www.amude.com
الصفحة الرئيسية Kurdî
01.05.2003 - 03:25

سليم بركات الطفل الكردي المشاكس:
الشعر.. التعبير عن آلام الشمال!


ابراهيم اليوسف

للحقيقة ان أية دراسة للشعر العربي بعامة، والسوري منه بخاصة، فيما اذا اغفلت اسم سليم بركات هي قاصرة تعسفية.... ذلك ان هذا الاسم بحق، قد اعطي القصيدة الجديدة آفاقا لامتناهية، حيث وشمها بأنفاسه الحري ورائحة اصابعه، فهو صاحب تجربة معروفة علي نطاق واسع جدا، بل صاحب تجربة 'منجزة'.. رغم انه لايزال مستمرا في ابداعه، وان يديه لاتزالان بعد في الصلصال ­ كما يقال.
ولكي لانكون مبالغين كثيرا، فإن سليم بركات في الوقت نفسه­ لايمكن النظر اليه علي انه تجربة قد نمت خارج مختبر الشعر.. فهو انفعل وتفاعل مع الارث الذي اتكأ عليه (وباعترافه الشخصي) ولكنه بتوقه المعروف لم يبق في حدود دوائر احد، بل راح يجبل طينة قصيدته علي طريقته الخاصة...
ستنام ، اعرف ان غصنك ذاهب لينام ان ثمار هذا الغصن والاوراق ذاهبة وجذعك ذاهب لينام ، اني ذاهب والريح ذاهبة، وارضك مثلنا ستنام: فاملأ راحتيك بخردل وقطيفة وانثر زبيبك في ظلام اخضر تجتازه الاجساد مثل القافلة، واذهب فإنك ذاهب نحو التواريخ المعادة كالصدي والمهملة.
'للغبار، لشمدين
لادوار الفريسة وأدوار الممالك
ص 104 ­ 105­ المجموعات الخمس

سليم بركات يجد نفسه سليل معاناة استثنائية، لذلك فهو يحاول ان تصرخ كل الاشياء لديه، معربة عن حجم مساحة الالم، وربما هذا الاحساس هو الذي يقوده من دمه الي المبكي.. بكل الطرق التي يمكن ان توازن معادلة تعامله اليومي مع كل مايحيط به.. باختصار شديد: سليم بركات صحافي لامع­ وشاعر جد متميز في ميدان الشعر، وكاتب رواية من الطراز الرفيع في هذا الحفل، وكاتب سيرة مثير في مجال الادب السيروي لدرجة انك تخاله يكتب سيرة شمال كامل خارق في حمأة النسيان ولجة التغييب.
ان مثل هذا الامر ليس اعتباطيا لديه، بل ان له دلالات كثيرة­ سنحاول الاشارة اليها ولو بسرعة، ذلك انه حوذي الابعاد المهملة وسفير الشمال الي الشمال والجهات الاخري، يفك طلاسم الجهة الغامضة، ويتهجي مجازرها.. وضحكها كي يعكف علي فك الامراس عن عنق ادركته عقد الانشوطة واصابع الرعب.. قبل ان تشتهيه بلاغة الامواس.
سليم... الطفل الكردي المشاكس الذي لاتهدأ روحه ولاتستكين امام انذار او وعيد مسكون بالحكمة، بالعنف والرقة.. معا.. حيث لا توسط بين هذين القطبين المتنافرين.

كسر الجدار

وفي اعتقادي، ان لجوء سليم بركات الي النثر وكتابة­ ارواح هندسية­ فقهاء الظلام­ الريش­ الي جانب عملية السيرويين­ هو دليل اكيد علي حرصه والتصاقه بمتلقيه. فهو لايترك بابا الا ويطرقه، كي يتم­ حضور كلمته.. وهو في كل مقابلة صحفية تجري معه­ يؤكد أن علاقة ­ المبدع بقارئه­ انما هي الاساس، ولكن هل يكسر شاعرنا الجدار الذي يحول بينه وبين جمهرة متلقيه بعامة (فيما اذا استثنينا النخبة قراءة الاثيرين).
بالتأكيد سيكون الجواب هنا بالنفي، ذلك ان نصه الصدامي يراوح بين قارئين، احدهما عكس الاخر، يصر علي ضرورة ان يمسه النص وان يتغلغل في عالمه (كونه هو المعني بهذا الخطاب الادبي) وهذا من حقه.. لولا ان سليم بركات، لايجهل هذه الخصوصية، وسواها.. بل ان نصه مسكون بلهفة هذا المتلقي عينه، وان اصابعه محتلة به الامر الذي يشكل بالتالي قطيعة مع القاريء (الاخر)، ربما ستستغرق كثيرا من الوقت.... وهذا بالتحديد مايحول دون انتشار نصه عموديا وأفقيا، كما هو مطلوب.

تجدد القصيدة

إن قصيدة الشاعر هي القصيدة المتجددة، شديدة العمق، التي لاتنتهي­ دفعة واحدة­ وهي تعكس من الواقعي ملمحا سريعا، خافتا قد لاتعلق به الحواس غير المتمرسة بذلك، بيد ان القصيدة تمنح مفاتيحها واعنتها­ تدريجيا­ لمرتاد طقوسها في حال تكرار المغامرة والالفة والتواصل، عموما ان لقراءته متعة تغري المتلقي دائما وتجعله يقبل علي دفع الضريبة حتي وان كانت جد باهظة في اكثر الاحيان­ وكما هو معروف..
فجاءة كالقنب/ فجاءة كالقينة/ فجاءة ممراح/ فجاءة كبصل الفأر/ كالموقد كالبهرمان/ كالدهلية/ كخفير
بالشباك ذاتها
ص 82 من المجموعات الخمس

ربما ان اللغة الحلمية هي التي تؤازر اشكالية الايصال عند الشاعر، لان نصه يروم الي الخلق الثاني للأشياء­ تماما­ وهذا مايجعل قارئه خاسرا سلفا اول الامر، مادام لايمكنه التباهي باستظهار هذا النص­ وبمثال اكبر تشخيصا ان حالة قارئه هذا اشبه تماما بحالة الجائع الذي لا يكفيه ان يشبع من تناول طعام قدم له في (الحلم) المنام..
عبر مساحة النص يبدو شاعرنا وكأنه بهلوان ماهر، ينصرف بمفرده الي اضاءة مصابيح تتوزع أبهاء كرنفال كبير، عبر هندسة جد غريبة.
بيد ان هذه الاضواء المتدلية وعلي براعتها تكاد لاتسعف متلقيا في الاهتداء الي ضالة مفقودة بحد ذاتها.
سليم فانتازي من الطراز الاول، دواته الدهشة، وادواته الابهار.. يخلب متلقيه عبر المخيلة الغارقة في الخصوبة واستحضار التفاصيل وتخيرها بدقة.. في سياق رسم صورة تتقطر مفارقة ومرارة وحنانا واغترابا...!!!!
2­ ان الجرأة التي تجري في عروق الشاعر، مع دمه.. كانت تدعوه الي عدم التعامل مع تابوهات­ مسبقة من خلال رؤية مسبقة­ او تقديسية، بل انه لم يكن ليولي الشرانق والاسارات التي كانت تسد طريق الابداع اية اهمية.. وهذا ­ بالضبط­ مادعاه الي ان يتمتع بهامش كاف، امكنه من التنفس بحرية خلال محاولاته في صياغة قصيدة سليمبر كاتية لاتشبه قصيدة احد:
الطيوف التي من سمسم ترفع الفجر كالستارة/ وأنا ايها الشهي المرتبك كجناح الزيز اشق طريقي اليك بشبكة المصارع وحربته/ لهاثي كرفس وعرقي صواعق من فراء ناعم.
بالشباك ذاتها
ص 38

3­ كذلك.. من المفيد ان نشير الي ان للتعامل الجديد مع الارث اللغوي جذورا تمتد الي قبل مرحلة سليم بركات، حيث ان ادونيس كان من الاسماء الهامة التي لم تحفل بحواجز القداسة التي وضعت للغة.. ولكن سليم بركات انشأ لنفسه ضمن هذا الفهم­ قاموسه اللغوي­ ليس علي صعيد الاشتقاقات والتوليدات الجديدة­ فحسب ­ وانما بتوجهه الي الحواشي، والمهمل والنابي من الكلام وشحنه بمزيد من الشاعرية التي جعلتنا نوقن المرة تلو الاخري انه ليس ثمة كلمة مسبقة الشعرية، واخري محرمة علي الشعر، فالكلمة، تستمد اهميتها ضمن البناءين:الخاص والعام، وان المفاهيم الاخري، كانت جد قاصرة­ يضاف الي هذا ان سليم بركات اعتمد علي جمهرة جنود اوفياء من الطيور والحيوانات واسماء الاطيار والامكنة التي استوقفته في محاولة لأنسنتها او اخضاعها لجملة علاقات انسانية­ بدائية جدا­ ربما كردة فعل منه.. ليحملها مهمة التصدي لمواجهة شرسة من خلال اتقان أبجدية خاصة تتلقاها علي بدء:
انا صغيركم انا الخزف المتناثر من فوهة الاغاني/ شقيق الهزائم كلها/ شقيقكم، اضع بيضي في اعشاش الرئات/ واغطي الجسارات بالريش/ انا.. اه/ كم ملك مر بي/ كم اساطير/ كم نهاية.
غدي ضربة الراعي بعصاه علي تيس الجهات.
لاانهدام إلاي.. شققت مسافاتكم فتهدلتم من الشقوق سلالات ترفو الغمام والثلوج، وامعنت فرارا بجناحي فتطايرت ساعاتكم في ظلي كالريش
بالشباك ذاتها.. ص 17­ 18 (الغراب) المجموعات الخمس

طقس صوفي

4­ النهوض برموزه الاثيرة، وجعلها تمت الي متذوق نصوصه الشعرية، فأسماء الامكنة والشخوص، وتوظيف الارقام­ كلها تأتلف في وحدة آسرة توحي الي القاريء بأنها معروفة لديه­ هو الاخر­ مادام داخلا في حرم القصيدة­ حامل مفتاح الحالة الشعرية:
بهيجا فلأكن حين اشعل الارض بعد هذا بالجمهرات/ طاعنا كالمحارب بنصالي الارجوانية المرايا والأسماء/ ولي جهالة الصباح وانقاضه/ صاعدا درج المذبحة لأجرف البقايا التي اغفلتها الحوافز والاسلحة
الجمهرات­ المجموعات الخمس ص 109

5­ ان للطقس الصوفي الذي فتح عليه سليم بركات عينيه في صباه وفتوته المختصرين اثرا بارزا في نصها الاميل الي الدائرية، والمشبع بالرهبة والغموض المكتنزين كمعادل ونتاج للغائب الاسمي، حيث التوق العارم لارتشاف ماء الكمال والهرولة عاليا الي حيث لا سدود تقف امام حشود الاساطير الناهضة متعمدة باقدامه تدعمها اساطينه الهمجية بتوقها، وألفتها.

6­ كذلك ان نص الشاعر يجنح الي الملحمية، وكأنما تنظيره الشعري يستوجب الحاجة الي البطل­ في زمن ندرة الابطال اللاوهميين.. وبطله عادة­ خارق­ عنيف­ كما لغته­ الهادرة غير المروضة لولا رائحة اصابعه التي لاتشبه اصابع احد، انه يعرف ذلك السوبر ماني­ بل ان كلا منهما يعيش الاخر ويلتبس به.
ان البرهة الظليلة بأحزانها واحباطاتها تجعله يفكر باشغال وظيفة شاغرة دائما، وهي قيادة كل ماحوله لإحساس بخذلان الاشباه وعدم جدارتهم بالمهمة التي يتنطعون لها، لذلك فإنه يؤسطر للرجل الانكيدوي المختلف كي يشفي غليله امام هول الانكسارات
ياابن صليل وهتاف النعمي والثدي تقدم.
وياابن القول الاكثر مما سيقال تقدم.
وياابن الحبق المسفوح ورائحة الخردل والسماق تقدم
ياابن حياة تتجانس في ميزان الموت تقدم
واري شمدين/ اري خلف قوائم بغلته الشقراء متاريسا وبنادق تعلو.. وحلما يتدحرج من ابواب الثكنات وأراهن ان نشيدا كنشيدي يعلو خلف قوائم بغلة شمدين
للغبار لشمدين، لادوار الفريسة
وادوار الممالك­ المجموعات الخمس ص 121 ­126 مها باد تدابير عائلية
ان النقد الادبي­ عندنا­ مدين لهذا الاسم غير العادي سواء اختلفنا معه ام اتفقنا، و بدهيا انه لايمكن الخوف علي تجربته مادام انها قدر رسخت ملامحها بقوة.. وانه قد بدأ ينظر اليها كواقع.. في وقت تتشابه فيه اصوات الجميع­ بل ان ثمة كثيرين­ يقلدونه حتي في طريقة كتابته.. وسعاله.. وأسلوب تدوين رسائله.. ولكن انعدام الموهبة.. عند اغلبهم.. واللاصدق الذي يعانيه بعضهم الاخر يجعلان نصوصهم تندحر الي الهاوية حتي ولو انه تشبث بالجبل وسواه كرموز كردية ولأنهم افاقون ومهوبرون وعلي سبيل المثال: ثمة من جاء بعد سليم متناولا بعض رموزه الاثيرة: الحجل­ الجبل­ السفح­ الذرا.. الخ دون ان يضيف اليها، معتمدا عليها من خلال شعرية مسبقة الصنع­ لترقيع نصوصه الباهتة.. ولكن هيهات.. مادامت عروش المرض والوهم زائلة هي الاخري.. وهذا ان دل علي شيء­ فانه ليدل علي علو قامة هذا الشاعر المهم.. اولا واخيرا.

مجتٌزأ من دراسة طويلة

>> ارجع الى صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]