www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
04.03.2003 - 00:45
أصدقاء الجبال، أو الأكراد إذ صنعوا بأنفسهم وصُنع بهم ما يسدّ المستقبل

نزار آغري

لا يتعب كثيراً من يسعى في تمعن ماضي الأكراد. فهو يبدو، مثل الماء الضحل، يسير التناول سهل العبور.وإذا ما غضضنا النظر عن "اجتراح" الأكراد لماضٍ سحيق يعود بهم الى امبراطورية الميديين التي صارعت الفرس والآشــــوريين فإن أبعد مدوّن كردي لا يقــــفز عن حـدود بضعة قرون. فالاكراد بمـــثابة الأطفـال الأحدث عهداً في سجن التاريخ. لقد امتلك الآخرون التاريخ فيما بقوا، هم، تائهين. واستحوذ الناس على المراكز، وانتشروا هم في الأطراف. لم يكونوا المتن بل الهامش، ولم يكونوا الصوت بل الصدى.
يبدو كما لو أنهم تخلفوا عن الركب في كل شيء. واول ذلك انهم تخلفوا عن الاستحواذ على مكان يمنحهم الأمان ويفتح لهم الدروب لانجاز ما يليق بالانسان انجازه من عمران ومدنية. وحيث اقام الآخرون مساكنهم في السهول، وعلى مقربة من البحار، راح الأكراد يتراكضون في الجبال. وإذ شرع الآخرون في انشـاء المدن والحواضر عمدوا الى حفر الكهوف في بطون الجبال يمدون من فوقها الأعمدة وأغصان الشجر. هكذا انكفأوا هناك راضين من الحياة بأبسطها فكأنهم أداروا ظهورهم للدنيا. فلما انتبهوا الى انهم باتوا مهملين وان الآخرين أقاموا دولا وانشأوا حكومات، وان الحكومات صارت تطالبهم بالخضوع لسلطانها، تنادوا للعصيان ومالت أنفسهم الى التمرد. وامتلأت أيامهم بالمنازلة وانشغلت نفوسهم بالرغبة في اظهار ان لهم وجودا. والأرجح ان هذه الحال ما جعلت اليومي في حياتهم يطغى على ما عداه. لقد تغلبت النوايا بمعناها المباشر وهي لم تذهب في اتجاه القدرة على تدبير الأشياء تدبيراً حكيماً ووضع الأمور في امكنتها الصحيحة، بل هي توقفت عند انغماس في المماحكات اليومية التي لا تنتهي. وبفعل ذلك انحسرت الأشياء الأخرى من دائرة الحضور.
هكذا لم يتأسس في التـــقليد الثقـافي الكردي فضاء تنهمر فيه الحوارات والافكار المتنوعة، بل المتعارضة. لقد بقي السطح المكان الأبدي للمنازلة، وفي سياق كهذا لم يترسخ على وجه التقريب منجز فكري في أرض الثقافة الكردية. ومنذ المدونات الأولى سيطر الانفعال على الفعل وأخذ الصراخ مكان الهمس. وتكرست هذه العادة، بشكل أساسي، حين أراد شاعر الأكراد الأشهر احمدي خاني تحويل الشعر الى عربة لجر الأغراض والمقاصد المباشرة. لقد جعل خاني من نفسه نموذجاً لما ينبغي ان يكون عليه الشاعر: مرشداً للدين والدنيا، نبياً للقوم والعشيرة، آخذاً جانب الحمية والتعصب، نائياً بنفسه عن الانفاس العميقة للكلمة المبدعة والروح الشعرية. لقد حمل الكلمة والشعر بمثل ما يحمل المرء على كتفه أوتاداً لخيمة يستقر بها ويدعو اليها القوم.
واذ تتبع أثره الآتون من بعده تحول المثل الى طراز لا يحول. وصار للشعر الكردي بقعته القصية لا ينفتح منها على الضوء أو السماء. ولم تنعقد صلة مع فنون الناس وابداعاتهم فبقيت شـــــؤون الكتابة محــــصورة في حيّز ضيق وانكمشت على نفسها ونفرت من كل ســــعي في التقويم والتذوق. وصار النداء باسم القوم وهمومه العدة المثالية والوحيدة، للشعر. فمن يملك ذلك يصير شاعراً من فوره. وقل الشيء ذاته عن النثر وفروعه وما يجاوره من فنون.
من ذلك تبدو الثقافة الكردية وكأنها ذات قوانين خاصة تنفصل عن القوانين العامة للذوق والجمال. ولذلك صارت واجهة المشهد الثقافي الكردي تتزخرف باسماء بينها وبين الفن والأدب مسافة، بل انها غالباً ما تكون غريبة عنهما، طارئة عليهما. لقد نهضت الأسماء وترسخت، لا بفضل ملكات في الابداع ومواهب في الابتكار، بل لأنها تذرعت بالقول القومي وتسلحت بالشعار الآتي.
كل هذا منتوج انغلاق واكتفاء. انغلاق على الذات واكتفاء بالذات. وهو ايضاً منتوج انشغال بالسياسة في أدنى مراتبها: الانفعال بالمجريات ورفع العقيرة بالشكوى من مظالم الآخر. فكأن الانفعال والشكوى كافيان، في ذاتهما، لتحقيق المراد. هذه اشارة، أيضاً، على ما تنتجه ثقافة الانغلاق والانفعال من آثار متواضعة لا ترقى الى أي مقام، وهي اشارات على أن الأصنام التي تصنع في باحة الدار الخلفية، بعيداً عن أنظار الآخرين، ليست سوى هياكل فارغة لا تصمد لريح الزمن.

الحياة, 02.03.2003

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]