www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
10.05.2003 - 10:38
خسرو بيربال - رسالة سفر من أربيل إلى هلسنكي
روح في الأسئلة الصامتة و لذة في الأجوبة المقاومة


بيوار إبراهيم - قامشلو


بيوار إبراهيم
عندما تمنح الأقدار رسائل الأسفار المجهولة دروباً آمنة تعبر عليها الحدود المستعصية كي تحمل الآمال إلى مدنناً اجتاحها الظلام بعد تجريدها من النور و الضياء...

هكذا تبدو علاقة الإنسان بالأرض التي تمنح أولادها بكرة المزايا و تعلقهم بأجداثٍ عطرها نرجس و بخورها ليلك و قرنفل...

منذ بداية الانتفاضة المليونية الكوردستانية الباسلة عام 1992, و أنا أتابع دروب الأدب و الثقافة التي تتجه نحونا, هذه الدروب التي أضيئا بمئات المصابيح, امتزج زيتها مع الدموع و العرق و الدم.. حتى تحول كل مصباح إلى منبر للفرسان الأوفياء و شاء القدر أن منحني رؤية بعض من هؤلاء الفرسان الذين يتخطون وعورة الدروب و يخترقون أسلاك النيران, كي يصلوا إلى أهداف إنسانية ما زالت سجينة الجدران و الصدور...

كان الأصيل يهمس للمساء عن موعد الحضور, كنت كما العادة أحاول فك رموز جسد كل زمن يعبر فوق أجسادنا حتى حضر المساء حاملاً بين ضفائره رسولاً كوردستانياً من أربيل ذو قامة فارعة و ملامح هادئة مبتسمة يحمل في قلبه رسالة من رسائل الأسفار المجهولة التي تبحث عن النور عبر الدروب الطويلة و الأوطان البعيدة, هذا الأربيلي كان ( خسرو بيربال , الكاتب الكوردي ) الذي أثبت لي معلومة أن الأربيليين متواضعين لكنهم لا يتنازلون عن الشموخ و الكبرياء, أعطاني رسالة شفوية من جعبته التي امتلأت بالرسائل عبر الأسفار, حيينها أدركت معنى الارتباط الروحي و المعنوي بالمستعصيات التي ترفض الركوع لعواصف الهدم و أعاصير الانهيار, أيقنت إن روح الأسئلة تكمن في الصمت و لذة الأجوبة تكمن في المقاومة و مع هذا أخرجت الأسئلة من مخابئها و بادرته بالسؤال:

_ من هو خسرو بيربال و أين هو من كوردستان - و تحديداً أربيل _ التي منحتموها أرواحكم فمنحتكم الحرية و زيارتك لها, بسبب الاشتياق أم هناك سبب آخر ؟


خسرو بيربال
* ولدت في مدينة (هةولير) أربيل في سنة 1966 و كبرت و تعلمت فيها, لأمٍ من منطقة برادوست, و قرية ( روستى ), لام كباقي الأمهات الكوردستانيات , فهي لم تقرا و لا تكتب ! و لكنها مصيبتي لي كانت : يجب أن تدرس و تتعلم ,و والدٍ فريد من نوعه لعشقه المرح و زرعها بين الآخرين  كان يحب  الحياة  كثيرا ,  في بداية سنة 1989 , قبل الحرب و المسرة المليونية في كوردستان , بعدما أدركت بان وجودي في العراق في ضل الضروف السياسية و الاجتماعية التي كانت سائدا , لم تعد تسمح لي بالعيش , و لم اكن مقتنعا بالحرب و الدمار مع الدول و الشعوب المجاورة, رفضت الالتحاق بالجيش و حياة العسكرية, بعد إنهائي الدراسة الجامعية في جامعة صلاح الدين, كلية الإدارة و الاقتصاد سنة 1988 سافرت إلى باريس لمتابعة الدراسات العليا و هناك حصلت على ماجستير في الاقتصاد لكنني تركت باريس و توجهت إلى فنلندة و هناك أتابع  حياتي و كتاباتي , و أيضا أتابع دراستي بهدف الحصول على التجربة و لكي أكون على تماس مع العالم الأكاديمي في فنلندا , , أنا متزوج من امرأة فنلندية تعمل في المجال الخدمات الاجتماعية و لي ابنة اسمها ( آفا  ) أعيش الآن في مدينة لاهتي , و هي قريبة من هلسنكي, أنا هنا منذ 1996 , و خارج كوردستان منذ 1989 , بعيد عن محلتي - ته يراوه - و لكن كوردستان هي الأرض و الوطن و اللغة و الكيان لا أستطيع تركها و_ تحديداً أربيل _ مهما ابتعدت عنها أشتاق إليها, و أنني متأكد سوف أموت فيها حتما !  ,في اربيل عندما وصلت إليها كان والدي بين الحياة و الموت لم يتوقع رؤيتي لكن القدر جمعني به و هو على سرير الموت سرد لي نكاته المضحكة كالعادة حيث اختلطت دموع الحزن بدموع الضحك فوق ملامحي و كانت تلك آخر النكات التي أسمعها منه لأنه خرج من غرفة العمليات إلى الضريح الأبدي تعلمت منه إن المرح يهدأ الجروح التي تبكي بين ثنايا الروح, نعم كان والدي مرحاً حتى آخر نفس في حياته, قد تكون رؤية والدي هو السبب الأساسي لهذه الزيارة لكنني لا أخفي اشتياقي لربوع كوردستان التي تبعث الروح في داخلي و تجدد الحيوية و النشاط في جسدي هذه هي كوردستان و أربيل بالنسبة إلي ؛ ولادة دموع من الحزن و الضحك لكنها سرعان ما تجف مع رياح هبوب ابتسامات الأمل.

_ و د. فرهاد بيربال كم أرغب بنفحات من عطره و أين أنت من ظلاله ؟

* فرهاد بيربال هو شقيقي الأكبر, التحق بالجبل عام 1984, وأنني تعلمت و تأثرت به في البيت كثيرا ,  الى درجة , في بداية كتاباتي الأولية - كانت أشعارا - القراء و الأصدقاء كانوا يتصورون , بان كاتبها هو فرهاد !  هو سافر أثناء الحرب مع ايران في 1983 إلى دنمارك و ثم فرنسا و باشر دراسته و حصل على الدكتوراه في الأدب الكردي من جامعة السوربون في باريس و هو الآن مدير ( بيت شرفخان البدليسي ) الأدبي في أربيل, فهو منذ الانتفاضة الكوردستانية و تأسيس الحكومة الكوردية سنة 1992  هو قرر ان يرجع الى الوطن, و يعمل و يشارك في بناء الوطن, وأنني بنفسي ودعته إلى مطار باريس سنة 1994 ,فرهاد , بالرغم من أنه البكر لكنه و بعد عودته إلى الوطن تزوج متأخراً من الشاعرة ( ترزة فائق الجاف ) فهي كاتبة و شاعرة أيضا, لقد تعذب في الكثير من مراحل حياته و لهذا فإن ظلاله ثابتة و قوية يستطيع أي فرد الاستظلال به, كيف بي و هو الشقيق الأكبر و الصديق الأقرب و الأديب الذي يمنح كل سائل ما في جعبته.

قاطعت كلامه سائلة:

_ بإضافة الشاعرة ترزة الجاف و بالمناسبة أنا أتابع قصائدها عن طريق مجلة ( بيف ) الغراء, ستتحول العائلة إلى خلية أدبية أليس كذلك ؟

جاوبني و الابتسامة تسبق الجواب:

* نعم... أخي صباح بيربال أيضا كاتب وشاعر, وهو الاولى في عائلتنا و درس التاريخ في نينوى و له دواوين متعددة  مطبوعة و لهو أسلوب و لغة كوردية جميلة و هو ألان يعيش في كوردستان , لكن يبقى زياد - آخي الأكبر- الوحيد الذي يعمل ألان في التجارة في كوردستان..

اكتفيت بهذه الأسئلة بعد أن توهج الكحل بين أهداب ذلك المساء الخريفي الهادئ الذي رسم ملامحي داخل الكف الأيمن لعبور توقعات اختنقت قبل الولادة, من كلامه وصلت إلى حقيقة أن الضحك في هذا العصر أصبح تحفة نادرة, نعم يمكن لأي إنسان أن يبكي في وقت لكن أن يضحك هيهات.. لأن الحزن يركض نحونا بسرعة الضوء و الفرح يهرب منا بنفس السرعة أيضاً.

كان حضوره مفاجأة قطع أنشودتي مع التضحية بالذات من اجل ذات أكبر, امتحنتُ صراخي الممزق بين حافات الصمت أدركت انه كوردي _ أوربي و انه يخترق شيخوخة الغربة التي تنخرط مع البكاء, أشعرني خسرو بيربال هذا الأربيلي الأصيل إن ظل الضحكات توقف طبول المراثي التي تضج في ساحات حياتنا و تذوب المسافة بين البكاء و الحزن و بين الجرح و العذاب و بين الضياع و الضباب... شعرت إن الأغاني المستحيلة التي تدندن في صدورنا تقسم أعمارنا بين ربيع يأتي و ربيع يرحل و تكتب عناويننا في صدره.

حدثنا عن التجربة الديمقراطية في كوردستان و شرح لنا الأسباب و الظروف و التفسيرات لهذه التجربة الكوردستانية الفذة و عن نهج البارزاني الخالد و عن افتخار كل كوردي مخلص بهذا الإنجاز العظيم,افتخار به حيث و لأول مرة بفضل هذه التجربة يتنفس أبناء كوردستان رائحة الحرية و يفتخر الجيل الجديد بها لأنهم ولدوا أحرارا تحت سماء الديمقراطية.. .

نعم سيعرفنا الكون عندما نكون في أعماق الحرية, إنها نمنمات الآمال تتحدث عن الشمس التي تفرش ضفائرها فوق حقول السنابل و تسد فيض الجروح كي نتوغل في بناء حلم لا يزول, حلم متين يحتوي قامات الرجال الذين يزرعون الشموخ بين ارض لا تموت أبدا.

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]