www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
01.05.2003 - 03:20

كرهوا صورة المحارب الجبلي وقدسوا العشاق:
أنبياء الحب الأكراد!


شهبور حميي

في وثائق أقدم ديانة كونية متوافرة لدينا وأقصد ديانة امنحوتب الرابع المعروف باخناتون، 'ديانة آتون' نقرأ: العلاقة بين آتون ومخلوقاته تقوم علي الحب المتبادل، وكل المخلوقات الحية تكن الحب للأب الواحد، الذي أظهرها إلي الوجود ويسر لها رزقها. ان ما يوحد الموجودات هنا هو اشتراكها في حياة 'آتون'، البشر، النباتات، الطيور، الأزهار، البراعم... الخ. وبهذا المعني تحمس الشاعر الايطالي 'دانتي' للحب بقوله: الحب قوة كونية كبري لأنه هو الذي يحرك الشمس وباقي الأجرام السماوية.
وبوسعنا كذلك أن نؤول عبارة 'الانجيل' (الله محبة) لنخلص إلي القول بأن 'الوجود محبة'. حقا إن الواقعة الأكثر جوهرية في الكينونة الانسانية هي 'الحب'.
في تعبير آخر، اذا ما شئنا أن نتحدث عن ماهية ما مفترضة تؤلف الحضور الانساني لقلنا أنها الحب. وقد استطاع البشر في كل زمان ومكان أن يدركوا هذا السر الغامض والمألوف جدا بالنسبة اليهم، بوصفه أعمق اشارات ومعاني وجودهم ودون أن يتمكنوا من تحديد كنه هذا السر أو ضبطه في حدود عبارة جامعة مانعة.
لهذا كله، نجدهم علي الدوام، وقد تمركزوا حول هذه الواقعة التي تبدت لشعورهم معبرين في انفعالاتهم وآلامهم عن هذا السيلان الغامض والعميق الذي يجتاح وجودهم.
لكن طالما أن الحب هو الجوهر الأكثر حضورا في الكينونة الانسانية، اذا، كيف لنا أن نسوغ هذا الميل السائد للشر لدي البشر، وهذا الرعب المتفشي، والأنانية التي تنضد طبيعة العلاقات فيما بينهم..؟ لعل مثل هذه الاسئلة تقودنا إلي الشك في جدوي الحب في الثقافة الانسانية، ويعني كذلك انه في المحصلة وهم وجوهر زائف. بيد أني لا أزعم كذلك حتي لا أثير ثقة الذين يلتمسون الخير والسعادة في العلاقات بين البشر، وايمانهم بقيمة الحب وجدواه.
نعم نحن يمكننا أن نتصور درجة اتساع هذا المفهوم وامتداده، وحتي بمقدورنا أن نتحدث عن مستويات الحب وانماطه واشباهه، كالتعاطف وحب الذات، والأمومة والاخوة والصداقة... الخ لكن الذي يبدو هاما في هذا السياق يأتي تحت ما يمكن ان نسميه العشق 'الايروس' من هنا سأقتصر علي وصف مظاهره في الثقافة الكردية ووعيه. وأعني به (الحب)، هذه العلاقة النوعية المتميزة بين نوعين انسانيين، تفترض المشاركة الجنسية المنظمة والامتزاج الروحي والشعوري بينهما، وفي قول آخر وحدة النوعين، وطبيعة العلاقة بين الجنسين طالما أننا نؤكد علي الدوام بأن الواحد منهما هو نصف ناقص لواحد كامل هو الانسان. أو هو هذا النزوع المتبادل إلي امتلاك الآخر، روحيا وجسديا، وبه يتحقق دوام النوع واستمراره
للحب هامش كبير في الثقافة الكردية، بل ويمكن القول عنها أنها ثقافة الحب والمكان. وعصر أنبياء الحب لدي الاكراد لم يزل من زمن 'آناهيتا' وحتي أمس القائل: (VIYANA TE minne geriya عشقك لم يبارحني بعد) فالكردي أنيٌ وجدته لايني يرتل للحب، وللحب وحده يقدم المجد والولاء والمديح. قد يبدو هذا الأمر مثيرا وغريبا عن الذين اعتادوا صورة المحارب الجبلي الذي ما فتيء يختلق الحروب والكوارث منذ عصر 'كزينفون' وحتي الآن.

وثنية الحب!

لم يظهر في الثقافة الكردية هذا الميل القاسي إلي معارضة الحب بمباديء الاسرة والحياة أو السخط الاخلاقي أو التحريم الديني، بل علي العكس من ذلك نظر إليه علي الدوام علي أنه الشيء الحقيقي الصحيح، وبالمقابل لم يكن يعني مجرد توتربيولوجي أو فسيولوجي، بقدر ما كان يدلك علي مغزي عميق لتجربة تحلل الفرد في صميم الوجود الانساني الآخر، أو أنه اندغام الفردي الخاص في عموم النوع، وتعبير عن هوية نوعية ما.
وما يميز هذه العلاقة الخاصة الطرفية هي أنها تنطوي علي طاقة هائلة من الغيرة ونكران الذات والنديٌة في ذات الوقت، مليئة بالقوة والحميمية والرغبة في امتلاك الآخر بوضوح. تقول (الاغنية الملحمية):

أنا كردي، لا أتقن الفارسية
أقولها بلغتي الكردية، فدتك روحي
وفي مقطع مشابه: 'لا المال أريد ولا خزائن العالم
أهوي قامتك وحدها، وحدها'

للجمال الحسي الخارجي (للانوثة الطبيعية الابدية) تمجيد مثير في سجلات الثقافة والوعي الكرديين. وهذا هو الوجه الآخر لوثنية الحب، أو صورة من صوره، وكذلك لايعرف فكاكا من الجمال الطبيعي. (حسبنا أن نقرأ المقدمة الوصفية الشعرية للجمال الطبيعي في عيد نوروز، الذي يحيط بلقاء مم وزين). وهو تعبير عن اندراج تجربة الحب الانساني الفردي المحدود في العالم الطبيعي اللانهائي، الذي يكون في العادة بطقوسه الرمزية نوعا من التطويب والمباركة للتجربة الانسانية الناشئة. وهكذا فانه يغلب علي الوعي الكردي اعتقادا بأن الحب الحقيقي الوحيد، الذي يستحيل إلي واقع لابدٌ من أن يصادف نشوءه أوائل فصل الربيع، إن هذا الحب يجد اذا امتدادا له في العالم الخارجي، ولعل هذا ما يفسر لنا ميل الانوثة الكردية إلي محاكاة المظاهر البصرية للطبيعة الخارجية، وهي ظاهرة أشد ما تكون بروزا في طراز الزي الكردي وفنون الرقص وانماط السلوك الفلكلوري، لتقرأ هذا المقطع من ملحمة مم وزين.
أخذا الشهد من الشفاه والورد الأحمر من خديهما علي أية حال، فإن فكرة الجمال الطبيعي والخصوبة، وهي رموز كونية، عامة وشاملة، تجد دلالاتها العميقة ومعانيها في اللغة الكردية، وبصفتها كذلك فانها تعبر باختصار عن وحدة الحال في المشاركة الكونية بين الشخصية الانسانية والطبيعة في الجمال واللذة، ففي اللغة الكردية تستخدم كلمة واحدة للتعبير عن المكان الطبيعي والمهد والأم (Ci جي) كذلك الحال في الاسطورة اليونانية (جيا) الإلهة الأم الأرض.
ويبدو لي هذا الأثر كذلك في الديانة 'الميثرائية' وهي ديانة ايرانية اساسا. فالإلهة (ديميتر Demethra) تعني علي التوالي في اللغة الكردية (الام الانثي الارض) وربما منها الكلمة العربية (ثري). ولنلاحظ ان كلمتي De و Ci من مصدر لغوي واحد في اللغة الكردية.
اذا فالحب مقدر له أن يتضايف مع مفهومي الأرض والمكان في الثقافة الكردية، حتي أن مجرد تصور الانفصال يبدو مستحيلا، ولهذا السبب فإن الألم الأشد إيلاما يرتبط عادة بتصور الفراق الابدي، الذي يبدو في الوعي الكردي كنوع من السقوط والتمزق.

أمور عادية!

ومن هنا لما يقوم الوعي الكردي باستعادة قصة حب معينة، فإنما يقوم بسردها ضمن شبكة علاقات المكان الفيزيقي والاجتماعي. ويلعب الحب هنا دورا وظيفيا في منظومة المعايير الاخلاقية والجمالية للمكان، انه عقدة السيطرة والتحكم، ويتحول إلي قيمة عليا تحتذي.
ان الحب في تضايفه مع مكان الاسرة والقرابة والعهد يتحول إلي رمز مكثف للوعي الجماعي، انه من لوازم الثقافة الجمعية التي تسوغ التماسك الروحي والانسجام الاجتماعي ولذلك كان الحب المتبادل بين الاقارب وابناء العمومة، أمرا غير مثير ولايستحق التذمر والتنديد كما الحال في الثقافات الأخري وانما كان محبذا ومرغوبا به إلي حد ما.
بيد أن الحب بالمقابل يحمل في طياته عنصر تناهيه وانفصاله عن المكان الطبيعي والثقافي، وهذا يعني السقوط واليأس والنبذ. انه في حالة الانفصال عن المكان والرهط يمثل التفكك وتدمير الهوية ولهذا يستحق الألم والعقاب، ويمكن القول بأن الغناء الملحمي في الثقافة الكردية يمثل صدعا مقدسا، ترتيلا دؤوبا ضد غواية الانفصال عن المكان والاغتراب. ولاجل كل ذلك ألحت الثقافة الشفاهية الكردية في مفهومها عن الحب علي ضرورة تنضيده في المكان الأم. لأن خلاف ذلك يعني تدميرا للنظام الطبيعي والموت والمجدودية.

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]