www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
26.02.2003 - 18:59
للنزيف طعم آخر تحت أقدام امرأة اسمها ( زاريا )
قامتها صخر وجرأتها ضريح
يشرب الخوف و ينثر الرحمة...


بيوار إبراهيم

في ذلك اليوم كان الشارع نائماً تحت زخات المطر و المدافئ قد أثملت الأجساد الباردة, توجهنا إلى مكتب الشاعر المحامي خليل ساسوني, لم أكن أشعر بالبرد كما والدي و أستاذي, عندما دخلنا صافحت بنظري كالعادة صورة د. نور الدين زازا المعلقة في صدر المكتب, بعد الجلوس بدأت أتصفح الكتب المتمددة فوق الطاولة تلك الكتب التي أدفأت الغرفة بحرارتها, و ما أن لمح بصري الحوار الذي أجريته مع السيدة بهية عبد الرحمن آغا علي يونس نسيت نفسي بين أمواج الصمت الذي كثيراً ما التجأ إليه لا حظ الأستاذ خليل و أستاذي كوني ره ش صمتي بينما كان والدي منهمكاً بتدفئة نفسه حينها مازحني الأستاذ خليل قائلاً:
ـ يبدو أن يادي بهية أخذتك منا.
بحثت عن جواب ملائم لكلامه, لكنني فشلت في العثور عليه وبقيت صامتة حتى أدركني أستاذي قائلاً:
ـ كل من يتعرف على رجالكم و نسائكم يصبحون صامتين كصمت الجبال التي اتخذتموها منزلاً و رمزاً.
جرفنا الحديث نحو الأيام المشتاقة للذكريات التي تئن داخل جيوب النسيان, حدثنا الأستاذ خليل عن أحداث أثقلت كاهل الزمن التي ولدت فوق صفحاته, دخلنا عرائن المرأة الساسونية وبمجرد وصولنا إلى عرين ( زاريا ) لمحت الألم و العذاب ينهضان من بين تجاعيد ملامح الأستاذ خليل, قرأت عن هذه السيدة ملحمة بطولية رائعة في كتاب( انتفاضة ساسون ) للأستاذ كوني ره ش, و كثيراً ما حدثتني ( يادي بهية ) عنها, لكنني لم أعرف أنها والدة الأستاذ خليل إلا في ذلك اليوم حيث سرد لنا حكاياتها مع المخاطرة و الموت...

الشاعر المحامي خليل ساسوني
تحول أسم ( زاريا ) إلى نيران هائجة داخل ذاكرتي, حاولت نسيانها لكنها لم تتركني حتى أثناء المرض و الإرهاق و الغضب وعبرت معي بوابة السنة الجديدة, كلما حاولت الابتعاد عنها كانت تحتويني أكثر و كأنها تقول لي: ما بالك يا ابنتي ؟! أنا مازلت حية لم أمت كما يقولون عني ! أتركي ولدي و أحاديثه جانباً و استمعي إلي: في تلك السنوات التي جعلت من قاماتنا أصدقاء للجبال و الصخور, كنت ما أزال قوية كان الخوف يطفأ ضجيج النهار في حضورنا, كنا ننسف المواجع بإصرارنا, كل كتف يحمل بندقية, كانت الصخور تبكي فوق دمنا و الدروب تركض تحت أقدام قوافلنا, كانت الابتهالات بين الصخر و الرصاص خاتمة للروح, لكن عيون القافلة كانت تطوف و تراقب الجهات بمنظار واحد, قرأنا الدعاء و التراتيل فوق فوهات البنادق و أحزمة الرصاص, تركنا الكهف الذي كان منزلاً من منازل الوطن المستحيل, حزمنا الروح داخل النفس بعد أن ترصفت جثث الكماليين عند المنزل المغدور و بدون أن تغني الصقور فوق أغصان اللوز و البلوط دخلنا أبراج المستحيل بعد معركة طاحنة, خرجت القافلة تبحث عن كهف آخر كي تعمل منه منزلاً جديداً, لكن حدسي بدأ يرمي بالرماد فوق جبيني, عرفت أن هناك من سيسأل و لن يجيب أحد و لم أعرف مغزى حدسي حتى ركبت القافلة درب المسير و في الطريق انتبه عمي ( محمد ) صاحب المنظار الوحيد إلى صدره و فجأة صرخ بانفعال شديد: نسينا المنظار في الكهف... لحظتئذٍ بدأ حراس الهذيان يجلدونني لأن حدسي لم يهتدي للجواب الضائع, كيف ننسى منظار عمي ؟ لم تهدأ نفسي, جمعت كل ما في القلب من قوة, تعلقت بأذيال ثوب الروح وبدأت أبطء من خطاي رويداً.. رويداً ابتعدت القافلة عني  حتى اختفت عن ناظري, تسللت من البرد و الموت و آخيت بين قدمي و الثلج التي انغمست بين ذراتها حتى الركب, عدت أدراجي إلى الكهف الذي تركناه عندما وصلت و دخلته بدأت البحث عن المنظار, منعت الخوف من الدخول إلى أعماقي و همشت جثث الجنود الكماليين المرمية داخل و خارج الكهف, وجدت المنظار في إحدى زواياه , ثم و ضعته حول عنقي و هممت بالخروج لولا ذلك الصوت الذي اشتعل بالاستغاثة مناجياً بالتركية: سو.. سو, و منعني من الخروج بقيت متأرجحة بين الرحمة و العداء, تحولت’ إلى زوبعة تسد فوهة بركان, جندي جريح من ألد الأعداء بين الحياة و الموت يطلب الماء, في تلك اللحظة تحولت في داخلي إلى طفلة خائفة أرسم المكان بين كلمتين" نعم أو لا " طوقت ظهري بنور الرحمة و الإنسانية و سحبت صخور جذوري من ذاتي كي تكبر و تنمو بين الدعاء و التراتيل التي تخرج من صدر الأعداء, حينها بدأت أصابعي تنغمس بين الثلج و عملت كرة كبيرة من الثلج و رميت بها إلى الجندي الجريح, بدأت تمتمات الدعاء تخرج من صدره مع أنين الجرح النازف بقيت لبرهة أتأمله و هو يلتهم كرة الثلج لكنني سرعان ما عدت لرشدي و خرجت مسرعة دون أن اعرف أين اتجهت القافلة, مشيت على أثارهم كان دليلي الوحيد هو الدم الذي تساقط من جرحانا, كان الدم يلمع فوق الثلج الأبيض مشيت طويلاً و أنا فاقدة الأمل لم أكن أعلم إن القافلة قد ابتعدت تلك المسافة البعيدة عن الكهف إلا عندما اجتاحتني موجات الجنون في العودة إلى الكهف كي أسترجع المنظار, و مع هذا لم أسمح لليأس أن يقتل أملي بالعثور على القافلة, مشيت طويلاً بعد تلك الهواجس و قتلت التعب بالقوة و الصبر حتى اهتديت إلى قومي و سلمت المنظار إلى عمي الذي كان يستفسر عن سبب تأخري عن القافلة حتى أدرك إنني تأخرت كي أجلب منظاره.
حضر نسيم الرحيل الذي أخذ السيدة ( زاريا) من جمار المواجع, أخرجها من خيالي و وضعها بين جوقات تنشد للماضي المقدس, رسمت بأهدابي عدد جداول و نقاط الدم التي مشت عليها السيدة ( زاريا ) لكنني لم أهتدي إليها, أخبرت الأستاذ خليل أنني تمنيت رؤيتها لكن عندما كانت السيدة ( زاريا ) تعيش, أنا كنت غير موجودة, لكنه اندهش من كلامي و تبادل النظرات مع أستاذي, استفسرت من نظراتهم الصامتة جاوبني الأستاذ كوني ره ش قائلاً:
ـ تذكرنا الأميرة روشن بدرخان التي قالت لنا عين الجملة التي ذكرتها الآن, في إحدى زياراتي لها كان الأستاذ خليل بصحبتي و عندما لاحظت الأميرة روشن تأثرنا الشديد بالبدرخانيين قالت لنا:( عندما كنا أحياء كنتم غير موجودين... ).
إذاً.. إنها نقطة الإثارة بين الحياة و الموت.. أكون أو لا أكون, عندما يتوهج المجهول فوق الكف الأعمى للقدر, عندما تتحول قطرات الندى الربيعية إلى نبيذ و لا يشربه أحد سوى المعذبون, عندما يتسلط داء الظلم على أجساد اختلست هوياتها التي تتبع الميلاد رغم التشتت و الضياع, حينئذٍ تبدأ الذاكرة بإعطاء الروح للحكايات التي شهدت الحدث و منعتها السنين من البوح حتى حضرت البدايات من خلف الجبال و من قاع الوديان و من بين الغيوم و السحاب كي تتحدث إلينا عن الماضي الذي يلد الحاضر و المستقبل و لا يرضى الرضوخ أبداً.

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]