14.12.2002 - 02:00
الشاعر
جميل داري
في حوار مع
موقع عامودا:
"اشهد رايات
الشعر تنكسر
وهواء
الحرية يفسد
حتى القرف."
أجرى الحوار ابراهيم اليوسف
لعلَّ
الحوار مع
صديقي الشاعر
جميل داري هو
أحد الحوارات
القليلة التي
أحسّ خلالها
امكان التوقف
عند كل
التفاصيل
الصغيرة
والكبيرة لتجربة
صاحبها
الابداعية
،والحياتية
..في آنٍ واحد
..لذلك ،فانني
لألمس – كأحد
الأطراف الثلاثة
في معادلة –
الحاور معه –
المحاور – القارئ
في أي حوارٍ
..ان جزأين في
أقل تقدير من
هذه الثلاثية
ينهضان وعلى
أتم ما أتوخاه
شخصياً ،
كصحافي ..يخطط
على نحو دقيق
لأي حوار مع
مبدع يحبه
.حقاً لا أريد
أن أسترسل مع
جموح العاطفة
في محراب هذا
الصديق
الجميل
والاستفزازي
في آن واحد ،
لئلا أتدخل في
ممارسة أي سطوة
مسبقة على
الطرف الرئيس
في معادلة
الحوار .
1- من
المعروف أنك
أحد الكتّاب
الذين بدؤوا
الكتابة منذ
نهاية
السبعينيات
بغزارة واضحة
، بيد أني
ألاحظ في السنوات
الأخيرة أن
حضورك بدأ يخف
، هل لهذا
الأمر علاقة
بابتعادك عن
المكان الأول
الذي عرف
قصائدك ؟
لست
أدري على وجه
اليقين سبب
هذا الانكفاء
والتقهقر اللذين
قلَّصا مساحة
كتاباتي
الشعرية والنثرية
، لكن أخمن أن
وراء ذلك
انكسار
الكثير من أجنحة
الأحلام التي
كنت أغني لها
لتحلق في سماوات
الدهشة
والجمال
لكنها احترقت
تماماً
وهاأنذا
مطمور
برمادها العجوز,
ألا تشم معي
رائحة شوائها
... ولا أحد يهتم
بي وبكارثتي
التي لن تكون
الأخيرة ,فالأيام
حبالى بدوي
الفجيعة ، فلم
يكن المخاض
إلا ورماً
خبيثاً ولم
يكن البرق إلا
خلباً ، وإذا
كان نزيه أبو
عفش يطهر
تعاسته
بالدمع ,ويرقع
ثقوب حياته
بالأحلام
ويواصل حياته
بصمت ,فلديه
طاقة روحية
جبارة ليفعل
ذلك ، أما أنا
فلم أعد أثق
كثيراً بالكلمات
المجنحة والصور
الشعرية
الجميلة في
عالم مكتظ
بالدمامة
والتفاهة ،
ولم تعد لدي
طاقة أو رغبة
في تذكر ما
كتبته وما
قرأته من كلام
، ليس ثمة
مناخ بحجم
قلبي المتخم
بالكآبة
والضجر والذباب
الميت ، ليست
ثمة إلا شوك
الصحراء وزبد
البحر وسراب
الأفق ، ولدي
شعور طاغ
بالوحدة على
الرغم من
وجودي الدائم
مع الآخرين ..
الدياجير
تكبل روحي
بنجوم منطفئة
وكلمات صدئة ..
لكن ثمة خيط
واهٍ يربطني
بالحياة وبالشعر
، فلم أعد
أتعامل معهما
بحميمية
الأمس .. ربما
لأنهما
خذلاني
ورمياني على
قارعة المنفى
دونما جليس أو
أنيس .
2- لا
بأس ، أو
تعتقد أن
لولادة
القصيدة ،
مناخاً خاصاً
لابد منه ؟
إنني
أشفق على
ولادة
الأشياء في
زمن الموت هذا
، ألا ترى معي
أن كل شيء
يولد ميتاً
ويوهم نفسه بالحياة
... قل لي : أين
نبض الشجر
والهجر
والطير
والشعر .. الهدوء
البليد يخيم
على كل شيء
وقوة العبث
الغائية تطيح بكل
قصيدة ومناخ ..
ومع ذلك أكتب
بين الحين والآخر
كلاماً لا يمت
إلى الشعر أو
النثر ولا أحس
أنه يعبّر عني
.. لذلك أمزق
الأوراق
وأنثرها بمتعة
رهيبة ، لا
أشعر بأني
احترق بنار
القصيدة
لولادة جديدة
بل أراني
مكبلاً معصوب
العينين
والروح ،
باختصار تردي
الواقع اليومي
يشوه معنى
الحياة
وجمالية
الشعر ولا تنس
تلاشي
الحميمية
التي هي شرط
كل شعر وحياة .
3- أنت
تعمل مدرساً
لمادة اللغة
العربية في دول
الإمارات
العربية
المتحدة منذ
سبع سنوات واطلعت
على التجربة
الشعرية
للجيل الجديد هناك
، كيف تنظر
إلى واقع
الشعر الإماراتي
الجديد ، هل
له خصوصية هو
الآخر !!؟
الشعر
الإماراتي
الجديد صورة
مصغرة ومكررة عن
الشعر السائد
في سوريا
وغيرها لكن
يتميز بقليل
من الخصوصية
المحلية
والدفء
والصدق ، والقصيدة
النثرية هي
السائدة في
مجال النشر ونادراً
ما أقرأ قصيدة
تفعيلية أو
كلاسيكية
عمودية ، كما
أن الصوت
النسائي يبدو
قوياً في زحمة
الأصوات الأخرى
، ويبدو لي أن
الحركة
الشعرية
الإماراتية
تسير بخطأ
حثيثة نحو أفق
مفتوح وتبشر
بغدٍ شعري
أفضل وأجمل .
4- الآن
، وبعد ثلاثة
عقود من
الكتابة في
مجال الشعر ،
وفي ظل هيمنة
أجناس أدبية
أخرى أما زلت
ترى أن تخيرك
لعالم كتابة
الشعر هو
الصائب ؟
يا أخي
.. كتابة الشعر
قدري ولا
يهمني إذا ما
طغت عليه
أجناس أدبية
أخرى .. نعم
أقرأ كل
الأجناس
الأدبية .. لكن
الشعر .. شكل
تاني .
فتحت
عيني على
الشعر وعشنا
معاً السراء
والضراء ، ولا
يمكن التخلي
النهائي عنه
لشعوري أنه
مازال المعبر الأول
عن وجداني ولو
بشكل هزيل على
الرغم من الإساءة
البالغة التي
تلحق به من
قبل الأدعياء
والمتطفلين
على مائدته
التي لم تعد
عامرة بأطايب
الأخيلة
والموسيقا
والرموز .
الشعر
هو هروب من
العدم وقشة
أعتصم بها في
خضم الزمن الذي
يتسرّب من بين
الأصابع ،
فإذا بالموت
يكشر عن
أنيابه – على
حد البلاغة
العربية
العتيدة –
وإذا بي أتضرع
إلى الخيال
الكسيح
ليأخذني إلى
عالمه الظليل
.. لأن الواقع
ثقيل أثقل من
خطوات
السحابة في
إحدى قصائد
بلند الحيدري
.
أنا لا
أمتلك موهبة
قصصية أو
مسرحية حتى
لأشك بموهبتي
الشعرية
وماذا باليد
أمام جبروت
الأجناس
الأخرى .. ؟
وعليّ
أن أسعى وليسَ
علي إدراك
النجاح .
5-
القصيدة التي
تحدثني عنها ...
ما الذي تقدمه
لروحك
المرهونة
للحرائق ؟
في
صقيع المنفى ..
منفى الجسد
والروح تظل
القصيدة واحة
خضراء تلوذ
بها الروح
الظامئة
كونها الخيار
شبه الوحيد
لبقاء الكائن
على وجه
الحياة ، فلقد
امتصت الكثير
من العذابات
ومازالت ، ففي
لحظات الضيق
والضجر
والشوق العبثي
إلى المجهول ..
أتشبث بثوب
القصيدة .. أعريها
.. أتأمل في
تضاريسها
الأسطورية
فإذا بها تأخذني
في رحلة
جلجاميشية
تخلصني من رتابتي
ووحدتي ،
تمنيني ببعث
أحلامي
المنقرضة .. ثم
في النهاية
أباغت برمال
مخيبة للآمال
.
كثيراً
ما تراودني
فكرة اغتيال
الشعر فيّ .. فأصمت
زمناً .. ثم
أباغت بدبيب
الكلمات في
القلب تبحث عن
برية شاسعة ..
عن بحار بعيدة
.. عن أزمنة
وأمكنة تنأى
وتنأى .. وعلى
الرغم من كرهي
للشعارات
فشعاري
الجميل :
(( تصبح
الحياة أقل
جدارة أن تعاش
إذا خلت من الشعر
)) .
اسمع
ما قال بدوي
الجبل عن
الشعر :
شادٍ
على الأيك
غنانا فأش
جانا
تبارك الشعر
أطياباً
وألوانا
أيطمع
الشعر
بالإحسان
يغمره
والشعر يغمر
دنيا الله
إحسانا
هل
كنت أملك
لولا مطر
نعمته
قلباً على
الوهج
القدسي
نديانا
أنا
الآن لا أفتش
عن قاتل لوركا
كحامد بدرخان ،
بل أفتش عن
مدافن جديدة
لأطمر فيها
أنفاسي ، أنا
الآن أفتش عن
قناعاتي أنا
بعد أن أتخمت
بترداد أفكار
غيري عن قناعة
أو غير قناعة ...
الشعر العظيم
من ألد أعداء
الببغاوية .
6- لقد
قرأت منذ فترة
وجيزة إحدى
قصائدك الأخيرة
، بيد أنني
لاحظت أثناء
قراءتي
عزوفاً عن جلجلة
اللغة التي
كنت تصر عليها
من قبل ... ؟
ظللت
فترة طويلة
سجين الجلجلة
اللغوية ولم أحاول
الخلاص منها
ومن الروي
والقافية على
الرغم من
نصائح وتحذيرات
الكثير من
الأصدقاء ،
وأعتقد أن ذلك
عائد إلى
قراءاتي
الشعرية
الأولى
للقصائد
المحبوكة
المسبوكة في
صياغة لغوية
جزلة وأخاذة
لأنني لم
أستطع هضم
الحداثة
الشعرية –
حداثة ما بعد
مرحلة الرواد
– والشعر
المترجم
والطلاسم
والأحاجي ..
مع ذلك
أعتبر لغتي
امتداداً
للتراث
الشعري
العربي
الرومانسي
التفعيلي ،
لأن قصيدة
النثر لم
تستطيع أن تجد
لها مكانة في
قلبي على
الرغم من حبي
للنثر الجميل
ولو لم يكن
شعراً .. وثق
أنني لم أحاول
تشذيب وتأديب لغتي
ويبدو أن
جلجلتها خفتت
بخفوت جلجلة
الأحلام
العريضة التي
كنت مدججاً
بها ، والآن
أنفض غبارها
ورمادها عسى
أن أعثر على
جمرة لم تنطفئ
بعد .. وهذا
أكيد .
7- أولا
يعني هذا أنك
تشتغل على
صورتك
الشعرية أيضاً
على نحو آخر ؟
أنا
أكتب القصيدة
بكل عفوية ،
وليس هدفي
اصطياد الصور
الغريبة ،
وأحاول تحاشي
الصور المكررة
التي جاءت في
قصائد سابقة
لي ولسواي ،
ولهذا يبقى
المجال
مفتوحاً أمام
صور جديدة ..
وكما لا يخفى
عليك فإن
قراءات المرء
تؤثر فيه,
فلربما تسربت
صور الآخرين
إلى قصائدي
دون أن أدري ،
سم ذلك تناصاً
أو تلاصاً ..
فأنت حر .
أعلم
أنني تباطأت
في تطوري
الشعري على
عكس بعض
الأصدقاء
الذين
تتلمذوا منذ البداية
على أدونيس
وسليم بركات ..
لكن للأسف ظلوا
مقلدين لهما
وبالكاد تسمع
رنين أصواتهم وهناك
قسم آخر قرأ
الشعر الغربي
المترجم فقلده
دون دراية
بأبسط قواعد
الشعر
العربية .. ومع
ذلك فالساحة
واسعة تستوعب
الجميع فلا
داعي لإصدار
الأوامر
النقدية
الصارمة لأن
الزبد يذهب
جفاءً .
8-
وتكاد إعادة
النظر من قبلك
أن تنسحب كذلك
على مستوى
الإيقاع
الخارجي للنص
أيضاً .. ماذا تقول
؟
أساساً
أنا مهتم
بالولع
بالإيقاع
الخارجي الذي
لم أستغن عنه
قط في كل
مراحلي على
الرغم من
شعوري
أحياناً أنه
يقيدني
ويجعلني أسير
على الصراط
المستقيم دون
الانعطاف
يسرة أو يمنة
، غير أني
وبسبب الممارسة
المديدة
للإيقاع صار
هو الآخر
عفوياً إلى حد
أنه يشبه
النثر
أحياناً .
ولا
أظن أن
الإيقاع
يناقض جمالية
القصيدة فخيرة
شعرائنا
ايقاعيون
بهذا الشكل أو
ذاك .
في
الفترة
الأخيرة نشر ((
كتاب في جريدة
)) قصائد مختارة
لأنسي الحاج
ومحمد
الماغوط ، كم
شعرت ببؤسها وتعاستها
، كنت بجهد
جهيد أعثر على
لقطة شعرية هنا
أو هناك ومع
ذلك ينظر
إليهما
باعتبارهما صنمين
مقدسين من
أصنام الشعر ...
أرى شعراء
آخرين أقل
شهرة منهما
يفوقونهما
شعراً
وإيقاعاً
وحداثة .
9-
مادمنا في
حدود نصوصك ،
دعني أقل لك :
أو مازلت تجد
ما تكتب عنه
بعد انكسار
الأحلام على
هذه الصورة
المذهلة ؟
ما
المانع أن
نبكي على
أحلامنا
المجهضة .. ونلوذ
بعالم الخيال
واليأس
والمنافي
الغريبة والبعيدة
.. اسمع هذا
المقطع مثلاً
: في فمي غيمة مرة
ومذاق عدمْ
في يدي
هواء ذبيحٌ ..
وفي
الأفق دمْ
أتضور
شوقاً
فأرنو
رحيلي
المدوّي بخيط
الألمْ
أنت
ترى أن رحى
التفاهة تطحن
كل نفيس وجميل
حتى أوشكت
حياتنا على
الخلو من
مبررات
الاستمرار
فيها ، وهل
يمكن أن يولد
مستقبل معافى
من حاضر مهزوم
ومأزوم ...
نعم
هناك غرائب
أخرى في
انتظارنا وما
علينا إلا أن
نمتشق
قصائدنا
المثلومة
لنخوض معارك
وهمية لا تبقي
ولا تذر.. كل
الذي أدريه
أنّ سيزيف فيّ
مستلقِ في
الحضيض يتجرع
عرقه المتصبب
دون استعداد لخوض
مغامرة
ارتقاء الجبل
– الكابوس ،
لقد آن له أن
يرتوي .
اسمع
ما قاله أحد
المبدعين : ((
أيها المبدع
إذا حلت بك
مصيبة فانتظر أخرى
)) .
10- لنمض
قليلاً في
التفاصيل : ما
هي أثافي هذا
الحلم الذي
تتلمظ
قصائدنا
دونها ؟
يا
لروعة تعبيرك !
أثافي الحلم ،
أنا مولع
بالأثافي
واستخدمها كثيراً
في قصائدي ..
اسمعني جيداً
: أرى أن الحياة
لا تطاق
بحلوها ومرها
ولهذا السبب
مُنحننا نعمة
الشعر كي نكتوي
بناره
الجميلة ...
ولأننا نضيق
بهذه النار المقدسة
نقذف
بأرواحنا إلى
أثافي الحلم ..
للشعر برودة
الرماد
وهشاشته
الخالدة .
فهذا
الحلم كان
يوماً
بركاناً ثم
خمد ... ولكن هل
تظن أن نار
الشعر ستخمد
يوماً في
نفوسنا ؟
سنظل
يا إبراهيم
نكتب على
الماء
والهواء والسراب
.. أليس ذلك
أفضل من
الكتابة على
النار .. وإذا رأيت
أن الشعر قد
فسد ككل شيء
فلنصمت ونتثاءب
وننام ..
ولنستيقظ بعد
مئة عام ..
فلعلّ وعسى ..
مع الاعتذار
إلى عمنا ناظم
حكمت .
11-
والمرأة .. هذه
التي أفردت من
أجلها فضاء
النص وفضاء
الروح ، ما
الذي تقول
الآن في
حضرتها أو
غيابها .. لا
فرق ؟
أقول
ما قاله
الشاعر
الصاحي في
الزمن السكران
علي الجندي في
أحد حواراته :
يتجسد
العالم
بامرأة تغير
كل طبيعة
الأشياء ..
فإذا هي
النعمة والحب
الذي يمنح
قصيدتي ألوان
الخصب ، هكذا
يرى الرجل
خلاصه في
المرأة .. أجل
ألوذ بهشاشة
الكلمات
وجبروت
المرأة وكلاهما
يخدران الروح
التي تهدأ إلى
حين ، وسرعان
ما تتلاشى
الكلمات
وتنساب
المرأة
كالماء من بين
الأصابع فأظل
وحيداً ..
وحيداً
تماماً مرمياً
في صحراء
العالم ، فلا
شعر دون امرأة
ولا امرأة دون
شعر ...
فالمرأة
هي النبع الذي
يمد جذور
القصيدة وجذور
حياتنا
بالخصب
والنماء ..
لذلك رُجم
الشعر والمرأة
كثيراً ..
كثيراً .
12- إذاً ..
أنت من هؤلاء
الذين يرون أن
عالم القصيدة
يظل ناقصاً ما
لم يتضمخ بريحان
أنثى
استثنائية .
أجل ..
إن عالم
القصيدة لا
يظل ناقصاً
فحسب بل مثيراً
للامتعاض .. لك
أن تتصور
وجودنا
الكئيب دون
ريحانة
الأنثى وصف
شباكها وطيون
قراها والقمر
القريب .
السياب
الدميم
والفقير
والمريض قال :
عيناك
غابتا نخيل
ساعة السـحر
أو
شرفتان راح
ينأى عنهما
القمر
لنتأمل
هذا الثالوث :
الشعر ..
المرأة ..
الطبيعة ..
ولنتأمل خلو
حياتنا منه ..
المرأة
الاستثنائية
كالغربة
كلاهما يترك في
الروح جروحاً
بليغة لا
تندمل ..
كلاهما يعذبانك
كجلاد عتيد ..
وكلاهما يفجر
في نفسك ينابيع
القلق الخلاق
.. الذي يصنع
القصيدة .. ما أوسع
خواء العالم
دون هذا
الثالوث.
لابد
من امرأة
مضرجة ومرصعة
بالبحر
والطيوف والقمر
.. (( فكل مكان لا
يؤنث لا يعول
عليه )) .
13- لعلك
تريد أن تقول :
إننا أحوج إلى
الأنثى العصية
على الدوام ؟
نعم ..
العصية
الوفية
الغادرة
الشرسة
المجنونة ..
فلا معنى
لامرأة من
عصور الحريم
مهمتها غسل
الجوارب
وإنجاب الذرية
الصالحة .
المرأة
التي تتحدى
ظروفها وترى
مثلي ومثلك صلاحها
في الشعر
واقتراف أجمل
الموبقات حتى
القيامة .
لا
أريد الخوض
كثيراً في هذا
الموضوع (( فقد
اشتعل الراس
شيباً ))
وسيتهمنا
الشباب
بالتصابي ..
علينا منذ
الآن الخروج
من دائرة
الشعر
والمرأة
والحياة .. إن لم
نكن خارجين
بالفعل ، هل
أنت قادر على
ذلك .. ساعدني !!
14-
بدأنا نشهد –
ومن جديد –
كثرة الدعوات
التي تنادي
بأن لا وظيفة
للفن ، كيف
تنظر إلى
المسألة ؟
حتى لو
كان للفن
وظيفة فلا أحد
يكترث به
وعليك أن
تقارن بين رواد
المقهى ورواد
الأمسيات
الثقافية
والفنية ، فكيف
يمكن لك
بالشعر – وهو
سلاح هزيل – أن
ترفع الناس من
الحضيض
والضحالة إلى
السمو في دنيا
الفن .
ثم ما
أكره هذه
الوظيفة التي
كانت تفرض
فرضاً على
الفنان الذي
يضطر لصياغة
شعارات تصلح
صباحاً
وتنتهي مساءً
.. لنقرأ معاً
قول منيف في
أحد حواراته :
(( أحب
أشياء كثيرة
لا يحبها
الثوريون .. أو
يتظاهرون
أنهم لا
يحبونها ،
أحببت
القراءة
لدرجة الإدمان
أحببت
الموسيقا
لدرجة إفساد
الآخرين ،
أحببت المسرح
لدرجة أفضله
على الاجتماع الحزبي
، أحببت
الوردة
والورقة
الخضراء
والشكل الجميل
، وهكذا وجدت
نفسي ومنذ وقت
مبكر متورطاً
في أشياء لا
يحبها
الثوريون )) ثم
يذكر هذه الحكاية
:
لينين
ذهب إلى كولن
في ألمانيا لا
ليدرس وضع الطبقة
العاملة هناك
وإنما ذهب
لرؤية الكاتدرائية
وهي إحدى
إنجازات الفن
العماري ليتأكد
من قدرة البشر
وعبقريتهم
على المعجزات
.
وهكذا
توصل إلى
معادلات من
نوع معين :
أدوات التعبير
بما فيها الفن
يمكن أن يقدم
لنا زاداً وإضافات
لا نجدها في
مكان آخر أو
تقدم لشكل آخر
.
للفن
إذاً وظيفة
فكرية
وجمالية
وإنسانية بالشكل
الذي طرحه
منيف ولكن هنا
وهناك شوهوا
الفن وجعلوه
وسيلة رخيصة في
خدمة شعارات
عظيمة .. والآن
بقي الفن ..
وماتت الشعارات
.
(( الفن
أعظم فرح
يمنحه
الإنسان
لنفسه )) ...
في
الوقت نفسه
أضيف إلى ما
سبق كلاماً
معبراً وحزيناً
للشاعر
الشقيق نزيه أبو
عفش ، يقول : ما
حاجتنا إلى
هذه الأطنان
الحزينة من
الأوراق
والحبر
والصلوات
والمراثي ،
إذا كان كل ما
نفعله – داخل
هذا الجحيم –
ليس أكثر من
مروحة في
تابوت ... لا
تحرك غير الهواء
الفاسد ، ثم
يضيف : لقد
تحولنا – نحن
الشعراء – إلى
قطيع من
اليائسين
والشهود
العزل على
خراب الحياة ،
تحولنا
جميعاً من
كهنة أمل إلى
مؤرخي ظلام
ويأس وموت ...
إلخ .
وأنا
أقول لك : على
الرغم من
خبرتي
الطويلة فإنني
عاجز عن إدارة
عائلتي وطلاب
صفي فكيف تريدني
إدارة العالم
المكتظ
بالأخطاء
والخطايا
بلمسة سحرية
وكلمة شعرية
فثمة شعوب لا
تهتم بالشعر
كما يقول
أدونيس :
(( نحن
في عهد ينذر
فيه الإنسان
حياته لهدف
واحد : الكفاح
من أجل أن
يحصل على منفى
)) .
سبع
سنوات وأنا
أحاول تحويل
منـزلي
الطيني إلى
منـزل إسمنتي
فأعجز .. فهل
يمكن لشعري أن
يروض وحوش
العالم ، ومع
ذلك سأعتصم
بحبل القصيدة
وأدافع عنها
كما دافع
أصحاب اللحى
عن لحاهم حتى
الرمق الأخير
في إحدى قصص
زكريا تامر .
كان
قيصر في ((
يوليوس قيصر ))
يفضل أن يكون
حوله رجال
بدينون
ومرحون لا
يفكرون
بالسياسة ،
أنا واحد منهم
الآن .
15- أما
زلت تراهن أن
المستقبل
الشعري هو
القصيدة
التفعيلة ؟
من قال
لك إني متعصب
للتفعيلة ؟
يكفي أن يعرف هناك
شعر وكفى ..
لأنني أؤمن أن
لا سقف للفن
والشعر ، فضاؤه
الرحب ، ولا
يمكن لأحد أن
يقف حجر عثرة
في طريق النهر
الذي يحفر
مجراه باناة
وتؤدة ، هناك
نماذج رديئة
جداً من شعر
التفعيلة
وهذا يعني أن
بحور الخليل
ليست كافية
وحدها لنسج
دنيا القصيدة
، أليس هناك فرق
بين خياط وآخر
وخباز وآخر
ومدرس وآخر ..
هكذا ثمة فرق
بين شاعر وآخر
.. فالشعر
بجميع مذاهبه
ومدارسه فيه
الرديء
والجيد وليس
عبثاًَ ما
قاله البحتري
: جيد أبي تمام
أفضل من جيدي
، ورديئي أفضل
من رديئه ..
إذاً حتى عند
الشاعر
الواحد هناك
شعر ولا شعر ..
بدءا بالسياب
.. وحتى كرم اليوسف
ابنك.
إن
النقاش حول
أولوية الأشكال
الشعرية عبث
لا طائل وراءه
فالحياة
قائمة على
الاختلاف ولا
يمكن أن تفرض
أذواقنا على
الآخرين ، ما
ذنبي إذا كنت
لا أتحمل شعر ((
بول شاوول ))
مثلاً وما
أكثر شعراء التفعيلة
التي لا أطيق
حتى قراءة
عناوين قصائدهم
.. كيف أفسر لك
الأمر .. لا
أدري لقد
أصابني دوار
الشعر .. دعنا
من الشعر الآن
تعال نثرثر ..
نصرخ نجر ذيول
الخيبة .. نلوك
الهواء .. نفضم
السراب .. تعال
إلى الشارع
القريب من
جامع (( قاسمو ))
نتفرج على
باعة البندورة
والبصل .. عسى
كل ذلك ينسينا
مما نحن فيه
من شعر يهدّ
الروح .
16- ولكن
ثمة نماذج
عالية جداً من
قصيدة النثر جديرة
بأن نتوقف
عندها طويلاً
.
هذه
النماذج
العالية على الرأس
و العين ، لكن
هذا
الاستثناء لا
يلغي القاعدة
وهي أن هناك
نماذج رديئة
مسيطرة على
الساحة
الثقافية في
المجلات
والجرائد
والدواوين هل
من المعقول أن
يكون كل هذا
الكم
المتراكم
شعراً جميلاً
.. ثمة جمل ومقاطع
جميلة ولكن
معظم ما أقرأ
لا أستطيع قراءته
ثانية .. بينما
لا أمل من
قراءة قصيدة
الوقت لأدونيس
مثلاً
والقلعة لأبي
عفش ومعظم
قصائد درويش ،
أسمع ما يقوله
أدونيس :
(( أقول
عن كتابة إنها
شعر إذا كان
ما قالته لا
يقال بأية
طريقة أخرى )) .
أنا
مثلاً معجب
بروايات جبرا
إبراهيم جبرا
ومقالاته ،
لكنني أنفر من
شعره النثري ..
لماذا ؟
لأن
الاسم ليس
مهماً عندي ما
يهمني هو النص
الذي أمامي ..
هل فيه رائحة
الشعب والمطر
والتراب ؟ هل
فيه نكهة
التوابل
وحفيف
الأغصان
ورفيف الحلم ..
هل فيه شعر ..
إذا يتعايش
قصيدة النثر
وقصيدة
التفعيلة
تعايشاً
سلمياً دونما
حروب .. فلكل
جمهوره
ومشجعوه .. على
الرغم من
انقراض جمهور
الشعر عامة
لصالح قضايا أخرى
.. فرواد مقهى
في عامودا
أكثر من رواد
الأمسيات
الشعرية (( ما
رأيك أن نصبح
أنا وأنت من
رواد الفضاء ؟
)) .
17- يرى
بعضهم أنك في
بعض قراءاتك
قد مارست عنفاً
نقدياً .. الآن
وبعد مضي أكثر
من عقد على
تلك القراءات
الصاخبة ،
ماذا تقول ؟
أجل
كنت أصب جام
غضبي على تلك
القصص
والقصائد التي
لا تنتمي إلى
عالم الفن
والموهبة ..
وقد فتحت
الصحافة
أبوابها لي
وشجعتني على
المضي قدماً
في هذا السبيل
، ثم احتج الضحايا
على سلاطة
نقدي مما أدى
إلى توقفه ..
لقد كان نقداً
جارحاً وكان
الكثير منه
منصباً على
شعراء التفعيلة
أنفسهم
وشعراء النثر
لم أفرق بين
أحد .. ثم تركت
الكتابة عن
الأعمال
الرديئة وصرت
أكتب عن
الأعمال الأدبية
الرفيعة ،
وهذا ولّد
عندي قناعة أن
ثمة سلطة ما
تحمي وتصون
بحرص ما لا
يمت إلى الفن
بصلة .
الآن ..
بين حين وآخر
بعد قراءاتي
لمجموعة من
الكتب أكتب عن
بعضها عرضاً
أو رأياً أو
نقداً أو
أنشره هنا
وهناك .. واضطر
أحياناً
لمجاملة
البعض ممن ما
يزال في أول
الطريق .
أجل ..
اضطر إلى
السكوت عن
العمل الرديء
فلقد كسبت ما
يكفي من
الأعداء
والآن جاء دور
البحث عن
الأصدقاء ..
وهذا يحتاج
إلى بعض
المجاملة وهاأنذا
أتدرب عليها
كنت مشاكساً ..
ثم تروضت شيئاً
فشيئاً حتى
صرت كنمر
زكريا تامر في
يومه العاشر .
هل
يؤلمك
اعترافي .. أنا
يؤلمني لو لم
أعترف !!
في
مسرحية
يوليوس قيصر
لشكسبير يقتل
الشاعر (( سنيا ))
على أيدي
الناس لرداءة
شعره .. لقد
كانت محاولاتي
النقدية
عاجزة عن وضع
حد لانتشار الشعر
الهالوكي
الذي يمتد على
عرض الساحة
وطولها .
18- مؤكد
أن هناك ما لم
اسأله – فماذا
تقول هنا ؟
جاء في
إحدى شهادات
نزيه أبو عفش
الحكاية
المؤثرة
التالية :
في
حكاية بليغة ..
موحية وأخاذة
يتحدث ((
بورفيس )) عن
حيوان غريب يدعى
سكونك (( Squonk ))
حيوان خجول ،
عاطفي ، حزين
وانطوائي ،
ولأنه خجول
وحزين فهو
يمضي حياته
كلها مختبئاً
تحت أغصان
الأشجار ، لا
يفعل شيئاً
غير أن يبكي
ويبكي .
وهكذا
يتمكن
الصيادون من
تعقب آثار
دموعه العطرة
تحت قمر الليل
، وعندما
يحاصرونه
وتغدو نجاته
مستحيلة
يواصل البكاء
حتى يذوب نفسه
إلى دموع .
لعلنا
نحن شعراء هذه
القارة
التعيسة (( Squonk))
العائلة
الإنسانية .
ماذا
أقول يا
إبراهيم في خضم
هذا الصخب
الكوني
المظلم ؟ وأنا
اشهد رايات
الشعر تنكسر
وهواء الحرية
يفسد حتى
القرف ..
المفكر زكي
نجيب محمود
بكى قبيل
وفاته وعندما
سئل لماذا ،
قال : لأن
الحياة في
بداية عهدي بالكتابة
، كانت أجمل
بعد تجربة
خمسين سنة معها
.. أين ذهبت
جهودي وجهود
غيري .
كم من
المفكرين
والشعراء
اغتيلوا وكم
من الأفواه
كمت .. في الربع
الأخير من
القرن
العشرين .
إن حجم
التخلف مريع
ولا يبشر بأي
أمل (( نحن لسنا
محكومين
بالأمل )) .
أين
أنت يا سعد
الله ونوس .. يا
محمد عمران ...
يا سعيد
حورانية ... يا
نزار قباني ...
يا بياتي ... يا
جواهري ... يا
حاوي .. أين
أنتم كلكم
أيها الشهداء
/ الأحياء ؟
كل
كتاباتكم
الباسلة لم
تمنع
الانهيار ..
انهيار القيم
العظمى التي
أرقتم في
سبيلها نور عيونكم
وقلوبكم .
وها
نحن أحفادكم
اليتامى نعيش
على أرصفة المنفى
.. منا من قضى
نحبه ومنا من
ينتظر .. نحن
تجتر خواء
الكلام ..
ونكتب قصائد
حزينة
لأمهاتنا
الصابرات ..
وحبيباتنا
المرسومات في
مرايا السراب
وأتون الغياب
.
أتابط
وجدي القديم
وأرفو
هواي المسجى
بخيط المكلْ
ثم
أدخل طقس
الجنون
أبلل
وجه الرحيل
بماء الأمل
أرتقي
شجر البحر ..
أقضم حلمي
وأهز
جذوع الجهاتِ
لأعلن
موتي ..
لا
مكان لقلبي
هنا
لا
مكان لقلبي
هناك
فلماذا
أسجل عنوان
قبري
وكل
مكان .. هلاك ؟!
سلم لي
على نزيه أبو
عفش ومحمد
الماغوط وعلي
الجندي .. وكل
المرضى
الآخرين
المصابين ..
بداء الشعر ..
بداء الحياة .
---------------------------------------------------------------------
اتصل بنا
لنشر نصك
هنا: info@amude.com
|
|
|