www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
20.09.2003 - 11:55

صناعة الثقافة وتحديات العولمة

هوشنك أوسي

(القوي يعمل والضعيف يأمل)
برنادشو


ربما يتسائل المرء عن ماهية العلاقة بين عنوان المقال وقول برنادشو أو لماذا القوة والأمل بالتحديد؟ أهذه مقالة سايكولوجية؟ أم هي حول الثقافة والعولمة اللتان هما من القضايا والموضوعات الأكثر أهمية وتشعباً وتطرقاً لها في وقتنا الراهن.خاصة بعد أن حظيت الصناعات الثقافية في العقود الثلاث الأخيرة من القرن الماضي اليوم بإهمبة كبيرة لما تتميز به من قدرة عالية على بلورة الرأي وتشكيل العقل ويدور الحديث في الوقت الراهن عن إمبراطوريات احتكارية عملاقة في صناعة الثقافة ذات قدرة خارقة في التأثير على الثقافة في أبعادها الأخلاقية والفلسفية.

برأينا إن الحياة برمتها هي ثقافة، ولإستمرار ديمومتها تبرز أهمية وجود القوة إلى جانب الأمل، طبعاً العصر الذي نعايشه ليس عصر الضعفاء. إذاً ما هي قوتنا؟
وما هي آمالنا وطموحاتنا؟ وأي ثقافة نحن بحاجة إليها كي نحتل مكانة مشرّفة بين الثقافات في هذه المرحلة الأكثر حساسية من عمر التاريخ؟
كما هو معروف بعد انهيار الكتلة الشرقية ، انفردت الكتلة الغربية بحكم العالم وادارته . وهكذا بدأت ملامح حقبة تاريخية جديدة تبدو جلية، بعض المفكرين والساسة والمحللين الاستراتيجيين سمّوا هذه الحقبة بـ (النظام العالمي الجديد) والبعض الآخر سماها (صراع الحضارات) كـ هنتغتون. رئيس الحمهورية الاسلامية الإيرانية خاتمي طرح وجهة نظر مغايرة لسابقتها ذاكراً: ( إن هذه الحقبة ينبغي أن تكون حوار الحضارات ).لذلك أعلنت الأمم المتحدة عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات.
بإمكاننا القول إن هذه المرحلة الجديدة التي تجاوز عمرها العقد اتصفت بميزتين:

1ـ انتشار موجة الحروب الأهلية والإقليمية في أنحاء العالم وهذه الحروب بدورها أفرزت الكثير من المعطيات والنتائج الجديدة
على خارطة العالم الجغرافية والجيوبوليتيكية ( الجغرافية السياسية )، يعني نالت عدة دول استقلالها وتحررت شعوبها، والشيء الذي يثير الدهشة هنا ويفنّد مزاعم القطب المتفرّد بحكم العالم أنه يسعى لتحقيق الديمقراطية والسلام العالمي، هو أن حقوق الانسان والقانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية انتهكت بشكل صارخ في وقت عجزت المؤسسات الدولية ذات الصلة بممارسة الدور المنوط بها في هذا الصدد.
2ـ هذه الحقبة أزالت الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية والدينية بشكل غير مباشر وبالتالي قربت بين المتباعدين والمتباينين فكرياً وقومياُ وثقافياَ، وهكذا حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة.
هذه الحقبة سميت بالعولمة. فهي نمط اقتصادي سياسي اجتماعي ثقافي يحاول إدارة العالم وفق مصالحه، أي مصالح العالم الغربي خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. إذاً فالعولمة في جوهرها تهدف إلى صهر ثقافات المحيط المختلفة والمتخلفة في بوتقة ثقافة المركز القوي وبالتالي اخضاع الشعوب والأمم تحت سيطرة مركز مسلّح بالقوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية،هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعولمة هي أنفتاح العالم على مكوناته ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً في محيط حيوي معلوماتي خلقته ثورة التقانة والإعلام إلى جانب التطور الأقتصادي الهائل الذي شهده العالم مما أدى الى إندماج الشركات العالمية الكبرى نتيجة عولمة رأس المال وبالتالي ولادة شركات متعددة الجنسيات لها وزنها وثقلها على القرار السياسي دولياً مما أدى إلى انفتاح الأسواق على بعضها .
ولأجل توظيف العولمة من قبل القوى الكبرى كاختراق ثقافي واجتماعي واقتصادي كانت الوسيلة الأكثر فاعلية وتأثيراً هي الثقافة والإعلام.لكن ينبغي أن لا ننسى أنه كلما صغر العالم كبرت اشكالياته وقضاياه وكثرت الرؤى المتعلق بذلك خاصة بعد حوادث 11 أيلول في واشنطن ونيويورك وتبِعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية بين الشرق والغرب.

الثقافة والحضارة

منذ بدايات التاريخ، احتياجات الإنسان الأساسية الحياتية كالمأكل والملبس و المسكن والتكاثر و الحماية هي التي جعلته كيف يخلق أدوات تؤمّن شروط استمرار حياته ووجوده. فالصراع الأول للإنسان كان مع الطبيعة وبالتالي تطور الإنسان والإنسانية ترك آثاراً قيمة وإبداعات عظيمة.
من الواضح أن الإنسانية خلال تطورها مرت بعدة مراحل تاريخية أفرزت منظومة فكرية وعقائدية وقيمية أغنت وعيه المعرفي بالإضافة إلى تراكم الخبرات لديه، كل هذا أصبح دستور وثقافة حياته عبر صراعه الاجتماعي وصراعه مع الطبيعة. إذاً فالثقافة هي التراكم التاريخي للفكر والمعرفة وجملة الحوادث والخبرات التي مرت بالانسان على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفني و العقائدي و القانوني والأخلاقي,أذاً فهي جملة النشاطات المادية و الروحية للإنسان عبر التاريخ
بالتالي الأماكن التي شهدت تطوراً ثقافياً ومعرفياً أنجزت حضارات عظيمة كما في ( أثينة ومصر ومزوبوتاميا…) إذاً فالحضارة هي نتاج قومية أو أمة تتألف من عدة قوميات أو إثنيات ، تقوم بتطوير وتجديد وتنظيم الحياة الاجتماعية في كافة النواحي وعلى كافة الأصعدة.
لأن بداية الحياة الحضارية مرتبط ببداية الزراعة، لذلك نجد أن معظم الحضارات كانت على ضفاف الأنهار. طبعاً الحضارة هي فعل اجتماعي ثقافي جماعي شارك في صياغتها وتقويتها كل الأفراد، لكن الدور المحوري والمركزي كان للفلاسفة والفنانين والقادة والحكماء والأنبياء ، هؤلاء حياتهم بمجمل نتاجاتها هي ثقافة. يعني أن هؤلاء هم الذين يضعون أسس وقوانين وقيم ومقاييس الجمال والخير والشر…الخ.
وهنا نصل إلى نتيجتين هامتين:
1_ كل حضارة هي مجموعة ثقافات، لكن كل ثقافة ليست حضارة. لأن الثقافة تتفرع إلى ( طبقية، إقليمية، دينية، محلية…الخ). لكن الحضارة لا تتفرع وتتجزأ وبالتالي فهي تحتوي هذه الثقافات على تنوعها. لذلك فالحضارة أعمق وأوسع من الثقافة من حيث الاصطلاح والمدلول والجوهر.
2_ لا ثقافة دون شعب ولا شعب دون ثقافة. لأن الثقافة هي مرآة تعكس مجمل الحياة الاجتماعية بأفراحها وأتراحها والحياة الأدبية والفنية والروحية، بالإضافة إلى جملة الأعراف والتقاليد الموروثة لدى كل شعب معّين. من هنا يتضح لنا جلياً أهمية الهوية الثقافية لحماية ذاته واستمرار بقائه كقومية مستقلة والشيء الذي ينبغي عدم نسيانه هو أن الثقافة تستمد خصائصها من البيئة والطبيعة وأشكال وأنماط الحياة الاجتماعية والفكرية لشعوبها مشكّلة هوية ثقافية متميزة عن غيرها.

ثقافة القوة وقوة الثقافة:

عندما يتعرض وطن للاستعمار من قبل قوة استعمارية تحاول الأخيرة بشتى الوسائل والأساليب ترويض شعب ذلك الوطن وصولاً لصهره، ولأجل تحقيق ذلك بداية يستهدف ثقافة هذا الشعب إما يسرقها ويزورها أو يشوهها ويتركها عرضة للضياع وإن لم يتسنى له هذا وذاك، يقوم بحظرها ومنعها وقمعها بقوة الحديد و النار. لأن الهوية الثقافية هي الحلقة الأساسية والأبرز التي تربط الانسان بتراب وطنه ولأنها تحيي الفكر والحس القومي وتؤججه لحماية الهوية القومية التي هي الشكل الأرقى للانتماء إلى جغرافية معينة.
لذلك نرى التأثير الواضح لثقافة الاستعمار البريطاني على شعوب الهند وجنوب أفريقية وكيف أبادوا ثقافة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية وهكذا فعل أيضاً الاستعمار البريطاني والبرتغالي عندما فرض لغته على سكان أمريكا الجنوبية. و قام الفرنسيون بنفس الأمر في الجزائر وباقي مستعمراتها الأخرى.
في الشكل الكلاسيكي للاستعمار يمارس هذه الأساليب بشكل واضح وعنيف، وبعد التطور التقني الهائل وثورة الاتصالات والمعلومات الهائلة التي شهدها العالم والتي اصطلح عليها بالعولمة أجرى الاستعمار تحولاً وتغييراً في شكله وأدواته مع الحفاظ على جوهره. يعني الاستعمار قديم في أهدافه وتوجهه الفكري وحديث في أشكاله وأساليبه. والتي أبرزها الثقافة الاستهلاكية التي لا تفرز حكمة علاوة على أنها تشوه القيم الإنسانية وتقزمها عن طريق إعلام مبتزل رخيص مدعوم بقوة اقتصادية هائلة هاجسها تحويل الإنسان إلى سلعة تتداول حسب قوانين العرض والطلب وتحويل المجتمعات إلى أسواق مفتوحة، بواسطة هذا السلاح الفعال الا وهو الإعلام للوصول إلى عقل المجتمع بشكل حساس والعبث به وتغييره ليتماها ويتماشى حسب مقتضيات وقوانين ثقافة القوة المعولمة وبالتالي السيطرة المطلقة على العالم برمته اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً، لأنه إن تم السيطرة على عقل المجتمع يكون قد خضع بشكل غير مباشر تحت سيطرة القوة المؤثرة في ذلك هذه القوى التي خرجت من الحرب الباردة منتصرة والتي لا تريد فقط السيطرة على بلد أو قارة بل تستهدف العالم برمته بعد أن وضعته أمام آلة ثقافتها كي ينسى المرء وطنه وثقافته وشخصيته ويحيى على النمط والطراز الامريكي، بتعبير أدق تحويل العالم إلى مستعمرة امريكية، وهذا ما تسعى إليه ثقافة القوة.
وفي مواجهة السيل العارم لثقافة القوة التي تريد إغراق العالم تقف قوة الثقافة، وهي تعني الثراء والتنوع والأصالة التي تتمتع بها الثقافة الضاربة جذورها في التاريخ والتي لعبت دوراً مركزياً هاماً في إقامة وبناء الحضارات وحافظت على بقاء شعوبها من الهجمات الاستعمارية وممارساتها وآثارها ومحاولاتهم الهادفة لإزالته من الوجود.
إذا سلاح الشعوب التي تريد الوقوف في مواجهة ثقافة القوة المعولمة وحماية نفسها بآن واحد من الضياع والفناء هي قوة ثقافتهم فبقدر ارتباطهم بها يحصلون على امكانية العيش والاستمرار كشعب في المعمورة، وهذا لا يعني إطلاقاً أن يبقى الشعب منطوياً ومنغلقاً على نفسه ويصبح أسير تراثه، بحيث يبقى بعيداً عن التطور الفكري من كافة النواحي وعلى كافة الأصعدة. لأن تحديات العولمة ثقافياً واقتصادياًوسياسياً…الخ بات واقعاً مفروضاً لا يمكن التهرب منه، بل أن يستفيد من إيجابياتها وتطبيقها على الصعيد العملي مبتعداً في الوقت نفسه عن سلبياتها وهكذا لن يكون شاهداً هامشياً على العصر هدفه حماية نفسه فقط بل يلعب دوراً مؤثراً في هذه المرحلة المتسارعة التي تزيل كل الأشياء الهشة الضعيفة والمتخلفة. إذاً يمكننا أن ننعت هذه المرحلة ( الصراع بين قوة الثقافة وثقافة القوة).

الأمن الثقافي

الأمن القومي هي ضرورة حيوية لخلق حالة الاستقرار لدى شعب أو بلد معين لأنها نظام حماية من الهجمات الداخلية والخارجية التي تستهدف كيانهُ ووجودهُ.
بعد أن ألغت وسائل الإعلام وثورة المعلوماتية الحدود الوطنية والقومية محولة العالم إلى قرية صغيرة، اتضح أن أحد أبرز أهداف القوى المتحكمة بأدوات العولمة هي إزالة الدول المبنية على أسس قومية أو دينية عبر إضعاف الوعي والحس الوطني أولاً وتحجيم وتقليص السيادة الوطنية ثانياً للوصول إلى إقامة عالم موحد وقومية عالمية مركزها الولايات المتحدة الأمريكية. لأجل تحقيق ذلك كما ذكرنا آنفاً يحاولون العبث بالثقافة القومية لإزالة الهوية الثقافية، فالشعوب التي لا تستطيع حماية ثقافاتها، لا تستطيع الحفاظ على استقلالية شخصيتها القومية وسيادتها الوطنية.
لأن حماية الثقافة تعني بقاء التراث والفلكلور حيّاً اللذين يحافظان عل استقلالية الشخصية القومية وتقوية تأثيرها.
إذا فالأمن القومي لا يتحقق دون تحقيق الأمن ا لثقافي لأنه من جهة يعني: 1_ حماية الحس والقيم والتراث والأدب القومي والوطني، يعني تقوية الهوية الثقافية وحمايتها من كافة أشكال الغزو الثقافي وفيروساتها التي تسعى الثقافة الغازبة جاهدة بثها وزرعها في الثقافة القومية للوصول إلى تخريب وتشويه الهوية الثقافية التي بدورها هي الحامل والوعاء لعقل المجتمع والذاكرة الجماعية له، من ثم خلق حالة أنهيار قومي من الداخل.
2 _ وضع مخططات ومبادئ تضبط وتوضح التفاعل والتواصل وأشكال الحوار وأنساق الخطاب الثقافي لدى الثقافة القومية مع ثقافات الشعوب الأخرى، يعني تنظيم مسار الثقافة القومية بما يتماشى والتطور الحضاري بكافة الوسائل وعلى كافة الأصعدة. والشيء المثير والهام حالياً والذي ينبغي التوقف عنده ملياً من قبل المثقفين الكرد بمختلف انتماءاتهم قبل ساساتهم هو: نحن كشعب أين مكانتنا؟ وما هو دورنا؟ وما هي واجباتنا ومهامنا في هذه المرحلة الحساسة التي لا ترحم الضعفاء؟. لأنه كلما تفاقمت تحديات العولمة برزت أهمية صناعة الثقافة وصياغة مشروع ثقافي كضرورة حيوية وتاريخية هامة.

الثقافة الكردية بين الواقع والطموح:

بحكم تعاطي الإنسان الكردي مع المحيط (بيئة،مجتمع) وتفاعله معهما خلق لديه تراكماً معرفياً يجمع في محيطه وخضمّه مجمل التطور المادي الفكري والروحي والأخلاقي لاستمرار حياته ضمن شروط ومناخ صحي اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقد أخذ هذا التفاعل في بداية الأمر شكلاً ومنحاً ديني وعقائدي كالديانة ( الزرداشتية واليزيدية ومن ثم الإسلام افرزت تنوعاً فكرياً من خلال طرحها رؤىً تهدف إلى كشف حقيقة الكون و فهم ماهية الحياة والموت وجدلية الصراع بين الخير والشر…الخ.
بتعبير آخر رؤىً تحاول الوصول إلى أكتشاف الكون والوصول إلى كنه الحقيقة وفي سياق ذلك تتقاطع وتتقارب في بعض النقاط حيناً وتتباين أحياناً أخرى. من ثم تطور هذا التفاعل بحكم تطور التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في المجتمع الكردي وتكثّف ذلك فناً وأدباً يعكسان الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكردية بأبعادها مشكّلة ثقافة قومية في ظروف استثنائية دخلت مرحلة التدوين في وقت متأخر قياساً مع الثقافات الأخرى.
فقد عايش الأكراد أطواراً بدائية للدولة قبل وأثناء السلطنة العثمانية كالدولة المروانية حيث تشكلت إمارات الكردية ذات طابع قبلي تتمتع باستقلال ذاتي خاضعة للمركز العثماني. وقد برزت في هذه المراحل أسماء لامعة ثقافياً في حقل التاريخ كشرف خان البدليسي وفي الأدب كملا الجزيري وفقي تيران وأحمد الخاني، أما في نهايات القرن التاسع عشر فقد صدرت جريدة كردستان عام 1898 في القاهرة على يد مقداد مدحت بدر خان وفي بدايات القرن العشرين تشكلت بعض الروابط والجمعيات الثقافية والسياسية الكردية والتي يقارب عددها العشرون كجمعية التعالي الكردية وجمعيتي خويبون وهيفي وخمسة عشر رابطة ونادي ثقافي للشبيبة كنادي شباب عامودا وجمعيتين نسائيتين.
كما ذكرنا كانت هذه الجمعيات ذات طابع ثقافي ومن ثم تحولت إلى طابع سياسي مما أدى إلى حظرها وملاحقة أعضائها.
بالإضافة إلى ذلك تم إصدار كم لا بأس به من الصحف والمجلات الكردية بشتى اللغات ( الكردية والعربية والتركية…الخ) وقد شهدت الثقافة الكردية انتعاشاً ملحوظاً في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم كان نتيجة:
1_ تطور حركة التحرر الوطني الكردستاني في كافة أجزاء كردستان
2_ الضغوط الدولية على الأنظمة الحاكمة لكردستان لإجراء بعض الإصلاحات على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي.
3_ استفادة الكرد من الانفتاح والحرية الموجودة في أوروبا حيث نقلوا ساحة عملهم الثقافي إليها فقد تم افتتاح المعهد الكردي في باريس عام 1983 ثم تلتها جمعيات ثقافية واجتماعية مثل اكاديمية الثقافة والفن الكردي في ألمانيا وبعض الروابط والاتحادات النقابية. وأبرز انجاز حققه الكرد في أوروبا كان افتتاح الفضائية الكردية MED TV التي حققت نقلة نوعية على الصعيد التعريف بالشعب الكردي وهويته ومعاناته سياسياً وثقافياً وخلق حالة من التواصل والتقارب والتفاعل بين الأكراد بمعزل عن الحدود المصطنعة التي تجزءهم. كما تم افتتاح المركز الثقافي المزوبوتامي والمعهد الكردي في استنبول واصدار بعض الجرائد والمجلات الكردية باللغة الأم وتأسيس بعض دور نشر كردية كدار أفيستا بعد أن تم رفع الحظر عن اللغة الكردية والاعتراف بها.
أما في كردستان العراق فالحالة السياسية الشبه مستقرة والابتعاد عن دائرة النظام وسلطته خلق جواً من الحرية لإقامة جامعات يتم التدريس فيها باللغة الكردية (كجامعة صلاح الدين والسليمانية ودهوك) بالإضافة إلى المعاهد ودور النشر التي ساهمت بشكل فعال في تنشيط وتقوية الحركة الثقافية ورفدها بكم لا بأس به من الإصدارات والكتب.
لكن على الرغم مما ذكرناه فإن الثقافة الكردية تعاني من اشكاليات متعددة أبرزها:
1_ أنها ثقافة قومية هشة ما زالت متخلفة ولا تواكب روح العصر بسبب:
A_ غياب الكيان السياسي القومي وبالتالي عدم وجود سلطة تقوم بحماية هذه الثقافة وإغنائها ودعمها مادياً ومعنوياً.
B_ العزلة التي كانت مفروضة على المجتمع الكردي من قبل الذهنيات الحاكمة محلياً (قبلية، عشائرية، دينية) وأقليمياً. وبالتالي بقاء المجتمع الكردي منطوياً ومنغلقاً ضمن منظومة فكرية وأخلاقية بدائية متخلفة.
C_ حملات الصهر والتذويب الثقافي التي مورست على الأكراد من قبل الأنظمة الحاكمة لكردستان وبالتالي إبادتهم ثقافياً ومن ثم قومياً.
D_ الانقسام الداخلي السياسي علاوة على التجزئة الجغرافية الذين كان لهما بالغ الأثر في عدم وجود مشروع ثقافي نهضوي لبلورة هوية ثقافية كردية مستقلة.
2_ ثقافة محلية متأثرة وغير مؤثرة لعدم وجود لغة قومية موحدة تكون الحامل الفكري الوحيد للتواصل بين الأكراد أنفسهم. فمن المعروف أن الأبجديات التي يستخدمونها لتدوين آدابهم وفنونهم وثقافتهم متعددة، ففي كردستان العراق وإيران يستخدمون الأحرف العربية، وفي تركيا وسوريا الأبجدية اللاتينية وفي الجمهوريات السوفييتية السابقة الأبجدية الروسية (الكريلية) مما أدى إلى خلق حالة عدم تفاهم ثقافي بشكل خاص وعدم وجود تواصل شعبي بشكل عام. زد على ذلك أن هناك كم من المثقفين لا يكتبون باللغة الأم فتبقى نتاجاتهم وإبداعاتهم متأرجحة بين الروح الكردية والانتماء العربي والفارسي والتركي لغوياً.
3 _ غياب العمل المؤسساتي في حقلي الثقافة والإعلام بسبب:
A_ تشرزم المشهد السياسي الكردي
B_ القيود المفروضة على الثقافة الكردية من قبل الأنظمة الحاكمة على كردستان.
4_ حضور المثقف الحزبي وغياب مثقف الأمة البعيد عن أطر الإيديولوجيات الطبقية والدينية والذي جل اهتمامه وهاجسه النهوض بالأمة ثقافياً لحل إشكالياته المعلقة سياسياً واجتماعياً، وبالتالي بروز شريحة من المثقفين بعيدة عن الهم والمسؤولية الوطنية تجاه الشعب والمجتمع بحجة الاستقلالية و الحيادية المفرطة وعدم تقربها من السياسة والإيديولوجية وفقدانها لروح التضحية واتصافها بالفردية التي هي انعكاس للمنظومة القيمية للبرجوازية الصغيرة والتي أدت إلى تشكل حالة تضخم في الأنا لديها. بالإضافة إلى وجود حالة خلط بين الهواية والاحتراف الثقافي. فضلاً عن ضعف حركة النقد الفني ( أدبياً وتشكيلياً ومسرحياً…الخ) مجمل هذه الاشكاليات خلطت أزمة متفاقمة يعانيها المشهد الثقافي الكردي بشكل عام تجلت في أزمة مثقف وأزمة قارئ وأزمة كتاب وأزمة مؤسسة .
وللخروج من هذا المأزق في خضم هذه التحديات الهائلة للعولمة التي خلقت حالة طوارئ لدى معظم القوميات المستقلة والمستقرة سياسياً. مما دفعتها إلى إعلان حالة التعبئة الثقافية العامة وإعادة النظر في مشاريعها وخطاباتها الثقافية للخروج من هذه المرحلة الحساسة بأقل خسائر ثقافية قومية ممكنة على الأقل.فمثلاً يحاول الفرنسيون الاستفادة من التأثير اللغوي في الجزائر للعودة إلى الشكل والنمط اللغوي الذي كان موجوداً في فرنسا قبل زهاء نصف قرن يعني قبل التأثيرات والتغيرات التي تعرضت لها اللغة الفرنسية نتيجة ثقافة العولمة .
وهكذا ارتأينا أن نطرح موضوع للمناقشة وهي صناعة ثقافة قومية ترفع من مستوى الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتصقيله، ومواكبة التطور التقني الهائل في آن واحد، للمشاركة في خلق ثقافة إنسانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا على النخب الثقافية والسياسية الكردية بمختلف تلاوينيها: هل هناك ثمة صناعة للثقافة؟ وإن أمكن ذلك فكيف؟ وما هي الأدوات؟
برأينا إن هناك ثمة إمكانية لصناعة الثقافة لأن حركة التطور التاريخي لأجل تحقيق حياة أكثر رفاهية من كافة النواحي وعلى كافة المستويات في الوقت ذاته تصنع لنفسها وسائل وأشكال جديدة لذلك. ففي كل يوم وكل لحظة يتم ابتكار وإبداع أشياء جديدة تجعل الحياة أكثر سهولة ورفاهية. هذا النمط الجديد في الحياة تصنع ثقافة جديدة حسب قول لينين (لكل نمط من المعيشة نمط من التفكير).
إذا ً فالصناعات الثقافية هي كل الأجهزة المادية والطاقات البشرية التي تجسم الآثار الفنية في صورتها المحسومة فتنسخها أو تنشرها أو توزعها حسب مقاييس صناعية وتجارية لغاية تنمية وتطوير الثقافة.
وتستند هذه الصناعات إلى صناعات تحتية كبيرة هي التي تحدد درجة تطويرها ومدى استقلالها وقدرتها على الحضور داخل الحقل الصناعي والاقتصادي العام.
وينبني مصطلح الصناعات الثقافية على الربط بين موضوعين يتناقضان بالضرورة، ظاهرياً. وهما: صناعة من ناحية وثقافة من ناحية أخرى. فالصناعة تشعر بمعنى الإنتاج الاستهلاكي، النفعي كصناعة الأسمنت والمنسوجات. أما الثقافة فإنها تصرف الذهن إلى التذوق الشخصي والمتعة الفردية.
أن هذه المزاوجة بين الثقافة والتقنية أو الذاتي والموضوعي هي نتيجة التحويلات البنيوية التي طرأت على هيكلة المجتمعات المعاصرة، حيث لم يعد بإمكان الفصل بين التطوير والتكنولوجيا أو بين التنمية والتقنية.
وقد تبنى هذا الطرح بعض الفلاسفة الإيطاليين والإنجليز، فيما فضل بعض الأمريكيين الأقل تفلسفاً مفهوماً أكثر برجماتية وأكثر شمولية، فوضعوا مفهوم صناعة المعرفة وذلك بغية الوقوف على مدى مساهمة هذا الفرع من الصناعات في تطوير الناتج القومي.
أما في ألمانيا فنجد الفيلسوف انزنسبورغ قد وضع سنة 1969 مفهوم صناعة الوعي وذلك لنقد بدايات ظهور تقنيات النشر الجديدة، في حين نجد اقتصاديي مدرسة ستاندفورد قد حبذوا مفهوم صناعة الإعلام ويجمعون داخل هذا الحقل الصناعي كل الوسائل والتقنيات. واضح أن الفكر هو عماد الثقافة. فتوفر حياة سليمة وصحية اجتماعياً وأخلاقياً يرتبط بتوفر ثقافة سليمة.
صناعة الثقافة ليست بالأمر الهين، لذلك كما ذكرنا هي ضرورة حياتية لأنها تخلق وتحافظ على الشخصية القومية المستقلة. إذا صناعة الثقافة تعني:
1_ تفعيل العمل المؤسساتي الثقافي
2_ إغناء وتطوير اللغة الكردية عبر:
A_ تأسيس مجمع لغوي كردي
B_ إقامة مدارس يتم التدريس فيها باللغة الأم
C_ تقوية وتحديث وسائل الإعلام ومدها بكوادر متخصصة
D_ تقوية ودعم الفنون الأدبية ( رواية،قصة…الخ)
E_ فرز قواميس متخصصة بحقل اللغة ( لغة الأخبار، لغة العلوم، لغة الاقتصاد،لغة الفلسفة…الخ)
H_ إقامة ندوات واجتماعات موسعة يتم فيها التطرق لإشكاليات اللغة ومناقشتها لإيجاد الحلول المناسبة لها وطرح وجهات النظر المستقبلية لتطويرها عبر وضع برامج ومخططات في هذا الحقل
3 _ العودة إلى الفلكلور والتراث الشعبي وحمايته من التلف والضياع من خلال جمعه وتوثيقه، يعني نقله من الحالة الشفهية إلى التدوين
4_ إقامة المؤتمرات والاجتماعات الموسعة للوقوف عند إشكاليات الثقافة والفن الكرديين واتخاذ قرارات فعالة وضرورية في هذا الصدد ووضعها حيز التنفيذ
5 _ الاستفادة من التطور التقني خاصة في حقلي الإعلام والنشر بالإضافة إلى العلوم الأخرى.
6 _ إيجاد أرضية ومناخ ملائمين يوفر جواً حراً لكل الأقلام المبدعة كي ترفد الثقافة الكردية بنتاجات قيمة.
في الحقيقة تحديات ثقافة العولمة كبيرة وصعبة ومفروضة على العالم برمته، حيث خلقت لدى معظم الشعوب حالة خوف. ولأن موضوع الثقافة عميق واسع ومتشعب وجدّ مهم أرتئينا أن من الأهمية بمكان أن نطرح بعض الرؤى للمناقشة، ربما يمكننا تسليط الأضواء على بعض النقاط الهامة في هذا الصدد وطبعاً هذه الموضوعة ما زالت بحاجة ماسة إلى التوقف عندها بشكل أشمل وأعمق عبر دراسات وأبحاث متخصصة للوصول إلى رؤية واضحة وسليمة وموحدة للتعرف على ماهية وحقيقة العولمة وتحدياتها وخاصة في حقل الثقافة ,و حقيقتها وضرورة ارتقائها وآلية صناعتها.

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]