www.amude.com  
  الصفحة الرئيسية www.amude.com - مركز عامودا للثقافة الكردية
07.12.2002

"غرق في الورد"
ايروسية القصيدة بين مملكة النبات ومملكة الحيوان


د. عدنان الظاهر

حسين محمود حبش: "غرق في الورد"   (دار أزمنة - عمان 2002 )

 

شاعر آخر من شباب شعراء قصيدة النثر أتى ألمانيا وأقام في مدينة بون (من قرية كردية أسمها شيخ الحديد تابعة الى قضاء عفرين في سوريا) كما ورد في كلمات التعريف بالشاعر. ذهلت!! شاب كردي الأصل والنشأة يمتلك ناصية لغة عربية ناصعة فصحى لا أحلى منها ولا أبلغ. ما تفسير ذلك؟

 

في الديوان سبع وعشرون قصيدة كتب تسعا منها في حلب السورية وواحدة في مسقط رأسه قرية شيخ الحديد وكتب واحدة في عاصمة الدنمارك كوبنهاكن وكتب باقي القصائد في مدن ألمانية شتى. 
أستهل الشاعر ديوانه بقصيدة "مفتتح, ملوك الرهانات الخاسرة والألم الباهر" تكلم فيها عن أحوال الشعراء كأنما لهم بالدرجة الأولى كتب ديوانه وخصهم به لقد أبدع الشاعر حسين محمود حبش في رسم لوحات تعبيرية بارعة ترفل برخاء السوريالية وثراء المخيلة وجرأة الترحال والتجوال في عوالم الشعراء وهو واحد منهم, لسان حالهم المعبر وقاضيهم ومحاميهم في نفس الآن لنستمع الى بعض ما قال فيهم:

 

ملوك الشفافية والهزال يغيبون في أنفاس فراشة أو على ظهر نحلة أو بين تلافيف معكوسة لجمهوريات بدائية..
هم مجانين التيتم والألم, تقواهم الفوضى والمجهول..
يحملون شموع النوم... جديرون جدا بالفشل والكسل والحرية والجاذبية والاستفزاز..
يجيزون ما لا يجوز ويستقيمون في التوابيت فقط..
سليلو اللغة.. يضعون الديناميت بين سقوفها وأساساتها فتنفجر منهمرة بحرارة الدهشة ودفء الأنهدام..يقلدون الريح, أعاصير الوديان, النوم, الطيران, الموت والنهر "الذي لا يكرر نفسه مرتين".. أطفال الله المدللون "يقولون ما لا يفعلون"

 

هنا قد أحالنا الشاعر الى مقولة فيلسوف الإغريق في التحول والتغير مرة واحالنا الى سورة الشعراء من القرآن الكريم مرة أخرى "والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون" (الآيات 224- 226). نعم, يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون "الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات".

 

أفتتح الشاعر ديوانه - وخيرا ما فعل - ببيان غير مؤرخ موجه الى زملائه الشعراء لكنه أختتم هذا الديوان بقصيدة رائعة مكونة من ثلاتة أقسام كتبها في مدينة بون عام 2002. أسم القصيدة " رائحة الانتباه " والدراسة المتأنية لها تكشف عن هموم قومية عميقة أستعرض الشاعر من خلالها تأريخ الكرد وما عانوه في مسيرة تأريخهم الطويل من ويلات ودمار ومظالم حتى لقد أضحى شعار أمة الكرد ما قاله ذات يوم القائد الكردي الملا مصطفى برزاني (نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه) نعم, لقد تحملوا من المكاره ما لم يتحمله شعب سواهم من تتريك مرة وتعريب مرات آخرى وتنكر للوعود التي قيلت لهم باقامة وطن قومي لهم في شمال العراق فهم في تركيا أتراك وفي العراق عرب من سكنة الجبال وفي ايران الشاه هم آريون كالفرس سواء بسواء وهكذا كانت عليهم تدور الدوائر, يمنعون حتى من التكلم والدراسة بلغتهم الأم
ما قال الشاعر في هذه القصيدة بحق أمته التي تشرد شبابها في شتى أنحاء المعمورة طالبين ملاجيء وملاذات يقال عنها أنها آمنة؟

من مكان الى مكان,
يوزعون افادات مغموسة برائحة الدم والزنازين,
 يسيلون على أرصفة نظيفة بثياب متعبة,
وأحذية خرجت توا من الطين الدافيء لبلادهم
مبللون بعقول طازجة وأحاديث فارهة عن أشجار تزهر
بالفراديس المنقوشة بالعلو الجامح,
هكذا يتخيلون.
نمور شقراء تفترس هدنتهم,
وتترك على أجسادهم عيون شرسة.
تائهون مثل بوصلة عطبت عمدا بالبحارة..

هذا هو حال من تشرد من الشباب الكردي (وسواهم الكثير من قوميات وجنسيات وطوائف وأقليات إثنية أخرى) في أقطار أوربية نظيفة جميلة لكنهم (يسيلون على أرصفة نظيفة بثياب متعبة وأحذية خرجت توا من الطين الدافئ لبلادهم) الأرصفة النظيفة وألق المدن الجميلة لم تنس الشاعر طين بلاده الدافيء حيث يعبر عن حنينه وأعزازه لمقامها في دواخل نفسه رغم تنكر أنظمة الحكم فيها لحقوق أمته, لكأن لسان حاله يقول ما قال شاعر قبله

بلادي وأن جارت علي عزيزة
وأهلي وان شحوا علي كرام

ثم:
تراقبهم عدسات الرؤوس الخائنة والمعتمة
وفق نظرات تكشف مجهول الغرباء الذين لا مجهول لهم
سوى الندوب المشروخة في عواطفهم..
لكن...
الى بر الأمان,
أيمكن هذا؟!
ينهارون بقامات باسقة تحت سطوة الملفات
أيمكن أن يصفعنا كل هذا الضوء الهاديء
بقسوة حاضرة وجرح لا يوازيه سوى الأنين؟!
ألم, ألم, ألم, ألم؟؟؟..

لقد أنهى الشاعر هذا المقطع الأول مكررا كلمة "ألم" أربع مرات وثلاث علامات استفهام تعجبا واستنكارا في عين الوقت يريد أن يقول (ما الذي جنيناه حتى وقع على كواهلنا, نحن طالبي اللجوء, كل هذا العبء وكل هذا الألم؟) كالمستجير عن الرمضاء بالنار. إذا أنهى الشاعر هذا المقطع بالألم فلقد أنهى المقطع الثالث بكلمتي (لا أمل), كررهما مرتين ألم هناك ومقلوب الألم منفيا هنا مهازل الأقدار وسخرية الزمن بدايتنا ألم ونهايتنا بلا أمل. وماذا في أشعار الشاعر حسين محمود حبش سوى ذلك؟؟

 

1 - عالم الحيوان

 

لقد سبق وأن أنتبهت لظاهرة كثافة ورود الحيوان في واحدة من قصائد الرثاء لأبي العلاء المعري, والمعري هو الأخر من سوريا (1) وتساءلت في حينه عن مغزى هذه الظاهرة. ففي قصيدة " مدائح " ذكر حسين أسماء (القرش والدلفين والسمك والشبوط والعصافير ثم النمل) فما هو السر في ذلك؟ قد نجد الجواب في تقسيم الشاعر لهذه القصيدة الى خمسة أجزاء حاكى فيها على ما يخيل ألي عناصر الطبيعة الأربعة: الهواء والماء والنار ثم التراب فقد كرس الشاعر القسم الأول الى العمر, القسم الثاني الى البحر (الماء), القسم الثالث خصصه للهواء والرابع للحيوان (الطيران والعصافير) والعصافير لا تستطيع الطيران الا في الهواء وأخيرا أختص القسم الخامس بالنار القرش والدلافين والأسماك والشبوط هي جميعا كما نعلم حيوانات مائية ان فارقت وسطها المائي ماتت أما العصافير فانها جزء من الهواء الذي تستنشق جميع الكائنات الحية أما الحيوانات التي تعيش على أو تحت سطح الأرض فلم يستأثر منها بأهتمام الشاعر الا النمل هل معنى هذا أن شاعرنا مفرط في التحليق في هواء أجواء الخيال من جهة ومسرف في التعمية والألغاز والتواري بحيث لا يمكن العثور عليه الا متخفيا وبصعوبة؟؟ الدلافين وباقي الحيتان (وثعابين البحار السامة) وحدها تتنفس الهواء الحر, لذا فأنها ترفع رؤوسها بين الحين والحين لأستنشاق الهواء الحر مباشرة من الجو فلماذا يتهرب الشاعر منا تارة في أعماق اليم وأخرى في الأجواء العليا؟؟
حين نواصل رحلتنا مع نصوص الكتاب نكتشف الظاهرة نفسها في قصيدة عنوانها طويل قد نشعر معه أنه ثقيل الوطأة علينا, أقصد قصيدة "الثالوث الناقص منتفضا الى رفاهيته المكتملة" العنوان غير مفهوم القصد, وذلكم أمر متوقع من هذا النمط من الفن الشعري المتسربل بالقدرة الفائقة على الأدهاش والغموض والتعتيم المقصود حينا والذي يأتي عفو الخاطر في أغلب الأحيان قد نتساءل: ما هي علاقة عنوان القصيدة بمضمونها الآتي؟ نجد هنا لحسن الحظ جسرا صغيرا يربط العنوان بالمحتوى, ألا وهوالرقم 3. أجل. فان هذا الرقم يأتي في واحد من أسطر النص (تعود الغزلان الى الثالوث الناقص لرفاهية تتوق للأكتمال الصاعق..) اذا وجدنا هنا بعض السلوى فأننا لسوف نقع في حيرة أكبر اذ نواجه في متن هذه القصيدة أرقاما أخرى هي الأرقام 6 و 8, فما هي دلالة هذه الأرقام يا ترى؟؟ ذكر الشاعر هذه الأرقام كما يلي تباعا:

ليد على يد وتكتمل اليد الغائبة
في المحنة السادسة
ينتفض غبار القيامة عند انبثاق النرجس
من ملكوت الأدغال في الصباح المتهدج..

ثم

نقتنص اليد الثامنة ونكحلها بالمصافحات العميقة
نفتح بها مدن النور
فتضيء الغربة بألفة مثيرة
ننشغل بزئبق النبيذ..


ثم نأتي باليد الثامنة ونمسح الغبار عن توتر القلب
ثم نوقد ميعادا خارج الأنقراض..

في الأمكنة الخالية ليد ثامنة تدور كوهج التنين
وتستمع الى تدفق السحر
نحو المساحات الغامضة..

ليد ثامنة أصابعها غائمة بالحنان
تواكب ألم الأكراد والجراح الجاثمة على صدر الغابات


اذا صرفنا النظر عن محاولة فهم فلسفة الأرقام ومغازيها فأننا سنواجه مرة أخرى عالم الحيوان الأثير لدى الشاعر ففي هذه القصيدة وردت أسماء الحيوانات التالية: اليعاسيب والغزلان والعصافير والذئاب والفراشات ثم الحيوان الخرافي التنين اذا أهملنا الحيوان الخرافي سيكون عدد المذكور من الحيوان الحقيقي هو ستة أجل ستة وقد ورد هذا الرقم في أول القصيدة.

 

لعل في رأس الشاعر تأريخ ما أو مناسبة معينة أو لغز خاص يربط ما بين الرقم 8 ومحنة قومه الكرد فلقد قال حرفيا كما رأينا للتو (ليد ثامنة أصابعها غائمة بالحنان تواكب ألم الكرد والجراح الجاثمة على صدر الغابات) اليد الثامنة في قناعة الشاعر هي يد رؤوم تغدق بالحنان على أمة الكرد وتعالج جروحهم الكثيرة والكثيفة كثافة وسعة مساحة الغابات فما هي هذه اليد الثامنة؟ رأينا في هذه القصيدة محنة سادسة ويدا ثامنة, فهل ثمة من علاقة بين المحنة السادسة واليد الثامنة؟ نأمل أن يجيب الشاعر حسين محمود حبش مشكورا.

 

في قصيدة "باجة مفيستو شيخ الحديد" ذكر الشاعر أسماء خمسة حيوانات هي حسب تسلسل ورودها في النص: الحمائم والجنادب والنمل والحباحب والغراب. وفي قصيدة " طفولة قمينة بالثمالة, يدبرها ورق الحبق تدبيرا دقيقا " ذات العنوان الطويل ذكر الشاعر أسماء الحيوانات التالية: الحجل والأوز والقبرة والخنفساء والسحالي والضفدع حيوانات ستة.. أيضا. ثم ذكر الشاعر الحيوان أخيرا في قصيدة سأقف عندها لطرافتها طويلا, هي قصيدة "أزدهار أمام الأنثى وأنبعاث عشتار" هنا سجل الشاعر أسماء الحيوانات التالية:
الطيور والسلاحف والثعالب وبنات آوى والسعالي (حيوانات خرافية) والسباع والثور والحجل والنمل والقطا والبغال أحد عشر حيوانا.. رقم قياسي !! أشعر كأني في حديقة حيوان تعج بالحياة المفتوحة بدون أقفاص, أي في بارك سافاري أفريقي
يظل السؤال الملحاح في رأسي: ما تفسير هذه الظاهرة؟؟ لقد سبق وأن فسرت رموز أغلب حيوانات رهين المحبسين الشاعر المفكر والأعمى والمعزول طوعا أبي العلاء المعري ( 1 ) لكني أجد نفسي وبكل تواضع عاجزا عن تفسير ما أرى اليوم أمامي من عالم حيوان الشاعر السوري الكردي الشاب السيد حسين حبش.

 

2 -  عالم النبات

 

اذا كان أهتمام الشاعر الأول منصبا على عالم الحيوان فأنه لم يهمل ذكر عالم النبات حيث أبدع وأسهب أحيانا في تعداد ذكر أسماء أنواع الزهور وباقي النباتات مما ألف في مواطنه الأولى أو مما رأى في بلدان أخرى أغلبها أوربي فلقد ذكر على سبيل المثال في قصيدة " ملكات النوم " من الفاكهة والزهور والنبات ما يلي: شجرة الخرنوب والريحان (ثلاث مرات) والوردة النائمة والزنبق والثمار والأجاص والعشب والكمثرى والجلنار  (ورد أحمر, وقد يكون زهر شجرة الرمان) والزبيب والسكر (الكبد السكري) ثم السفرجل والزهور وضع الشاعر الذواقة أمامنا على طاولة ضيافته ستة أنواع من الفاكهة هي الأجاص والكمثرى والرمان (مجازا وإشارة) والعنب (الزبيب) والسكر (ربما سكر القصب أو مكعبات القند الطبيعي) والسفرجل جنة قطوفها دانية, ملأى بما تتشهى أنفس المؤمنين. كذلك فتح الشاعر في قصيدة "بيضاء كالافتراس "شهواتنا على صنوف أخرى من الفاكهة وما تنتج الطبيعة من أزهار ونباتات رائعة الحسن مختلف ألوانها مثل: القصب والخيزران والتوت والحقل والعشب والغابة والأزهار ثم التفاح والقمح والنبيذ والنرجس والعسل واللوز وزهرة الأقحوان هناك أجاص وكمثرى ورمان وعنب وسفرجل وهنا توت وتفاح ونبيذ (أعناب) وعسل ولوز. السكر مركز في فاكهة فائقة الحلاوة ومعروفة في بلاد الشام على نطاق واسع يقدمونها للضيوف مساء بدل العشاء

 

3- الغزل السامي/ الرومانس/ ايروتيكا Erotica 

 

ليس كل من كتب شعرا يجيد بشكل تلقائي الخوض في عالم الغزل بنوعيه العذري السامي والجنسي الايروسي المكشوف, علما أن ذاك هو صدى هذا ونجواه الخفية في نهاية الأمر... ولكي نتفهم شعر شاعرنا حسين محمود حبش الرومانسي - الايروسي بشكل أفضل سأرجع لاحقا الى شاعرين أراهما من خيرة من كتب في أحد هذين اللونين أو في كليهما من الفن الشعري, وهما أدونيس ( كتاب تحولات العاشق 1962 ) والشاعر المغربي مصطفى غلمان ( ديوان خاتمة لذبيب الوشي 1998 وديوان على شفا موت 2000 )

 

سأبدأ مع الشاعر حسين بقصيدة " ملكات النوم " وسأختار مقطعين فقط من بين مقاطع هذه القصيدة الأحد عشر:

 

عمت أيها الكوكب الصلصالي بكل العاشقات
 الصاعدات من خلخال الأنثى
جرب الهتاف في مرادفات العاصفة
لتفيض الشرارة من قزح الأحتمالات
عمت أيها السيد في هذا الأرتطام
وليكن ما يكون المخدع, البقاء للجسارات
لتكوني أنت الرجيمة والرحيمة
أيتها الينابيع النائمة
في سرادق المرمر
تنثال اللمسات على حقوي الكمثرى
كاشفة مكامن الغابة الغامضة بعد دورانها الفرجاري
ليكن الهبوط والصعود, الصعود والهبوط
على أريكة الأرق
ولتتقدم الشعلة مفتوحة النار الى عرين الفردوس..
...
هذه الحقائب وهذا الترف
سجادة أضلعي الوفية للفضائح
ينتهي السراب ويبدأ احتفال الموكب الهوائي
ركاب الهتاف يتعرون في هذا الصقيع مؤمنين بنا
هيئة الكراسي تستدرج النجوم والتداعيات الشديدة...
هديل في العناق على قيثارة النهد الذي يقود عربة الذكريات
لتكن لك نعمة الفخار وزبيب الكبد السكري
أيتها الفراشة النائمة على مخدة الغابة المائية
لتكن لك الجداول لأقود اليك جموع وعولي في الظهيرة الظمآنة..

 

هل نحتاج الى جدول أحصائي يبين المفردات والتعبيرات الدالة على جنس صريح مفتوح أو رمزي لامح أو غامز بطرف عين واحدة؟ طيب, سأذكر ما ورد منها في القسم الأول تطمينا للقاريء:

 

العاشقات, خلخال الأنثى, الشرارة, قزح الأحتمالات, المخدع, الجسارات, الينابيع النائمة, اللمسات, حقوي الكمثرى, مكامن الغابة الغامضة, دورانها الفرجاري, الهبوط والصعود, الصعود والهبوط, أريكة العرق, الشعلة مفتوحة النار..

 

علما أن أقتطاع هذه الكلمات من سياقها العام في المقاطع الشعرية يفقدها الكثير من زخم التأثير على القاريء والكثير من سحر خصوصياتها التي لا تظهر ولا تنفجر في عتمة الألهام الا اذا وجدت نفسها في خيمة جو عام يناسب كل دقيقة من دقائق هذه الخصوصيات السرية منها وتلك الواضحة للعيان الوضع الهندسي للكلمات ضمن الجمل هو من أدق وأخطر مهمات الشاعر ولا أقول عبقريته أو موهبته الشعرية لكل شاعر من شعراء قصيدة النثر الحديثة مجساته الخاصة الشديدة الحساسية التي تهديه وتريه طريق الأبداع غير المسبوق وتحدد له شروط وخواص المكان. رأينا في القسم الأول غزلا أو شعرا آيروسيا واضحا, أما في القسم الثاني من نفس القصيدة " ملكات النوم " فغزل المناجاة السامي واضح شديد الوضوح. ثم نقرأ في قصيدة أخرى طويلة العنوان "هذا لقاؤنا الأول, هل لنا وقت لنفكر بالأخير؟" تشكيلات رائعة من غزل المناجاة من مثل:

 

تقولين لي: خرجت مني رجلا يحمل على كتفيه نجوما
لا تسقط الا علي
وبدأت أنا بك مأخوذا برائحتك
يفور من قميصي عطرك
الليل والنهار أجمعهما لك في أنفاسي
أحسك وأشعر بأن الحاجة اليك أكثر من الهواء
...
عرجنا كما بدأنا الى شجيراتنا
نشد قطيع الشهوات الى الظلال
تجمعنا رائحة اللقاء
شممنا بعضنا وتبادلنا الأدوار
من سيفكنا من هذا اليقين العجيب؟

 

شعر شفاف أشم فيه الكثير من عفة نفس الشاعر ونقاء ضميره والإخلاص الفائق لمن يحب قد يرى فيه غيري كلاما آيروسيا وعلي أن أحترم رؤية من يخالفني الرأي. ملاحظة: لقد أدمجت بعض الأسطر مع بعضها اختزالا للمساحة أولا, ولأني لم أجد فارقا يذكر لا في المعاني ولا في منطق تسلسل الأفكار قبل وبعد هذا الدمج, مع الاعتذار للشاعر الكريم. كذلك ترفل قصيدة " بيضاء كالافتراس "بالغزل الجميل المبتكر والمقطع الثاني عشر من قصيدة " هاء تائهة في الحاء والعكس " الذي يضع أمامي ظلالا ولوحات ملونة من تأثير سفر نشيد الإنشاد في كتاب العهد القديم (ثمانية إصحاحات). لقد أفاد الشاعر أدونيس هو الآخر من نشيد الإنشاد هذا في كتاب "تحولات العاشق" (2) الذي بدأه بإحدى آيات القرآن الكريم ".. هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" ثم بقول للقديس بالاماس "الجسد قبة الروح"". قلت آنفا أن أفضل من كتب شعرا بالغزل الرومانسي أو الايروسي من بين معاصرينا كما أحسب هما الأستاذ علي أحمد سعيد (أدونيس) والشاعر المغربي مصطفى غلمان بلى, لقد سبق وأن كتب شاعران قبلهما شعرا جنسيا فاضحا ( بورنو Porno ) هما المرحومان إبراهيم طوقان صاحب " أم القداسات " ثم الشاعر العراقي حسين مردان صاحب "قصائد عارية" فماذا قال أدونيس في "كتاب تحولات العاشق"؟ ولأن تحولات العاشق قصيدة طويلة فسأختار أبرز النماذج الدالة على شعر الجنس الآيروسي المؤدب أو المحتشم الذي كتبه الشاعر بأسلوب عالي المقام وذوق رفيع لا يخدش المشاعر ولا يؤذي تقاليد زماننا المهيمنة في المقطع الأول قال أدونيس:

 

كان هناك سرير ينتظرني يجلس عند رأسه طيف ينهض كالثدي ويلبس عجيزة وصدرا وما تبقى,
وأستيقظ جسدي, وهوى أسير المسام وخواتم العين والسرة,
والطبيعة الثانية التي تتناسل فيها أنواع ثانية من الخشخاش واللفاح وسواهما من نباتات الذكورة والأنوثة,
وأخذ جسدي يتهيأ لسقوط كوكب آخر في تجاعيده

 

وقال في المقطع الثاني:

 

نقشت على أعضائك جمر أعضائي
كتبتك على شفتي وأصابعي
حفرتك على جبيني ونوعت الحروف والتهجية وأكثرت القراءات
كان تنهدي سحابا يسند الأفق
رداء أنسجه وتلبسينه مصبوغا بالشمس
وكان الليل ضوءا يقودني اليك

 

وفي المقطع الثالث كان سطر الافتتاح هو " ليبير, ليبيرا, فالوس.. " ثم مضى قدما يرسم لوحات فنية ايروسية لا لبس فيها تنضح جنسا مقبولا لا داعرا ولا خبيثا من النوع الذي يرتاح لسماعه المراهقون سأقتطع نماذج منها:

في جسدينا يرفع الضوء تلاله وراياته
واللهب يمتد وسائد وسائد
أحكمي عقدة الجفون

أخترق سفينة جسدي اليك
أستطلع الأرض الغامضة في خريطة الجنس
أتقدم
...
أحسب نفسي موجة وأظنك الشاطئ:
ظهرك نصف قارة, وتحت ثدييك جهاتي الأربع

أتشجر حولك
وأهوي, بينك وبيني, نسرا بآلاف الأجنحة
أسمع أطرافك الهاذية
أسمع شهقة الخاصرة وسلام الأوراك

أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق
سيري حيث تشائين بين أطرافي
قفي وتكلمي: ينشق جسدي وتخرج كنوزي
...
تنصبين سريرك أو تفرشين الأرض
نزرع أشجار الجسد
نتغطى بأصواتنا
الى أن يحين ميقات الظهور
أغترب الجسد
مسه التحول
وجع المفاصل نبض الأطراف هندسة العضل وأبهة الفعل
الأنقباض التقلص الانفساح
مهابط الجسد مصاعده سهوله ومدارجه التواءاته
أرض الخاصرة المليئة بالنجوم وأنصافها ببراكين الجمر الأبيض
بشلالات الجموح والشهوة
بعد هذا نتفيأ سرادق الحوض
حيث يستدير كوكب الجنس
يكتمل التحول
يصير ثدياك الليل والنهار
...
نقوم تنفسح الحدود المحصورة
ينطلق الأسر
تخرج الينا الدنيا بغتة تقول
نبتت شجرة الروح في الأرض
هكذا يقول السيد الجسد

وفي المقطع الرابع قال أدونيس:

طامح جسدي كالأفق وأعضائي نخيل
تثمرين في
أقطف تحت صدرك, أيبس وأنت ريحاني والماء
كل ثمرة جرح, وطريق اليك
أعبرك وأنت سكناي أسكنك وأنت أمواجي
جسدك بحر وكل موجة شراع
جسدك ربيع وكل ثنية حمامة تهدل بأسمي
تحشرين اليه أعضائي
أتجه في نزع وسكرات
أستقر فيه مملوءا بشرقه وغربه
أفرشه غبارا وقبرا
مملكة أنهبها وأحميها
...
الليل..
عمقي فوهة الصدر صيري متاهة واحضنيني

الليل..
...
كل خلجة بلاد والطريق مضيئة كأحشائي
ننحني نتوتر نتقابل نتقاطع نتحاذى
( أنا لباس لك وأنت لباس لي )
تتخمر العضلة وتأخذ البشرة لون البنفسج وطعم البحر
حيث تومئ اللجة وتبحر أطرافنا

في الأسطر الستة الأخيرة جنس واضح مكشوف لا يحتاج الى تفسير, لكنه يظل جنسا محتشما مقبولا لا يخدش احساس القارئ أو القارئة خاصة وأن ما حصر الشاعر بين قوسين جاء معناه في إحدى آيات القرآن الكريم التي أستهل بها كتاب تحولات العاشق
 (( سورة البقرة / الآية 187: أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. )) لقد أستند أدونيس في هذا المقام على دعامتين شرعيتين قوتين هما القرآن والدين فضمن بذلك قبول ما قد قال دون أن يجرؤ أحد على الأحتجاج أو الأستنكار وكان كعادته ذكيا ذواقا بارعا في المناورة و ( التاكتيك ) وتسريب ما يريد أن يقول في قوالب بهيجة ولوحات تسر الناظرين أستطيع بدون مبالغة أو تحفظ أن أقرر أن ما من أحد لا من قبل ولا بعد أصاب من النجاح في حقل الشعر الايروسي ما أصاب الشاعر أدونيس بعد أكثر من ثلاثين عاما كتب آخرون قصائد الشعر الايروسي لكنهم لم يحققوا الا أبأس حالات الإخفاق وهذا هو حال كل من تسول له النفس الأمارة بالسوء أن يقلد سواه أو أن يحذو حذوه أين الثرى من الثريا؟؟!!
أستطيع التكهن في كلمة أخيرة أن أدونيس كان قد فصل في كتاب " تحولات العاشق " مسلسل عمليات العشق السامي ( التوله الأفلاطوني ) الذي يسبق الزواج بمن يحب المرء, ثم الاقتران بالمعشوقة التي أضحت زوجة له, ثم رسم لوحات رمزية - سوريالية - ايروسية لتبادل الجنس المشروع مع شريكة الحياة وأخيرا انجاب الأطفال (( تخرج الينا الدنيا بغتة تقول نبتت شجرة الروح في الأرض )) لقد أفصح الشاعر عن ذلك بصريح العبارة حين تساءل في بداية المقطع الخامس على لسان قرينته (( كيف تزوجتني؟ ))
ثم يواصل ((.. فنمت نومة واستيقظت واذا على وسادتي امرأة, وتذكرت حواء والضلع الآدمي وعرفت أنك زوجتي ))
في الأغنية السادسة من المقطع السابع والأخير يذكر الشاعر شهريار وشهرزاد, وكلنا نعرف محنة النساء مع الملك الغشوم شهريار وانتصار شهرزاد لبنات جنسها بعد أن نجحت في تطويع هذا الوحش الدموي الشاذ هنا نتلمس إرادة الشاعر في الإيحاء أن المرأة ضحية وتؤول الى ضحية باردة في نهاية المطاف (واحدة من ضحايا شهريار الرمز).. رغم حرارة وصدق بدايات الحب الرومانسي الجارف الذي يفضي بدوره الى الزواج والإنجاب. لكن.. ستنتصر حواء أخيرا على غدر آدم تنتصر بذكاء أختها شهرزاد !!
كتاب " تحولات العاشق " يستحق دراسات مطولة وأكثر جدية, وانه لسفر رائع جدير أن يقرأ مرات ومرات لفهمه والاستمتاع بأسراره وخفاياه التي لا تفصح عن نفسها الا ببذل الجهد شكرا أدونيس

بعد أن أنهيت الحديث مختصرا - مطولا مع عينات من شعر الايروس الأدونيسي المتميز والراقي, أنتقل الى واحد من شعراء نجوى الحب الرومانسي ومن طلائع شعراء قصيدة النثر. أقصد شادي المغرب وبلبلها الغريد ( مصطفى غلمان), الذي جمع أو أجتمع فيه غموض بحر الظلمات الأطلسي وشموخ ذرى جبال الأوراس الأفريقية, ومتناقضات حضارتي الشرق والغرب, ثم نسيج تراث العرب والبربر دينا وتأريخا ولغة وتقاليد وعادات. وأخيرا الماء ورمل الصحراء المغربية والصحراء الكبرى
سأقدم نماذج من رومانس المناجاة التي لا تختلف في جوهرها وتفاصيلها عن صلوات التعبد والدعاء التي يعرف العابدون قال مصطفى ( 3 ) في قصيدة " سوسنة البحر ":
...
اني مؤمن بأصقاع النبض الحليب,
الذي ملك حوضينا...
وباحتواء جواك الراعف
وبانقباض وريدي,
وقت انبلاج وجهك السراج الوهاج...
اني لما ركبت جحود علاك,
وأقتفاك همسي وجهري
أيقنت أنك مهلكتي في الشرود...
و