25.03.2003 - 23:59
الدلالة
الإعلامية
لنار
(نوروز) في
التراث
الكردي
علي شمدين
ـ قامشلو
منذ
أن التأمت
البشرية في
إطار
مجتمعاتها ، وهي
تسعى بدون
هوادة إلى
تلمس الوسائل
الإعلامية
الضرورية
التي من شأنها
أن تؤمن فيما
بينها
التواصل
والتفاعل .
وقد اهتدى
الإنسان منذ البداية
إلى وسائله
الذاتية
الصادرة عنه (
كالأصوات
والحركات
والإشارات) ،
أو تلك
الوسائل
المستقلة عن
ذاته ( كاستخدام
النار
والدخان)
وغيرها من
الوسائل التي استخدمت
من قبل
الإنسان في
العصور
السحيقة ، بهدف
الإعلام
والإخبار عبر
المسافات
البعيدة التي
لايمكن
تغطيتها
بالوسائل
السمعية والمرئية
المتوفرة
آنذاك .. ومع
تنامي دائرة
التواصل بين
البشر ،
ازدادت
الحاجة إلى
إيجاد الوسائل
الإعلامية
اللازمة
لتأمين
الأخبار وتبادل
المعلومات ،
هذه الحاجة
دفعت
بالإنسان إلى
اختراع
وسائله
الإعلامية
وتطويرها بدون
تردد ، إلى أن
توصل في القرن
الخامس عشر
الميلادي إلى
اكتشاف
الطباعة التي
شكلت انعطافة
تاريخية في
مسار تطور
وسائل
الإعلام
الجماهيري
وتوسيع دائرة
بثه بين الناس
، واستكمل هذا
الاكتشاف ،
باكتشافات
أخرى أكثر
فعالية من حيث
دائرة
تغطيتها
الجماهيرية ،
كاختراع الصورة
/ 1830، والهاتف /
1876والسينما / 1895
والإذاعة /
1920والتلفزة / 1937 وإطلاق
أول قمر صناعي
/ 1957واكتشاف
شبكة
الانترنيت / 1972
التي تعد
اليوم الوسيلة
الإعلامية
الأهم على
الإطلاق في
ربط أطراف
المعمورة
فيما بينها
عبر دمج (
الوسائل المسموعة
والمقروءة
والمرئية ) في
هذه الشبكة
العنكبوتية
العجيبة ،
التي جعلت
المخزون
المعرفي
والمعلوماتي
العالمي في
متناول يد
الإنسان
ومرهون بكبسة
من إصبعه على
زر الكتروني دقيق ،
حتى أصبح العالم
بسبب هذا
التطورعلى
شكل قرية
صغيرة تتداول
فيها الأخبار
والمعلومات
بالصوت
والصورة وهي
ما تزال طازجة
.
وبالإمعان
فيما وصلت
إليه الثورة التكنولوجية
، اليوم من
تقدم هائل ،
ندرك ما كان
يعانيه
الإنسان في
الأزمان
الغابرة من شحة
في الحصول على
الأخبار
والمعلومات
بسبب بدائية
وسائل
الإعلام
والاتصال بين
البشر ، الأمر
الذي كان يترك
الإنسان في
محيط إعلامي
ضيق ومغلق ،
لا يعلم ما
يدور حوله إلا
ما تنقله له
حواسه
المجردة ،
وبالعودة إلى
التراث الإنساني
يمكن لنا أن
نتلمس الكثير
من المؤشرات التراثية
التي تفصح عن
أوجه الاتصال
المختلفة بين
البشر ،
والتراث
الكردي هو
الآخر لم يخل
من هذه
الدلالات
الهامة ، التي
اكتسبت بعضها
– مع الزمن –
هالة من
القدسية
والاحترام ..
فنار
( نوروز) مثلاً
، التي يوقدها
الأكراد سنوياً
في ليلة
الحادي
والعشرين من
آذار، ومنذ / 2615 /
عاماً ،
احتفاءً
بقدوم عيدهم
القومي ( نورز )
، بشئ من
القداسة
والتبجيل ،
أينما كانوا
وكيفما كانوا
، في موطنهم
أو في المهجر
، في المنافي
أو في السجون
، سراً أو علانية
،على ذرى جبال
كردستان
ومرتفعاتها ، ،
حتى بات يشاع
عن الكرد من
لدن خصومهم
على إنهم من
عبدة النار
كالمجوس ،
بهدف تشويه
صورتهم
وتكفيرهم ،
وخاصة بعد
ظهور الرسالة
الإسلامية ..
وبعودة
سريعة إلى
ملحمة ( كاوى
الحداد )
الكردية ،
نتبين البعد
الدلالي لهذه
النار ، إذ
تقول
الأسطورة بأن
البطل الكردي
( كاوى ) أقدم
على قتل (
أزدهاك) في ( 21/
آذار / 612 قبل
الميلاد) لتخليص
الشعب من
طغيانه وظلمه
، وفي الوقت
الذي لم يكن
هناك مقرات
للإذاعة
والتلفزيون .. كي
يبث من خلالها
نبأ انتصار
ثورته ، كما
يفعله قادة
الانقلابات
اليوم عادة،
ولذلك كان (
كاوى ) قد اتفق
مع آلاف الثوار
الفارين من
الظلم والقتل
، إلى جبال
كردستان ، على
كلمة السر
المتمثلة في
إشعال النار
في أكوام
الحطب المعدة
لذلك على
المرتفعات
وذرى الجبال
كعلامة للنصر
وإعلاناً
إخبارياً على
انتصار
الثورة
والقضاء على
الطاغية ، وهكذا
بدأ النار في
أول كومة من
الحطب حتى اقتدى
به الآخرون ،
وبهذه
الطريقة
انتشر النبأ بين
الثوار
للعودة
والالتحاق
بالثورة .
ولولا هذه
الوسيلة
الإعلامية –
رغم بدائيتها
– لما أمكن من
إذاعة خبر
نجاح الثورة ،
وما إحياء الكرد
لهذا الطقس
الكرنفالي ،
إلا تيمناً بها
وتعبيرا عن
تعطشهم إلى
الحرية
والخلاص من ليل
الظلم
والإطهاد
الطويل الذي
ظل يعيشه الشعب
الكردي منذ
قرون .
وبالرجوع
إلى التراث
الإنساني ،
يمكن لنا قراءة
دلالات
مماثلة ،
فالأسطورة
اليونانية تنبأنا
بأنه عندما
سقطت( طروادة )
، وصل النبأ إلى
الإغريق عن
طريق رجال
المراقبة
الذين كانوا
يقضون
الليالي فوق قمم
الجبال وإلى
جوار كل منهم
كومة من
الأخشاب
المعدة
لإشعال النار
في أية لحظة ،
ولما سقطت
طروادة ، أعطى
أول رجال
المراقبة
الإشارة بإشعال
النار وتلاه
آخر من بعده ،
وهكذا دواليك
... إلى أن انتشر
الخبر وشاع .
و
يمكن استخلاص
مثل هذه
الدلالات
الإعلامية في
احتفاء الكرد
بإشعال النار
في بعض
المناسبات
القومية
والدينية ، من
تراثه
التاريخي
الغني ، ففي
ليلة عيد
الأضحى وعيد
رمضان ، كان
الصغار - حتى
وقت قريب - يقومون
بإشعال
المشاعل ويحملونها
في أرتال
ويصعدون بها
ليلاً إلى قمم
التلال
والمرتفعات
المجاورة ،
بعد أن يفتي (
رجال الدين )
بحلول العيد ،
اعتمادا على
مشاهداتهم
الشخصية
للهلال ،
فيعلنون
النبأ
إيذاناً منهم
للصغار
بإشعال
النيران في
مشاعلهم
المجهزة
مسبقاً من
قطعة قابلة
للاشتعال من
البلاستيك
مثبتة بطرف
سيخ أو عصا
خشبية ، وكان
الأطفال
يمارسون هذا
الطقس بحماس
قوي فرحين
بقدوم العيد ،
ومن دون أن
يعوا بأنهم
بهذا التصرف يقومون
بدور إعلامي
في نشر نبأ
حلول العيد للقرى
المجاورة
التي تراقب
هي
الأخرى مشاهدة
الهلال أو
تلقي نبأ
مشاهدته من
القرى المجاورة
عن طريق تلك
المشاعل التي
كان الصغار
يضرمونها
بشغف وحماس ،
لتعم على شكل
عدوى عملية إشعالها
في القرى ،
قرية بعد أخرى
، وما إحياء هذه
الطقوس
المرافقة
لاحتفاء
الكرد ببعض
أعيادهم إلا
تأكيداً منهم
على دلالتها الإعلامية
وأهميتها في
دعوة
الجماهير إلى
رفض سياسات
الصهر
والتمييز
والتذويب
المتبعة بحقهم
، ليس إلا .. !!
|
|
|