www.amude.com
   كردي - عام - مستقل - www.amude.com   Kurdî Deutsch
 
06.05.2006 - 10:46 [ قرأت هذه المادة 1411 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

صفحات مشرقة من تاريخ الحركة الوطنية الكردية في سوريا (الموقف من الحزام العربي نموذجاً)

سردار بدرخان

يكثر الجدل والنقاش في أوساط الشباب الكردي هذه الأيام حول ماهية الدور الذي لعبته الحركة السياسية الكردية في حياة مجتمعنا الكردي، فيصفها البعض بالسلبية ويتنكر لدورها، بينما يصفها آخرون بالإيجابية، وقد يبالغون فيها أحياناً. ولكي تكون الأحكام دقيقة ومنصفة، لا بدّ من العودة إلى الوراء قليلاً، لدراسة أنشطة وفعاليات وأفكار هذه الحركة، للحصول على أدلة وقرائن في التقييم الموضوعي البعيد عن الانفعال والتشنج والأحكام المسبقة.

هذا من جهة، من جهة أخرى-ولشديد الأسف- تحاول بعض الأقلام العربية لاهثة أن تقوم بتشويه حقيقة أهداف الحركة السياسية للحركة ماضياً وحاضراً عبر الإدعاء بارتباطها بجهات خارجية للتشكيك بانتمائها الوطني السوري، وصولاً إلى الشطب النهائي على الوجود الكردي على هذه الرقعة من أرضه.

في هذا السياق، عدت إلى الأعداد القديمة من الجريدة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا(البارتي) قبل أن تتفرع عنه هذا الكم الهائل من الأحزاب- بصرف النظر عن الظروف والأجواء التي رافقت تلك الانقسامات- والتي تعمل الآن تحت مسميات مختلفة، لقراءة مواقفه من الأحداث الهامة في تلك المرحلة، والتي كان يأتي مشروعا الإحصاء والحزام في مقدمتها.

فبعد انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا(البارتي) عام 1970م وانبثاق القيادة المرحلية عنه، صدر العدد الأول من جريدة(دنكي كرد-صوت الأكراد)-لسان حال اللجنة المركزية للحزب بتاريخ أوائل تشرين الثاني 1970، حملت على صدر صفحتها الأولى الشعارات التالية:
يا جماهير شعبنا ناضلي من أجل:
- إزالة الاضطهاد القومي وإلغاء المشاريع العنصرية والقوانين الاستثنائية بحق الشعب الكردي.
- تأمين الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للشعب الكردي في سوريا.
- تمتين أواصر الأخوة التاريخية بين الشعبين العربي والكردي.
- إقامة جبهة وطنية تقدمية في البلاد.
لم يمض وقت طويل على انعقاد المؤتمر الوطني، حتى بدأت الأوساط الشوفينية في السلطة بمرحلة تنفيذ مشروع الحزام العربي العنصري في الجزيرة، ذلك المشروع سيء الصيت الذي طالما كانت السلطات الحاكمة في البلاد تتحدث عن تنفيذه. هنا، كان موقف الحزب حاسماً، واضحاً وجريئاً في العدد(15) من الجريدة المركزية الصادر بتاريخ أواخر تموز 1973، حيث جاء في المقال الافتتاحي المعنون بـ (الحزام يدخل مرحلة التنفيذ النهائية) ما يلي:

{ نشرت جريدة البعث في العدد 3170 الصادر يوم الأحد الموافق للثامن من الشهر الحالي نبأ تشكيل لجنة من بعض المسؤولين، ووضع تحت تصرفهم مبلغ عشرة ملايين ليرة سورية لبناء مسكن وقرى في محافظة الجزيرة وضمن منطقة الحزام(مزارع الدولة) لإسكان ممن ستغمر مياه سد الفرات أراضيهم وقراهم. وباتخاذ هذه الخطوة، يدخل مشروع الحزام مرحلة التنفيذ النهائية، حيث لم يبق منه سوى تهجير الفلاحين الأكراد من قراهم التي شيدوها بعرق جباههم، وعاشوا فيها منذ مئات السنين مطمئنين.
إن الأكراد لم يكونوا وخلال تاريخهم الطويل حجر عثرة في وجه أية هجرة جماعية كانت أم فردية حينما تكون حركة طوعية وعملية طبيعية لتفاعل السكان داخل القطر أياً كانت صفة القادمين وهوية المهاجرين. ولكن الإسكان الجماعي تمهيداً لهجرة جماعية قسراً ولدوافع عنصرية، لا يرفضه الأكراد فحسب، بل جاءت كافة الشرائع السماوية وميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان وجميع الدساتير الدولية تستنكر وتحرّم مشاريع التهجير والتشريد الجماعية القسرية، لأنها تتنافى وروح المنطق والعصر والكرامة الإنسانية وحقوق المواطنة، لأن التاريخ أثبت عفونة وفشل هذه المشاريع والأساليب، فأية فوائد اقتصادية سيجلبها مشروع يقضي بنقل آلاف العوائل من منطقة الغمر ومنحهم الأراضي والامتيازات في منطقة مأهولة سابقاً وتشريد فلاحيه الأصليين وتهجيرهم إلى جهة أخرى بعد أن ظلوا محرومين من حق الانتفاع بالأراضي المستولى عليها بموجب قانون الإصلاح الزراعي بعد تطبيق مشروع الحزام تحت ستار إنشاء مزارع الدولة؟!....فأي منطق إنساني أو اشتراكي يقبل بتفضيل فلاح على آخر بسبب العرق أو اللغة أو الدين دون اعتبار الكفاءة؟... إن مشروع السد الذي سيروي أكثر من 600 ألف هكتار في مراحله النهائية يحتاج إلى عشرات الألوف من العائلات لاستثمار هذا المشروع الحيوي بشكل يحقق المصلحة والغاية المتوخاة من هذا السد العظيم.
فمشروع الإسكان هذا والتهجير الذي سيليه عدا عن خلوه من أية مصلحة اقتصادية، لن يجلب على المنطقة وسكانها بكافة فئاته بشكل عام، والطبقة الفلاحية على وجه الخصوص سوى الخسائر المادية الجسيمة ويثير الأحقاد و النعرات العنصرية بين الطبقات الكادحة بسبب التمييز المقصود بينهم، فهم أحوج إلى التكاتف والتعاون منها إلى الفرقة والتنافر. إن الأكراد الذين عاشوا مع أشقائهم العرب منذ مئات السنين ولم يبخلوا يوماً بتقديم كل غال ونفيس للدفاع عن تراب هذا الوطن ضد كل مغامر طامع أو معتدي أثيم في التاريخين القديم والحديث، بدءاً بالعهد الإسلامي ومروراً بصلاح الدين وثورات الاستقلال وحروب فلسطين المستمرة، يرفضون اليوم بكبرياء أن يُنظر إليهم نظرة المشكوك في وطنيتهم ووفائهم لهذا البلد إنْ كان القصد من هذا المشروع سد الثغرات بوجه الطامعين بثروات هذا القطر، فقد أثبتوا خلال تاريخهم ونضالهم المشترك مع الشعب العربي أنهم ليسوا أقلّ جدارة من غيرهم لتحمل هذه المسؤوليات. إن الأكراد وحزبهم الديمقراطي الكردي(البارتي) يناشدون كافة الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية ويخصون منها حزب البعث العربي الاشتراكي وقائد مسيرته الفريق الأسد للعدول عن هذا المشروع العنصري البعيد عن روح العصر والنزعة الإنسانية والنهج الإشتراكي. إن الفلاحين الأكراد يناشدون أشقاءهم الفلاحين العرب ممن ستغمر مياهُ السد أراضيهم برفض الإسكان في قرى وبيوت إخوانهم الأكراد البؤساء ومطالبة المسؤولين بأراضي مشروع الرائد أو التعويض العادل، لأن السكن في أكواخ حقيرة مجبولة بالعرق والدموع لم ولن تجلب أي خير وسعادة. والجماهير الكردية....مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التكاتف ونسيان الخلافات ونبذ الأحقاد والالتفاف حول الحزب وقيادته وعدم المشاركة في بناء الدور وترميمها وعدم النزوح عن بيوتهم وقراهم تحت تأثير التهديد والوعيد أو بدافع الفقر والحاجة. وإننا إذ نهيب بالطبقة الكادحة عمالاً وفلاحين، عرباً وأكراداً وجميع القوى والأحزاب التقدمية لمشاركتنا والمساهمة معنا في أبعاد وخطورة هذا المشروع حاضراً ومستقبلاً على القطر من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، والوحدة الوطنية التي يجب أن تكون هدف الجميع في المرحلة الحساسة من تاريخ البلد لمواجهة التحديات المستمرة، ويحدونا الأمل بأن نضالنا المشترك سيحول دون تنفيذ هذا المشروع العنصري البغيض.}
بعيد صدور هذا العدد بأيام قليلة، وبالضبط في 1 آب 1973، شنّ جهاز أمن الدولة حملة اعتقال شاملة ضد قيادة الحزب، تلك التي لم ترضخ لإرهاب الدولة والقبول بتنفيذ مشروع الحزام العربي، فاعتقلت كلاً من ( دهام ميرو- سكرتير الحزب، كنعان عكيد-مكتب سياسي، نذير مصطفى مكتب سياسي، أمين شيخ عبدي-لجنة مركزية، محمد فخري، خالد مشايخ، عبدالله ملا علي)*.
------------------------------------------------------
* أخذت هذه الأسماء من مقابلة مع الأستاذ محمد نذير مصطفى سكرتير البارتي مع مجلة نوروز باللغة الكردية بتاريخ نيسان 2006م.
صدر العدد (16) من الجريدة المركزية للحزب بتاريخ أواخر آب 1973، حمل عدة عناوين رئيسية، منها، الأكراد والوحدة الوطنية، و بياناً بمناسبة حملة الاعتقالات التي تعرضت لها قيادة الحزب بعنوان: من وراء عمليات الإرهاب؟!! ومقالات أخرى.
جاء في البيان المعنون بـ(من وراء عمليات الإرهاب؟!) ما يلي:
{ فوجئ المواطنون في الجزيرة في مطلع شهر آب الجاري بحملة اعتقالات جرت بحق بعض قياديي حزبنا المناضل وبعض المواطنين الأكراد، لأول مرة في تاريخ القطر يرافق اعتقال أحد رفاقنا قيام جلاوزة مخابرات أمن الدولة بإطلاق النار على المواطنين في قرية موزلان وإرهاب النساء والأطفال والشيوخ، مما أدّى إلى سقوط أحد المواطنين جريحاً, ولاذ جميع سكان القرية بالفرار هائمين على وجوههم في البراري. لقد سبق أن تعرض مناضلو حزبنا في ظل الحكومات الرجعية السابقة للاعتقال والإرهاب والتعذيب، ولكن لم يفت ذلك في عضيد جماهير حزبنا ولم يؤثر على نضالها الدؤوب في سبيل رفع نير الاضطهاد عن كاهل شعبنا الكردي ونيل حقوقه الديمقراطية المشروعة. ويبدو أن بعض التيارات الرجعية والشوفينية في القطر كانت تعدّ العدة لهذه الاعتقالات منذ الإعلان عن النية بوضع مشروع الحزام العنصري موضع التنفيذ، هذا المشروع الذي أجمعت كل القوى والفئات الوطنية والتقدمية العربية في القطر السوري والخارج على إدانته وشجبه، ومن البديهي أن يقف حزبنا الطليعي بوضوح وثبات في وجه هذا المشروع العنصري باذلاً كل جهده في فضحه وإظهار حقيقته العنصرية المقيتة.
لقد قام حزبنا أصلاً من أجل الدفاع عن حق الأكراد الطبيعي والإنساني في العيش بأمان وإخاء ومساواة مع شقيقه الشعب العربي في سوريا، ولقد نادى حزبنا دوماً بتعزيز الوحدة الوطنية في القطر، ومدّ يده بإخلاص في كل مناسبة للتعاون في سبيل وحدة وازدهار وتقدم البلاد... ومن المؤسف أن يلاقي هذه المعاملة من كان موقفه كموقف حزبنا. إننا نعتقد بيقين وثبات أن عمليات الاعتقال والاضطهاد الجاريين بحق مناضلي حزبنا لا تخدم مطلقاً المصالح الحقيقية للشعب العربي في القطر السوري ولا الأسس التقدمية الطامح إليها نظام الحكم الحالي، بل لنا الثقة أن فتح باب الإرهاب على مصراعيه من جديد بحق الأكراد ليس حتى موصياً من القيادات العليا للبلاد وعلى رأسها قائد الحركة التصحيحية ، لأن ما يجري الآن في الجزيرة بالنسبة للأكراد، مخالف ومعادٍ لكل المبادئ التي أعلنها قائد المسيرة نفسه وقامت على أساسها الجبهة الوطنية التقدمية. إننا نعتقد أن الهجوم المسلح الذي قام به جهاز مخابرات الدولة على قرية موزلان وإشاعة الإرهاب فيها حتى الآن وفي بقية القرى التي يقطنها الأكراد غير معني فيه المواطنون الأكراد فقط، بل أن ذلك موجهة إلى السياسة العليا للبلاد ونهجها التقدمي، إن إطلاق النار على المواطنين الأكراد من قبل هذا الجهاز لا يقصد به الأكراد فقط، إنما هذا الرصاص موجه إلى دستور البلاد ومؤسساتها التقدمية والديمقراطية. إننا نؤمن المأساة التي تحل بالأكراد نتيجة تطبيق مشروع الحزام وكافة أوجه التميز العنصري القائمة هي بمجملها قضية وطنية قبل كل شيء، ومن المفروض أن تلقى اهتماماً عاماً وجدياً من كل الفئات الوطنية والتقدمية. إننا نضع قوى الجبهة الوطنية التقدمية وكافة الفئات والعناصر الشريفة في القطر أمام مسؤولياتها المبدئية ونطالبها بالعمل على إطلاق سراح المعتقلين من قياديي حزبنا والأكراد الآخرين، ووضع حد لسياسة الإرهاب والتمييز الجاريين بحق الجماهير الكردية في سوريا. وكلنا أمل أن بياننا هذا سيلقى آذاناً صاغية من جميع القوى والفئات الوطنية والتقدمية لتعزز حتى الأبد الأخوة العربية الكردية على أساس متين من الوحدة الوطنية. ولتتضافر كافة القوى الوطنية والتقدمية في طريق معاداة الاستعمار والصهيونية.}.
ولما تستجب السلطات المسؤولة لكل هذه النداءات والصراخ بشأن العدول عن تنفيذ مشروعها العنصري الذي خططت له منذ فترة بعيدة وصرفت الأموال الطائلة لتنفيذه، توجهت قيادة الحزب بإرسال رسالة مفتوحة إلى القمة العربية التي صادف انعقادها مع تنفيذ مشروع الحزام، ونشرت نص الرسالة في العدد (17) من الجريدة المركزية أيلول 1973، جاء فيها:
{ رسالة مفتوحة إلى ملوك ورؤساء وأمراء العرب..
أصحاب الجلالة والسيادة والسمو، تحية وبعد:
في الجمهورية العربية السورية، وفي الأجزاء الشمالية منها يعيش الأكراد منذ مئات السنين مع إخوانهم العرب حياة يسودها الود والإخاء، ويكتنفها التضامن في قضايا الوطن والمنطقة، بدءاً بالحروب الصليبية وبطولات صلاح الدين الأيوبي منها، ومروراً بمعارك الاستقلال وطرد الاستعمار الفرنسي ومآثر إبراهيم هنانو، وإلى يومنا هذا في ساحة فلسطين الني يخوضها الأكراد جنباً إلى جنب مع إخوانهم العرب بكل صبر وجلد وإنكار للذات. هذا الشعب تعرّض منذ أيام الاستقلال حتى اليوم إلى شتى أنواع الأساليب التي تستهدف تصفيته كعنصر متميز عن العنصر العربي، وذلك باختلاق شتى الحجج والذرائع. وقد برزت نتيجة ذلك مشاريع عملية لتصفية الأكراد في القطر العربي السوري، فضرب الحظر على توظيفهم وخاصة في السلك العسكري، وحجب عنهم الترخيص لبناء البيوت أو ترميمها، أو لافتتاح الحوانيت والمتاجر، إلا أن الذي يلفت النظر من هذه المشاريع مشروعان خطيران هما قانون الإحصاء ومشروع الحزام المسمى بـ (الحزام العربي). إن قانون الإحصاء قد نصّ على إجراء إحصاء عام لسكان محافظة الجزيرة، فجرّد بموجبه ما ينوف عن مئة ألف مواطن كردي من الجنسية العربية السورية، وأما مشروع الحزام، وهو الذي نتوجه لمقامكم بهذه الرسالة بخصوصه، فإنه يستهدف إيجاد شريط من الأرض على الحدود السورية-التركية في منطقة الجزيرة بطول 345كم ويتراوح عمقه بين 10-15 كم، ويستبدل سكانه الأكراد بقبائل عربية تجلب إليه من منطقة أخرى من القطر، وقد نفذت الحكومة السورية المرحلة الأولى منه، فقامت بالاستيلاء على أراضي المنطقة تطبيقاً لمشروع الحزام، وسمته فيما بعد بمزارع الدولة دون أي تعويض أو تأمين الأرض في المناطق الأخرى إلا لنفرٍ قليل رفضوا الانتقال، لأن الدولة لم تقدم لهم أدنى الضمانات للعيش في الأرض الجديدة. والآن، تبدأ الخطوة التالية من المشروع بالتنفيذ، فقد تقرر استقدام عشائر عربية من المنطقة التي ستغمرها المياه المحجوبة بسد الفرات إلى منطقة الحزام وإسكانها فيها، وخصصت الدولة عشرة ملايين ليرة سورية لبناء القرى النموذجية لهم في المنطقة المسمى بمزارع الدولة.
لقد أوردت جريدة البعث وبقية صحف القطر بتاريخ 8/7/1973 نبا نقل المواطنين من منطقة الغمر إلى مزارع الدولة في الجزيرة(منطقة الحزام) وكأنه مشروع إنساني تستهدف تدارك معيشة من غمرت المياه قراهم للصالح العام وكخطوات متممة لمشروع سد الفرات وذلك للتضحية بأراضي مزارعها وتقديمها للمواطنين الذين ضحوا بأراضيهم في سبيل إنجاز السد.
يا أصحاب الجلالة والسيادة والسمو:
إن نظرة بسيطة إلى خفايا الموضوع، توضح الأمور التالية:
إن إنشاء مزارع الدولة بالاستيلاء على الأراضي التي كان يستثمرها صغار الفلاحين في منطقة الحزام دون أي تعويض، لا يمكن بأي حال من الأحوال تسمية هذا المشروع بأنه مشروع اشتراكي تقتضي السياسة الاشتراكية في البلاد تطبيقه. إن نقل العشائر العربية من منطقة الغمر إلى منطقة الحزام لا يعني أبداً أنه خطوة لا بدّ منها لإنقاذ مصير هذه العشائر، فإن الأراضي التي سترويها مياه السد تحتاج إلى عشرات الألوف من الأيدي العاملة، وهذه العشائر أحقُّ من غيرها باستثمارها، ذلك يبدو واضحاً من إفصاح هذه العشائر عن رغبتها في عدم الانتقال إلا إلى أراضي السد ذاتها.

إن الأكراد في المنطقة مصرّون على عدم الهجرة من أراضيهم ولو بقوا دون أرض، فإذا ما تصورنا عشائر عربية تقيم في المنطقة تملك الأراضي الخصبة التي كان الأكراد يملكونها وسقوها بدمائهم وعرقهم منذ مئات السنين، لتمكننا من تصور التناقض الاجتماعي الذي سيخيم على المنطقة، والذي سيتطور حتماً إلى صراع عنصري لا يستفيد منه سوى العدو المشترك للشعبين الشقيقين العربي والكردي.
إن الدافع لمثل هذا العمل لا يفسر إلا بعدم الثقة بالأكراد دون أي تفريق بين مالكيهم وفلاحيهم ومثقفيهم، وإن أي عربي خيرٌ منهم مهما كان سلوكه!!. فبالله أي مطعن يمكن أي يوجه إلى مواطن شريف أفدح وأقذع من طعنه في وطنيته وحرصه على كل ذرة من تراب وطنه؟!. إن الأكراد بحكم كونهم مواطنين مسلمين في الجمهورية العربية السورية لم ولن يكونوا في يوم من الأيام مطية للأجنبي، وهم مصرّون بالرغم من كل المظالم على التضحية في سبيل كل شبر من أرض الوطن، لا فارق لديه في هذا المجال بين الجزيرة والقنيطرة، وحتى الجزيرة وسيناء أو الضفة الغربية.
أيها القادة العظام:
إننا باسم أواصر الدين والتاريخ المشترك التي ربطت ولا تزال تربط بين العرب والأكراد، باسم الدماء التي بذلت سخية من الأكراد في سبيل قضايا المنطقة المصيرية، باسم الأطفال والشيوخ والنساء الجياع في منطقة الحزام العنصري، وباسم الإنسانية نناشد وجدانكم الطاهر وضمائركم الحية أن تتدخّلوا لدى رئيس جمهوريتنا الفريق حافظ السد بأن يعدل عن تنفيذ هذا المشروع. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.}.
وفي مقالة أخرى بالعدد (17) السالف الذكر بعنوان:
(هل من الحق والإنصاف أن يعامل الأصدقاء معاملة الأعداء؟!) ورد ما يلي:
{ إن الاعتقالات التي جرت بحق بعض قادة حزبنا وملاحقة البعض الآخر بدون مبرر وزجهم في أقبية سجن الشيخ حسن الانفرادية وتعذيبهم بقساوة واتهامهم بشتى التهم الغير مسندة على الحقيقة، بالإضافة إلى اعتقال الناس البسطاء والتقاطهم من الشوارع وتعذيبهم واستجوابهم إلى غير ذلك مما شمل ما لا يقل عن مئة شخص بالإضافة إلى خرق رجال الأمن حرمة البيوت، كل هذا يجعلنا نتشكك في احترام رجال الأمن للدستور وقدسيته، كما أن تغذية الروح العشائرية البالية من قبل السلطات المحلية في المنطقة قد أصبحت واضحة، فجميع بعض الذين يعتبرون أنفسهم رؤساء العشائر من الذين كانت الأنظمة الرجعية السابقة تعترف بهم وإعطائهم التوجيهات ضد حزبنا وقطع الوعود لهم بما يرضي نزواتهم التي لم تعد تلائم روح العصر ولا تتفق بشكل من الأشكال مع الاشتراكية، وأخذ التواقيع منهم بموافقتهم على تطبيق الحزام وإرسالها إلى السلطات العليا بدمشق خير دليل على ذلك، فهل يتمثل الرأي العام الشعبي في الجزيرة بهؤلاء أم على الأحزاب الجماهيرية الوطنية؟!. ويظهر أن السلطة غير قانعة بوجهة نظر تلك الأحزاب بما فيها أحزاب الجبهة، حيث أنها غير مقتنعة بتطبيق المشروع بالشكل المطروح، ولذلك ارتأت السلطة الاعتماد على العشائر بدل الأحزاب الجماهيرية. إن حزبنا كفصيلة تقدمية في هذا البلد، له الحق أن يبدي رأيه في السلبيات التي تظهر بين آونة وأخرى في هذه المشكلة أو تلك، وإننا عندما نبدي رأينا بالقوانين الاستثنائية المطبقة بحق الجماهير الكردية في الجزيرة، هذه القوانين الموروثة من الحكومات العنصرية السابقة، نطالب بالتخلي عن تطبيق تلك القوانين الجائرة ومماشاة روح العدالة بوضع حلول جذرية للمشاكل الناجمة عن الإجراءات التعسفية حتى ترسيخ الوحدة الوطنية حسب مفهوم الحركة التصحيحية، ولكن الذي اصطدمنا به وما لاقته الجماهير الكردية لم يكن متوقعاً من السلطة. فهل من الحق والعدل أن يبقى الوضع كما هو عليه؟ وبالأحرى أن تزداد سوءاً، وهل تخدم هذه الإجراءات الجديدة الحركة التصحيحية؟ . بالتأكيد لا. فإن الجنسية حق أساسي لكل المواطنين لا يجوز مسّه حسب شرعة حقوق الإنسان، كما أن توزيع الأراضي على جميع الفلاحين وعدالة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي حسب مبدأ(الأرض لمن يعمل بها) من ألف باء الاشتراكية التي يطمح إليها الحكم، كما أن الاعتقالات ليست حلاً للمشاكل التي تواجهها المنطقة ، وإنما يجب إشغال العقل والمنطق بدل القوة والتعسف لتوحيد جهودنا وتقوية جبهتنا الداخلية الكفيلة بصدّ هجمات العدو الغاشم وتحرير أراضينا المغتصبة، وإن المستقبل كفيل بإثبات صحة آرائنا وطرحنا للمواضيع التي تتطلّب حلولاً عادلة.}.
صدر العدد (19) من الجريدة المركزية-دنكي كرد- بتاريخ أواخر كانون الأول1973، يحمل في طياته العديد من المقالات، منها مقالة رئيسية بعنوان:(ذكرى إعلان حقوق الإنسان) جاء فيها:
{....فمما يؤسف له، ويحزّ في النفوس، وجود مئة ألف كردي مجردين من الجنسية بعد تطبيق قانون الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في عام 1962 وحرمان 25 ألف عائلة فلاحية كردية من حق الانتفاع بالأراضي التي عملوا بها منذ مئات السنين بعد تنفيذ مشروع الحزام العربي_مزارع الدولة- وتقوم السلطة اليوم بنقل سكان منطقة الغمر إلى تلك المنطقة وتوزع عليهم الأراضي مع حرمان فلاحي تلك القرى منها.
إن هذه الإجراءات التي تستهدف الأكراد، تتنافى ونصوص حقوق الإنسان من جهة، وتتناقض تناقضاً فاضحاً مع سياسة القطر ومواقف وتصريحات المسؤولين فيه على المستوى الدولي. فحق المواطنة والانتفاع بموجب القوانين المرعية وعدم التمييز بين المواطنين في مجال التطبيق، والمساواة التامة بينهم في الحقوق والواجبات هي من أبسط الحقوق التي نادت بها البشرية وناضلت في سبيلها وصاغته في هذا الإعلان التاريخي الذي بات أحد سمات عالمنا المتحضر. وشعبنا الكردي إذ يشارك شعوب الأرض قاطبة بالاحتفال بهذا اليوم المجيد ويحيي كافة الحركات التحررية العربية والعالمية، ويأمل لها المزيد من الانتصارات والنجاحات، يطالب المسؤولين في القطر بوضع حد لهذه السياسة ولتلك الإجراءات الاستثنائية الشاذة التي لن تجلب سوى الفرقة والبغضاء بين أبناء الشعب الواحد والطبقة الفلاحية الواحدة، كما يطالب بالإفراج عن قادة الحزب الديمقراطي الكردي المعتقلين منذ خمسة أشهر تمشياً وانسجاماً مع نص وروح هذا الإعلان}.
وجاء في العدد(19) المذكور أعلاه أيضاً وتحت عنوان(مشاكل المواطنين) نشرعريضة تقدم بها وفد من الفلاحين الأكراد بالجزيرة إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والقيادة القطرية ووزير الإصلاح الزراعي والاتحاد العام للفلاحين، بعد عدم مقابلتهم من قبل مسؤولي الدولة لشرح معاناتهم المريرة نتيجة تطبيق مشروعي الحزام والإحصاء العنصريين.
كما جاء في العدد بيان بعنوان(أهلاً بك يا أخي الفلاح العربي الوافد) بخصوص مشروع الحزام الذي ترك ظلالاً سوداء على مجمل حياة الأكراد، حيث جاء البيان نقدياً تهكمياً، ورد فيه:
{ أنا الفلاح الكردي، يسرّني أن أستقبلك بأرضي أيها الأخ الفلاح العربي، فبالأمس كنت بجانب السد العظيم، واليوم أنت زائرنا قسراً مضطهداً محروماً من خيرات السد ونعيمه، جلبوك لأرض قاحلة تعتمد على الأمطار ولترى حال أخيك المنتفع، مع أنني لست منتفعاً، ومجرداً من جنسيتي السورية منذ عام 1962 عندما أقدمت عليه حكومة الانفصال الرجعية وما زالت حكومة الثورة مصممة عليها.
لا يوجد عندي ما أقوم بواجبي كمستقبلٍ لك، لأنني غير منتفع بقانون الإصلاح الزراعي، وبالرغم من اضطهادك ونقلك، لكنك ستصبح قريباً، وقريباً جداً برجوازياً بالنسبة لي، لأن لا حول ولا قوة لي سوى عطف الحكام، ورغم ذلك، فأنت مضطهد مثلي، لأنك محروم أيضاً من خيرات ونعيم منطقتك، منطقة السد العظيم، فسمحاً منك لأنني أنا الذي جلبت لك البلاء، لا لشيء، إلا لأنني خلقت كردياً!!فحرمتني حكومة الانفصال ثم الثورة ومن ثم حركة شباط وأخيراً الحركة التصحيحية، ويتهمونني باللاوطنية وعدم الإخلاص. وقد صدق العظماء من قبلنا عندما قالوا:(إن شعباً يضطهد شعباً آخر ليس بشعب حر)، لذا، أعانقك معانقة الأخوة، لأن الشوفينيين والعنصريين (.....) لأنه لنا عدواً مشتركاً ألا وهو الصهيونية والامبريالية، لأنهم شردوا أخوة لنا من كل وطنهم واغتصبوا أرضنا...ومهما يكن، فالعدو عدو والأخ أخ رغم كبريائه، وأن إرادة الشعوب هي المنتصرة.} .
ونظراً لعدم اكتراث حزب البعث لكل النداءات الصادرة عن الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا(البارتي) بالعدول عن تطبيق مشروع الحزام، والإصرار على إبقاء قيادة الحزب في السجن رهن الاعتقال التعسفي المنافي لكل القوانين والمواثيق الدولية وحتى لدستور البلاد، فقد احتدت لهجة خطاب البارتي المنددة بتلك السياسات الشعواء اللاإنسانية تجاه الشعب الكردي وقضيته العادلة. فقد صدر العدد(20) من الجريدة المركزية بتاريخ أوائل آذار 1974، وعلى صدر صفحتها الأولى نشر مقال بعنوان: (البعث بين الاشتراكية والعنصرية!) جاء فيه:
{ إن حزب البعث ينادي بالاشتراكية منذ تأسيه، ومنذ عام 1963 استلم البعث لحكم في سوريا، أي منذ أحد عشر عاماً، وبيد كل إمكانيات البلد ولكن دون أن يصل حتى ألف باء الاشتراكية . ففي شباط 1966 حدث انقلاب من قبل بعض العسكريين الحزبيين ضد القيادة اليمينية وأزاحها عن الحكم واستلمت أمور البلد القيادة الجديدة، والتي أطلقت على نفسها (القيادة اليسارية) وكالت شتى التهم لقيادتها السابقة...إلخ، وانتظرت جماهير الشعب من القيادة الجديدة أن تقدم أشياء عملية ملموسة لها، ولكن بعد مرور فترة قصيرة ، إذا بها تنفرد بالسلطة وتخنق الحريات بحجة وجود تآمر على الحزب وعلى النظام الاشتراكي وبالتالي على الوطن إلخ...وتحت هذا الستار زجت بمئات المواطنين في المعتقلات والسجون ولاحقت الآخرين و...إلخ. ولقد لقي الأكراد -كغيرهم من المواطنين- السجون والملاحقات وحجز الحرية، بالإضافة إلى أنهم بقوا محرومين من جنسيتهم السورية(ذلك الحرمان الذي يعتبر بدعة العهد الانفصالي الرجعي)، كما حرموا من الاستفادة من قانون الإصلاح الزراعي ودخل تطبيق المرحلة الأولى من الحزام حيز التنفيذ عندما استولى اليسار البعثي على أراضي الحزام وحرم أهل المنطقة الأكراد من الانتفاع وأسست مزارع سميت فيما بعد بمزارع الدولة، فإذا باليسار البعثي ما زال يحتفظ بالعقلية اليمينية الشوفينية كسابقه البعث اليميني، أي أنها يسارية التفكير ولكنها تريد تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها حركة شباط، وانتعش المواطنون وهللوا لها وكبّروا. والشعب الكردي كشقيقه الشعب العربي في هذا القطر توقع أشياء من الضرورة حلها، كإعادة الجنسيات وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي على المواطنين الأكراد وتخلي البعث عن فكرة الحزام وإعطائهم بعض الحريات السياسية منها والثقافية، ولكن كل هذه التطلعات على الرغم من مرور أربع سنوات-أصبحت بخاراً، بل على العكس، أصبح الأكراد أمام تطبيق المرحلة الثانية من مشروع الحزام العنصري بإسكان أهالي منطقة سد الفرات في منطقة الحزام المأهولة بالسكان الغير مستفيدين من قانون الإصلاح الزراعي، ويلاقي الأكراد الصعوبات والعقبات التي رأوها في عهد العقلية اليمينية وحركة شباط، من سجن واعتقال وملاحقة العناصر الحزبية، ويمنع الأكراد من شراء الآلات الزراعية ودور السكن وبناء مساكن جديدة وترميم المساكن القديمة، كما أن الأكراد يعانون-من جراء حرمانهم من الجنسية- من معاملة قاسية في تزودهم بالمواد التموينية، كما يمنع دخول الطلبة الأكراد المدارس والجامعات لنفس السبب...إلخ. إننا نسأل المسؤولين كيف لنا أن نصدق ما ينادي به البعث من المساواة التامة بين كافة المواطنين دون تمييز في العنصر واللغة أو الدين..إلخ؟.وما هو الفرق بين البعث الحالي وبين البعث اليميني وحركة شباط؟ وأية أشياء صححها هذا العهد بالنسبة للأكراد؟!.. لا شيء مطلقاً مع فارق بسيط هو إجراء انتخابات شكلية ومزيفة في الجزيرة، سواء في انتخابات الإدارة المحلية أو في انتخابات مجلس الشعب، فالجنسيات بقيت كما كانت في العهود السابقة، والحزام ينفذ خطوة بعد أخرى، ومضايقة الأكراد من كافة النواحي السياسية والثقافية والاقتصادية سائرة. إن العقلية الشوفينية ما زالت مسيطرة على قسم كبير في جهاز الحكم والقيادة القطرية لحزب البعث، وما زالوا يؤمنون بعقلية اليمين البعثي، وهو صهر القوميات الغير عربية في بوتقة القومية العربية، وهم متخلفون عن قائد هذا البلد فكرياً وعملياً، فالرئيس الأسد كان قد كسر طوق تحكم الحزب الواحد والانفراد بالسلطة وطبق نوعاً من الديمقراطية وأطلق بعض الحريات رغم ما يلاقيه من صعوبات وعقبات كثيرة، ولكن الآن هل سيكون بإمكانه كسر طوق العقلية الشوفينية في الحزب والدولة تجاه الأكراد ومتى؟؟ ليكتمل في حزبه وحكومته كافة المعالم الإنسانية!!.}
وفي مقال آخر بنفس العدد حول الجبهة الوطنية التقدمية، ورد ما يلي:

[ ...ولم ير الشعب الكردي من هذه الأحزاب أن انتقدت حزب البعث أو حتى نبهته عن المخاطر والمساوئ الناجمة والتي ستنجم من جراء تطبيق الحزام وعن بقاء الإحصاء واستمرار القوانين الاستثنائية الأخرى بالرغم من عدم موافقة هذه الأحزاب على هذه الأعمال المخالفة لمبادئها، وكان الأكراد يتوقعون من تلك الأحزاب بأنها سوف لا تسكت على هذه المشاريع اللاإنسانية، ولكنها بكل أسف إلى الآن، نراها ساكتة !! حتى أنها لم تعبر عن احتجاجها أمام الرأي العام بأدبياتها على الأقل-على تطبيق هذه المشاريع العنصرية، فهل تخلت تلك الأحزاب عن مبادئها الأممية والاشتراكية والوطنية والتقدمية؟! أليس الأكراد مواطنين مدافعين حريصين على مصلحة القطر كغيرهم من المواطنين؟. في بلد في العالم توجد جبهة وطنية تقدمية ويوجد مواطنون من الدرجة الثانية في بلدهم؟ لماذا يحرم الأكراد من جنسيتهم؟ ولماذا تتحمل أحزاب الجبهة جرائم عهد الانفصال؟ أليس الفلاح فلاحاً عربياً كان أو كردياً؟ ولماذا لا تطالب هذه الأحزاب الحزب القائد بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي في الجزيرة وتوزيع الأراضي على أهالي المنطقة أنفسهم؟ بالرغم من يقيننا التام بأن هذه الأحزاب لا تتفق مع حزب البعث بنظرته الشوفينية والعنصرية تجاه الأكراد وتطبيق المشاريع العنصرية بحقهم، بأن تلك الأحزاب تريد تطبيق المساواة التامة بين كافة المواطنين دون تمييز في العنصر أو اللغة أو الدين، كما أننا نعتقد أنها إذا رفعت أصواتها ضد هذه المشاريع اللاإنسانية سيكون تأثيرها فعالاً، وستلاقي صدى واسعاً بين كافة الأوساط التقدمية والرأي العام الداخلي والخارجي، ولكن، لماذا لا تصرخ؟ . إن هذه المواقف آتية من خوفها من التصادم مع حزب البعث المتشبث بمواقفه الشوفينية وإصراره على صهر القوميات الأخرى بالقومية العربية، ولكن رغم هذا، فإن السكوت عن الأعمال اللاإنسانية جريمة مهما كانت المبررات والحجج. وإن هذه الأحزاب سوف تفقد مكانتها بين الجماهير عاجلاً أم آجلاً. وإذا كان كل موقف يتشبث به البعث توافق عليه الأطراف الأخرى في الجبهة، فماذا يكون معنى هذا الاشتراك؟! وإن الجبهة تذكرنا بأيام البرلمانات السورية عندما كان بعض النواب قد تعودت ألسنتهم على كلمة موافق. وفي الختام نسأل إخواننا في الجبهة: ماذا كان مصير أولئك النواب؟ وماذا سيكون مصير الجبهة؟!.].
صدر العدد(20) من الجريدة المركزية بتاريخ أوائل نيسان 1974 يحمل عناوين مختلفة، أبرزها المقال الافتتاحي بعنوان:(الجمود الفكري في البعث)، جاء فيه:

[ منذ الأربعينات، برز حزب البعث العربي الاشتراكي كحزب سياسي في المنطقة، وخاصة بعد استلامه مقاليد الحكم في سوريا. ونظرة فاحصة لماضيه وحاضره تدلنا على أنه حزب بطيء التطور فكرياً، فهو منذ تأسيسه يتسم بنظرة عنصرية شوفينية في قضايا الشعوب، وما زال يعمل لصهر القوميات غير العربية في بوتقة القومية العربية، وهو بعمله هذا يفرغ القومية العربية من محتواها الإنساني وتعايشها مع القوميات الأخرى...صحيح أن البعث ينادي بالاشتراكية، وكثيرون من التقدميين يهللون له، ولكن ما هذه الاشتراكية؟. أتوجد اشتراكية يضطهد في ظلها العمال والفلاحون من القوميات الأخرى؟ أم أن الاشتراكية للقوميات القوية وحدها وتحرم منها القوميات الضعيفة؟ وكثيراً ما نقرأ ونسمع من أجهزة إعلام البعث تأييده لهذه الثورة أو تلك في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإذا كان حقاً يؤيد الثورات وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فهذا متوقف بقدر تأييده لقومية غير عربية تعيش في منطقته. فلم نر يوماً أن البعث قد تكلم عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، ولا عن أخبار الثورة الكردية، بل يمنع كافة المطبوعات التي تنشر فيها أخبار أكراد العراق مثلاً، فضلاً عن أنه يمارس سياسة عنصرية تجاه الأكراد السوريين ويطبق بحقهم سياسات استثنائية كالحزام والإحصاء والاعتقالات والملاحقة والضغط ويحاربونهم اقتصادياً بكافة السبل.
إن الاشتراكي الصحيح هو ذاك الذي يندد بتسلط قومية على أخرى ويساند ويدعم نضال القومية الضعيفة من أجل حقها في المساواة مع القومية التي تتحكم فيها، وإلا، كيف يمكن أين يكون اشتراكياً؟ وإن السكوت عن الاضطهاد القومي والتمييز العنصري من قبل هذا الاشتراكي يجرده من كونه اشتراكياً، بل هو شوفيني عنصري...].
كما تضمن العدد(20) آنف الذكر مقالة أخرى بعنوان:(الإبادة التربوية في الجزيرة) جاء فيها:

[ أصدر السيد وزير التربية بلاغاً تحت الرقم443/453/4/6 بتاريخ 18/2/1974 وعممته مديرية التربية بالحسكة على جميع المدارس الابتدائية بالمحافظة تحت الرقم532/أوب بتاريخ 21/2/1974. وقد ورد في ذلك البلاغ النص التالي:(نرى عدم منح أية وثيقة للتلاميذ المكتومين وعدم ترفيعهم من صف إلى صف أعلى ما لم يسجلوا رسمياً). واضح أن البلاغ المذكور يؤدي إلى ترسيب التلاميذ الأكراد الذين حرمت أسرهم من الجنسية، وحرمانهم من الاستمرار في تلقي التعليم. وهنا نسأل السيد الوزير: هل ينسجم هذا البلاغ مع مبدأ مجانية التعليم الذي تتبناه سوريا ويتطلب تهيئة الفرصة لجميع من تقع أعمارهم في السن المحددة لتلقي التربية بمقتضى الأنظمة النافذة؟ وهل يتلاءم مع مبدأ إلزامية التعليم الابتدائية الذي يتطلب أن تجبر الدولة أولياء التلاميذ على إدخال أولادهم في المدارس؟. ألم يكف النشء الكردي المجرد من جنسيته بمقتضى الإحصاء العنصري البغيض الجاري في 1962 من الدراسة الجامعية والعليا؟ حتى جاء هذا البلاغ ليسد أبواب التربية الابتدائية أيضاً في وجه الأطفال الأبرياء، وهل كانت هذه الخطوة بدلاً من تشييد دور الحضانة وبناء الملاعب وإنشاء الحدائق العامة ووسائل التسلية والترفيه لأطفالنا رجال المستقبل!!وقد ورد في البلاغ المذكور:( ويمنح المكتوم فرصة أقصاها نهاية العام الدراسي الحالي ليتمكن ذووه من إتمام معاملة تسجيله). ألا يعرف السيد الوزير أن مشروع الإحصاء العنصري قد برز إلى الوجود منذ فرصة اثني عشر عاماً، فإذا لم تكن تلك الفرصة الطويلة كافية لأن يسترد المكتومون الأكراد جنسياتهم، فكيف يتمكنون من ذلك في فرصة ثلاثة أشهر التي تضمنها البلاغ الشبيه بإنذار حربي صادر من وزير دفاع لا من وزير تربية!!.. إن هذه الثمرة المرة من ثمار الإحصاء الشوفيني لعام 1962 تتنافى مع ابسط مبادئ الإنسانية، لأنها محاولة أثيمة لحرمان قسم كبير من الأطفال الأبرياء من حقهم في العلم...]
إن الغاية من نشر هذه المقتطفات والمقالات التي تعود إلى أكثر من ثلاثين عاماً، والتي تعتبر وثائق حية أمام الشعب والتاريخ تدين النظام على مخططاته التصفوية الرامية إلى إزالة الشعب الكردي في سوريا من الوجود ومحوه آثاره، هي الوقوف على ظروف الشعب الكردي في تلك المرحلة والسياسات الاستثنائية العنصرية التي مارستها أجهزة الدولة بحقه دون أي رادع من ضمير أو أخلاق، ومحاربته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، والاطلاع على الموقف القومي و الوطني المتزن الصارم الذي اتخذته القيادة الكردية حيال القضايا المصيرية، والربط المحكم بين القضايا الوطنية والقضية القومية الديمقراطية.


بريدك المجاني الخاص
اسم الدخول
كلمة السر

»  مستخدم جديد؟ اشترك الآن!


Google


صورة الاسبوع


www.amude.com | © 2000-2004 amude.com [ info@amude.com ]
destpêk | start: 26.09.2000