذي يناسب غموض الشخصية وانطوائها على ذاتها ، والتعبير من خلال اللمحة أو الإشارة أو النتيجة . وطرح القلم والورقة بوصفهما البديل المحتمل للحكي والقص ، وهو بديل ماثل بوسعه أن يختزن الحكي ويحيله إلى كتابة .
    وتحاول القاصة نجيبة أحمد حكيم في قصتها  (( على أمل ليلة هانئة )) أسطرة القصّ الأنثوي ، إذ تجتهد في خلق صورة سردية تقع بين المتخيّل والحلم ، تنقل بعدها ـ عبر تطوّر سرد – درامي ـ  إلى منطقة الأسطرة ، حيث تخلق القاصة أسطورتها .
    يصنع القاص إسماعيل مصطفى في قصته (( الآمال المعلّقة )) خطابا موجّها إلى غائب في محاولة لاستحضاره ، عبر حكي استرجاعي سيري يشبه في صياغته النهائية تقانة الرسالة :

أتسمعني ؟  إن الليل قد تجاوز منتصفه ، أعلم أنك تسمعني ، لأن
صوتك يأتي من بعيد ، من قريب ، يخترق شقوق أحاسيسي ، من
عمق لا وعيي إنك تقول :   أيها الأحبة   ،  أنا أكثر شوقا منكم
لرؤيتكم ، أنا أتحرق إليكم ..


تعتمد القصة على تشغيل الفضاء السمعي بإيقاع يتردد بين الصوت القادم من أعماق السرد ،  ليصل إلى حدود الرؤية في المواجهة البصرية المحتملة التي تنشحن بها الرسالة / القصة ، للتوصّل بالمرسَل إليه واستحضاره صوتا وشكلا وصورة ، على النحو الذي يجعل تعلّق الآمال بفضاء الغياب في عتبة العنوان احتمال حضور متخيّل في متنه النصّي .

سيميائية القص المكثف : الإيحاء والتركيز

حفلت (( قصص من بلاد النرجس ))بالكثير من القصص القصيرة جدا ، وهو نوع سردي قصصي معروف ، ويغري الكثير من القصاصين لارتياد منطقته المعتمدة أساسا على تفعيل الإشارة السيميائية ، وتحميلها أكبر طاقة دلالية  ممكنة .
لذا فهي تتسم بالتكثيف والاقتصاد اللغوي ، وتشحن النص بقدرة إيحائية كبيرة تتركز فيها الرؤى والأفكار ، وترتفع بشعريتها إلى حال سردي يقترب من حدود الشعر .
 القصص السبع للقاص بائيز عمر (( الماء / النهوض / من ؟ / قرار قتل القبر / بكاء / انفجار / أصمد )) تنحو جميعا هذا المنحى في تقاناتها القصصية . ففي قصة ( انفجار ) مثلا تشتغل أسلوبية التكرار المتوازي الدرامي على خلق حالة توتر سردي ، ينمو بين حلقة وأخرى حتى يصل إلى تصديق إشارة العنوان ( انفجار ) في خاتمة المتن النصي :

كانت الريح تسلب السنين ..  كانت السنين تجلب الثلج ..
كان الثلج يبتلع البشر .. كان البشر يبحثون عن الشعرات
البيضاء .. وكان البشر والأرض قد توحدوا  ، لذلك كان
البشر يودون أن تنفجر الأرض  ، وكانت الأرض تودّ  أن
ينفجر البشر .


 إذ تتفاعل خطوط السرد الرئيسة (  الريح / السنين / الثلج / البشر / الشعرات البيضاء / الأرض ) ، وصولا إلى معادلة ( البشر × الأرض ) ، في جدل توحّد يتأسس على تضاد باطني ( كان البشر يودون أن تنفجر الأرض / كانت الأرض تود  أن ينفجر البشر ) ، إلاّ أن الانفجار يبقى معلّقا في ثريا العنوان بانتظار تحقق إحدى الأمنيتين .
  وفي قصصه الثلاث (( الظل المبهم / سيناريو / رختر )) يدخل القاص جلال مصطفى هذا المدخل السردي ، ساعيا إلى إنجاز تميّز في بناء قصته القصيرة جدا .
تعتمد قصة (( رختر )) في استعارة التسمية على ( رختر ) صاحب المقياس المعروف باسمه والمعدّ لقياس الهزّات الأرضيّة:

فجأة اهتززنا ، واهتز البيت ، تطاير غبار السنين من الأعمدة
الخشبية ،  اهتزت الشبابيك ،  وتفتت زجاجها المتطاير وتطاير
على وجوهنا ، ازدانت أجسادنا بالجراح ، طار الطفل من المهد،
تدحرجت جدتي فوق سجادتها ،  ارتفع صخب الصغار وبدأت
النسوة باللطم  ، تصاعدت إلى السماء أصوات ( آية الكرسي )
و ( قل هو الله ) ، التقت الجبال بالجبال ، لا أعرف هل قامت
القيامة ؟   الخيوط متشابكة  ،  والإمساك برأس الخيط محال  ،
ضاع البيت في الضباب والرماد ، امتلأت أنوفنا برائحة حادّة ،
بدأ الجميع بالسعال ، انقلب البيت رأسا على عقب ..  ذهل
رختر  ولم  يحرّك ساكنا
.

تنهض القصة على رسم صورة برقية خاطفة وموجزة تتسم بالإيحاء والتركيز ، تتلاحق تلاحقا سريعا في استجابة مستمرة ومتنامية للحدث ، وتتناثر على شكل أسهم صورية تتوقف عن السؤال الاستنكاري الذي يطرحه السارد الذاتي على نفسه ( لا أعرف هل قامت القيامة ؟ ) ، ثم تستأنف تدفّقها حتى النهاية المتمثلة في الصورة الختامية ( ذهل رختر ولم يحرّك ساكنا ) ، وهي تحقق مفارقة العنونة في أن الهزّة الأرضية التي حدثت بفعل فاعل غير طبيعي أذهلت رختر ذاته ، وجعلته يسخط على جريمة تجاوزت الطبيعة فخرجت سيميائيا إلى اللابشري والا إنساني .
   وتظل المفارقة لعبة سردية مغرية في هذا النوع من القصص ، تدفع بالقاص حسن إبراهيم إلى استثمارها في قصصه (( الكومبيوتر / التفتيش / بحر إيجة )) ، لكنه في قصة ( التقتيش ) يحقق ضربة سيميائية عالية :

لا حقيبة ولا هيأة ، جواز سفر مزوّر ،  هيأة غير منتظمة ، كانت
السنين  والحياة القاسية  قد تمكنت من أن تترك آثارها  في سيمائه ،
أصبح قبالة الكونترول المحكم في مطار فرانكفورت  ، ما أن أصبح
في مواجهة الجهاز الأليكتروني الذي يكتشف كل الأشياء الممنوعة ،
حتى صدر صوت عال من ذلك الجهاز .  حضر أكثر من شرطيين ،
فتشوه بدقّة ، عرّوه ، مرة أخرى أوقفوه أمام الجهاز ، صرخ الجهاز
ثانية ، مرة أخرى فتشوه وعروه ، لم يجدوا شيئا سوى مكان بعض
الجراح التي كانت ما تزال تنزف .


تقوم القصة على التقانة المشهدية ، إذ يبنى المشهد التصويري على تجسيد حالة تقف أمام بصر الرائي المتلقي يتابعها بتوتر واندهاش ، فمفردات المشهد تتمخض في سيرها السردي عن احتمال وجود خطأ أو خلل ثقافي في أجهزة التفتيش ، لكن المنعطف السيميائي يظهر في الوحدة السردية الاختتامية ( لم يجدوا شيئا سوى مكان بعض الجراح التي كانت ما تزال تنزف ) ، ليرتفع الحال الإنساني في أزمته التقليدية ، ووضع الجراح التي كانت ما تزال تنزف في قائمة الممنوعات المحذور تنقّلها بين البلدان عبر الطائرات .  وبهذا فإن الكثافة الشديدة والتركيز العالي لحشد الدلالات غذّت البعد السيميائي في مشهد القصّ .
   تتنوّع قصص د . سكفان خليل هدايت القصيرة جدا (( انصهار / غيظ / خصام / احتجاج / التمثال / توجس / دلشاد / السيف / رقابة / شعب سعيد )) بتقاناتها وموضوعاتها ، وتتميّز عموما بكثافة شديدة وضربات سيميائية هائلة ، يجري فيها التركيز على بؤرة السرد وشحنها بطاقة حكي منفتحة بلا حدود ، فضلا عن شعريتها العالية  .
في قصة (( رقابة )) تأخذ المفارقة منحى آخر ويبلغ الاقتصاد اللغوي أقصاه :

تصفح الكاتب الشاب في حسرة صفحات كتابه الجديد الذي رفضته رقابة
المطبوعات ، وليجد على كل صفحة فيه دمغة الرقابة الحمراء  .. واندهش
أكثر عندما اكتشف بأن  الرقابة لم تستثنِ  من  شارتها المقرفة  حتى صفحة
الفهرست .. !  وعندما أغلق الكتاب في أسى ووضعه جانبا ، انتبه إلى شيء
غريب يوسم كفّه اليمنى  ،  ولمّا تفحّصها  ، وجد عليها هي الأخرى دمغة
الرقابة !! .


إذ تُظهِر القصة اندماج اليد الكاتبة بالكتاب وانتمائها المصيري إلى صفحاته ، فالكتاب الذي يبدعه الكاتب لا ينفصل عن روحه وجسده بمجرد أن يخرج ، بل بيقى متعلّقا تعلّقا جدليا به ، بحيث يتمظهر الكتاب جسديا ويتمظهر الجسد ورقيا .
      القاص يونس أحمد في قصصه القصيرة جدا الثلاث (( زقاق الطيور الآثمة / العصافير تخدعنا أيضا / مطلاّ على جثتي أضحك )) يتكشّف عن رؤية قصصية عالية التقانة ، إذ تتسم قصة ( زقاق الطيور الآثمة ) بالتركيز السردي الشديد ذي الطبيعة الترميزية ، كما تتميّز بضغط الحادثة في حيّز مكاني محدود تنهض على تكثيف عالٍ في الشعور .  وتنطوي قصة ( العصافير أيضا تخدعنا ) على رسالة سرديّة هي ( رسالة العصافير ) ، تقوم ياستحضار الموروث الشعبي بأمل أن تحيله إلى واقع لتعمل به ، لكن الراوي يصطدم بفشل الرسالة وخدعة الموروث  , يعتمد التشكيل السردي على تشغيل فضاء الانتظار السردي أو ما يمكن أن ندعوه السرد بالانتظار  ، ومن ثم إغلاق نافذة السرد على لا نهاية .
أما قصته الثالثة ( مطلاّ على جثتي ) فإن أنا الذات الساردة تنشطر بين الراوي والمروي والمروي له وتتماهى معها ، حيث يتم السرد عبر الذات ، عن الذات ، وعليها ، وتنفصل الذات عن مركزها بإزاحة الجثة خارج الذات وتركها فريسة للكلاب التي تتناهبها ، في الوقت الذي تنهمك فيه كاميرا الضمير الأول السارد بالتصوير .
   وينهج القاص كريم بياني المنهج ذاته تقريبا في قصصه القصيرة جدا (( الجن / الأمل / التمثال / أنا لم أنس )) ، فيشغّل في قصة ( الجن ) استدعاء سرديا لمسرودات عالقة في المخيال القروي عن وجود الجن . القصة تتمظهر يأسلوب سردي شائق عبر محاكمة تصوّرات البطل وهويواجه الفضاء الممكن لوجود الجن ، ويتوزّع اهتمامه بين الداخل والخارج بإحداث جدل ما بين القناعة والحدث ، ورفع درجة حساسية المكان في استظهار المرويات وشحن الواقع السردي بها .
كما يستظهر الكتابة المدوّنة وينقلها إلى حيّز السرد في قصة ( الأمل ) من خلال إبراز صورة الرجل بوساطة السارد الذاتي ، وبمعية ثلاث صور مدوّنة لإخوته الشهداء وهو يمضي نحو الحياة  . في حين تنهض قصتا ( التمثال / أنا لم أنس ) على تقانة المفارقة بآلياتها السيميائية الحادّة .
    أما قصص (( المراهقة / العاصفة / العودة / باكوردان / لوحة بلا إطار )) للقاص صالح غازي فإنها تعتمد في تشكيلاتها السردية على اقتناص لقطات إنسانية شفافة ووضعها بين يدي السرد ، وتمتاز عموما بالتكثيف والتركيز الشديدين  فضلا عن الاختزال والاقتصاد اللغوي ، وتكبير اللقطة لتصبح ذات طبيعة سينمائية مفلمنة .

أسلوبية القصّ بين استدعاء الموروث واستنهاض الواقع

            إنّ أسلوبية القص القائمة على حذق التعبير ، ورهافة القول السردي ، وسخونة الحدث ، تخرج في  (( قصص من بلاد النرجس ))  إلى معادلة تقانية وثقافية في آن واحد ، يشتغل طرفها الأول على استدعاء الموروث الشعبي وتوظيفه بأسلوبية فنية تقارب الطرف الثاني المتلبث في منطقة الواقع ( المرير) ، وهو يستنهض حكاياته وصوره وأزماته .
وإذا كانت المباشرة والوضوح الحكائي إلى درجة تتحوّل فيها بعض القصص إلى حكاية مجردة ، هي السبب وراء الركون إلى تقليدية الحكي والمراهنة على أسطورية الواقع وفانتازية حكاياته ، فإن الرغبة في التجريب ، والتوغل في مغامرة الشكل لدى بعض القصاصين ، والاتصال بالمنجز المتقدم الذي حققته الشعوب الأخرى ، تدعو جميعا إلى النظر إلى هذه القصص بوصفها عيّنة يمكن أن تعطي ملامح أولى لقصة كردية متقدمة .
  في (( قصة الرجل الذي سقط في المصيدة ولم يقاتل )) للقاص أنور محمد طاهر يقدم الراوي كلي العلم بطلا محبطا يحلم بالتغيير في ظل وضع نفسي خاص ، يندفع نحو التحريض المستمر على القتال واستنهاض الرجولة لكنه يصطدم بالواقع :

كان المساء متأخرا ، حينما وقعت المدينة تحت رحمة القصف .
ارتفع الدخان في السماء ، سرعان ما ابتلع المدينة وأخفاها  ،
واستمر العدو في إظهار الحقد وأنياب السم . استمرّ القصف
حتى الصباح . كانت الرجولة هي أن تهرب وتنجو بجلدك
..

ينشغل الراوي بعرض الحال السردي وتصوير مفرداته تصويرا حادّا ، يستهدف خلق معادلة منطقية للوصول إلى منطقة الموروث الشعبي / المثل ، فالوحدة السردية الأخيرة في هذا المقطع (كانت الرجولة هي أن تهرب وتنجو بجلدك ) هي نتيجة مدعومة بالمنطق ، تستثمر المثل الشعبي ليغطّي فشل الحادثة السردية ، في الوصول إلى نتائج ترضي الحس الشعبي بالبطولة والاندفاع نحو الموت حتى وإن كان حتميا .
      يمضي القاص محمد فريق حسن في توظيف الموروث الشعبي الأسطوري في قصته (( الخاتم )) عن طريق استنبات قصة داخل قصة ، إذ يقوم الراوي المتكلم برواية قصة ( الخاتم ) عند الجد وعلى لسانه ، وإدانة الناس الذين لم يكن بوسعهم الحفاظ على منجزه الذي وفّر لهم حياة سعيدة هانئة باستخدام روح شجرة ( العفص ) والخاتم .
القصة تنطوي على إشارة الأرض والمكان والوطن ، ل