www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
29.07.2003 - 13:58

العشائرية في قفص الاتهام
(العشيرة الكوردية في سوريا نموذجاً)


فرحان مرعي – آليان

العشائرية:

هي التنظيم الاجتماعي السياسي للمرحلة الإقطاعية , و الدين هو الناطق الإيديولوجي لها , كما الأحزاب هي الشكل التنظيمي للمجتمع البرجوازي و تعتبر القومية مكون هذا المجتمع و العلم الناطق الفكري له , أما المجتمع الشيوعي الذي يحلم به الماركسيون و كما يقول ماركس: (هو مجتمع ينظم نفسه بنفسه لا دولة " زوال الدولة " لا طبقات ) , مجتمع مثالي في الأخلاق و الثقافة على غرار جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة عند الفارابي .

العشيرة الكوردية:

هي مجموعة أفخاذ تجمعها المصالح و العلاقات الاقتصادية المشتركة و الجغرافية و لا تجمعها على الأغلب قرابة دم أو جد واحد , في الجزيرة مثلاً نقول : عشيرة ملان و عشائر كيكان و هفيركان و هسنان و الخ ... , و نقول : من منطقة كوجر و منطقة هسنان و آليان و جراح و سنجق و غيرها من المناطق , تبرز من هذه العشائر عائلات متميزة و عريقة تجمعها جد واحد , لا يتجاوز خمسة جدود و قرابة دم قوية و قريبة أولاد عمومة و خئولة ؛ على الساحة الكوردستانية نقول مثلاً : عشائر آزيزان عائلة الأمير بدرخان من بوتان و من عشائر بارزان في منطقة بارزان عائلة مصطفى البارزاني و من هفيركان عائلة حاجو آغا و من ملان عائلة إبراهيم باشا الملي و من الكوجر عائلة نايف باشا الملي و من عليكان في منطقة آليان عائلة مرعان آغا الخ ..
بهذا المعنى ان العائلة الكوردية هي ظاهرة وطنية لعبت دوراً تاريخياً في الحفاظ على الهوية و الجغرافيا الكوردية و نشر الوعي القومي و قيادة الثورات و الانتفاضات الكوردية ؛ أما في مجال نقدنا للعشيرة و العشائرية يجب ان يتركز ضد القيم البالية و المتخلفة و الظاهر السيئة مثل التعصب العشائري و الثأر و موقفها من العلم و الدين و المرآة و القومية ..
بالعودة إلى جوهر الموضوع , يرى انه كثر في الآونة الأخيرة , الحديث عن عودة العشائرية و الملية و العائلة الإقطاعية إلى المجتمع الكوردي ترافقاً مع الصحوة الدينية و هذا الحديث بدأ واقعياً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي و المنظومة الاشتراكية و كأن انهيار هذه المنظومة الفكرية و السياسية أدت إلى انهيار و زعزعة منظومة من الأفكار و المفاهيم و المصطلحات التي ارتبطت بتلك المرحلة و سميت بثقافة " الحرب الباردة " مثل مفهوم الطبقات و الصراع الطبقي و الأممية البروليتارية الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية و نهاية عصر القوميات الخ ... و برزت على السطح مفاهيم قديمة طمست و قبرت حياً بشكل غير طبيعي و منافي لمتقلبات الواقع و تطوره مثل : الملكية و العائلة و العشيرة و القناعات الدينية – هنا لا أقصد القناعات الدينية " الطقوس " و إنما فلسفة الناس في الروح و المادة -
في الحقيقة تم التلاعب بالواقع و تركيبته الاجتماعية و بنيته الاقتصادية بشكل تعسفي و شخصي تيمناً و مقاربة خاطئة مع الواقع الأوربي الشرقي المختلف كلياً عن واقعنا سياسياً و اقتصادياً و فكرياً , على سبيل المثال و ليس الحصر في بدايات العشرينات من القرن الماضي تمت كهربة الاتحاد السوفيتي و قضيت على الأمية فيما بعد و في بداية الستينات  كانت الدولة السوفيتية تغزو الفضاء في الوقت الذي كنا نعيش في الخيام و البراري , لقد جرى التلاعب في سوريا بصورة عامة على شكل تفتيت الملكيات الإقطاعية الكبيرة و هذا التفتيت حدث دون حل و توزيع عادل للأراضي , لذا رأينا ان تقسيم الكعكة في الجزيرة تمت بشكل فوضوي مقصود على الشكل التالي:

1_ مزارع الدولة
2_ الحزام العربي و هو توزيع الأراضي الزراعية الكوردية على العرب الغمر القادمين من حلب و الرقة – انتفاع – و وضع اليد
3_ محميات زراعية , و سميت هذه الخطة المقصودة بالإصلاح الزراعي , كما تم الاستيلاء على ملكية المؤسسات و الشركات لصالح التأميمات الاشتراكية السورية دون تعويض , فمن كان يملك بقرتين تم الاستيلاء على أحداها

جرى خلل فظيع في البنية التحتية في الوقت الذي لم يتم تطوير في البنى الفكرية و الثقافية للمجتمع " البناء الفوقي " , القديم زال شكلياً و الجديد لم يتم بناءه أو كما قال غرا مشي :
( القديم يحتضر و الجديد لا يستطيع ان يولد و في هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة و عظيمة في تنوعها )
ان هذا الخلل و التلاعب القسري و المقصود من قبل ذات أصول فلاحية أسميت نفسها أحزاب اشتراكية ( البعث ) و ماركسية ( الشيوعي ) و استملت السلطة باسم الطبقات الكادحة و بناء الاشتراكية فتحول الفلاح في الناطق الكوردية إلى كولاك رأسمالي زراعي و مرابي تجاري , أي ان هذه الطبقة المظلومة ما ان استلمت السلطة تحولت إلى ظالمة و مستغلة و قمعية و أتقنت لعبة المتاجرة بالطبقات و الصراع الطبقي و سحقت الفئات المالكة و هشمت و أهينت من قبل الرعاع و هذا ما كان يجري خصوصاً في المناطق الكوردية لخلق صراعات و خلافات اجتماعية و لمنع استقرار المنطقة
إن النتيجة التي أود أن أصل إليها من هذا الكلام وهو إنه لم يجري بناء المجتمع الجديد فكرياً سياسياً واقتصاديا واجتماعيا من قبل القوى الجديدة لأن من شأن إي بناء جديد حقيقي أن يتخطى تدريجيا وطبيعياً الحالة العشائرية والطائفية بل بالعكس من ذلك جرت تغييرات تعسفية و قسرية , الاقتصاد والمجتمع والملكية . وللتدليل على هذه الحقيقة لا بد من توضيح المعطيات المستجدة التالية :
1ـ أن عدم حل عادل للمسالة الزراعية في الجزيرة رسخت وترسخ المفاهيم العشائرية البالية وتنمي الصراعات العائلية وتمنع الاستقرار بين فئات المجتمع وهذه المشكلات التي تتكأ عليها تجار الطبقات وتتفيأ تحت ظلالها فالعشائرية مرتبطة ارتباطات عضوياً بالتشكيلة الزراعية وخاصة إذا كانت تعتمد أساليب بدائية مختلفة في الإنتاج حيث تتطلب هذه الحالة تعاضداً وتعاوناً عائلياً وجماعياً
2ـ لم يتم بناء المجتمع البرجوازي في المرحلة بعد الإقطاعية وما يرتبط بهذا المجتمع من تطور في الفكر القومي وتأسيس الفكر العلماني فصل الدين عن السياسة ( الدولة ) وتنمية صناعية متطورة ( مجتم ناعي لأن مثل هذا المجتمع تعزز الاستقلالية والمسؤولية الفردية وتحل شيئاً فشيئاً الروابط العشائرية الممتدة وتحل محلها العائلة الصغيرة ( النواة ) المؤلفة من أب وأم وأولاد فقط
3ـ لم تجري في سورية أقامة دولة القانون والمؤسسات المدنية الديموقراطية وانهارت الفئات المتوسطة فانتعشت المؤسسات العشائرية والطائفية فحل العرف محل القانون والقضاء , والعشيرة محل المجتمع المدني والفئات الدنيا محل الفئات المتوسطة .

و في النهاية أريد ان أنوه إلى حقيقة قد تكون غير واضحة في الأذهان و هي:

1_ ان مصطلح الإقطاع مفهوم أوربي أكثر مما هو شرقي و الإقطاعية الأوروبية كانت مختلفة كلياً عن الإقطاعية الشرقية فالإقطاعي الأوربي كان يملك مقاطعات و أسواق خاصة , و جيوش و قلاع الخ .. .لذا فإن مثل هذا الشكل من الإقطاع غير دقيق في المجتمع الكوردي
2_ ان الإقطاعية مرحلة تاريخية طبيعية في حياة الشعوب و مرت بها معظم الشعوب و دامت هذه التشكيلة آلاف السنين في أوربة و آسيا و أمريكا فهي ليست مرحلة شاذة أو طارئة أو مخجلة في حياة الشعوب بل هي مرحلة من مراحل تطور البشرية كما يمر الإنسان بمراحل الحياة المختلفة , فكانت في بداياتها ايجابية كمرحلة في تطور و تقدم البشرية في العلاقات الإنتاجية و القوى المنتجة مقارنة مع مرحلة الرق , ولكن فيما بعد وصلت الإقطاعية إلى نقطة استنفدت وجودها بسبب عدم التلاؤم و الناسب بين تطور القوى المنتجة مع طبيعة العلاقات الإنتاجية القائمة مما فتح المجال لمرحلة جديدة ألا وهي الرأسمالية كما في أوربة و أمريكا و بعض بلدان آسيا مثل الصين و اليابان و كوريا الجنوبية و ما يسمى بالنمور الآسيوية , و هذه النظرية " نظرية التناسب بين القوى المنتجة و العلاقات الإنتاجية " ليست حتمية و إنما قد تتحكم بعملية الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى أو تعرقل هذا الانتقال عوامل و ظروف عديدة .

إذاً ان قضية بقاء العشائرية أو انهيارها , عودتها أو عدم عودتها ليست مسألة شخصية أو رغبة فردية عند هذا أو ذاك أو صراع فكري ... و إنما هي ظاهرة اجتماعية تاريخية و اقتصادية تتحكم فيها عوامل موضوعية و ذاتية تتأثر بتطور القوى المنتجة و العلاقات الإنتاجية و موازين القوى السياسية و البيئية و الجغرافية و القيم و المعتقدات البشرية المختلفة

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]