www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
01.05.2003 - 03:15

حينما تجهل لغة وطنك!

فواز عبدي

رغم تأخرها تأتي هذه الخطوة التي تخطوها صحيفة أخبار الأدب نحو فتح ملف عن الأدب الكردي إيجابية قيمة، ونافذة علي هذا الأدب الذي بقي أسيرا بين جدران سجن أبنائه، هذا السجن التاريخي الذي يقبع فيه الكرد وأدبهم لظروف خارجة عن إرادتهم ولطبيعة واقع هذا الشعب المجزأ وما يعانيه، ولأسباب كثيرة لامجال لذكرها هنا.. وكواحد من أبناء هذا الشعب الكردي كنت أتمني لو جاءت مثل هذه الخطوة قبل الآن، في ذلك الوقت الذي كان الكردي يبحث بنهم عن مقالة تتناول أي موضوع وفي أي جانب من جوانب الحياة الكردية في الإعلام العربي الذي نعيش بين ظهرانيه ويشعرنا بأن ما يفصل بيننا واد سحيق أو جبل شاهق. وحين كان يعثر علي اسم الكرد في أية مطبوعة عربية كان يحتفظ بها كهدية مقدسة من انسان عزيز ولو كان تهجما علي الكرد.
رغم تأخرها ورغم انتشار اسم الكرد وقضية الكرد في العالم فقد أسعدتني هذه الخطوة وأنا 'المتشائم' و (أن تصل متأخرا خير من أن لاتصل أبدا). فقد تكون هذه الخطوة بمثابة تعارف بين الثقافتين العربية والكردية، أو بعبارة أدق تعرف علي الثقافة الكردية.. أسعدتني لأنها جاءت من مصر، مصر التي رعت أول صحيفة كردية قبل مائة عام، وأقصد بها صحيفة 'كردستان' التي أصدر مقداد مدحت بدرخان العدد الأول منها بتاريخ 22/4/1898م في القاهرة. مصر التي قام مثقفوها بالدعوة إلي الحوار العربي الكردي قبل أشهر وفي مئوية الصحافة الكردية لذا ليس غريبا أن تحظي مصر بحب الكرد المتصفين بالوفاء.
ترددت كثيرا في الكتابة عن تجربتي الكتابية باللغتين العربية والكردية، ترددت لأنني أشعر بصعوبة كبيرة في الكتابة عن الذات من جهة ولأن تجربتي جد متواضعة، فالكتابة عن الذات تحتاج إلي كاتب قضي بعدد سني عمري في الكتابة. ولكن للأسباب التي ذكرتها عن دور مصر، ضغطت علي نفسي وأمسكت القلم، وها أنا أحاول، لعلني أوفق..
لأن المرء لايخلق كاتبا فإني أود العودة إلي طفولتي قليلا، إلي قول المرحوم والدي، حين خاطبني أكثر من مرة وباللغة الكردية طبعا: (لو لم يطعمك قلمك ستموت جوعا). وكان يقصد بالقلم وظيفة ما أعيش منها، لأنه كان أميا ولايعرف معني الكاتب أو الأديب.. فكل ما يعنيه القلم هو الوظيفة فقطة أعود إلي طفولتي في قريتي الهادئة الصغيرة المرمية في سهول الجزيرة 'السورية' التي لم تعرف المدرسة الا عام 1968 العام الذي دخلت فيه المدرسة، حيث كان أبناؤها قبل ذلك يقطعون مسافة خمسة كيلو مترات يوميا للذهاب إلي مدرسة القرية المجاورة.. قريتي التي لم تعرف الكهرباء إلا في أواخر الثمانينات من هذا القرن، والتي كنت أري قمة تلتها أعلي نقطة في العالم. فمدرستها علمتني أول حروف الأبجدية العربية، وملكت من خلالها مفاتيح العربية، في الوقت الذي كنت أتحدث بلغتي الكردية خارج أوقات الدوام، لغتي التي لم أتعرف إلي أبجديتها إلا في المرحلة الجامعية وفي الوقت الذي كنت أختص باللغة العربية في جامعة دمشق.
فليس غريبا أن أبدأ الكتابة باللغة العربية، وهي التي فتحت لي أبواب قصور الثقافة العالمية، فاطلاعي عليها كان من خلال الترجمات العربية. كما كان للقرآن دور في تقوية ملكات اللغة لدي، فقد 'ختمت' القرآن وأنا تلميذ في الصف السادس، وكم أسعد ذلك أهلي ووالدي بشكل خاص لأن ذلك أصبح مفخرة لديه بين أقرانه.
ولأني كنت أهوي الأدب فقد كنت أستعير من مكتبة المدرسة في المرحلتين الاعدادية والثانوية ما يقع تحت يدي وأقرأ وأقرأ.. وهذا ما أتاح لي التعرف علي التراث العربي والأدبي منه بشكل خاص والتوسع فيه والتمتع بقراءته. علما بأني لم أشتر سوي كتابين في هذه المرحلة لضيق ذات اليد، والكتابان كانا مجموعتين قصصيتين اقتطعت ثمنهما من لقمة خبزي، فمصروفي الشخصي كان محدودا جدا، ومع ذلك كان هذا المصروف القليل جدا يثقل كاهل والدي الذي أرسلني الي مدينة القامشلي للدراسة واستأجر لي غرفة بالمشاركة مع صديق.
أما المرحلة الخصبة فكانت المرحلة الجامعية التي شكلت منعطفا حاسما في حياتي الأدبية، فقد صار لي دخل شهري مقطوع من خلال مهنة التعليم التي كنت أمارسها شتاء وأقدم امتحاناتي الجامعية صيفا، هذه المهنة التي فتحت لي بابا آخر وهو التعرف علي المجتمع، فقد تنقلت خلالها من أقصي الغرب في محافظة الحسكة (بلدة رأس العين) إلي أقصي الشرق (منطقة ديريك 'المالكية')، لأني لم أعلم في مدرسة واحدة عامين متتاليين، رغبة مني في سبر أغوار المجتمع، التعرف علي عادات وتقاليد الناس، أدق تفاصيل الحياة لديهم، معاناة الكبار والصغار. واستطعت خلال هذه الفترة أيضا تشكيل مكتبة منزلية صغيرة، معظم محتوياتها كتب أدبية، وبشكل خاص الرواية التي كنت ومازلت أجد في قراءتها متعة لا تعادلها أية متعة أخري.
إذا من هنا كانت بداية الكتابة: المطالعة وقراءة الواقع إضافة إلي تلك القصص التي خزنتها ذاكرتي منذ أيام الطفولة، القصص الخيالية الأسطورية التي كان يرويها لنا خالي في أمسيات الشتاء القروية. كنت أخلو بنفسي بعدها، أعيش أجواءها، أطير مع أبطالها، أقاتل إلي جانبهم أو بدلا عنهم، أتالم لمآسيهم وأفرح لسعادتهم وبلوغهم الأرب في نهاياتها.
وفي هذه المرحلة أيضا وقعت عيني علي كتاب في يد صديق، وكان مكتوبا بأحرف لاتينية، ظننته بداية كتابا باللغة الإنكليزية أو الفرنسية، وحين تناولته من يده رأيته ديوان شعر باللغة الكردية للشاعر الكردي الشهير 'جكر خوين'، وقتها انتابني شعور غريب، شعور بالفرح لأني وجدت كتابا بلغتي وشعور بالأسي لأني لا أتقن قراءته. استعرت منه الديوان وبدأت أقلب صفحاته طويلا أحاول قراءته اعتمادا علي الحروف الإنكليزية، وأحضرت شريط كاسيت للفنان الكردي الكبير شفان حين وجدت في الديوان قصيدة طويلة (Kîme ez) غناها هذا الفنان وأعطت صدي واسعا، وصرت أدون الحروف التي يختلف لفظها أو لاتوجد في الأبجدية الإنكليزية. وهكذا قررت تعلم الكردية قراءة وكتابة بحيث لاتبقي لغة المحادثة في البيت فقط. وفتح ذلك لي بابا آخر دخلت من خلاله إلي عالم الموروثات والأساطير الكردية، تلك الأساطير التي تعكس دائما الصراع بين قوي الخير وقوي الشر، بين أهورامزدا وأهريمن: إلهي الخير والشر في الديانة الزرادشتية التي كان الكرد يعتنقونها قديما، كما اطلعت علي الملاحم الكردية التي انتقلت من جيل إلي جيل شفاها وإن كانت هناك نسخ معدودات منها ومعظمها إن لم نقل كلها محفوظة لدي بعض رجال الدين الغيورين علي ثقافتهم وقوميتهم.
بداية كتبت الشعر والخطابي بشكل خاص لأن فرقة فولكلورية كردية كانت تقدمه في مناسبة النوروز 'العيد القومي للكرد' ثم عملت في المسرح الكردي، حيث كنت أقوم بإعداد النصوص وترجمتها وأقدمها للفرقة وأحيانا أمثل أيضا، فقد ترجمت ثلاث مسرحيات للكاتب العراقي يوسف العاني وأعددت بالمشاركة مع الصديق آلان أحمد قصة الكاتب المصري عبدالله الطوخي 'الخروج من المربعات الضوئية' وقدمتها فرقة خه لات في عروض جوالة. إضافة إلي كتابة القصة التي وجدت نفسي فيها أكثر فهي الأقرب إلي تداعيات روحي الظمأي. ولا أفرض ذاتي علي اللغة في عملية الكتابة إنما أنصاع للفكرة وللغة التي تريدها الفكرة، عربية أو كردية... أعيش مع الفكرة أو تعيش هي معي لفترة تطول أو تقصر، أدرسها في داخلي وأدرس اللغة المناسبة ثم أبدأ عملية الكتابة.

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]