www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
06.03.2003 - 20:50
«الاستكراد» رد على إدوارد سعيد

د. مأمون فندي


د. مأمون فندي
في محاولة فاشلة لاستكرادي، ضمِّن ادوارد سعيد اسمي ضمن قائمته السوداء، مدعيا انه "لو اتيحت له فرصة تحليل كتاباتي" لوصفني ببوق من ابواق الادارة الامريكية. بالطبع وقع سعيد هنا في خطأ لا يقع فيه لبيب، اذا كان واضحا في تهمته انه بعيد عن الموضوعية كل البعد، إذ انه ألقى التهم على عواهنها على عكس ما هو مفترض في الاستاذ الجامعي الذي تحكمه الدقة والموضوعية، ولا ادري كيف يتهمني سعيد، وهو الذي يقول بلسانه انه لم تتح له الفرصة لتحليل ما كتبت. هذا ما يسميه أولاد البلد "اخذ الكلام من شواشيه"، او كما سأوضح لاحقا، هي محاولة استكراد على الطريقة الصدّامية. يضع سعيد ضمن قائمته كلا من الدكتور شبلي تلحمي، الاستاذ بجامعة ميرلاند، والدكتور فواز جرجس، الاستاذ بجامعة سارا لورنس، والدكتور فؤاد عجمي، الاستاذ بجامعة جونز هوبكنز، والعبد الفقير. ولجميع من في هذه القائمة كتب منشورة لا يجمع بينها رابط، لا منهجيا ولا حتى في موضوعات البحث. ولكن هي عقلية الاستكراد والاستفراد، عند ادوارد سعيد، عقلية شيخ القبيلة، وفي ذلك لا يختلف عرب المهجر عن عرب المقر، فبالطريقة التي يشكو العرب فيها في بلاد المقر من غياب الديموقراطية كممارسة وسلوك، تجد الشيء نفسه في مؤسسات عرب المهجر، إذ لم يحدث ولو لمرة واحدة، ان تخلى رئيس جمعية عربية عن منصبه كرئيس، وان تنحى فإنه يتركها لعدي وقصي من أقاربه. تبادل كراسي. مرة بين زوجة وزوجها، وبين لبناني وآخر، لا يدخل السودانيون او الصعايدة في هذه الحلبة، هم قوم مستكردون ومرّهبون، يمارس هذا الارهاب عليهم وهذا التخويف من قبل جماعات بعينها.
ان يدخل الغوغائيون حلبة الخطاب الشعبوي، هذا أمر مقبول. أما ان يدخلها رجل نابه مثل ادوارد سعيد، فهذا يحتاج الى تفسير. هنا يقفز الى ذهني تفسير واحد قبل ان اقدم نظريتي عن الاستكراد، هذا التفسير مربوط بحالة بعض العرب الامريكيين، ومنهم ادوارد سعيد، ومحاولتهم التمسك بالمحلية في خضم العولمة. اي ان حالة العولمة تؤدي الى تآكل في المحلي على الارض، فتتغير سلوكيات اهل البلدان الاصليين، لتصبح مزيجا من المعولم والمحلي، أي تحدث للمحلي عملية سيولة واختلاط، ينتفي معها النقاء، لذا يحاول بعض عرب المهجر الحفاظ على "المحلي الاصولي النقي" ومحاولة اعادة انتاجه في بلاد المهجر، حيث تجد الاسلامي المتشدد، والصدامي المتشدد، والعروبي المتشدد... الخ. ولكل جماعة من المهاجرين رئيس وشيخ للقبيلة. وفي حقل الثقافة نصب ادوارد سعيد نفسه شيخا للقبيلة. فهو يعرف في كل شيء، ويصدر فتاوى على الناس، حتى لو لم يقرأ لهم شيئا. وحالتي مثال هنا. لدي كتاب حديث بالعربية بعنوان "ضحايا الحداثة" صدر عن دار مصر المحروسة 2003، وكذلك لي كتاب "السعودية وسياسة المعارضة" بالانجليزية صدر عن "دار ماكميلان/ وبيلجراف 1999"، وكثير من المقالات المنشورة في الدوريات الاكاديمية. وبدلا من ان يرهق الاستاذ سعيد نفسه ويقرأ الموضوعات ويعلق عليها بجدية، نجده يلجأ الى اسلوب "الردح الثقافي السماعي"، ولا اعرف اذا كان البروفسور يقرأ العربية ويكتبها أم لا، ذلك لأن جل نشره الاكاديمي كان عن الادب الانجليزي، أما ما يكتبه في علم السياسة، فهو أمر في اعتقادي يجب ألا يؤخذ على محمل الجد، ذلك لأنه يقع في اطار "ممارسة مهنة بدون ترخيص"، أي انه اذا كان يحق لشبلي تلحمي كتابة مقال في النقد الادبي بشكل اسبوعي، يكون من حق ادوارد سعيد الكتابة في السياسة بشكل دوري. ولكن بما انه شيخ القبيلة فمن حقه ان يفتي في كل شيء، انه الاستكراد في عصر العولمة.

1 ـ مفهوم الاستكراد

بعد هذه المقدمة الطويلة سأحاول شرح مفهوم الاستكراد وعلاقته بالاستشراق، الذي ارتبط باسم ادوارد سعيد. هذا عرض آخر ربما يكون مطولا يجعل المقال مزدحما ومرهقا، ولكن كيف ترد على من حاول استكرادك من دون ان تأخذه مأخذ الجد، خصوصا انني ممن يرون ان جزءا من مسؤولية الاستكراد تقع على المسُتكَردَ إن لم يرد على من حاولوا استكراده.
لفت نظري ان اجد كلمة "استكراد" متداولة بالشكل الذي هي عليه، اذ سمعت الكلمة منذ طفولتي في قريتي في اقصى جنوب مصر، كذلك تستخدم الكلمة في السودان، وفي الشام وعند عرب الجزيرة، وهي تعني في القاموس العامي الاستغفال والاستقواء في آن. نحن في الصعيد نستخدمها متلازمة ايضا مع كلمة استحقار، التي ننطقها في لهجتنا المحلية "استحكار" . وتستخدم الكلمتان عندما "يستوطي انسان حائط انسان آخر" فيقفز عليه، يستغفله، فيستلب حقوقه ويستغله. ولفت نظري البعد في المسافة بين جنوب مصر، وشمال العراق حيث يقيم الاكراد ويُستكردون منذ موت صلاح الدين الايوبي، حتى يومنا هذا. وهنا لديَّ تفسير بسيط عن انتشار مفهوم الاستكراد، وهو ذلك الفارق بين التاريخ الشفوي والتاريخ المكتوب ومصداقياتهما في بلاد العرب، إذ غالبا ما تكون هناك فجوة بين المكتوب وبين المحكي او الشفوي. وفي عالم تحكمه التسلطية وتكون فيه القوة فجة وظاهرة تصل الى عالم الكتابة تلك الامور التي تؤثر السلامة. اما الأمور التي تعرض صاحبها للخطر فهي دائما تقال شفويا وفي همس. ويبدو ان تاريخ الاكراد وما حدث لهم دخل في عالم الشفاهة وعالم الهمس، ومع ذلك فإن التاريخ الشفوي لعمليات استلاب الاكراد واستغفالهم لم يخف على احد، وسافرت اخبار العمليات عبر الامصار، اذ يبدو ان الجميع يعرف ما حدث للكرد او الاكراد من عملية استلاب. الكلمة لا تستخدم كثيرا في التاريخ المكتوب، ذلك لأن الكثيرين منا يخجلون من تواطئنا في عملية الاستكراد. اما التاريخ الشفوي الشعبي فهو لا يخجل، و"يقول للأعور أنت أعور في عينه".
اننا جميعا نعلم ما حدث للاكراد. نشير اليه في كلامنا ولا نكتبه. نعرف ان ما حدث لهذا الشعب هو استلاب ومحاولة استغفال. ومن سخرية القدر ان يضعني ادوارد سعيد على "لستته" في سياق عراقي، الاستكراد هو جزء أصيل فيه. ان فهم تطور تاريخ كلمة (استكراد) امر مهم لأنه يعكس علاقات قوة، ويُظهر المسكوت عنه ولو في مطبخ الشفاهة اذا اعتبرنا ان العالم المكتوب يمثل حجرة المعيشة في معمار اللغة. فكما كانت الجارية تبجل سيدها في حجرة المعيشة، وتلعنه مع بنتها في المطبخ بعيدا عن مسمعه، نحن ايضا نتغاضى عن الاستكراد في عالم الكلمة المكتوبة، ولكن العديد منا يتحدثون به في عالم الشفاهة المساوي لما هو خلف الجدران. وما اكثر ما نقوله في عالم الشفاهة الذي لا يجد طريقه الى عالم الكتابة، ذلك لأن الاستكراد مرئي، ولكن في الغالب مسكوتا عنه، وايضا لان الاستكراد اصبح احد اعمدة الحياة الاساسية في عالم تغيب عنه الامانة والصدق.
ربما تأتي حساسيتي ازاء الاستكراد من كوني قادما من الاطراف، من اقاصي قرى الصعيد. عالم مغاير لعالم ادوارد في مصر المتمثل في "فكتوريا كولدج" ونادي الجزيرة في الزمالك، الذي وصفه ادوارد في كتابه (out of place). اذ كانت اقرب معرفة لسعيد بعالمي هي جلسة مع أمه في فندق "ونتر بالاس" في الاقصر، وهو بدا ضجرا بها للغاية، ومعرفته بطباخ العائلة النوبي الذي قابله في رحلته الى القاهرة وتحدث عنه "باستشراق مخجل"!.
في الواقع، استشراق ادوارد سعيد هو نوع من الاستكراد. إذ الاستكراد هنا هو المفهوم الاشمل والذي يأتي الاستشراق كجزء من تقسيماته. الاستشراق ـ الكتاب ـ الذي صنع المجد لادوارد لا تقوم له قائمة لو كانت لدينا معرفة أولية بالاستكراد كممارسة اجتماعية يومية او كعلم. فبنفس الطريقة التي تحدث بها ادوارد عن علم الاستشراق، سأتحدث هنا عن "علم" الاستكراد.

2 ـ الاستشراق مقابل الاستكراد

كتاب ادوارد سعيد الاستشراق، هو قراءة فجة تستقي نظرياتها من الفلسفة الاوروبية، خصوصا من ميشيل فوكو، وتهدف الى شرح الاقتصاد السياسي للمعرفة، الامر الذي اسهب فيه سعيد ايضا في كتاب آخر بعنوان "الامبريالية والثقافة"، الا انه يظل شرحا فجا وتبسيطيا، ومحاولة استكراد للمثقف الغربي، بافتراض انه لا يعرف تاريخ المناطق النائية في العالم العربي، خصوصا الشفوي منها. الاساس في موضوع سعيد وسبب شهرته في الغرب هو هذا الكتاب، كتاب خارج عن تخصص سعيد ذاته، فهو استاذ ادب انجليزي وليس استاذ تاريخ او اقتصاد سياسي للمعرفة، او حتى استاذا في علوم الشرق الاوسط او في العلوم السياسية بشكل عام. نوع كما ذكرت آنفا من "ممارسة مهنة بدون ترخيص". ولكن الكتاب ذاع صيته بسبب الظروف التي صدر فيها وما بعدها لأن ادوارد قدم نفسه كمدافع عن الحق الفلسطيني. وقبل ان يعرف كل من الدكتور فؤاد عجمي، وكذلك الدكتور شبلي تلحمي، أروقة وزارة الخارجية الامريكية، عرفها ادوارد سعيد عندما كان مندوبا عن ابو عمار للقاء وزير خارجية امريكا جورج شولتز آنذاك، وظهر سعيد ومعه المرحوم الدكتور ابراهيم أبو لغد الى جانب جورج شولتز. وبعدما أعفاه ابو عمار من هذه المهمة، ظهر لنا ادوارد سعيد المثقف الراديكالي. اقصد هنا ان حكاية الاختلاف على القرب من الادارة الامريكية او البعد عنها، هي مسألة شخصية في المقام الاول. فالقرب من الخارجية ايام شولتز كان مصدر فخر واعتزاز عندما كان سعيد هو اللاعب الوحيد، ما كان حلالا يومها لسعيد هو حرام اليوم على كنعان مكية وفؤاد عجمي وشبلي تلحمي وفواز جرجس. وعلى طريقة الرئيس السادات، رحمه الله، تكون فلسفة سعيد "لا فيها لا اخفيها"، أي اما ان اكون انا "البريمادونا" او اللاعب الرئيسي، واما خراب الديار. اما انا الزعيم، او ان غيري داعرون. صدامية في السر وعقلانية في العلن، وممارسة ارهاب فكري على من يخالفونه الرأي، لانه يجب الا يتكلم أحد في وجود من ينوب عنه. وظن سعيد امتدادا لما نقده في المستشرقين الغربيين انه الممثل الوحيد والنائب عن العرب لدى الامريكان. استكراد للعرب واستكراد للغرب في آن. وكتاب "الاستشراق" مثال واضح لعقلية الاستكراد. وهنا سأنتقد الكتاب ليس بهدف النقد ولكن بهدف ان اوصل للقارئ ان منطق ادوارد المشوه تجاهي هو امتداد لتشوه فكري ومنطق أخرق نما مع سعيد منذ البداية وتجلى بوضوح في كتاب الاستشراق، وكذلك كتاب "الثقافة والامبريالية" وهو كتاب مليء بالاخطاء وسوء قراءة لمؤلفات جين اوستن خصوصا، ومؤلفات أخرى بالانجليزية والفرنسية.
الاستشراق كما ذكرت هو كتاب فيه استكراد للعرب وللامريكيين في ذات الوقت. ولكن قبل ان اتحدث عن استكراد سعيد للعرب، دعني اوضح كيف يكون في كتاب الاستشراق استكراد للامريكيين وللغرب الاوروبي.

3 ـ استكراد الغرب والامريكان

يبدأ الاستكراد للغرب في كتاب "الاستشراق" بأربع مشاكل اساسية. اولاها ان الكتاب يبدأ بتعارض بين الشرق والغرب، رغم ان هناك تعارضات وتقابلات مختلفة مسكوت عنها، فيظهر الشرق وكأنه مساحات مستوية لا فرق فيها بين الحواضر والبداوة، وبين العواصم والاطراف. ويعتمد الكتاب في اساسه على ان الصورة التي نقلها المستشرقون ـ مثل ادواردلين في كتابه عن عادات المصريين المحدثين ـ هي ليست نتيجة ملاحظة واثنوغرافيا، كما اقر سعيد بذلك، ولكنها مبنية على تحليل النصوص. هنا اقول ان اتهام سعيد لهؤلاء المستشرقين برسم صورة من مخيلتهم للشرق هو تعميم ليس بالضرورة صحيحا. ربما فيه قليل من الصحة وكثير من المغالطة، ولا يستقيم فهم مغالطات كتاب الاستشراق إلا بفهم عناصر الاستكراد. هذا الاستكراد خصصت له فصلا كاملا في كتابي القادم الموسوم "مصر الأخرى" The Other Egypt ، وهو ـ لو استخدمنا استراتيجيات سعيد ـ بمثابة تحليل لتفاعل ما بين استشراقيين، احدهما عالمي والآخر محلي. في هذا الكتاب احاول تحليل صورة الصعيدي في السينما القاهرية، في افلام، مثل "البوسطجي" 1968 الى افلام أخرى تآمر فيها الصعايدة انفسهم في الاستكراد المحلي مثل "الطوق والاسورة" (رواية يحيى الطاهر عبد الله)، وكذلك في فيلم رضوان الكاشف الأخير "عرق البلح". في هذه الافلام، وكذلك في مسلسلات التلفزة وفي الصحافة، رسمت صورة الصعيدي من قبل مثقفي القاهرة على انه مغفل يستحق الاستكراد، ممن يودون ارساله للعمل بالخليج، الى انماط استكراد أخرى. فإذا فهمنا ان مثقفي القاهرة هم الذين رسموا الصورة المستكردة لاهالي الصعيد، نعرف ان نقل اي مستشرق الآن لما يكتب في القاهرة عن الصعيد هو مجرد نقل للاستكراد المحلي. وكما قال الاولون ان ناقل الكفر ليس بكافر، الشيء نفسه يمكن تطبيقه على المستشرقين الأوائل، اذ نقلوا كتابات الشيخ حسن العطار وآخرين. هذا بالاضافة الى ان وصف لين في كتابه لحاضرة القاهرة لم يكن وصفا لاهل البلاد الاصليين بل كان وصفا لهذا الخليط العرقي من بقايا المماليك والاتراك والشركس والشوام الذين كانوا يسيرون الاحوال في المحروسة. هذه المجموعات العرقية كانت تمثل قشرة فالصو Veneer تطفو على سطح المجتمع، قشرة السماسرة المحليين الذين يقفون في الوسط بين الغريب المحتل واهل البلاد الاصليين. هذه القشرة من سكان الزمالك والمعادي (الاوساط التي عاش بينها ادوارد سعيد وظن انها مصر ـ حسب ما ورد في كتابه out of place)، هذه الجماعات التي كانت تسكن حجرة المعيشة في المعمار المصري، لا تمثل المصريين، ذلك لان اهل البلاد الاصليين كانوا في المطبخ، مثل طباخ العائلة النوبي الذي ذكره ادوارد في ذلك الكتاب. المصريون آنذاك كانوا خارج الزمالك والمعادي.

4 ـ الأتراك: شرق أم غرب

نقطة أخرى مهمة بالنسبة لاهلي في الصعيد، وهي اننا في تاريخنا الشفوي كنا ننظر الى الاتراك على انهم أول موجة للاستعمار الاوروبي، وبذلك لم يكن الاتراك ابدا بالنسبة لنا ممثلي دولة الخلافة، كما يراهم سعيد ويشترك معه في ذلك الاسلاميون الجدد. بالنسبة لنا كان التركي غربيا وليس شرقيا. التركي شرقي فقط في مخيال القاهرة آنذاك، ومخيال سعيد الآن، وكذلك في مخيال الغرب. لكن الاتراك بالنسبة لنا كانوا استعمارا اوروبيا غربيا. فقد قتل الاتراك اجدادي في الصعيد، ففي عائلتي (ولد أبو طرّاف) رجال قتلهم أفندينا لأنهم كانوا يقاومون الاحتلال ويتصدون لجباة الاموال. واذكر جدتي عندما كانت تغني وتقول: "ولد ابو طراف، بسيوف رهاف، ضربوا الجندي خاف، وقتلوا الصراف". في تلك الحادثة في 1870، قتل كل اجدادي إلا واحدا. ولم تكن حالتنا بالخاصة، فقد ارسل اسماعيل باشا، اكثر من مرة، حملات و"تجريدات" مسحت بلدانا عن بكرة ابيها، مثل قريتي "البعيرات" و"السلامية" المجاورتين لقريتي في غرب الاقصر. النقطة الاساسية هنا، ان الاتراك لم يكونوا شرقا بالنسبة لنا. فإذا قبل ادوارد سعيد واتباعه بنظرتنا التي رأت في العثمانيين اول موجة للاستعمار الاوروبي، يمكنهم عندئذ ان يروا بوضوح ان التقابل الذي رسمه ادوارد في كتابه بين الشرق والغرب هو تقابل زائف، ومجرد استكراد للمثقفين الغربيين الذين لا يعرفون التاريخ المحلي، للمناطق النائية في العالم العربي، وما حالة الصعيد الا واحدة منها. كما انه يمكن الاشارة الى تاريخ نجد، في الدولة السعودية الاولى، التي رأت ان الاتراك استعمار اوروبي ايضا، وان الاخوان آنذاك لم يروا الاتراك حتى كمسلمين، بغض النظر عن صحة هذه الرؤية من عدمها، وارسل الباب العالي حملة لتأديبهم من خلال طوسون وابراهيم باشا (ابني محمد علي). ولكن تاريخ نجد البدوي لا يعني ادوارد سعيد المهتم بتاريخ التجار في الحواضر، والذي هو تاريخه ايضا على حد قوله في كتاباته عن نفسه وفي مفهوم دنيوية الكاتب التي طرحها في مقامات أخرى.
ان معرفة تاريخ الاطراف يفكك الأسس الفكرية التي بنى عليها سعيد نظريته في الاستشراق. نقطة اخيرة هي ان الحالات التي وصفها سعيد تصوّر الغرب وكأنه البادئ في التمدد والانتشار، وكأن المسلمين لم يسيطروا على اسبانيا ولم يرسموا ويصوروا في ثقافتهم الآخر الغربي، كأن عملية التصوير هي غربية في المقام الاول، وهذا امر مناف للحقيقة.
الاستشراق، إذن، هو حالة حادثة داخل المظلة الاوروبية ذاتها، هذا ان اتفقت معي عزيزي القارئ بأن الدولة العثمانية هي اولى موجات الاستعمار الاوروبي، اي ان الاستشراق هو حوار في الداخل الغربي الاوروبي. اما الاستكراد فهو امر اكثر عنفا، إذ انه ضحية الاستشراق، وكذلك ضحية استكراد بقايا الاتراك والمماليك والالبان والشركس والشوام لاهالي مصر الاصليين، استكراد سماسرة الغرب الاوروبي الذين يقدمون انفسهم كبدلاء عن اهالي البلاد، يتحدثون باسمهم ويبيعون املاكهم. وبما ان سعيد كان دائما جزءا من هذه الطبقة في مصر، فهو محكوم بالمنطق ذاته، اي ان يقدم نفسه بديلا لمأمون فندي، او متحدثا باسمه. ولكن لأن الامريكيين ليسوا كالانجليز، ويجهلون الفوارق بين ابن الزمالك وابن الصعيد، فإن الامر لا يعنيهم، وهذا ما يثير حقد ادوارد سعيد وحفيظته لمجرد مشاهدة وجهي في التلفزة، دونما عناء لقراءة انتاجي العلمي. المشكلة ليست في ادوارد سعيد واعوانه، وانما في العقلية الصدامية وعقلية شيخ القبيلة، وذهنية الاستكراد.

الشرق الأوسط, (8861, 03.03.2003)

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]