29.05.2003 - 23:03
رحلة
عبر تقلبات
الزمن
من
الأميرة روشن
بدرخان إلى
الأميرة سينم
خان
(في
الذكرى
الحادية عشرة لرحيل
الأميرة روشن
بدرخان)
بيوار
إبراهيم - قامشلو

بيوار
إبراهيم
|
لو
استبدلنا
الدموع بمياه
الينابيع
لكفكف البكاء
عن أنانيته ,
لو نبشنا
بضمير يقظ و
قلب ناصع تلال
الذكرى
لأبتعد عنا توابيت
الهزائم و
تلثم بجلباب
الخجل من عيون
تفقأت
بسكاكين
السعادة
الخيالية و
الانتصارالوهمي
.
لكن
الفراغ
الملوث
بشظايا
الأفكار
الخبيثة و البحر
الهائج من
جراء العواصف
المستترة ,
اندهش من شدة
تمسكنا بآخر
نقطة من رذاذ
المطر و احتضان
آخر موجة
متقلبة ,
حينها أدركت
الأفكار إننا
نرسم الطهارة
على صفحات الخبث
برذاذ المطر و
نكسر العواصف
المستترة باحتضاننا
للأمواج
بحثنا عن
الكائنات
الخربة , لكن
الاحتباس بين
هزال
الأساطير
الكاذبة
قتَلها ,
فتحولت هذه
الكائنات إلى
أشرعة ممزقة
وعواصف عمياء
داجية .
هي
ذي الرحلة
التي تأخذنا
عبر تقلبات
الزمن , كلما
بحثنا عن
السعادة
الخاصة ,
ترفعنا
التوابيت نحو
الهواء كي
نتخلص من
شراهة
غريزتنا
الوجودية ,
لكن من يستطيع
الولوج أمام
شراهة عقول
نضجت و تفتحت
عبر دروب
سلكتها من
جراء الظلم و
الاستبداد ,
فيبقى بريق
هذه العقول
متوهجاً و
منيراً حتى
عندما
تغادرنا
أجسادنا .
و
كي نستطيع
إبراز وهج
العقول و
ترميم قبلة الثقافة
الكوردية و
نحسن من أداء
صلاة المصلين في
محرابها , لا
بد ان نجمع
الكثير من
قطرات الدفء
التائه و
نوزعها على
قلوب تكاد
تنطفىء من شدة
تلحفها بأغطية
ثقيلة مصنوعة
من أوراق
النسيان و قد
تغطت أم
الكورد
الأميرة روشن
بدرخان بإحدى
هذه الأغطية
كسائر
البدرخانيين
و لابد لنا ان
نزيح أوراق
النسيان
المتراكمة
فوق صدر
السيدة الأولى
التي قرأت و
كتبت باللغة
الكوردية _ الأبجدية
اللاتينية _
في صفحات
المجلة
الساطعة حتى
الآن ( هاوار ) ,
التي كان
يصدرها الأمير
الخالد جلادت
بدرخان زوجها
و ابن عمها ,
هذه الأميرة
الشامخة كانت
بمثابة كوكب
يحمل بين شعاعها
الفجر و
الأصيل , جعلت
من حياتها
مشعلاً
متوهجاً كي
تضيء الدروب
المعتمة ,
قالت كلمتها
المشهورة و هي
على فراش
الموت : ( أعطني
وحدة الكورد ,
أعطيك
كوردستان
مستقلة ) كرست
كل قواها
للكتابة و
مساعدة
الفقراء ,
كانت واثقة من
نفسها , قوية و
عظيمة مثل
جبال آرارات و
جودي .
قدمت
للثقافة
الكوردية
خدمات نحسد
أنفسنا عليها
هذه
البدرخانية
الأصيلة ,
كانت الكوردية
الوحيدة التي
ساهمت في
مؤتمر ( أنتيكولونياليزم
_ ضد
الاستعمار / 1957 ) و
قد ملأت مقاعد
الكورد
الخمسة
لوحدها حيث انعقد
المؤتمر
الأول لبلدان
البحر الأبيض
المتوسط و
الشرق الأوسط
موفدة في
المؤتمر و قد
تسلمت في
اليوم الأخير
من هذا
المؤتمر دورها
في الحديث حيث
ألقت كلمتها
بكل شجاعة , رغم
ردود أفعال
الوفود
العربية
المشاركة , و وزعت
النص الفرنسي
للكلمة على في
المؤتمر .
تقول
الأميرة روشن
بدرخان في
مقالة لها
نشرت في إحدى
أعداد مجلة (
هاوار _ عامود
السيدات ) : (
أخواتي
العزيزات كما
تعرفن ان سبب
الآلام و
الأوجاع الكبيرة
التي داهمت و
تداهم شعبنا
هو الجهل و الأمية
, انه مرض فتاك
و معدي و دواءه
الشافي هو
العلم و
المعرفة ,
أيضا يمكن فتك
هذا المرض في
مشافي خاصة ,
وهذه المشافي
هي المدراس و
الأطباء
الذين يعملون
فيها هم المدرسون
.. ان شعبنا
بحاجة ماسة
إلى إلى مثل
هذه المشافي لأنه
شعب مضطهد و
مظلوم و متفرق
.. لقد سلبنا
الأعداء كل
شيء .. لكن العدو
الحقيقي لنا
هو الجهل و
الأمية و عدم
المعرفة و
لهذا على جميع
الأمهات
الكورديات ان
تعلمن
أطفالهن أكثر
من الأمهات
الأخريات في
العالم . يجب
ان يتعلم
أطفالنا
اللغة الأم
قبل ان يدخلوا
مدارس
الآخرين و
يتعلموا
لغتهم .. ) .
لقد
كانت الأميرة
روشن بدرخان
مدبرة منزل و
مدَْرسة
متميزة لأنها
تخرجت من
مدرسة الأمير
جلادت بدرخان
و لهذا تأثرت
به كثيراً , بعد
رحيله و بعد
سنتين من
غيابه عنها ,
تقول الأميرة
روشن بدرخان : (
لم يكن
بالنسبة لي
زوجاً فحسب بل
كان أباً
رائعاً و
مربياً
فاضلاً .. تركت حادثة
وفاته أثراً
عميقاً في
نفسي , كانت
صدمة كبيرة لي
كدت افقد نفسي
.. لكن كلامه
الذي كنت
أتذكره كل
لحظة و كذلك نصائحه
و إرشاداته
قبل وفاته
بفترة ,
جعلتني أتمالك
نفسي , و كأنه
يعرف ان موته
كان قريباً .. ) .
كل
الأمواج
التائهة ترسي
على شطآن
مجهولة , لكن أمواج
الأميرة روشن
بدرخان رست على
شاطىء العلم و
المعرفة ,
فانتشلت
أولادها _ بل
أولاد الكورد
_ من جزر الجهل
والأمية و علمتهم
كيف يعشقون
العلم وزرعت
في قلوبهم
محبة الأرض و
اللغة محبة
التاريخ و
التمسك
بالجذور .
و
ها نحن نرى
اليوم حصاد ما
زرعته
الأميرة روشن
بدرخان قبل
عدة عقود
يتجسد في شخص ابنتها
الأميرة سينم
خان , التي
ولعت بحب اللغة
و الأرض على
يد والدها و
بعد رحيله
ارتمت إلى حضن
والدتها كي
تتمكن من
إكمال
المسيرة التي
سلكتها تحت
راية
البدرخانيين .
في
لقاءي معها
بمدينة دمشق ,
تمكنت من رصد
حقيقة جوهرية
لا يمكن لها
ان تضيع بين
أوراق النسيان
, إنها معنى
وجودية
البدرخانيين
بين الكورد حتى
لو تجسد هذا
الوجود في شخص
امرأة , لأنها
بحق ليست
امرأة عادية ,
كانت تبكي
بكبرياء و هي
ترد على سؤال
الأستاذ (كوني
ره ش) عندما
سألها عن مدى
عمق علاقة
البارزاني
الخالد و د.كاميران
بدرخان ؟ قالت
بشموخ : ( لقد
عرض البارزاني
الخالد على
عمي د.كاميران
بدرخان منصب
نائب رئيس
جمهورية
العراق , لكنه
رفض المنصب
بشدة و طلب من
القائد
البارزاني ان
يعينه مديراً
لمدرسة
كوردية حتى
يتمكن من
تدريس اللغة
الكوردية
لأطفال
الكورد .. ) , لم
يتوقف الأستاذ
(كوني ره ش) عن
أسئلته بل
سألها عن البدرخانيين
المتشتتين
هنا و هناك ,
ردت بشموخ
أيضا دون ان
تنشف بكاءها
الكبريائي : (
نحن البدرخانيين
انقرضنا مثل
الديناصورات , لم يعد
هنالك من
يستطيع حمل
عبء هذه
العائلة مهما
كان قوياً ,
الناس يلقبون
ابني آزاد
بالأمير , لكن حتى لو
أعدلت في
كنيته لا يمكن
ان يصبح
بدرخانياً ,
أما
البدرخانيون
المتشتتون
بين دول
العالم فقد
تغيرت كنية
أكثرهم من بدرخان
إلى جنار و
كوتاي في
أنقرة و
استانبول و
الذين يعيشون
في الدول
العربية فقد
حافظوا على
كنيتهم مثل
أحمد و علي
بدرخان في مصر
و عابدين و
عمار بدرخان
في دمشق و
هناك بعض البدرخانيين
الذين
ينحدرون من
سلالة يزدان
شير يعيشون
دمشق و الأردن
.. ) .
في
تلك الليلة
الدمشقية بحي
الأكراد في
منزل الشاعرة
الكوردية ديا
جوان , تمكن
الهدوء ان يخترق
تحجر العبرات
في المآقي , و
هدأت الأعاصير
التي اجتاحت
الأحاسيس و
المشاعر , في
تلك اللحظة
أحضرت
الشاعرة ديا
جوان الشاي ذو
النكهة
المثيرة زادت
إلى ذلك
الهدوء نشوة
طاغية ,
انتبهت إلى كأس
الأميرة سينم
خان و إلى
ثغرها كما
الماء الصافي
يخرج من صدر
الجبال ,
اندهشت من ذلك
الجدار
المصنوع من
الإباء و
الشموخ و
الكبرياء ؛ استرسل
الأستاذ كوني
ره شفي أسئلته
مجدداً و
سألها عن أيام
طفولتها و
صباها ؟
ارتسمت على
وجهها
ابتسامة
واسعة و بدأت
الحديث : ( بصراحة
لم أعد أتذكر
الكثير من
الأحداث ,
لكنني ما زلت
أتذكر بعض
أصدقائي أيام
الدراسة و
منهم جالا
أكرم جميل
باشا
دياربكرلي
كانت صديقة حميمة
لي .. ) .
في
تلك الليلة
الدمشقية
ركعت لليل ان
يتوقف و رجوت
الساعة ان
تتوقف عن
الدوران , لكن من
يستطيع سجن
الوقت داخل
زنزانة من اختياره
, و ما كاد عقرب
الساعة يرسي
على العاشرة
حتى التفتت
الأميرة
الشامخة إلي و
قالت : ( ها قد
انتهت الساعة
التي بقيتها
لأجلك يا ابنتي
, حان وقت
الرحيل .. ) ودعتنا
بحرارة , لم
أتمالك نفسي
ارتميت بين
أحضانها
الشامخة حتى
ارتشف القليل
.. القليل من الأصالة
و الإباء و
الكبرياء ,
حتى لا أنسى
أنني ركبت
رحلة عبر
تقلبات الزمن
, صحيح إنني لم
ألتقي
بالأميرة
روشن بدرخان ,
لكنني تبعت
آثارها حتى
وصلت إلى قلعة
صامدة تستحق
ان يهدى إليها
قاموس ضخم و
غني و هو
القاموس الأول
من نوعه بين
الكورد , انه
قاموس ( صلاح
الدين ) الذي
أعده المهندس
الأستاذ صلاح
سعد الله زوج
الأميرة سينم
خان و والد
آزاد و
دلناز , هذا
القاموس الذي
فرض هيبته على
الشعب الكوردي
لشدة غناه و
قيمته
الأدبية و
اللغوية و قد
أدى هذا
الانفراد
المتميز
للقاموس أن يتحدث
عنه كاتب و
باحث و مؤرخ
بقامة د. كمال
أحمد مظهر و
يقول : ( صلاح
سعد الله ,
صلاحٌ , و
الشعب
الكوردي مدين
له لمثل هذا
العمل الرائع
.. ) ؛ وهنا يفرض
المثل حضوره : (
وراء كل رجل
عظيم امرأة ) , لكنها
و لحسن الحظ امرأة
عظيمة بكل
معنى الكلمة ,
خرجت من عظمة
البدرخانيين
أباً و أماً و
مكانةً .
نعم
.. إنها رحلة
عبر تقلبات
الزمن
المر , الذي
يرصف عبث
أفكارنا بين
ضفاف الحياة و
يمد جسوراً
فوق أنهار
التأمل دون أن
ينتظر
كلمة شكر من
أية جهة , دون
ان يلجأ إلى حضن
مجهول , دون ان
يختار درباً
سلكه عابروا
السبيل .
إنها
رحلة ممتدة من
زمن إلى زمن ,
بين السراب و الأفق
, رحلة لقاء
بين الأم و
الابنة , إنها
رحلة تطفىء
شموع الأوجاع
و التأوهات و
تضيء آمال التوسلات
, رحلة تمكنت
بجدارة من
احتضان هامتين
على أرض واحدة
, رحلة عظيمة
بكل تجلياتها
... من الأميرة
روشن بدرخان
إلى الأميرة
سينم خان .
|
|
|