www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
24.07.2003 - 01:06

وجود الكرد التاريخي في سوري االحديثة
لمحات من تاريخ الكرد الحديث والمعاصر في سورية


إسماعيل خليل تاكوري

مقدمة

تعرض تاريخ الشعب الكردي بشكل عام وعن سابق قصد للتشويه والتزييف تارة وللإخفاء والاحاطة بالغموض تارة أخرى من قبل غالبية الساسة والعلماء ورجال الفكر في تلك البلدان التي تحتل كردستان اليوم وكذلك في تلك الدول الأوربية التي تربطها بالدول المحتلة مصالح إقتصادية وعسكرية وسياسية[1]. ومن الطبيعي أن تستثنى بعض الأقلام الجادة والعلمية التي إختلفت رؤيتها الحضارية ومنطلقاتها الثقافية من هذا المعسكر أو ذاك.وتزداد الوطأة شدة فيما يخص تاريخ الشعب الكردي في سورية ولا سيما مراحله المتأخرة، أي مطلع القرن العشرين وحتى أيامنا هذه.
ترى لماذا مثل هذا الإجحاف بحق الشعوب؟؟ وعدم الإنصاف عند الوقوف على الحقائق التاريخية المحددة الملموسة؟؟.
حاولت بعض الأوساط العلمية الكردية وغير الكردية القيام بدراسة التاريخ الكردي في سوريا، الا أنها كانت عبارة عن نشرات إعلامية أو دراسات موجزة لجانب محدد من تراث هذا الشعب الذي لا يعترف بوجوده على النطاق الرسمي، وهو وجود تؤكده التدابير التي إ تخذت وتتخذ ها بحقه.
إنطلاقاً من ذلك قررنا المساهمة المتواضعة في إلقاء الضوء على بعض الجوانب التاريخية والإجتماعية والإقتصادية في الفترة التي ذكرناها آنفاً مع الوقوف السريع على المراحل السابقة لها، بغية تكوين لوحة حقيقية للواقع الكردي ووجوده التاريخي في سوريا.
تكمن أهمية هذا البحث في أن ّ الكثيرين من أبناء الشعب الكردي في سورية وكذلك أبناء الشعوب الأخرى التي ت عيش سوية منذ آلاف السنين على هذه الأرض المعطاء يجهلون تماما المقومات الحضارية للمنطقة لأسباب ذاتية وغير مرتبطة ب هم أو موضوعية، لذا سنسعى بشكل علمي ودون الإنحياز التاريخي,, إن كان ذلك ممكنا،، بيان تلك المسائل التي كانت مجهولة حتى بالنسبة للمهتمين الأكراد أو للباحثين الآخرين ووضعها في قالبها التاريخي المحدد، علماً أن المواد المتوفرة لا تسمح لنا أن نصور الخريطة الفعلية لموضوع بحثنا هذا بالشكل الأمثل والمطلوب.
إن الشعوب والدول المعاصرة المجاورة للشعب الكردي والتي سكنت وتسكن معه في بلدان مقدمة آسيا مرت بالمراحل التاريخية المعروفة مرحلة ما قبل التاريخ ثم المرحلة التاريخية المرتبطة بظهور الكتابة الأولى السومرية ويبدأ التاريخ من هذه النطقة ومنها تبدأ المرحلة الأولى، التاريخ القديم ثم التاريخ الوسيط والتاريخ الحديث والمعاصر [2] .
أن سورية بحدودها الجغرافية عبر مختلف العصور التاريخية كانت عبارة عن نقطة إلتقاء للحضارات المختلفة من حيث أصولها وهذا ما جعلها أن تنش ئ حضارة متميزة فريدة من نوعها، ألا أن ذلك لا يعني بأنها بمناطقها الحضارية المختلفة لم تكن مهدا للمجتمعات البشرية الأولى في مرحلة ما قبل التاريخ والمراحل التاريخية اللاحقة.
في مرحلة المجتمعات الإنسانية البدائية ( مرحلة ما قبل التاريخ) انتشرت حضارات زاهية في الشمال السوري( إحدى المناطق التي تعتبر موطن أسلاف الكرد الأوائل) و ا متدت الى جميع المناطق المجاورة.

I-أسلاف الكرد القدامى

في النصف الثاني من الألف السادس ق.م ظهرت حضارة تل حلف . لقد أخذت هذه الحضارة إسمها من موقع تل حلف في شمال غرب رأس العين( سه رى كانى Serê Kaniyê) على ضفة نهر الخابور، فقد كانت أول ثقافة ضخمة ومتجانسة إمتدت من شمال وشرق ميزوبوتاميا وحتى سواحل البحر المتوسط غرباً ومن الأناضول شمالا وحتى البقاع جنوباً. [3]
سكن التل حلفيون في بيوت مستطيلة الشكل مبنية من الطين والقصب ولكنهم بنوا نوعا جديدا من البيوت الدائرية ذات الجدران الرقيقة والسقوف المقببة، وتميز التل حلفيون بصناعة الأواني الفخارية المختلفة الأنواع والألوان. [4]
إنتشرت زراعة القمح والشعير والكتان والقنب ودجنت الأغنام والماعز والخنازير، كما ا ستخدمت المعادن كالرصاص والنحاس في صناعة أدوات الزينة والأدوات الخفيفة خاصة.[5]
بعد أن ا ختفت الحضارة التل حلفية في المنطقة، برزت على أنقاضها ، أو الأصح كحلقة إستمرار للتي سبقتها، مجموعة قبائل كبيرة تعرف بإسم ( الحوريين- الهوريين). سكنت هذه القبائل في شمال ميزوبوتاميا والمناطق السورية المجاورة وحتى الهضبة الأرمنية، غير أنه لا تتوفر المعلومات الكافية عن حضارة هذه القبائل. ولكن الأمر المتفق علي ه أن القبائل الهورية لعبت دوراً مميزا وبصفة مؤسس في قيام الأثنوس الكردي وشعوب أخرى تربطها به أصول مشتركة وأرو م ة سلالية واحدة.
في الألف الثالث قبل الميلاد إزدادت حركة القبائل السامية في بلدان مقدمة آسيا وأخذت تتشكل إمبراطوريات كبيرة ا نضمت اليها المناطق المجاورة لها. لهذا يصبح صعباً على الباحث تحديد الشعوب أو القبائل التي ساهمت في قيام أسلاف الشعب الكردي في المنطقة التي هي قيد دراستنا في هذه المرحلة، سيما وأن المصادر المتوفرة الآن لا تتعرض الى تلك الأمكنة التي كانت واقعة في أطراف تلك الأمبراطوريات.
ومع إطلالة الألف الثاني قبل الميلاد برزت على الحلبة التاريخية في المنطقة التي تحظى باهتمامنا وكذلك المناطق الحضارية المجاورة الأخرى( شمال ميزوبوتامياوآسيا الصغرى غربي إيران)، قبائل هندو-أوربية تركت بصماتها ليس في مجال اللغة فحسب، وإنما في جوانب عديدة من الثقافة المادية والروحية للسكان في الأقليم.
يؤكد الكثير من المؤرخين أن الميتانيين (وفيما بعد السوباريين) الذين كانت عاصمتهم (واشوكاني Waşokanî [6] المتواجدة آثارها في منطقة منابع نهر الخابور قرب مدينة (رأس العين = سه ره كانى) من أجداد الأكراد الأوائل. [7]
في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد أضحت الشعوب المنتمية الى السلالة الهندو-أوربية واقعة تحت نفوذ القبائل السامية الآرامية وبشكل خاص الدولة الآشورية التي قضى الكلدان والميدي و ن معاً عليها. وبهذا الشكل أصبحت الظروف مهيأة مرة أخرى لقيام دولة مستقلة تعرف
بميديا؛ تلك الدولة التي سيطرت على منطقة واسعة من آسيا القديمة بدءا من بحر الخزر (قزوين) وشرق جبال زاغروس وغرب ب آ سيا. حيث تشكل هذه المساحة جزءا من الأراضي التي تعرف اليوم بكردستان. [8]
مما لا شك فيه أن القبائل الميدية التي ظهرت حوالى القرن التاسع قبل الميلاد واستمرت حتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد ، تعد إحدى حلقات تاريخ الشعب الكردي القديم التي لعبت دورا أساسيا في نشأته. علما أن سلالات أخرى قديمة ساهمت في كيان تلك القبائل، هذه الشعوب التي دخلت في عداد الشعب الكردي في المراحل التاريخية اللاحقة أو أحيانا أقامت كيانات سياسية مختلفة لها حدودها وحضارتها المتميزة.
يعتقد المؤرخون أن الميديين أكراد بدليل شدة تشابة اللغة الكردية الحالية بالميدية. وتذكر دائرة المعارف البريطانية 1929م، أن الميديين إندمجوا بالأكراد بعد سقوط دولتهم، أو أن الأكراد أحفاد الميديين. [9]
مهما يكن ف أن مجئ القبائل الميدية واستقرارها في المنطقة مع السكان المحليين القاطنين بشكل رئيسي في الأماكن الجبلية العالية أو بالعكس كانت مقيمة هناك منذ القدم، مما يعزز مفهوم النسب المشترك بين الشعب الكردي المعاصر وأسلافه الميديين وغيرهم من الشعوب القديمة التي عاشت في بلدان مقدمة آسيا( بلدان الشرق أو الأوسط). [10]
وبمنتصف القرن السادس قبل الميلاد وحتى بداية العصور الوسطى احتلت وطن الكرد إمبراطوريات مختلفة الأخمينية والساسانية تارة و الأغريقية والرومانية تارة أخرى ثم العربية الإسلامية.

II- الكرد وكردستان في العصر الوسيط

بدأت مرحلة العصر الوسيط بالنسبة لبلدان مقدمة أسيا (بلدان الشرق الأدنى او الشرق الأوسط )بظهور الحضارة العربية-الأسلامية التي ضمت كذلك بلاد الكرد كردستان.فقد كانت مجتمعات ذلك العصر مؤلفة من امارات وممالك عديدة مبعثرة هنا وهناك لها حدودها الخاصة وراية واحدة وزعيم واحد مع حاشية معينة تقوم بأدارة المملكة وتنفذ الفرمانات الصادرة عن زعيمها .كانت هذه المواصفات تنطبق على كردستان أيضا،باستثناءخصائص تطور المجتمع الكردي المرتبطة بالظروف الجغرافية وعوامل أخرى حددت فيما بعد مجرى تطوره العام.إلا ان الأمر أضحى أكثر تعقيداً عندما أقتسمت كردستان بين الأمبراطورية العثمانية والشاهنشاهية الأيرانية في بداية القرن السادس عشر الميلادي.فقد شكلت هذه العملية عائقا كبيرا في توحيد تلك الدويلات ورسخت بهذا الشكل مفاهيم سياسية غريبة متناقضة مع التطور التاريخي الطبيعي للمجتمع الكردستاني الذي ما يزال يعاني منها [11] فضلاً عن أن الحملات المستمرة التي شنتها(القبائل التيوركية القديمة) [12] (السلاجقة والمغول والتتار)على العالم المحيط بها وخاصة تلك التي أتجهت نحو بلدان مقدمة آسيا،مرت عبر اراضي كردستان. فقد شكّل مرور تلك القبائل المتبربرة خطورة كبيرة بالنسبة لكيان الأمارات الكردية، ب حيث أعاقت تلك القبائل ايجاد المقدمات الضرورية للإمارات الكردية ل لإ نخراط التدريجي والتطور الموضوعي في دولة سياسية واحدة في المراحل التاريخية اللاحقة.
بالرغم من الهجمات المستمرة للقبائل التيوركية القديمة على كردستان في النصف الأول من العصر الوسيط وحتى نهايته الى حد ما و بالرغم من التقسيم الجائر والتفكيك المصطنع لبلاد الكرد،فقد أنتشرت على امتداد أراضي كردستان ممالك وأمارات لعبت دورا سياسيا وعسكريا في الحياة التاريخية لمنطقة مقدمة آسيا ، لعل أشهر الأمارات الكردية للمرحلة التاريخية الأولى من العصر الوسيط هي الشدادية التي أسسها محمد ابن شداد ابن كارتو من قبيلة روادي التي ينتمي اليها صلاح الدين الأيوبي. وفي 1072م انقسمت الأسرة الحاكمة الى قسمين:(غانجاوآني) وبهذه المناسبة فأن فرع (آني) ينتمي اليها الجيورجيون أيضا. لقد خلّف أمراء بني شداد آثار اّ رائعة من البناء العمراني ومن أشهرها جامعت ا ن بمدينة(آني) مدينة1001كنيسة [13] .
ان أكثر الأمارات شهرة هي الأمارة المروانية التي تسمى أحيانا بالدوستكية نسبة الى مؤسسها أبي علي ابن مروان ابن دوستك [14] . لقد شمل حكم الدولة المروانية (990-1096)كافة الأراضي الواقعة في ولا يا ت ديار بكر (آمد) وماردين وسرت وبدليس ومقاطعات أخرى في ال ولايات وان وخربوط ، الاضافة الى رها (أورفة) والمنطقة الكردية في شمال سورية بدءا من سرى كاني (رأس العين )وحتى نهر دجلة.
سوف نقف على تاريخ هذه الأمارة لكونها على صلة مباشرة بالمنطقة التي هي قيد دراستنا،وبالاعتماد على مؤلف الدكتور سهيل الزكار [15] في تاريخ الحروب الصليبية،الذي يشير بدوره وبايجاز الى استقرار عدد كبير من القبائل الكردية في شمال الموصل بعد سقوط الدولة الحمدانية ظهر رجل في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي اسمه ((باز))،الذي أستولى على آمد (ديار بكر ) ونصيببين وميافارقين حتى وصل الى بغداد حيث قتل سنة 990.حكم الأمارة من بعده أقرباؤه و أشهرهم الأمير ابو ناصر أحمد (ناصر الدولة أحمد ) فقد كان حاكما عادلا ومنصفا ومتنورا ً استطاع ان يوطد سلطة المملكة بين ثلاث دول قوية.وبهذا الخصوص يشير سهيل الزكار الى أن ناصر الدولة المرواني كان ال أكثر شهرة بين حكام الأسرة المروانية وقد أستمر حكمه لمدة (50) عاما أستطاع ناصر الدولة أحمد أن يرفع من مكانة الدولة المروانية.ولقد أحسن استغلال الموقع الأستراتيجي لآمد (ديار بكر )الذي كان يتحكم بطرق المواصلات والتجارة بين العراق وبلاد الشرق الأسلامي من جهة وبلاد الشام والأناضول من جهة أخرى [16] . أما أهم مدن المملكة فكانت آمد (ديار بكر )العاصمة وميافارفين هذا الى جانب نصيبين وجزيرة بوطان وغيرها.
وأخيرا لابد من التنويه الى الأمارة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين المنتمي الى قبيلة روآدي في منطقة قر ه باغ بكردستان تركيا القريبة من بحيرة وان مع الأشارة الى أن قوام الأمارة لم يكن من الأكراد بشكل أساسي ولم تكن قائمة على أراضي كردستان ، وربما كان جزء ضئيل منها ضمن حدودها، وشكلت الفئات المسلمة غير الكردية العمود الفقري لها. علما أن العشائر الكردية لعبت الدور الحاسم في المعارك العسكرية التي خاضتها الإمارة.
مازالت آثار الإمارة الأيوبية باقية في الكثير من المدن السورية من مدارس في دمشق وقلاع منتشرة في مختلف المناطق السورية وغيرها. ألا أنه جرت وتجري محاولات يائسة لإخفاء ذلك وإهمالها عن عمد سعياً وراء إخفاء تلك المرحلة النيرة من تاريخ الشعبين العربي والكردي أمام أجيالهما .
بالرغم من ذلك فقد لعب الأكراد الأيوبيون أدوارا متميزة في تاريخ سورية الوسيط وحتى أيامنا هذه، وسوف نبين ذلك لاحقا عند الإنتقال الى بيان دور الشعب الكردي في سورية الحديث ة والمعاصر ة .
إن حملات الشعوب التيوركية القديمة المارة عبر وطن الكرد باتجاه بلدان مقدمة آسيا،كما أشرنا سابقا، من ع ت هذه الدويلات والممالك من تشكيل القوات اللازمة لحمايتها ، وعرقلت التطور الإقتصادي والسياسي لها. غير أنها لم تقض علىحرية الشعب الكردي وكياناته السياسية التي سرعان ما بدأت ، بعد إنتهاء كل حملة ، تلم شملها وتقيم مؤسساتها هنا وهناك حسب الظروف المتاحة والإمكانيات المتوفرة.
في المرحلة الثانية من العصر الوسيط ومع بداية القرن ال16 وحتى القرن ال 19 تشكلت الدولة الفارسية والعثمانية ال ل ت ان إقتسمتا كردستان.
وهكذا إنقسمت كردستان وبدأت الدولتان كل منها على حدة تفكر باستخدام الممالك الكردية ضد الأخرى أحيانا ، أو إشعال الفتن بين الإمارات الكردية ذاتها لتصبح كل منها لقمة سائغة لكل دولة، وكانت أحيانا أخرى تضطر بعض ا الى طلب المساعدة من العثمانيين أو من الفرس لتنتقم من أبناء جلدتها الكرد وتثأر من هزيمة تعرضت لها في إحدى غزواتها ضد إمارة كردية مجاورة، وبذلك ازدادت مسألة الإستقلال السياسي للشعب الكردي تعقيداً .
ومع ذلك فقد شهدت هذه الحقبة التاريخية قيام كيانات إقطاعية سياسية تتمتع بنوع من الإستقلال في إطار الإمبراطورية العثمانية والشاهنشاهية الإيرانية وأصبح بوسع البعض منها سك النقود وإحلال أسماء زعمائها محل أسماء الملوك والسلاطين في الأدعية التي يرفعها أئمة المساجد [17] .
إ لا أن تدخل الحكومات المركزية في شؤون الكرد السياسية حرمهم من معرفة المبادئ الأساسية من الفهم الصحيح للحقوق والواجبات بالنسبة لمفهوم الدولة لم يكن الإنسان الكردي يتصور نفسه خارج نطاق محيطه الضيق(كالقبيلة العشيرة والقرية وغيرها) ولم تتبلور لديه بشكل كاف مقومات المجتمع المعاصر القائم على أساس الخدمة العسكرية الإجبارية والسياسة الضريبية والإلتزامات القانونية المختلفة.
في أواخر القرن ال 17 الميلادي بدأت السلطات العثمانية تتدخل في الشؤون الكردية.فبعد هزيمة القوات العثمانية سنة 1683م بضواحي فيينا، لجأ سلاطين بني عثمان الى سياسة,,فرق تسد،،أو أحيانا إستمالة بعض الأمراء الإقطاعيين الى جانبهم. وحينما أدرك بعض من زعماء الكرد ضرر هذه السياسة الماكرة، إستخدم االعثمانيون وسائل الغدر والخيانة أو القضاء عليهم عن طريق شن الحروب. والتاريخ الكردي بمراحله المختلفة شاهد على ذلك.
تعتبر المملكة الزندية(1752-1795) في كردستان إيران التي أسسها ,, كريم خان زندي،، المعروف في التاريخ بالملك العادل والراعي لحقوق الإنسان والفن-المحاولة الكردية للحفاظ على الوجود الكردي في الصراع الدائر بين الممالك الإيرانية المختلفة.ألا أنها لم تترك بصمات قوية في التاريخ الكردي.
شهدت كردستان في القرن ال19 وما بعده كثيرا من الإنتفاضات التي ساهمت في قيام إمارات كردية متعددة كانت تهدف الى الخلاص من التجزئة والضياع وسيطرة الدولتين العثمانية والفارسية ونيل الإستقلال السياسي، ولكن معظم هذه الممالك تميز بقيادتها الإقطاعية الدينية وضعف الفكرة القومية لديها ، ومع ذلك فقد كانت تحمل الطابع الجنيني للرأسمالية [18].
لقد عرف التاريخ الكردي الوسيط ممالك وإمارات عدة ولعل أكثرها شهرة والتي وضعت ال ل بنات الأولى في تعزيز الروابط القومية وتوطيد الشعور بالإنتماء الى الأمة الكردية هي:
إمارة أردلان- إمارة بدرخان في بوتان- إمارة راوندوز- إمارة بهدينان- إمارة بابان. [19]
ان الطابع العام للممالك الكردية في هذه المرحلة هو كونها حركات تحررية .الا ان قياداتها بشكل عام كانت اقطاعية محافظة متأثرة بمفاهيم دينية وفئوية . ولذا لم تتمكن من تحقيق الأهداف القومية الوطنية واحراز النصر على القوة المحتلة المعادية المتواطئة غالبا مع الدول الأوربية الأستعمارية . بالاضافة الى أن علاقاتها اتسمت بالحسد والحقد والأنشقاق الداخلي في الكيان الواحد. وكان القائم و ن على رؤوس هذه الامارات لايحسنون الأضطلاع بمهام الحكم ولا يد رك و ن العوامل والظروف السياسية المحيطة بهم حق الإدراك، وهكذا نكون قد ألقينا نظرة خاطفة على السمات التاريخية العامة لوطن الكرد (كردستان )في المرحلة القديمة والوسيطة من تاريخ هذا الشعب الذي حافظ على هويته رغم الظروف القاهرة التي لم يتعرض لها أي شعب في تاريخ العالم حتى يومنا هذا.

III- تاريخ الكرد الحديث:

في أواخر القرن ال 19بلغت الدول الأوربية درجات متفاوتة في تطورها ال ا قتصادي وال ا جتماعي والسياسي والعسكري .مع بداية القرن ال20 سعت تلك الدول التي أكملت تطورها من جميع الجوانب وتراكمت الأموال الزائدة في بنوكها-للبحث عن أسواق في الدول الضعيفة التطور لتصدير منتجاتها الصناعية اليها وتوظيف رساميلها في مشروعات غير انتاجية بحيث تحصل على أرباح سريعة وباه ظ ة من جهة وتأمين المواد الأولية من تلك البلدان لمؤسساتها الصناعية من جهة أخرى .ومن الطبيعي أن يزداد التنافس بين تلك الدول الأوربية من أجل جعل تلك الدول الضعيفة التطور تابعة لها أو إبقائها في فلكها الأقتصادي أو إ حتل الها. لقد جلب هذا الواقع المآسي والنكبات لشعوب الشرق الأوسط قاطبة وللشعب الكردي بشكل خاص . ففي العقود الأولى من قرننا الحالي شهد ت منطقتنا صراعا حادا بين الروس والبريطانيين والفرنسيين ، واشتد الصراع ضراوة بدخول الألمان كمنافسين جدد.
نتيجة التطور غير المتكافئ للدول الأوربية ال ا ستعمارية ازداد الصراع بينها مما أصبحت الظروف مهي أ ة لحسم هذا التنافس عن طريق الحرب ،لكونها لم تتمكن من التفاهم فيما بينها (بواسطة المفاوضات السلمية) لاقتسام الشعوب ، وبسط النفوذ ونهب خيرات الأخرين .
نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 التي لم يكن للأكراد مصلحة فيها،اذ لم تكن لهم دولة خاصة بهم يدافعون عنها ولا مصالح قومية تحتم عليهم الدخول طرفا في النزاع ، وبرغم ذلك فقد جرفتهم أحداث الحرب والمشاركة فيها للقتال من اجل الأخرين ألحقت هذه الحرب خسائر فادحة بشرية وأقتصادية بالشعب الكردي ،فقد جندت الدولة العثمانية معظم الشباب الأكراد الذين سيقوا عنوة الى ا لمعسكرات وجبهات القتال لحمل السلاح حيث مات معظمهم في الحرب أو في الأسر ،باستثناء القليلين الذين بقوا أحياء بالصدفة أو فروا حيث ظلوا مختفين حتى انتهاء الحرب .وتعرض الفلاحون الأكراد لجباية الضرائب الباهظة والأتاوات المتنوعة وصودرت مواشيهم وأرزاقهم .
كما قامت الحكومة العثمانية وكعادتها بتهجير (700) ألف كردي من المناطق الحدودية القريبة من المعارك الى غربي الأناضول بحجة حمايتهم من الهجوم الروسي ،الا أن الهدف الأساسي من العملية هو اجراء تغيير ديموغرافي في البنية السكانية لكردستان وصهرهم لاحقا في بوتقة الترك -العثمانيين .
عندما لاح في الأفق انتهاء الحرب وبالتالي هزيمة الدولة العثمانية ،كما أشار ف نيكيتين ،اجتمع زعماء الكرد في أيار 1919 في ملاطية للقيام بنشاط قومي تحرري معاد للكماليين ،الا أن تدخل العقيد (بل، مسؤول المخابرات المركزية) في حلب والناطق باسم حكومته حال دون ذلك،حيث أعطى وعدا باسم الحلفاء بان اماني الشعب الكردي القومية ستؤخذ بعين الأعتبار اثناء دراسة أحوال المنطقة من قبل الدول المنتصرة [20] . وبهذا الشكل كبحت الحرب العالمية الأولى تكوين الفكرة القومية الرامية الى خلق الوعي ال ا جتماعي والثقافي بين الفئات المختلفة من عامة الشعب من أجل الدولة الوطنية المستقلة وأصبحت الدعوة الدينية الى الجهاد المقدس ضد الأقليات الدينية غير المسلمة وكذلك ضد الاخوة الحلفاء المسيحيين الساكنين منذ مئات السنين على أراضي كردستان هي السائدة في أوساط الشعب الكردي في تلك الفترة ،ولاسيما الدور السلبي الذي لعبته القيادات الدينية المحافظة.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى فاجأت الدول الإستعمارية المنتصرة فيهاعكس ما تعهدت به، الشعب الكردي بمشاريع ومقترحات لم تكن في الحسبان.
في عام 1917م ا ندلعت ثورة أكتوبر التحررية في روسيا القيصرية، فكانت نتيجة ذلك معرفة إتفاقية سايكس-بيكو.وأصبح وطن الكرد مرة أخرى مقسما بين روسيا وفرنسا وبريطانيا [21] وعلى ضوء هذه الإتفاقية انضم القسم الأعظم من الجزء الكردي في شمال سورية الى المنطقة الزرقاء.
في 20/تشرين الأول/1921 ترك الفرنسيون منطقة الشمال السوري الكردي للأتراك الكماليين بموجب تسوية بين الدولتين وقعت في أنقرة.أما منطقة الموصل الكردية بغالبيتها وقتئذ والمتاخمة لها فقد إنتقلت الى يد البريطانيين نتيجة المساومة بين الدول الثلاث.
ا عترفت إتفاقية سيفر 10/آب/1920 في البنود (62،63،64) بالحكم الذاتي للكرد في كردستان المركزية مع بعض التحفظات، ألا أن الجزء الكردي في سورية ا ستقطع من كيان الدولة المقترحة وكذلك كردستان إيران.
تعتبر معاهدة لوزان الموقعة  في 24/تموز/1923 خطوة الى الوراء بالنسبة ل حق الشعب الكردي في تقرير المصير ، وأصبحت عبارة عن رغبة خيرة من قبل الدول المتحالفة ا تجاه الكرد وكذلك الأقليات الأخرى في كردستان.
وهنا يرد الى الأذهان السؤال التالي: أحقا كانت الدول المتحالفة المنتصرة في الحرب وخاصة فرنسا وبريطانيا مهتمتين بضمان حق تقرير المصير للشعب الكردي ‍‍؟؟
نقول بأن الوضع الدولي الجديد الذي نشأ، أرغم الدول الإستعمارية المتحالفة على توقيع إتفاقية سيفر أولا ومعاهدة لوزان ثانياً بالإضافة الى غيرها، وذلك إنطلاقاً من مصالحها الإقتصادية والعسكرية والسياسية أو من أهدافها الجيوبوليتكية.
لقد أحدثت ثورة أكتوبر التحررية في روسيا شرخاً كبيرا في الوضع العالمي، حيث طرحت شعارات تتلاقى مع أماني الشعوب في الحرية والإستقلال وخاصة فيما يهم الشعب الكردي المجاور لها، الأمر الذي جعل الفرنسيون والأنكليز يسعون الى الحد من إتساع الأثر الذي أحدثته تلك الثورة.فقد اعتبر البريطانيين والفرنسيين أن الدولة الكردية التي ستنشأ، يجب أن تكون حليفة لهم. لكن الذي حصل هو عكس ذلك. كما ازداد قلقهم أكثر التعاون الذي تمّ بين الكرد والكماليين في الحرب من أجل تحرير أراضي تركيا من المحتلين. فكان لا بد من إتخاذ إجراءات وقائية ضد ما حصل، فأعلنوا عن إتفاقية سيفر كورقة ضغط على حكام تركيا من أجل إرغامهم على الخضوع لرغبات فرنسا وبريطانيا في المنطقة، ولهذا نرى تخليهما عن الأكراد والنكوص بالعهود ووقعتا معاهدة لوزان التي لم يرد للمسألة الكردية فيها سوى الإشارة الى وجوب إحترام الحقوق الثقافية والدينية للأقليات القومية.
ازدادت المسألة الكردية تعقيداً عند بروز مسألة الموصل. فقد نشأت قضية الموصل في المعاهد الدولية بعد الحرب العالمية الأولى كنتيجةل ا ندحار الإمبراطورية العثمانية وقيام الكيان العراقي تحت وصايةبريطانيا. وأصبحت القضية في غاية الأهمية من الناحية الإستراتيجية لأن مساحة المنطقة تقع على مفترق الطرق بين العراق وسورية(المنطقة الكردية وتركيا وإيران وجنوب روسيا السوفياتية).وقد زاد من أهميتها إكتشاف النفط فيها.
لذلك ان ت هز البريطانيون فرصة زيارة كليمانصو رئيس وزراء فرنسا الى لندن سنة 1918 حيث دارت بينهم وبينه محادثات بشأن إدخال تعديلات على إتفاقية سايكس-بيكو، بحيث توافق فرنسا على ضم ولاية الموصل الى دائرة النفوذ البريطاني مقابل أن تأخذ فرنسا 26% من ثروات النفط الموجودة فيها[22] .وبهذا الشكل تتكرر المآساة وتنقسم كردستان بين أكثر من دولتين في العصر الحديث.
لم يتوان الشعب الكردي في سورية عن القيام بواجبه إتجاه الوطن في جميع الظروف وفي أحلك الأيام، بالرغم من الممارسات السيئة والتدابير القمعية التي أتخذت ضده خلال المراحل التاريخية من قبل مختلف الأنظمة الحاكمة في سورية بعد الإستقلال.
يحاول القسم الأكبر من القادة السياسيين العرب [23] ومفكريهم،الإيحاء بأن المشكلة الكردية وجدت في المنطقة العربية وكذلك في سورية بشكل مصطنع، نتيجة هجرات قسرية من تركيا الى سورية أو الى العراق أو بفعل عمليات منظمة قامت بها قوى أجنبية خارجية لتوجيه ضربات الى كيان الأمة العربية. الى جانب ذلك يتهم الأكراد بنكرانهم للجميل عندما يشار الى أنهم بالأصل ليسوا أبناء المنطقة التي يتواجدون فيها ومنذ آلاف السنين، إنما جاءوا اليها وخاصة حديثاً كما في سورية ، بالدرجة الأولى هربا من ظلم الأتراك وغيرهم، فأولاهم العرب كل رعاية كريمة وأستقبلو هم برحابة [24] .
إن الأكراد دائما مدانون، ملامون ومتهمون بسوء النيه.فان دعوا ممثلي النظام للجلوس على طاولة المفاوضات للتباحث وتبادل الرأي حول إيجاد الحلول للمسألة الكردية في هذه المنطقة أو تلك قيل أنهم يحضرون للتآمر على وحدة البلد، أو أنهم يستعدون لإخفاء حقيقة ما يرمون اليه.فيا للحيرة والعجب!؟ [25]
باعتقادنا أن حل المسألة القومية في الشرق الأوسط يتطلب التحلي بالصبر من قبل أبناء القوميات المختلفة الكبيرة منها والصغيرة ، وبشكل خاص أبناء الأولى منها، لأنهم أصحاب القرار وهم المسؤولون بالدرجة الأولى عن التجاوزات التي ا رتكبت -عبر التاريخ- بحق أبناء القوميات الصغيرة الأخرى المتعايشة معها، هذا من جهة، كما أنه يقع على عاتق أبناء القوميات الصغيرة التحرر من الفكر القومي الضيق والتمسك بكل ما هو وطني عام ومشترك مع الحفاظ على كيانهم الذاتي وخصائصهم القومية من جهة أخرى.
يذكر التاريخ أسلاف الشعب الكردي المتواجد قوميا في الجزء الأكبر من الحدود الشمالية السورية، من خلال الآداب القديمة ومعلومات علماء العصر الوسيط وصولا الى يومنا هذا. ثم توزع هذا الشعب في المدن السورية الكبرى (دمشق وحلب واللاذقية وحماه ومناطق من حمص وجبل الزاوية). إ ن هذا الوجود والتوزع مرتبطان بعدة أسباب أهمها:
أولا: كون هذه المنطقة تشكل إمتدادا سهلياً طبيعيا لسفوح جبال كردستان حيث الظروف المناخية والجغرافية ملائمة جداً لقطبي الإنتاج الإنساني(الزراعة وتربية المواشي) بحيث جعلتها مراع غنية تدوم لفترة طويلة من السنة في الوقت الذي يصعب البقاء في الأماكن الجبلية العالية ولا سيما في شتاء كردستان القاسي، هذا بالإضافة الى أراضيها الخصبة الصالحة للزراعة وأمطارها الغزيرة والأنهار الجارية فيها. ثانيا: يرجع التوزع الكردي في المدن السورية الكبيرة الى فترة حكم الأيوبيين للمنطقة ولاحقا الى الاحتلال العثماني،حيث كان العثمان و ن يلجأون الى نفي وتهجير آلاف العائلات الكردية من وطنهم الأم الى اطراف الأمبراطورية ،وخاصة تلك التي قاومت المحتلين بضراوة [26] .فقد تعرضت المجموعات الدينية المسلمة غير السنية مثل الطائفة العلوية ،أو الفئة الكردية- ال ا يزيدية التي يدور جدل حاد حول أصولها التاريخية- للفتك والأضطهاد اكثر مما اضطر ها، من تلقاء نفسها وأحيانا اتقاءا من شرهم والحفاظ على وجودهم من الهرب واللجوء الى الأماكن الجبلية الصعبة أو الأستقرار في بعض انحاء الأمبراطورية متوارية عن الأنظار ،لذلك نرى توزع الكرد في مناطق مختلفة من سورية الداخلية اليوم [27] الا انه مع الأسف الشديد ، فالقسم الأكبر يعرف بانه كردي الأصل فقط لا أكثر .
ان التواجد الكردي في سورية يعود الى أزمنة قديمة.فقبل العهد ال ا سلامي كانت ال قبائل تنحدر من الجبال القريبة من مدينتي الموصل وماردين لقضاء فصل الشتاء في المنطقة التي تسمى الان بالجزيرة (الجزء الكردي الواقع في شمال سورية )،المتميزة بمناخها المعتدل وطبيعتها الجميلة وغناها بالمواد الأولية (الثروة الحيوانية والنباتية).بالاضافة الى وجود البترول وجريان دجلة والخابور فيهما .
ان أسلاف الشعب الكردي في شمال سورية لهم علاقات قديمة مع بلاد الشام.وأقدم ذكر لهم في القرون الميلادية الأولى يرجع الى سنجر(317) ميلادية فعندما أحتل الأغريق (خلفاء أسكندر المكدوني) المنطقة وبنوا أنتيوخيا (أنطاكية الأن )،كانت تعيش في المنطقة أكراد يحترفون الصيد والرعي. [28]
بمبادرة كبير المؤرخين وعلماء اللغة لذلك العصر وأستاذ جامعة غوتنغين الألمانية ي د.ميخائيليس ، أرسلت الحكومة الدنماركية بعثة علمية الى بلدان الشرق الأدنى مهمتها جمع مواد مختلفة لالقاء الضوء على اسماء المناطق الجغرافية -التاريخية التي وردت ذكرها في الكتب اليهودية المقدسة ،ولاسيما المعلومات الخاصة بالكرد واللغة الكردية لأن العالم الكبير أعطى أهمية علمية كبيرة لتلك المعلومات، لأنه اعتبر الكرد خلفاء الخالديين.
مات جميع أعضاء البعثة العلمية وهي في طريقها الى بلدان الشرق الأدنى سنة 1761م، باستثناء الإختصاصي بالرياضيات ( ك. نيب ه ور= ليبيورغ) الذي مرّ بكردستان وهو عائد الى وطنه سنة 1887م. فقد تعرض الباحث المذكور إثناء وقوفه على تاريخ الجزيرة السورية الى العشائر التي تسكن المنطقة ومن بينها عشيرة الملان والكيكان وآشيتان [29] .الآن وبعد مرور ما يقارب القرنين على تلك الفترة فما زالت العشائر نفسها تعيش في المنطقة الواقعة بين مدينة القامشلي وناحية الدرباسية في محافظة الحسكة، أي الجزء الشمالي من الحدود السورية التركية المعاصرة، التي سكنته غالبية ساحقة من العشائر الكردية والى يومنا هذا[30] .
لقد كانت هذه العشائر الكردية شبه متنقلة ترعى مواشيها في مواطنها الأصلية عندما تهطل الأمطار الكافية فتنمو الأعشاب والحشائش اللازمة للرعي، بالإضافة الى الزراعة المعتمدة على الأمطار التي لبت الحاجات الضرورية لها. غير أنه في سنين القحط وقلة الأمطار إضطرت الى ترك مواطن إستقرارها لفترة محددة من الزمن بحثا عن الكلأ والماء لمواشيها ثم تعود ثانية من حيث أتت عندما تكون الظروف مهيأة للإشراف على محاصيلها الزراعية وتصبح مراعيها مغطاة بصورة كافية بالأعشاب والحشائش.
أطل القرن العشر و ن على الكرد وكردستان جالباً معه المزيد من النكبات والأهوال بشكل عام، حيث فرضت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى سياساتها وخاصة فرنسا وبريطانيا اللتان قسمتا منطقة الشرق وفق سياسة الإنتداب الى مستعمرات تابعة لها، ونتيجة ذلك تعرض وطن الكرد الى المزيد من التجزئة والتفكك إذ إنسلخ جزء منه وضم الى سورية حسب الإتفاقية الموقعة بين فرنسا وتركيا سنة 1921م. [31] وبهذا الشكل أصبحت كردستان متوزعة جغرافياً بين أربع دول، وكما هو معلوم لم تكتف فرنسا بذلك فقد ألحقت بعض المناطق السورية التي تسكنها أغلبية عربية بتركيا سنة 1938م.

IV- توزع الكرد الجغرافي

يعيش الكرد بشكل أساسي في المناطق الشمالية من سورية المتاخمة للحدود التركية العراقية. فهم يشكلون الغالبية في محافظة الحسكة في مدن القامشلي وسرى كاني( رأس العين) والدرباسية وديريكى( المالكية) وعامودا. أما بالنسبة الى مدينة الحسكة فقد أصبح العنصر العربي هو الطاغي الآن، هذا إذا إعتبرنا اليعاقبة المسيحيين (السريان وغيرهم من الطوائف المسيحية الأخرى) [32] عرباً أيضا. وهنا لابد من الإشارة الى أن ألأوساط الشوفينية في المحافظة تسعى دائما وبالتنسيق مع بعض الفئات في القيادة السياسية العليا السورية الى تغيير الواقع الديموغرافي (كما ذكر أعلاه) في المناطق المأهولة تاريخياً من قبل الكرد.
في محافظة حلب يشكل الكرد الأغلبية المطلقة في قضائي كرداغ( عفرين) وكوبانه( عين العرب) وكذلك يوجد أبناء الشعب الكردي بنسب متفاوتة لا تتجاوز ال30% في أقضية الباب وجرابلس واعزاز. وأهم المدن الكردية فيها عفرين وتتبعها ثلاثة نواحي( بلبل وجندريس وراجو) وفي الفترة الأخيرة أستحدثت ناحيتان جديدتان مال باتو(معبطلو) وشران. يبلغ عدد القرى في منطقة كورداغ( عفرين وأحيانا جبل الكرد) ب 328 قرية، وفي كوبانه 213 قرية، وهناك عشرات القرى في أقضية الباب واعزاز وجرابلس ومنبج.
ويشير العلامة الكردي محمد أمين زكي الى أنه تقطن عشائر كردية في أطراف حارم غربي حلب تدعى جوم ( كوم) وقيصر أكرادي. وفي منبج عشائر (بزيل ودنائي وباكه وإيلي بكي التي تسكن الخيام على شاطئ الفرات).كذلك تقيم بعض العشائر الكردية في جبل الزاوية( الوسط) وعلى شاطئ نهر العاصي في الجنوب الغربي لبلدة الشاغور. وهناك عشائر كبيرة تسكن منذ القدم بين حمص وطرابلس بلبنان هذا ويقيم في دمشق قسم من عشائر صالحية مدينة كفري بكردستان العراق، وعلى ما يبدو أن منطقة صالحية دمشق سميت بإسمها [33] .
ويتوزع الكرد بأعداد ضئيلة في بعض المحافظات السورية الأخرى ولا سيما في الرقة حيث يتواجدون في ناحية تل أبيض. هذا الى جانب إستقرار الكرد في جبل الأكراد المطلة على مدينة اللاذقية حيث لا تقل قراهم عن 80 قرية كما يشير الى ذلك المؤرخ اللبناني أديب معوض [34] . وبالفعل فقد أصبح ذلك معروفا الآن نتيجة الإتصالات المختلفة بين أبناء المنطقة الساحلية السورية ومناطق الكرد في باقي أنحاء سورية.ألا أنه مع الأسف الشديد لا يعرف هذا العدد الكبير من أبناء الكرد في تلك المنطقة، كما هو الحال ببعض المناطق الأخرى، شيئا عن أصولهم وتاريخ شعبهم وثقافة أمتهم، سوى عدد قليل من كبار السن الذين ما زالوا أحياء.

V- الحالة الإجتماعية والإقتصادية

وهنا لا بد من الإشارة الى عدد سكان الشعب الكردي في سورية، حيث لا تعترف الأوساط الرسمية الحكومية بشكل مباشر في البلد بوجوده في الوثائق الخاصة بالبنية السكانية الديموغرافية في جميع مراحل تاريخ سورية المعاصر بدءا من الإستقلال والى يومنا هذا، بإستثناء الإحصاء المشؤوم والسئ الصيت في بداية الستينات المعروفة في الوقت الحاضر لدى كل مهتم بتاريخ الكرد المعاصر في البلد.
يتراوح عدد الكرد وبالإعتماد على النسبة المئوية التي تقدر ب 10% من عدد سكان سورية الإجمالي وذلك وفق إحصاءات رسمية لبلدان ا جنبية ويشكل تقريبي بين (1-3م) ألا أن هذا العدد قد يتعرض للزيادة أو للنقصان لكون المعلومات الصادرة عن الأجهزة الرسمية تتعمد إخفاء الحقيقة الفعلية للرقم الدقيق ، أو تتجاهله عن قصد وفي أحسن الأحوال تعطي أرقاماً قليلة جدا بحيث تكو ّ ن صورة في المحافل الدولية أو للباحث المهتم بالموضوع بأن الكرد يشكلون أقلية صغيرة جدا لا يجوز إعتبارها مسألة قومية.
حتى فترة قريبة شكل فلاحوا الأرياف أكثر من 75% من المجتمع الكردي، ألا أن هناك ظاهرة عامة في السنين الأخيرة وهو أن كرد الأرياف الذين نزحوا الى المدينة نظرا لظروف الحياة الصعبة وإنتشار البطالة،قد أخذوا بالعودة الى قراهم وخاصة الذين يعتبرون من ملاكي الأراضي وبعد ان أقدمت الدولة بشكل عام على تقديم التسهيلات باستلام القروض من البنوك والحصول على المواد الزراعية باسعار رخيصة .الا ان العملية تعقدت اكثر بالنسبة للفلاحين الفقراء الذين لايتوفر تلك التسهيلات لهم إ لا ّ من خلال سماسرة المدينة وكذلك الفلاحين الواقعين في منطقة ما يسمى ،،بمزارع الدولة،، [35]
ان غالبية فقراء الريف المحرومين من ملكية الأراضي مرغمون الى ترك قراهم بحثا عن الوسائل الضرورية للعيش فهؤلاء غالبا ما يذهبون الى المدن السورية الكبيرة كحلب ودمشق وأحيانا خارج سورية الى البلدان العربية مثل لبنان وليبيا وان ساعدت الظروف لنسبة لابأس منهم ل لسفر الى بلدان الخليج ثم يعو دو ن بعد ان جمعوا بعض الأموال لضمان مستقبل اسرهم .الا ان ذلك لا يتحقق الا لنسبة قليلة من أبناء الكرد لاسباب عدة .
غالبا ما يمارس أبناء الفلاحين الفقراء وكذلك أبناء فقراء المدن الذين سدت بوجوههم ابواب مواصلة الدراسة في المدن بالمدارس الثانوية والمعاهد المتوسطة والجامعات والمعاهد العليا نتيجة أسباب مختلفة ،فالاعمال البسيطة كأجراء في المطاعم والمقاهي وال فنادق ، اسعارها بخسة جدا لا تكاد لاتكفي تكاليف معيشتهم الشهرية .ومع ذلك فقد كان طموح هؤلاء كبيرا للحصول على شهادة الدراسة الثانوية العامة أو غيرها والألتحاق بالجامعات السورية وأحيانا بالجامعات اللبنانية وأستطاعوا مواصلة الدراسة والتخرج منها بدرجات م تفوق ة مختلفة فكانت النتيجة أن ساعدت الظروف لنسبة لابأس منهم السفر الى البلدان الأوربية المختلفة وبشكل خاص الى بلدان المعسكر ال ا شتراكي السابق التي قدمت كل التسهيلات لهؤلاء الطلاب ل ابراز إمكاناتهم العلمية ليتمكنوا بهذا الشكل التفوق على غيرهم من أبناء كبار الملاكين والأغنياء الذين كانوا يزعمون بأن أولاد الفقراء يفتقرون فطرياً الى عندهم الذكاء والنبوغ وقد برز من بينهم أعداد لا تحصى في مختلف الإختصاصات والكفاءات العلمية . إ لا أن ذلك لا يستثنى من بينهم بعض النماذج غير ال كفوءة التي حصلت على مؤهلات دون الإعتماد على الذات واستخدام الأساليب الملتوية. لكن هذه الأمور تنطبق بشكل أساسي على هؤلاء الطلبة الذين كانت ظروفهم المادية والإجتماعية تسمح بذلك، ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء من أبناء الفئات الثرية والقريبة من السلطات والأجهزة الأمنية هنا وهناك. وهنا لا بد من إبداء ملاحظة جوهرية بشأن هذا العدد الكبير من هؤلاء الخريجين والإختصاصيين الذين أخذوا شيئاً فشيئا الهروب من المسائل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية المعقدة الذي تواجه المجتمع عموما والكرد خاصة وذلك بسبب التهديد المتواصل والملاحقة المستمرة من قبل مختلف الأجهزة الأمنية بأمكنة تواجد الكرد في سورية، مما إضطر القسم الأكبر منهم ترك العمل الحزبي والتحريضي بين الجماهير الكردية والإكتفاء بالدور السلبي في العمل السياسي، أي البحث عن العمل بإحدى دوائر الدولة، مع الإبتعاد عن كل ماهو يزعج السلطات. وإذا حاول البعض منهم القيام بدور حيوي ونشيط في الدعاية لحزب ما أو تجمع سياسي مناهض للسلطة أو ينتقدها، فلا بد أن يتعرض للتهديد أو الطرد أو النفي الى منطقة عمل جديدة بعيدة عن مركز سكنه أو تعيينه في دائرة حكومية لا تمت بصلة الى إختصاصه أو مجال عمله. وإذا أ عتبر الشخص أن عمله السياسي يشكل خطورة جدية بالنسبة للدولة فانه ينفى الى مناطق بعيدة جدا في محافظة أخرى بالبلد. وبهذه المناسبة، تجدر الإشارة الا أنه في العقود الأخيرة تقلصت مثل هذه التدابير نوعاً ما لأن القيادة السياسية أدركت خطل هذه السياسة.أما بالنسبة لذلك العدد من أبناء الكرد وأبناء الفئات الأخرى غير العربية الذين يصبحون أعضاء في حزب البعث الحاكم أو الذين يتعاملون في الخفاء وبشكل سري مع الدوائر الأمنية، وبهذه الحالة يتحولون الى أداة طيعة بيد تلك الدوائر التي تكلفهم بمهمات مختلفة لرصد حركات القوى والأحزاب الكردية وأحيانأ كثيرة حتى الحليفة معها بالسلطة، المؤدية الى الحد من زيادة نفوذها بين الجماهير الشعبية. وبهذاالخصوص، فأنه يمنع منعا باتاً تعيين أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعات السورية أو المعاهد العليا، إلا بعد أن موافقة عدة دوائر أمنية تقييمات إيجابية بالنسبة لموقف المرء من النظام الحاكم.وبهذا الشكل تكون الغالبية العظمى من الكادر البيداغوجي والإداري محصورا فقط على الفئات الموالية للسلطة في أكثرية مراحل الدراسة وعلى الأخص بالجامعات.
بالإضافة الى جميع ماذكر آنفا، يجب الوقوف على ناحية هامة بشأن إقامة المعاهد العليا والجامعات بأمكنة تواجد الكرد المكثف في سورية، حيث سعت القوى العنصرية والفئات الشوفينية في قيادة البلاد السياسية الى عدم بنائها هناك لتصعب بهذا الشكل مواصلة الدراسة فيها، وفرض سياسة التجهيل وحرمان العدد الأكبر من أبناء الفئات الفقيرة من إكمال دراستها بسبب مواردها المالية المحددة.
تنحصر الحياة الإقتصادية في المدن الكردية على المشاريع الخدمية التي تشرف على غالبيتها الفئات المرتبطة مباشرة مع جهاز السلطة أو بعض الشخصيات المستقلة الثرية التي لا تفكر بالقضايا القومية للشعب الكردي، وان همها الوحيد جمع الثروة أكثر فأكثر، الا أن ذلك لا يعني عدم وجود أناس شرفاء مخلصين للمنطقة ينفذون بعض المشاريع بأمان وصدق ووفق الشروط الفنية للتعاقد مع السلطات المختصة في تلك المدن، وغالباً ما يتعرض هؤلاء الناس للإبتزاز والإجراءات الإدارية البيروقراطية التي تعرقل انجاز المشاريع المنوطة بهم في الوقت المحدد.
أما المؤسسات الإنتاجية (الشركات والمعامل) التي تساهم في تحسين مستوى الحياة الإجتماعية للناس فتكاد تكون معدومة للأسف الشديد.وقد سعت بعض الفئات المتنفذة الكردية الواقعة في فلك الدوائر صاحبة القرار الفعلي في المنطقة، للحصول على تراخيص لبناء معامل صغيرة الحجم ( أو من الأصح تسميتها بورش صناعية) في منطقة الجزيرة والمناطق الكردية الأخرى، ألا أن جميع هذه المساعي ذهبت أدراج الرياح و قوبلت بالرفض من قبل الدوائر المعنية في الدولة سواء في الوزارات أم في المحافظات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا هذا الحظر على المنطقة؟ والحصار الإقتصادي عليها؟...إن هدف هذه السياسة هو جعل المنطقة الكردية من سورية تابعة للمناطق الصناعية في البلد، بحيث يضطر سكانها الى بيع المواد الخام الأولية( المنتجات الزراعية والحيوانية وغيرها) وكذلك ( مواد أولية راجو وزيتون عفرين وبترول الجزيرة ) في أسواق المحافظات الأخرى، ويأخذون مقابل ذلك المواد المصنعة منها، وبهذا الشكل تتحول المناطق الكردية الى سوق إستهلاكية للمحافظات السورية الأخرى.الا أن هذه الممارسات الخاطئة والعنصرية تسئ الى الإقتصاد الوطني العام وتضعف وحدة البلد الداخلية وت جعل سمعة سوري ا سمعة غير لائقة في المحافل الدولية. وللحقيقة يجب القول أنه في السبعينات طرأت بعض التغييرات غير الجوهرية بالإتجاه الإيجابي نحو الكرد، الا أن القوى الشوفينية في مختلف حلقات الدولة حاولت تفريغ محتواها وأصبحت تلك الإجراءات حبرا على ورق.
إن الحياة الإجتماعية ترتبط بشكل مباشر بالأنماط الإنتاجية الإقتصادية وتتأثر بشكل كبير بالهياكل السياسية السائدة في البلد وتتطور وفق التقاليد التاريخية لكل منطقة ولكل شعب. حتى فترة ليست بعيدة جدا، كان المجتمع الكردي يعاني من بقايا الروابط القبلية والإقطاعية التي عرقلت تطوره مدة طويلة.الا أن تطورات القرن العشرين ولا سيما العقود الأخيرة منه عجلت بزوالها شيئا فشيئا وما زالت العملية جارية حتى يومنا هذا. فقد سددت قوانين الإصلاح الزراعي التي بدأت في منتصف الستينات في المناطق المختلفة بسورية عموما ضربة قوية الى النفوذ الإجتماعي لطبقة كبار ملاكي الأراضي( الآغا الإقطاعي) وانتعش الفلاح الكردي بعض الشئ. ولا شك لو تم تنفيذ الإصلاح الزراعي بشكل علمي سليم وبعيدا عن المخططات العنصرية، لوفرت للفلاحين الكرد فوائد إجتماعية جمة أضعفت سلطة الشيوخ الدينية التقليدية.إلا أن عملية الإصلاح هذه اكتنفتها أخطاء كبيرة ولم تحقق الهدف المرجو منها.
بالرغم من ذلك فقد جرى تغيير نوعي كبير في المجتمع الكردي. فقد تشكلت فئة مثقفة كردية من أبناء جميع الشرائح الإجتماعية التي أخذت تشن حملة شعواء على المفاهيم القديمة التي تقف حجرة عثرة أمام التطور الطبيعي ( كعادة تعدد الزوجات والأمية وأمراض إجتماعية أخرى) ونشأت شريحة من التجار والسماسرة بالرغم من عدم إهتمامها بالقضايا القومية المرتبطة بوشائح قوية مع مثيلتها في دمشق وحلب والمدن السورية الأخرى، فقد بدأت بالمساهمة الى حد ما بتقديم بعض خدماتها لإيجاد الحلول للمشاكل اليومية التي يعاني منها المواطن الكردي بسبب حالة الطوارئ والأحكام العرفية الموجودة منذ عشرات السنين، لكنها مقابل مبالغ مالية كبيرة تقطع من دخل المواطن الذي هو بالأصل ليس عاليا. هذا الى جانب الفئة البرجوازية الجنينية التي ما زالت بعيدة عن الدور المناط بها وذلك بفعل عوامل ذاتية وموضوعية.
بعد هذا السرد الموجز لبعض الجوانب الحضارية من حياة الشعب الكردي في سورية، ننتقل الى تبيان دوره الوطني عبر التاريخ الحديث والمعاصر للبلاد وما قام به أبناؤه في أحلك الأيام من التاريخ المشترك بين الشعبين والتضحيات الجسام التي قدموها أثناء تعرضه للنكبات والأهوال.

VI- تاريخ الكرد المعاصر:

بفعل التآمر الاستعماري تجزأ وطن الكرد، كما بيّنا آنفاً، الى أربعة أجزاء نتيجة تدخل الدول الأوربية وبشكل خاص فرنسا وبريطانيا وألحق جزء منه بسوريا الحديثة التكوين.
إحتل الفرنسيون سورية عام 1919 وكانت المواجهة الأولى معهم بميسلون، حيث خاضت القوات السورية بقيادة الشهيد يوسف العظمة، الكردي الأصل [36] معركة غير متكافئة. وكانت النتائج هزيمة الجيش السوري وإستشهاد البطل يوسف العظمة رئيس أركانه وإحتلال الوطن من قبل المستعمر الفرنسي.
ساهم الشعب الكردي مساهمة فعّالة ضد الاستعمار الفرنسي في مراكز تواجده بسورية بدءاً من الجزيرة ومروراً بمناطق كوبانه ( عين العرب) وكرداغ ( عفرين، جبل الكرد). فقد خاض أبناء الشعب الكردي بدمشق وضواحيها معارك متواصلة حتى الجلاء الأجنبي من البلاد. فيما يلي بعض الوقائع العسكرية في تلك الأمكنة التي أشار اليها بعض المؤرخين العرب السوريين وكذلك آراء شهود عيان من أبناء تلك المناطق الذين شاركوا مباشرة في مناهضة الاحتلال الفرنسي. لقد كتب الدكتور صلاح الدين مدني في مؤلفه ،، تاريخ العرب الحديث،، أثناء سرد الأحداث التي وقعت في الجزيرة والفرات 1920-1921 ما يلي: ،، ثار أول الأمر سكان الجزيرة حيث تضافرت جهود كل السكان من العرب والأكراد للوقوف في وجه الفرنسيين، وسرعان ما انضم ثوار منطقة الفرات اليهم، وأخذوا يهاجمون قوات الانتداب على طول الخط الحديدي بين حلب والحدود التركية،،.
أما كاتب تاريخ الانتفاضات السورية ضد الوجود الفرنسي أدهم آل جندي، فإنه يخص بالذكر أبناء جبل الكرد ( حي الأكراد، ويسمى الآن ركن الدين، بعد تعريبه) أشهرهم ( أحمد آغا الملا 1891-1926) كردي جاء من بلدة سويركه الى الشام. ترعرع بحي الأكراد وتلقى دراسته بمدرسة عنبر بدمشق. وفي الحرب العالمية الأولى كان برتبة ضابط في الجيش التركي [37] ثم يردف قائلاً: ،، شكل أحمد الملا مجموعة من الثوار في حي الصالحية مع علي آغا زلفو ثم تزعم المجموعة الكردية في الغوطة، حيث أبدى بطولة في جميع الملاحم التي خاضها حتى استشهاده. فقد أشاد سعيد العاص بشجاعته وجرأته، اذ صمد في معركة النيل وقتل جواده في معركة القسطل وتميز في معارك جسر تورا.[38] كما يقف المؤلف على مآثر الكثيرين من أبناء دمشق الكرد مثل عائلة ديبو آغا في منطقة حرستا، وأحمد البارافي الذي قاد الانتفاضة في قطنة. ولن ينسى أبناء دمشق عرباً وكرداً المناضل محمود البرازي المعروف بأبي دياب الذي حاول اغتيال الجنرال غورو قائد القوات الفرنسية الغازية سنة 1925. [39] بذكر هؤلاء نكتفي من أبناء الكرد في دمشق وضواحيها الذين خاضوا معارك التحرير ضد الفرنسيين، لأن الدراسة لا تسمح بالوقوف على كل ما قام به كل فرد من شهداء الشعب الكردي ضد المستعمر الغاصب. كذلك قاوم سكان كوبانه ( عين عرب) الاحتلال الفرنسي وأبادوا الكتيبة الفرنسية بقيادة الكولونيل ساجو.
ولا بد من الاشارة الى أحد زعماء الثورة السورية في العشرينات (ابراهيم هنانو)[40] وفي جبل الزاوية الذي ينتمي الى الشعب الكردي في سورية أيضاً، الا أن المؤرخين العرب يخفون حقيقة انتمائه الى الشعب الكردي.
لم يتوان أبناء الجزيرة الكرد قيد أنملة عن أبناء جلدتهم في باقي الأجزاء السورية في النضال ضد المحتل الفرنسي، باستثناء بعض الفئات من الأغوات التي تعاونت معه من أجل غايات شخصية أو مالية، حيث قاموا بواجبهم الوطني خير قيام ولم يدخروا وسيلة إلا واستعملوها، أو تضحية إلا وبذلوها. وحادثة قرية ( بياندور) القريبة من قرية تربه سبي ( القحطانية بعد التعريب) التي تمكنت الجماهير الكردية الثائرة فيها من قتل قائد القوات الفرنسية ( روكان) لا زالت حيّة في الأذهان. وهنا لا بد من ذكر معركة جماهير الكرد العزل في ناحية ( عامودة) حيث انقسم سكانها وكذلك المناطق المحيطة بها من القرى ما بين قرى موالية للفرنسيين أو معادية لهم، وكانت النتيجة ان قصفتها القوات الفرنسية بالطائرات فقتل بعض الوطنيين والقى القبض على الآخرين ونهب أنصار المستعمر المدينة وسكانها.
تجدر الاشارة الى ان الفرنسيين اثناء احتلالهم لسورية كانوا يستخدمون أساليب ماكرة، كما هو الحال بالنسبة لكل الدول التي تحتل شعوباً أخرى اعتماداً على مبدأ ( فرق تسد) فقد كانت السلطات الفرنسية تلمح لبعض أغوات الكرد بأنها تفكر في تلبية أماني الشعب الكردي وذلك لاستمالة البعض منهم الى جانبها، وقد نجحت في ذلك. أما بالنسبة لطائفة السريان المعتنقة للديانة المسيحية، ادعت فرنسا بأنها تربطها وأياها رابطة دينية مشتركة وقد توقفت بذلك أيضاً. وبهذا الشكل انقسم السكان بالجزيرة ما بين مؤيد ومعارض.
الا ان الواقع اختلف تماماً، فلم تكن فرنسا تهمها مصلحة الكرد وكردستان، وانما توطيد أركان مواقعها في المنطقة الحساسة المتاخمة للعراق وتركيا، لأنها قبل احتلالها سورية اتفقت مع تركيا الكمالية على تجزئة وطن الكرد باقتطاع جزء منه وضمه الى سورية، وكذلك الموافقة مع تركياعلى احتلال جزء من الأراضي التي أغلبها سورية، وهكذا تكون فرنسا قد أوجدت مشكلة معقدة في هذه النقطة الحدودية بين سورية وتركيا لتصبح بؤرة توتر على الدوام بين الدولتين وبين الشعبين.
الى جانب ذلك، فقد شارك الكرد في معارك فلسطين ضد الاحتلال الاسرائيلي، حيث كان الفوج ال 16 الذي قاتل في فلسطين مؤلفاً من الكرد. وخلال وجود جلادت بدرخان وحتى وفاته، كان يعرض خدماته على الحكومات الوطنية الفتية عندما كانت تشعر بالخطر الخارجي عليها، وذلك بتشكيل مفارز عسكرية كردية للدفاع عن البلاد أو ارسال متطوعين كرد الى جانب القوات السورية التي حاربت في فلسطين. إلا أن مقترحاته هذه قوبلت بالرفض[41]. وذلك خشية تلك الحكومات من استخدام جلادت بدرخان هذه القوات من أجل القضايا المصيرية بالنسبة للشعب الكردي في المنطقة. ولهذا كانت تسعى بشتى الوسائل الى تضييق الخناق عليه للحد من نشاطه القومي بحيث اضطر القسم الأكبر من أقاربه الى مغادرة المنطقة واللجوء الى الدول الأوربية بعد وفاته.
وفي نهاية الخمسينات أثناء توتر الأجواء على الحدود السورية التركية، وقف الكرد موقفاً وطنياً صحيحاً أزاء التهديد التركي، حيث تطوع أبناء الكرد في منطقة الجزيرة في لجان الدفاع عن البلاد، التي كانت تسمى بلجان ( المقاومة الشعبية) فقد كانت مهمتها تنحصر في تدريب المتطوعين على السلاح الفردي ( البنادق والمسدسات) الذين شكلوا دوريات اثناء الليل أو حفروا خنادق على الحدود استعداداً للمواجهة. إلاّ أن السلطات كانت تنظر بعين الريبة والشك الى هذا الموقف الوطني النبيل ولجأت الى جمع تلك الأسلحة البسيطة فور انتهاء خطر الاقتحام التركي وذلك خشية من استخدام القوى القومية الكردية لها من أجل مطامحها داخل سورية أو تقديم المساعدة لحركة التحرر الوطني الكردية في العراق أو في تركيا.
في بداية الستينات تبلور الوعي القومي الكردي بشكل واضح بين أبناء الكرد في كل من العراق وتركيا وايران وسورية وخاصة بعد عودة القائد الوطني الكردي المناضل ملا مصطفى البارزاني الى العراق نتيجة اتفاقية سلام من اجل الحكم الذاتي لكردستان العراق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وقيادة الجمهورية العراقية بزعامة عبد الكريم قاسم، التي لم يكتب لها الديمومة والبقاء وسرعان ما تمكنت القوى الشوفينية الحاقدة في السلطة الإجهاز عليها ومجئ حزب البعث الى السلطة في كل من سورية والعراق. فكيف كان ردّ فعل السلطات السورية، أي حزب البعث في سورية من الكرد في هذه الفترة؟ وما هي الاجراءات التعسفية التي اتخذتها ضدهم؟
بعد استلام حزب البعث زمام الحكم سنة 1963 بزعامة ميشيل عفلق واليمينيين الآخرين ساءت أحوال الكرد أكثر حيث سموا ب( اسرائيل الثانية) ونسبت اليهم تهمة التسلل الى سورية ورسمت المخططات العنصرية لتصفية وجودهم وكان مهندس هذه السياسة رئيس شعبة الأمن السياسي في القاميشلي الضابط ( محمد طلب هلال) الذي قام بدراسة حول محافظة الجزيرة من النواحي الاجتماعية والسياسية والعرقية، تناول فيها ما أسماه بالخطر الكردي. ونسرد فيما يلي بعض مقترحاته بنصوصها الحرفية التي رفعها الى القيادة السياسية العليا للبلد للاطلاع واتخاذ التدابير اللازمة بالسرعة الممكنة، لأن تأجيلها أو التروي فيها من وجهة نظر المؤلف سيشكل خطراً مميتاً لكيان الأمة العربية عموماً ولسورية خاصة؛
وفيما يلي مقترحاته:
( أن يوضع تخطيط شامل وجذري بالنسبة للجزيرة كي لا تعود المشكلة من جديد بعد فترة من الزمن، فالمنطقة كلها كما علمنا في تركيا والعراق وايران وسورية ملتحمة مع بعضها على طول الحدود وعليه القيام:

1- أن تعمد الدولة الى عمليات التهجير الى الداخل وتوزعهم هناك مع ملاحظة العناصر الخطرة أولاً بأول.
2- اتباع سياسة التجهيل، أي عدم انشاء مدارس ومعاهد علمية بالمنطقة.
3- أن الأكثرية الساحقة من الأكراد المقيمين في الجزيرة يتمتعون بالجنسية التركية، فلا بد من تصحيح السجلات المدنية وهذا ما يجري الآن، وانما نطلب أن يترتب على ذلك اجلاء كل من لم تثبت جنسيته وتسليمه الى الدولة التابعة.
4- فلا بد لنا أيضاً المساهمة في الخطة باتخاذ التدابير الضرورية ضدهم، حتى نجعلهم في وضع غير قادر على التحرك وفي حالة غير مستقرة ومستعدة للهجرة في أية لحظة، وهذا يجب أن يأخذ به الاصلاح الزراعي أولاً، بأن لا يؤجر ولا يملك الكرد فالعناصر العربية كثيرة وموفورة بحمد الله.
5- شن حملة دعائية واسعة بين العناصر العربية ومركزة ضد الكرد بتهيئة العرب لحساب ما أولاً وخلخلة وضع الأكراد ثانياً.
6- نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين عند الكرد وارسال مشايخ بخطة مرسومة عرباً أقحاحاً بدلاً من غيرهم لأن مجالسهم ليست مجالس دينية أبداً، وبدقة العبارة مجالس كردية.
7- ضرب الأكراد في بعضهم وهذا سهل وقد يكون ميسوراً باثارة من يدعون منهم بأنهم من أصول عربية على العناصر الخطرة.
8- اسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود فهم حصن المستقبل ورقابة بنفس الوقت على الأكراد ريثما يتم تهجيرهم. ونقترح أن تكون هذه العناصر من عشيرة ( الشمر) لأنهم أفقر القبائل وثانياً مضمونين مائة بالمائة.
9- جعل الشريط الشمالي منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة بحيث توضع قطعات عسكرية مهمتها اسكان العرب واجلاء الكرد وفق ما ترسمه الدولة من خطة.
10- انشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً.
11- عدم السماح لمن يتكلم العربية بأن يمارس حق الانتخاب والترشيح بالمناطق المذكورة.
12- منع اعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك المنطقة مهما كانت جنسيته الأصلية ( عدا الجنسية العربية). هذا وأن هذه المقترحات غير كافية، بل أردنا منها اثارة المسؤولين حسب خبرتنا لتكون تباشير مشروع خطة جذرية شاملة لتؤخذ للذكرى بعين الاعتبار. [42]

هنا اقتبسنا حرفياً من نص ادراسة مقترحات ممثل الجهاز الأمني في المنطقة الكردية من سورية ليطلع القارئ على هذا الرأي المخيف الملئ حقداً بدءاً من عمليات التهجير القسرية وفرض سياسة التجهيل وسحب الجنسية من آلاف المواطنين الكرد الذين يسكنون هذه الأرض الطيبة منذ مئات السنين ثم حرمانهم من لقمة العيش الضرورية لكي يتركوا وطنهم من تلقاء أنفسهم ليحل محلهم العرب من المحافظات السورية الأخرى ويتحقق ذلك بشن حملة دعائية عنصرية بين العرب موجهة ضد الكرد من أجل زيادة الحقد القومي بين القوميتين. غير أن الاخطر من كل هذا هو السعي الى الوقعية ودس السموم بين الكرد ذاتهم لكي يتقاتلوا ويتفرق شملهم وتصعب وحدتهم.
ألا أن كل ما ذكر أعلاه ليس كافياً من وجهة نظر مؤلف المشروع، بل يجب اتخاذ اجراءات أخرى كإسكان عناصر عربية مؤمنة بمبادئ قوموية عروبوية [43] في مناطق الكرد على الحدود لأنها تشكل دعائم السلطة ومؤسسات الرقابة على تحركات الكرد حتى يتم تهجيرهم وتحويل الشريط الحدودي الشمالي مع كردستان تركيا والعراق الى منطقة عسكرية بحيث تصبح جبهة حرب لكي يكون من السهل طرد الكرد من هناك واسكان العرب بدلاً منهم، وهكذا تتهيأ الظروف لاقامة مستوطنات عربية تحت اسم ( مزارع تعاونية اشتراكية) أسوة بالتي أقامتها اسرائيل وبشرط أن تكون مسلحة ومدربة على فنون القتال. هذا الى جانب منع اعطاء الجنسية السورية بشكل مطلق لمن يريد السكن في تلك المنطقة باستثناء العربية منها.
في منتصف الستينات تغيرت الأوضاع السياسية في سورية اذ أطاحت القيادة القطرية بالقيادة التقليدية اليمينية بزعامة ميشيل عفلق، فقد تفائل الناس في البلاد عموماً، بمن فيهم الأكراد آملين أن تنظر القيادة الجديدة الى المشكلة الكردية برؤية مستقبلية متنورة، لأن القوى الوطنية الكردية في سورية لا تطرح شعارات تخرج من اطار الأهداف السياسية والاجتماعية والثقافية من الحقوق القومية للشعب الكردي في البلاد. ألا أن ذلك لم يتحقق، فبعد هزيمتها في حرب حزيران ( نكسة حزيران) [44] التي ذهب ضحيتها عدد من أبناء الكرد. أقدمت القيادة الشوفينية في قيادة حزب البعث الحاكم على تطبيق المخططات التي رسمتها العقول القومية المحافظة لزيادة الهوة بين الشعبين وذلك بالتنسيق مع القسم الأكبر من أغوات الكرد ( اقطاعييهم) الذي تعاون مع السلطات المحلية في المحافظة محاولاً بشتى الوسائل اثبات أن الغالبية العظمى من أبناء الكرد ليست من سكانها الأصليين، وانما نزحت من تركيا نتيجة الاضطهاد العثماني في البدء وفي فترة وصول الكماليين لاحقاً- وذلك بسبب فزعه من قوانين الاصلاح الزراعي التي بموجبها استولت الدولة على آلاف الهكتارات من الأراضي التي كانت بحيازة بعض العائلات الاقطاعية ووزعتها على الفلاحين في نطاق المحافظة، لكن تلك القوانين نفذت في مناطق الكرد وفق ما خطط لها مسبقاً بحيث تنزع أيادي الفلاحين الكرد من تلك الأراضي مع ابقاء مساحات كافية بملكية هؤلاء الآغوات الكرد لقاء خدماتهم التي قدموها للسلطات على طول الخط الحدودي الشمالي لسورية مع تركيا والعراق المقدر بطول 375 كم وعرض 10 كم. ثم تلت ذلك الخطوة اللاحقة وهي اجبار الكرد بشتى الوسائل على مغادرة المساحة المشارة اليها أعلاه. ألا أن ذلك لم يتحقق لأسباب عدة أهمها تمسك الفلاحين الكرد بأرضهم حيث رفضوا مغادرة قراهم ووقعت حوادث دامية بينهم وبين السلطات المحلية بالمحافظة. وكاتب هذه الأسطر شاهد حيّ على ذلك حيث شارك بالمقاومة السلمية لأبناء الكرد في عدة قرى، أهمها: ( طوبس وعلي فرو ونيف) من أجل البقاء على أراضيهم. فثارت ثائرة الأوساط الشوفينية في المنطقة وأعلنت أن الكرد في الجزيرة بدأوا بالانفصال، فطلبت المساعدة من المركز بارسال الأسلحة من مدرعات وغيرها لإخماد المقاومة الفلاحية التي استهدفت الاحتفاظ بأراضيهم والتمسك بما ورثوا من الآباء والأجداد من قيم وعادات تجعل الكردي يضحي في سبيل الأرض والشرف. فكانت النتيجة أن ألقي القبض على أعداد كبيرة من فلاحي القرى الثلاثة نساءاً وأطفالاً ورجالاً وزجوا في السجون، حيث ظلّوا حوالي ثلاثة أشهر موقوفين دون محاكمة، ألا أن الخلافات الحادة في القيادة السياسية العليا السورية خففت من التدابير التي اتخذت بشأن التعامل مع المقاومة الفلاحية في تلك القرى وقد أكدت الأحداث اللاحقة داخل القيادة صحة ذلك. وسوف نتعرض لها في حينها. ألا أن القوى القوموية العروبية بالسلطة كانت مصممة على مواصلة نهجها الخاطئ تجاه الكرد بالتنفيذ الفعلي لمخطط ( الحزام العربي) وتجريد آلاف العائلات الكردية من جنسيتها السورية نتيجة (الاحصاء الاستثنائي) لسنة 1962. وبهذا الشكل أصبح ايجاد الحلول الديمقراطية للحقوق القومية للشعب الكردي في سورية في اطار الوحدة الوطنية أكثر تعقيداً.
حاول الاعلام الرسمي للسلطة على مرّ السنين احاطة أحوال الكرد في سورية بسرّية تامة واخفاء حقيقة ما تتخذ من اجراءات منافية لأبسط حقوق الانسان ضده. فحتى الوقت الحاضر لم يأت أي دستور سوري أو نصوص حقوقية أخرى على ذكر الكرد أو الاعتراف بوجودهم كقومية ثانية في البلد وحرموا من حقوقهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، فلا يحق لهم فتح مدرسة أو ناد أو جمعية أو اصدار مجلة أو جريدة بلغتهم القومية. وتعتبر المطالبة بالبث التلفزيوني أو الاذاعي باللغة الكردية لفترة محددة يومياً كفراً، على عكس الأقليات الدينية-القومية الأخرى كالسريان والكلدان والأرمن، التي يسمح لها بفتح مدارس خاصة بها تدرس المواد بلغتها الأم في المراحل الابتدائية ولها مطابعها الخاصة بها حيث تطبع بعض أدبياتها وجرائدها بلغتها. بالاضافة الى ذلك، هنالك العديد من الجمعيات والنوادي العائدة لها والتي تحيي فيها احتفالاتها ومناسباتها الدينية والقومية. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: لماذا هذه الازدواجية في التعامل مع أبناء الوطن الواحد؟! الاجابة، في اعتقادنا واضحة، فالأقليات الدينية-القومية لا تشكل، من وحهة نظر الفئات المتعصبة، خطورة بالنسبة لسورية وللأمة العربية. ناهيك عن أن تلك الأقليات بذاتها كانت تقول بأنها عربية. ولهذا فقد شغل ممثلوها الأماكن والوظائف الهامة في مختلف دوائر الدولة، بما فيها الجيش والأمن، وقد لعب بعضهم أدواراً سلبية جداً، حيث حاولوا تأجيج النعرات القومية وزيادة التعصب الديني مما عقد الوضع الاجتماعي في المنطقة أكثر فأكثر.
وفي أمكنة تواجد الكرد المكثف بسورية، التي تقطنها غالبية كردية تطبق (قوانين استثنائية) فتوصد أبواب الوظائف الهامة مثل الكليات العسكرية والدوائر الأمنية في وجه أبنائها ويمارس التضييق الاقتصادي عليها ويزداد تعسف الأجهزة الأمنية والادارية في مناطقها ويتعرض الكرد للعتداءات المتكررة والاهانات المختلفة ويضطرون الى دفع الأتاوات والرشاوي لتسيير أمورهم اليومية. [45]
ويجري تعريب المنطقة على قدو وساق وذلك بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية الى أسماء عربية. كما يمنع الأكراد من ممارسة تقاليدهم القومية وخاصة الاحتفال بعيدهم القومي المعروف ب( نوروز)، الاّ أنه في السنين الأخيرة أصبح هذا اليوم عطلة رسمية عبر تسمية عيد (الأم)، وهذا ما أدى الى تحديد حجم المضايقات التي كانت تواجه المواطنين الكرد بشكل عام أثناء الاحتفال به، ولا سيما بالنسبة للأشخاص العاملين في دوائر الدولة أو طلبة المدارس والجامعات وذلك الى حد ما.
بالرغم من توافق يوم ( نوروز) مع العطلة الرسمية المعلنة في البلاد، الاّ أن السلطات المحلية وبايحاء من المركز لا تسمح الاحتفال بصفة عيد قومي للكرد، بل تحاول أن تجعله عيداً عادياً مثل باقي الأعياد الأخرى، وفي حالة الخروج من هذا الاطار تلجأ الى أساليبها المعروفة من توقيف وأستجواب وأعتقال...الخ.
أحياناً تسمح لبعض القوى السياسية وبايحاء منها اعطاء الاحتفال الطابع القومي الكردي، وهدفها من وراء ذلك إبراز تلك القوى وتحويلها الى مركز استقطاب جماهيري حتى تتمكن من القيام بالمهمات الموكلة اليها من قبل أطراف معينة في السلطة.
مع بداية السبعينات حصل انفراج نسبي بالنسبة للكرد نتيجة التغييرات السياسية في قيادة البلد، حيث تقلص بعض الشئ نفوذ القوى اليمينية والقوموية العروبوية وخفت الاجراءات العنصرية تجاه الشعب الكردي وحصل انفتاح سياسي على القوى التقدمية عموماً في البلاد. فتفائل الناس ولاح تباشير الخير في الأفق، غير أن الفئات التي خسرت الجولة في هذه المرّة لم تلق السلاح ولم تقف مكتوفة الأيدي وانما زادت من نشاطها المعادي للكرد وتوجيه التهم الباطلة كالانفصال والشعوبية وأقدمت على جرائم لم تكن في الحسبان ضد أناس أبرياء كانوا موقوفين بسجن الحسكة بعد احتفالات نوروز 21 آذار 1993 حيث توفي حوالي (60) فرداً من أبناء الكرد. [46] وهنا نود الاشارة الى حادث مماثل نوعاً ما وقع في مدينة عامودة؛ ففي أوائل 1960 ابان عهد الوحدة أحترقت احدى دور السينما وكانت الضحية حوالي (200) تلميذ. وهنا يتبادر الى الأذهان السؤال: لماذا وقعت كلتا الجريمتين في المنطقة الكردية، ولماذا في هاتين الفترتين؟!
للاجابة عليه لا بد من العودة الى الوراء حتى نستطيع أن نضع الجريمتين بظرفيهما التاريخيتين المحددين، بالرغم من وجود عوامل مشتركة بينهما. ففي بداية الستينات كانت حركة التحرر الوطني في كردستان العراق في أوجها وذلك بعد عودة المرحوم البارزاني من الاتحاد السوفيتي الى العراق والاتفاق على الحكم الذاتي للكرد. ومن الطبيعي أن يؤثر ذلك ايجابياً على مسار النضال الكردي في أجزاء كردستان الأخرى. بالاضافة الى ما ذكر أعلاه، كان التفاف الجماهير الكردية حول الحزب الديمقراطي الكردي في سورية كبيراً، الأمر الذي أخاف السلطات الحاكمة وقتئذ، فكان طبيعياً أن يكون ردّ فعل المجموعات الشوفينية سريعاً وسلبياً، إذ اعتقلت قيادة الحزب وشنت حملة مسعورة هوجاء ضد كل من انتقد الأخطاء وزجتهم بالسجون وكانت ثمرة هذه السياسة هي حادثة حريق السينما في عامودة.

ننتقل الآن الى الحدث الثاني المشابه للأول للمقارنة بينهما لايجاد ما هو عام ومشترك وبيان ماهو خاص وجديد بالنسبة للظروف المحيطة بالمسألة الكردية على وجه العموم في أيامنا هذه.
بفعل الجرائم البشعة المرتكبة بحق الشعب الكردي في كل من كردستان تركيا وايران ولا سيما كردستان العراق كما هو معلوم لدى كل مهتم في السنين الأخيرة، استيقظ الضمير العالمي من سباته العميق وكسر حاجز الصمت المميت المحيط به وأنبرى رجال الفكر والأدب بالكشف عما يدور في كردستان وأخذت المنظمات العالمية الديمقراطية ولجان الدفاع عن حقوق الانسان تعقد الندوات والمؤتمرات المكرسة لفضح الأعمال اللاإنسانية التي تقوم بها الأنظمة المقسمة لكردستان. ولعل أكبر حضور عالمي تضامني مع قضية الشعب الكردي هو المؤتمر الذي نظمه المعهد الكردي في باريس [47] والذي حظي بالدعم الكبير من قبل مؤسسة (فرنسا- الحريات) فقد شارك فيه (240) شخصية و (85) صحفياً من (32) دولة من دول أوربا الشرقية والغربية وأمريكا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا واستراليا.
انعقد هذا المؤتمر في باريس في 14-15/تشرين الأول/1988 تحت شعار: (الأكراد وحقوق الانسان والهوية الثقافية) حيث تمت طوال هذين اليومين دراسة مصير الشعب الكردي والوسائل الكفيلة بتوعية الرأي العام العالمي حول هذه القضية على نحو أفضل على اعتبار أنها أصبحت في طي النسيان منذ أمد بعيد.
نتيجة هذا التضامن الأعلامي الكبير اضطرت الدول الكبرى (أمريكا والدول الأوربية الأخرى) أن تقوم بدورها خلال هيئة الأمم المتحدة بوضع حد لتلك التصرفات التي لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلاً لها بعد هيروشيما وناكازاكي، من قبل صدام حسين جلاد الشعب العراقي بعربه وكرده، وذلك وفق الشروط التي تناسب مصالحها الاستراتيجية في المنطقة بعد الحرب الباردة التي خرجت تلك الدول منها منتصرة.
فقد فرضت على النظام العراقي قرارات الأمم المتحدة المرتبطة بحماية بعض المناطق الكردية في كردستان العراق ونتيجة ذلك تحرر قسم من كردستان من نير النظام العراقي.
أزاء هذا التغيير في سياسة الدول الكبرى تجاه المسألة الكردية برزت أصوات شوفينية جديدة هنا وهناك تطالب بالتخلي عن أية خطوة ايجابية والعودة الى السياسة العنصرية السافرة وتطبيق المزيد من المشاريع الهادفة الى محو الخصائص القومية للكرد. فأقدمت السلطات بالجزيرة وبعد التشاور مع العناصر المتعاطفة معها والمتشعبة بالفكر القومي ضد الكرد في مختلف حلقات جهاز الدولة الى إشعال النيران بسجن الحسكة في ظروف غامضة. وبهذا الصدد فقد كان الكثير من القيل... والقال..لكن الأمر الذي يجب الوقوف عنده هو: من كان وراء هذه العملية؟ وما هي الأهداف المرسومة لها؟ وهنا ليس مهماً من وجهة نظرنا، كيف نفذت العملية...
خططت لهذه المآساة الأليمة قوى سياسية مختلفة في السلطة وخارجها لزيادة التوتر الاجتماعي والديني والطائفي في مركز ثقل الوجود الكردي في الجزيرة وذلك بغية الوقيعة بين الجماهير الكردية المسلمة والأخوة المسيحيين، لأن القوى الكردية المحافظة والمتنفذة ادعت أن إمرأة مسيحية ثرية اتفقت مع بعض المسؤولين بالمحافظة، وبايعاز من آخرين من دمشق، للإنتقام والئأر من عائلة كردية معروفة بعلاقاتها المتينة مع الدولة كانت قد سلبت أموالها وممتلكاتها، وفي هذه الفترة كان عدد من أفراد تلك العائلة موقوفين بالسجن المذكور. وبالفعل احترق هؤلاء مع أبناء الكرد الآخرين في الفاجعة.
أزاء هذا الحدث الخطير وقفت القوى السياسية الوطنية بالمحافظة لهذه الرواية الملفقة وقتلتها وهي في المهد. ولم يتمكن أصحاب هذا الزعم من خلق جو عدم التعايش بين الأديان المختلفة على الأرض الواحدة منذ مئات السنين.
كذلك كان هدف مدبري هذا العمل المجرم والسلوك البربري الإساءة الى القوى السياسية أو إحراجها لكونها فسحت المجال الجزئي للشعب الكردي وقلصت بعض الشئ من سياسة التمييز القومي وقد إنعكس ذاك مثلاً وللمرة الأولى في إيصال ممثلي الكرد الى البرلمان السوري لدورة واحدة فقط وذلك عبر الاقتراع السرّي، وقد عالج السيد عبد الحميد درويش هذا الموضوع في دراسته بشأن أحوال الكرد في الجزيرة [48] لكن الأمر الذي يثير الإستغراب هو أم مرتكبي الجريمة الحقيقيين هربوا من القصاص العادل، فكان يجب محاسبة مسؤولي المحافظة وإستجوابهم وإنزال العقاب بهم، لأنه ليس من المنطق أن يستطيع نزلاء السجن أن ينفذوا هذا العمل الشنيع. فحتى وإن وافقنا جدلاً مع الذين إعتبروا أن بعض السجناء المحكومين بأحكام مؤبدة من المهربين الكرد هم الذين خططوا لذلك، فأنه ليس بمقدورهم تنفيذ ذلك دون مساعدة مسؤولين كبار عن السجن في المحافظة، وقد يشهد التاريخ على مثل هذه الحوادث، إلاً أنها غالباً ما كانت تقع اثناء الإنتفاضات المسلحة أو عندما تكون السلطة الفعلية في دولة ما تدار من قبل ممثلي مجموعات إرهابية أو مافيا معينة من ما وراء الكواليس.
تعرض الشعب الكردي بسورية في تاريخه الحديث والمعاصر لحملة شوفينية هوجاء إستهدفت كيانه القومي وصهره قسراً في البوتقة العربية من قبل الأنظمة الحاكمة منذ فترة بعيدة وحتى اليوم، وذلك بتطبيق الحزام العربي أو ما يسمى ب(مزارع الدولة) التي بموجبها إنتزعت أيادي آلاف الفلاحين الكرد من أراضيهم التي إستثمروها منذ مئات السنين وجرد حوالي (150) ألف مواطن كردي من الجنسية السورية نتيجة الاحصاء الإستثنائي -الخاص بالجزيرة وبالكرد حصراً- هذا الى جانب القوانين الإستثنائية التي عقدت حياتهم اليومية.
بالرغم من ذلك كله فقد حافظ الشعب الكردي على شخصيته المستقلة وتراثه القومي وساهم الى جانب الشعب العربي في معارك سورية الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي وفي حروبها ضد إسرائيل ووقف معه في خندق واحد أبان الحشود التركية على حدودها الشمالية.
يسعى الكرد في سورية الى رفع الإضطهاد القومي عن كاهلهم وإلغاء كافة المخططات العنصرية بحقهم وتأمين حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية ومساواتهم بأخوانهم العرب والأقليات الدينية-القومية الأخرى مساواة كاملة مما يكفل لهم المشاركة في القضايا الوطنية المصيرية وإحياء وتقوية الروابط التاريخية بين الشعبين الكردي والعربي والإعتراف الرسمي بوجوده في سورية ضمن الوطن الواحد وبهويته القومية على أسس ديمقراطية عادلة تقوم على حرية الإختيار والمنفعة المشتركة وإحترام حقوق الانسان.
فالتجربة التاريخية للشعوب أكدت بوضوح على أن سياسة القمع مهما بلغت من القوة والقسوة لم تستطع قهر إرادة الشعوب من أجل الحصول على الحقوق القومية المشروعة وأن إجراءات الدمج والصهر القومي لن تفلح في تحقيق أهدافها بالقضاء على الكيان القومي لشعب ما.


قائمة المراجع

أ‌-        الكتب:

1- إبراهيم محمود، صورة الأكراد عربياً بعد حرب الخليج، مجهول مكان الطبع، 1992.
2- أديب معوض، الأكراد في سوريا ولبنان، بيروت، 1959.
3- أدهم آل جندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الإنتداب الفرنسي، دمشق، 1960.
4- أنور المائي، محاضرة عن الأكراد في الصين، بغداد 1959.
5- جلال الطالباني، كردستان والحركة القومية الكردية، بيروت 1971.
6- دوغلاس لايتون، الكرد في الأنجيل( بيبل)، أمريكا 1994.
7- سلمان عثمان (كوني رش)، الأمير جلادت بدرخان، دمشق 1992.
8- سهيل الزكار، مدخل الى الحروب الصليبية، الطبعة الرابعة، دمشق 1981.
9- عبد الرحمن قاسملو، كردستان والأكراد، بيروت 1970.
10- عبد الرقيب يوسف، الدولة الدوستكية في كردستان الوسطى، الجزء الأول، بغداد 1972.
11- عبد الحميد درويش، لمحة تاريخية عن أكراد الجزيرة، مجهول مكان الطبع، 1996.
12- علي سيدو الكوراني، جولة في كردستان الجنوبية- من عمان الى العمادية- عمان 1939.
13- لتشكوفسكي ج. ، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، الجزء الأول، بغداد 1965.
14- محمد أمين زكي، تاريخ الكرد وكردستان، بيروت 1985.
15- ف. نيكيتين، الأكراد ( باللغة الروسية)، موسكو 1964.

ب- المجلات والجرائد:

1- مجلة " أدب القضية" العدد 17، سورية 1994.

2- مجلة " المثقف التقدمي" العدد 8، سورية 1994.
3- جريدة "خبات" العدد 726-727، كردستان 1994.
4- مجلة " دراسات كردية" العدد 4(8)، باريس 1993.
5- مجلة " روهلات" العدد 51، بيروت 1981.
6- مخطوطة أو مطبوعة " مشروع دراسة حول الجزيرة من النواحي العرقية والاجتماعية والسياسية" محمد طلب هلال.

[1] أحياناً تضاربت مصالح الطرفين أو عندما لم تتمكن حكومة ما أو شخصية سياسية من القيام بالمهمة الملقاة على عاتقها لأسباب عدة، بدأت أجهزة تلك الدول الأوربية بشن الحملات المتنوعة ضدها الى درجة الخلاص منه.
[2]هناك تقسيمات أخرى تعتمد على المعايير الإجتماعية والإقتصادية والثقافية مجتمعة، ألا أننا لسنا بصدد هذا الموضوع. أما السبب الذي جعلنا نشير الى ذلك فهو أننا سوف نتطرق بايجاز في سياق النص الى وجود أسلاف الكرد في كل مرحلة على حدة، كما هو الحال عند كل شعوب العالم المجاورة والمعاصرة للشعب الكردي الآن.
[3] سلطان محيسن، عصور ما قبل التاريخ، دمشق 1990، ص314
[4] المصدر السابق، ص 315-323
[5] المصدر السابق، ص 321، 323
[6] عند مقارنة كلمة ( واشوكاني) القديمة، التي هي أغلب الظن متباينة الأصل، مع معاني مفردات اللغة الكردية المعاصرة يجد المرء الجذور المشتركة للغتين ( آش: تعني الطاحونة و كاني: تعني الينبوع) فمنذ القدم وحتى أيامنا هذه كانت المطاحن البسيطة الأولى تقام عادة على المياه الجارية. ولذا ليست صدفة بناء العاصمة الميتانية عند منابع الخابور.
[7] محمد أمين زكي، تاريخ الكرد وكردستان، لبنان 1985، ص 97،98،100 وكذلك أنور المائي، محاضرة عن الأكراد في الصين، بغداد 1959، وغيرهم آخرون.
[8] دوغلاس لايتون، الكرد في الكتب اليهودية والمسيحية المقدسة ( البيبل)، أمريكا 1994، ص21
[9] علي سيدو الكوراني، جولة في كردستان الجنوبية أو من عمان الى العمادية، عمان 1939، ص 239 و دوغلاس لايتون، مصدر سابق ( قمنا بترجمة الطبعة الأنكليزية المسمى Kurds in the Bibel الى العربية وهي ماتزال مخطوطة، ربما ترى النور في المستقبل القريب)
[10] عالجنا هذا الموضوع في دراساتنا التي نشرت على صفحات جريدة ( خبات) الناطقة بلسان الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق 1994، عدد 726-727 وفي مجلة ( أدب القضية ) سنة 1994، عدد 17.
[11] تمت دراسة هذه المسألة بشئ من التفصيل في بحثنا بعنوان: الأكراد؛ دراسة حضارية موجزة، وهو بصيغة مخطوطة لم ينشر لحد الآن، علماً انه صدر قسم منه وهو المتعلق بأصل اللغة الكردية في مجلة ( أدب القضية )عدد 17، لعام 1994.
[12] استخدمنا كلمة ( القبائل التيوركية) بدلاً من الكلمة العربية ( التركية) لأننا اعتبرنا أن الأخيرة لا تفي بالغرض المطلوب ولا تعبر بشكل علمي وصحيح عن السلالة التيوركية القديمة المنتمية الى الأصل الأثني ( السلالي) المغولي السائد في رحاب آسيا المركزية؛ فالأتراك الحاليون في تركيا عبارة عن هجين لبقايا عدة شعوب استقرت في آسيا الصغرى في المراحل التاريخية المختلفة ومنها ( الأغريق والرومان والفرس القدامى والسلاف والعرب وأكراد وتيورك قدامى).
[13] ف. نيكيتين، الأكراد، موسكو 1964، ص 271-273 ( باللغة الروسية) وعلي سيدو الكوراني، مصدر سابق، ص 244-245
[14] عبد الرقيب يوسف، الدولة الدوستكية في كردستان الوسطى، بغداد، ج1، 1972، ص 14-15.
[15] ان السبب الذي دعانا أن نقف بشئ من التفصيل على المعلومات التي أوردها د. سهيل الزكار عن الدولة المروانية، هو انه ناقض نفسه اثناء الحديث في الفترة الأخيرة عن وجود الكرد في سورية، حيث ارتكب خطأ تاريخياً يمكن مناقشته، وقد انبرى عدد من أبناء الكرد للرد عليه.
[16] د. سهيل الزكار، مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية، دراسة تناولت قيام الامبراطورية السلجوقية وأحوال الشام والجزيرة عشية الغزو الصليبي، ط4، دمشق 1981، ص91.
[17] عبد الرحمن قاسملو، كردستان والأكراد، بيروت 1970، ص 44   وباسيل نيكيتين، مصدر سابق، ص 278.
[18] جلال الطالباني، كردستان والحركة القومية الكردية، بيروت 1971، ص 81.
[19] ربما يراود ذهن القارئ الكريم أسماء امارات كردية أخرى في العهد الوسيط لعبت دوراً ليس أقل من التي ذكرت أعلاه، ولكننا اكتفينا بذكر البعض منها لان دراستنا تهدف التركيز على التاريخ الحديث والمعاصر للشعب الكردي في سورية وليس تاريخ الكرد وكردستان ككل.
[20] ف. نيكيتين، مصدر سابق، ص 292
[21] ان الوقوف على وضع الشعب الكردي في الاتفاقات والمعاهدات الدولية يحتاج الى دراسة خاصة ولكن الهدف الأساسي لبحثنا هو المسألة الكردية في سورية، ومع ذلك فنحن مرغمون معالجة القضايا الخاصة بالكرد وكردستان بايجاز ضمن السياق العام فقط.
[22] ج. لتشكومسكي، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، ج1، بغداد 1965، ص107
[23] يستثنى منهم الرئيس الراحل والقائد العربي الوطني الكبير ابن مصر جمال عبد الناصر وقائد الثورة الليبية الأخ العقيد معمر القذافي، اللذان اعتبرا الشعب الكردي امة مسلمة مجاورة يجب اعطاءها حقوقها السياسية الكاملة وتقرير مصيرها بنفسها حتى تتجنب المنطقة تدخل الدول الأجنبية الاستعمارية في شؤونها.
[24] لا بد من الاشارة بهذا الشأن الى أول وثيقة حكومية سرية صادرة من احدى المؤسسات الأمنية في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة من قبل الملازم الأول محمد طلب هلال رئيس فرع الشعبة السياسية في الستينات، تحت عنوان: ،، مشروع دراسة بشأن محافظة الجزيرة من النواحي السياسية والاجتماعية والقومية,,. هذه الوثيقة هي في متناول أيدي الباحثين، حيث يقترح المؤلف جملة تدابير تجسدت فيها ذروة الفكر الشوفيني الأعمى والمعالجة البربرية للوجود الكردي في سورية. وسوف نتعرض الى بعض أفكارها في سياق النص.( سهيل الزكار، حول موضوع الأقليات ومدى انطباقه على الوطن العربي، جريدة المستقلة، عدد 73في 2/10/1995)
[25] لقد عالج الباحث إبراهيم محمود في مؤلفه: ,, صورة الأكراد بعد حرب الخليج,, موقف أدباء ورجال الفكر العربي الذين اعتبروا الشعب الكردي في كل من سورية والعراق مصدر خطر على الأمة العربية ويشكل بؤرة توتر تهدد كيانها.
[26] العودة الى دراسة موجزة بشأن نفي قبيلة هماوند في كردستان العراق الى ليبيا في أواخر القرن ال19 بمجلة ,, المثقف التقدمي،، عدد 8 لسنة 1993 بعنوان: الأكراد في ليبيا.
[27] لم يكن معروفاً لدى أحد أنه يوجد بين الكرد في مناطق كورداغ (عفرين، جبل الكرد) أكراد يعتنقون المذهب العلوي الاسلامي، أو في أماكن أخرى بمحافظة اللاذقية. فقد أصبح ذلك ممكناً نتيجة التسامح الديني والانفراج السياسي بالنسبة الى الشعب الكردي الى حد ما في العقود الثلاثة الأخيرة من تاريخ سورية الحديث والمعاصر. فعلى سبيل المثال، استحدثت تقسيمات إدارية جديدة في منطقة عفرين تسكنها غالبية كردية علوية مسلمة وهذا ما خفف من إجراءات إدارية عنصرية كانت مفروضة على أبناء الكرد في تلك الامكنة.
[28] علي سيدو الكوراني، مصدر سابق، ص225
[29] عبد الحميد درويش، لمحة تاريخية عن أكراد الجزيرة، مجهول مكان الطبع، 1996، ص26-32
[30] في منتصف السبعينات قامت القوى الشوفينية في السلطة باتخاذ تدابير هدفها تغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة الكردية التي تسمى بالجزيرة، حيث أقدمت تلك القوى على جلب أعداد من العرب وإسكانهم هنا حتى ترجح الكفة لصالح الوجود العربي في عداد السكان الأصليين.
[31] دراسات كردية، لمحة عن تاريخ الأكراد، عدد4(8) لسنة 1993، ص28، المصدر السابق، أكراد سوريا ولبنان...، ص67.
[32] في الآونة الأخيرة أخذت تبرز بين أبناء الطائفة المسيحية في سورية، وبشكل خاص في منطقة الجزيرة شخصيات وأحزاب سياسية شبه علنية تعتبر الآشوريين والسريان وغيرهم الورثة الشرعيين لحضارة ميزوبوتاميا ( بلاد ما بين النهرين) وبالتالي ليسوا عرباً، علماً أن اغلب الدراسات العربية تؤكد أن جل هذه الحضارات التي ازدهرت في مناطق شرقي البحر المتوسط وميزوبوتاميا هي عربية.
[33] محمد أمين زكي، مصدر سابق، الصفحات 33-34 و411 وكذلك علي سيدو الكوراني، مصدر سابق، ص 224
[34] أديب معوض، الأكراد في سورية ولبنان، بيروت 1959، ص 27.
[35] مزارع الدولة: أو من الأصح تسميتها ب،، الحزام العربي الخاص بالمنطقة الكردية في محافظة الحسكة،، المتاخمة للحدود السورية الشمالية مع تركيا، وحدودها الشمالية الشرقية مع العراق. فقد استولت الدولة على الأراضي العائدة للفلاحين بشكل رئيسي، وأحياناً استولت على المساحات الزائدة فقط من ملاكي الأراضي الكرد. وسوف نقف على هذه المسألة مع بعض التفصيل نظراً لأهميتها بالنسبة لمصير الكرد في سورية.
[36] حتى الفترة القريبة جداً كانت غير معروفة لدى الغالبية العظمى من سكان سورية عرباً وكرداً وجنسيات أخرى، أن البطل الشهيد يوسف العظمة هو من أبناء الشعب الكردي. فقد كانت المؤسسات الحكومية الرسمية تتعمد عن سابق قصد إخفاء هذه الحقيقة عن السكان في البلاد، ولولا الانفراج النسبي للكرد في السنين الأخيرة لبقيت مجهولة ردحاً آخراً من الزمن.
[37] أدهم آل جندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الإنتداب الفرنسي، دمشق 1960، ص 379.
[38] المصدر السابق، 379.
[39] مجلة روهلات، عدد 51، بيروت 1981.
[40] لا تتوفر المعلومات الضرورية عن الانتفاضة الطويلة التي تزعمها ابراهيم هنانو ضد الفرنسيين وعن شخصية القائد وسيرة حياته واسلوبه العسكري في الكفاح، سوى كلمات عامة في الكتب المدرسية والجامعية ربما يعود ذلك الى كونه كردياً. إلا أن الاعتراف بدور إنتفاضة جبل الزاوية في طرد المستعمر معروف للجميع.
[41] محمد طلب هلال، مشروع دراسة حول الجزيرة من النواحي العرقية والإجتماعية والسياسية، ص 45-48
[42] محمد طلب هلال، مشروع دراسة حول الجزيرة من النواحي العرقية والاجتماعية والسياسية، ص 45-48
[43] استخدم الباحث إبراهيم محمود هذين المصطلحين في مؤلفه: "صورة الأكراد عربياً بعد حرب الخليج" بدلاً من الكلمتين العربيتين " قومي" و " عربي" وذلك للتمييز بين المفهوم القومي العربي الديمقراطي الحر والمفهوم القومي العربي المزيف. وسوف نستخدم هذين المصطلحين في دراستنا هذه.
[44] شاع استخداممصطلح " نكسة حزيران" في الآداب السياسية للسلطة وذلك لتمييزها عن الهزيمة، علماً أنها كانت هزيمة فعلية حيث ألحقت القوات العسكرية الاسرائيلية الهزيمة بالقوات المصرية والسورية والأردنية وغيرها. لذلك اعترف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالهزيمة وتنحى اثر ذلك عن السلطة، ألا أن الجماهير المصرية أبت ذلك.
[45] تستثني من ذلك العناصر الكردية المتعاونة مع مؤسسات الدولة الأمنية منها أم الادارية، فتوجد الآن أعداد كبيرة منها تحتل مناصب إدارية عليا، إلاّ أنها لا تمت بصلة الى الكرد سوى الانتماء من حيث الأصل، فحتى هؤلاء أدوارهم محددة في الهرم السلطوي وبعيدون عن الأمكنة التي تتخذ القرارات اللازمة المتعلقة مثلاً بمصير الكرد.
[46] تقول بعض الروايات بأنه وجد بين الضحايا 3-4 أفراد أو أكثر ليسوا أكراداً، ينتمون الى طوائف أخرى.
[47] للمزيد من الإطلاع على مواد المؤتمر العالمي الكبير يمكن العودة الى مجلة ( دراسات كردية)، العدد4(8)، 1993، الناطقة باسم المعهد الكردي بباريس.
[48] عبد الحميد درويش، مصدر سابق، ص8-9


>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]