|
|
|
|
19.09.2004 - 10:04
|
[ قرأت هذه المادة 1294 مرة ]
[ طباعة ]
|
----------------------------------------------------------------------------------
سورية أصبحت من الأسواق العالمية المهمة لاستيراد السيارات الرديئة
الاقتصادية
لقد تخلت الحكومة منذ سنوات عن شأن النقل الداخلي وربما أنها اعتبرت ذلك في حينه ضمانا لحرية المواطن في أن ينتقل بالزمان والكيفية المناسبة, ولكن الحكومة لم تكلف نفسها عناء إعداد دفاتر شروط فنية وتقنية وحقوقية تمكن شركات مهمة أو مستثمرين قادرين من معالجة مسألة النقل الداخلي في العاصمة والمدن الكبرى وعلى كافة الخطوط والأحياء بشكل لائق يحفظ كرامة المواطن أولا ويحفظ وقت المواطن ثانيا ويحفظ سلامة البيئة ثالثا ويحفظ أموال المواطنين من الهدر في الاستثمار العشوائي بشراء الحافلات الصغيرة التي أصبحت عبئا على مالكيها نظرا لكثرتها وضعف مردودها, كما يحفظ شوارع المدن من هذا الازدحام الذي جعل مسألة دخول مراكز المدن الكبرى أمرا مرهقا ومملا وشاقا ومسببا للتوتر العصبي والنفسي.
لقد تخلت الحكومة عن كل ذلك حتى أصبح موضوع النقل الداخلي شأنا يخص المواطن وما على الحكومة إلا وضع شاخصات المرور وسن التشريعات الخاصة بالمخالفات المرورية وأصبح قطاع المرور يشكل مصدرا مهما من مصادر الدخل للخزينة العامة بدلا من أن يكون القطاع في خدمة المواطن.
ولايخفى على أحد أن وسطي الوقت الضائع من دوام العاملين سواء في الدولة أم لدى القطاع الخاص يقارب 15% من وقت العمل بسبب هذه العشوائية في النقل الداخلي.
واذا حاولنا أن نقارب هذه النسبة ماديا فإننا نتوصل الى انه يتم هدر عشرات المليارات من الليرات السورية سنويا ثمنا للوقت الضائع في الشوارع نتيجة الازدحام والعشوائية.
رب قائل يقول إن هذه الحال هي نفسها حال الدول المتقدمة وأن هذا المرض هو مرض العظماء ولكن ينبغي أن نعلم أن حكومات الدول المتقدمة لم تتخل إطلاقا عن مسألة النقل الداخلي, بل وضعت هذا الشأن في أولوية اهتماماتها حيث لم تترك للقطاع الخاص العمل بالعشوائية في هذا المجال بل وضعت دفاتر شروط لاستخدام هذا القطاع وخصخصته مما يضمن حقوق الدولة والمواطن والبيئة وحقوق السلامة العامة.
هذا من جهة, ومن جهة أخرى فقد قامت هذه الحكومات بتحسين البنية التحتية ورفع مستوى التنظيم العمراني وهندسة المدن والطرق بالشكل الذي يتماشى طردا مع ازدياد الحاجات.
أما لدينا فقد قامت الحكومة بالخطوة الصحيحة الأولى وهي إلغاء احتكار مؤسسة النقل الداخلي لهذا القطاع وهذا أمر جيد إذ لا يمكن للحكومة ولأي حكومة أخرى أن تنجح في مسألة من هذا النوع لها علاقة يومية مع المواطن ولها متطبات فنية واجرائية بالغة التشعب ومن الأجدر للدولة والمواطن ان يقوم القطاع الخاص الوطني بدوره في هذا المجال.
ولكن مع الأسف فإن الخطوات اللاحقة لم تتخذ بعد حيث كان من واجب الحكومة عند ذلك إعداد دفتر الشروط اللازمة لخصخصة هذا القطاع وكان على الحكومة أن تختار بعد الإعلان عن ذلك الشركات الأكفأ والعروض الأصلح من حيث عدد الباصات لكل خط وسعة الركاب لكل باص ووسائل السلامة والأمان ومقدار التلوث الناتج عن العوادم والى ما هنالك من مواصفات تضمن سلامة الإنسان والبيئة ووقت العمل كما تضمن حقوق الدولة.
كما كان ينبغي أن تقوم الحكومة بخطوات سريعة وجادة بتحسين البنية التحتية الطرقية إلا إن شيئا من هذا لم يحدث والذي حدث أن المواطنين تهافتوا على شراء الحافلات الصغيرة سعة 12 راكبا سواء بمفردهم أم بالمشاركة مع المواطنين الآخرين وذلك ضمن سباق لكسب الرزق ولقمة العيش.
وماهي إلا ثلاث سنوات حتى أصبحت سورية هي العلامة الفارقة لدى شركات السيارات العالمية وأصبحت من الأسواق المهمة عالميا لهذا المنتج الرديء كما كانت منذ عقود هي أكبر سوق في العالم لمنتج أكثر رداءة وهو سيارة البيك آب عندما لم يتم السماح باستيراد أي سيارة إلا سيارة البيك آب وعندها اضطر المحامي والطبيب واستاذ الجامعة والباحث ورجل الأعمال وغيرهم لاقتناء سيارة بيك آب انسجاما مع هذا القرار حتى إن بعض مصانع السيارات في العالم أدخلت تعديلات على سياراتها بشكل خاص من أجل السوق السورية كأن قاموا بنزع غطاء حجرة الحقائب لتسمى السيارة بعد ذلك سيارة بيك آب.
وهكذا أصبحت سورية متخمة بسيارات البيك آب إضافة الى حافلات الركوب الصغيرة وهي جميعها تؤدي الى قدر كبير من التلوث والازدحام إضافة الى أن هذه السيارات قد أفرغت السوق السورية من قوة شرائية مهمة نتيجة دفع مبالغ ضخمة من الدولارات لشراء هذه السيارات.
وكانت النتيجة الحالية أن المواطن يشكو من الازدحام ويشكو من الوضع غير اللائق من حيث مقاعد الحافلات وطريقة عملها ويشتكي أصحاب هذه الحافلات من ضعف المردود والخسارة نتيجة ازدياد عددها ونتيجة حمى المنافسة وتشتكي الدولة من عدم إمكانية ايجاد شوارع مناسبة لاستيعاب هذه الأعداد الهائلة من الحافلات ويشتكي الجميع من بيئة ملوثة الى أعلى درجات التلوث حتى إن منع استيراد هذه الحافلات لم يقدم حلا بل زاد من تعقيد المشكلة لأن ذلك أدى الى تدني الحالة الفنية للحافلات العاملة.
إن هذا التخلي من قبل الحكومة عن هذا القطاع قد تسبب دون شك بهدر مئات ملايين الدولارات عن طريق شراء آليات غير مناسبة وتسبب بهدر مليارات الليرات السورية بسبب الوقت الضائع في التنقلات وأدى الى إفراغ السوق من جزء مهم من القوة الشرائية لشريحة واسعة هي المواطنون المستثمرون في هذه الحافلات حيث إن هذه القوة الشرائية كانت لازمة تماما لاستكمال الدورة الاقتصادية الداخلية, كذلك تسبب هذا التخلي بتلوث هائل للبيئة وما نجم عنه من تكاليف باه-ظة في الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض الناجمة عن التلوث وغير ذلك الكثير.
وإن استمرار الحكومة في التخلي عن هذا الأمر سوف يزيد الأمر سوءا ولابد من انقاذ ما يمكن انقاذه إذ ينبغي التدخل بشكل عاجل للإعلان عن استثمار قطاع النقل الداخلي بشكل لائق ومناسب وبعيد عن الاجحاف بحق المواطن وبحق الوطن وبحق البيئة مع معالجة مصير هذه الحافلات, المعالجة التي لن تكون صعبة حيث يوجد الكثير من الحلول إما بتخصيصها لخطوط خارج المدن أو بشرائها من قبل الدولة أو شرائها من قبل المستثمر وفق اغراءات كأن يحق له مثلا استبدال حافلة كبيرة وبالمواصفات المناسبة بكل خمس حافلات صغيرة مثلا .
إن موضوع النقل الداخلي ليس موضوعا خدميا فحسب بل هو شأن خدمي واجتماعي واقتصادي وشأن يخص كرامة المواطن ويخص سمعة الوطن.
فلتكن دعوة لحسم هذا الأمر والارتقاء بهذا القطاع المهم.
|
|
|
|
|
|
|