www.amude.com
   كردي - عام - مستقل - www.amude.com   Kurdî Deutsch
 
21.09.2006 - 10:11 [ قرأت هذه المادة 1993 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

سليم بركات ؛ الملامح الفنية لرواياته الأولى

دلور ميقري

1

بظهور ثلاثيته الروائية ، " الفلكيون في ثلثاء الموت " (1) ، إتضحت أكثر فأكثر ملامح أدب سليم بركات ، الفنية . هذا الكاتب ، الذي خط لنفسه أسلوباً خاصاً ، فريداً ، غيرَ مطروق من قبل في فن الرواية العربية . ولكي يستجلي المرءُ تلك الملامح ، الموسومة ، فلا محيدَ عن إلقاء نظرة خاطفة ، شاملة لأعماله السابقة وتقييم بعض الدارسين لها . فإذا كانت رواية بركات ، الأولى ، " فقهاء الظلام " ، قد إختارت وقائعها من الشمال السوري ، المحاذي للحدود التركية والعراقية ، فقد تفردت التالية ، " أرواح هندسية " ، بإختلاف موقعها المكاني ؛ حيث تدور حكايتها في بيروت عشية الإجتياح الإسرائيلي عام 1982 . إنّ " الريش " ، هي العمل الروائي ، الثالث ، الذي فيه يعود المؤلف إلى التطرق لموضوعه الأثير ، والمنابع التي سبق له أن نهل منها فنه لما يزيد على العشرين عاماً : نعني إتجاه الخارطة ثمة ، إلى الشمال المحتضن طفولة مؤلفنا وصباه ، وما يفتأ مساكناً ذاكرته ؛ هذا بالرغم من وقوع حوادثها الرئيسة في قبرص . وإذاً مع " معسكرات الأبد " ، تكون التجربة الروائية لسليم بركات ، قد إنتشرتْ على مساحة زمنية تقاربُ العشرة أعوام ، يستطيع فيها المتتبع لرحلته الإبداعية أن يتلمّس الوشائج الممتدة بين تلك الروايات ، الموسومة . هذا ، وعلى الرغم من تميّز " أرواح هندسية " ، الملاحظ آنفاً ، بيْدَ أنّ روايات الكاتب ، إجمالاً ، تعالج قضية أساسية : هيَ المصير الإنساني في بحثه المثابر عن هويته ومغزى حياته . هيَ ذي إذاً ، روايات أربع ، لم تتطرق لموضوع مشترك زمنياً ، إلا أنّ أسلوبها الفني كان واحداً ؛ لا من حيث شفافية الرمز حسب ، بل وأيضاً لكون نماذجها البشرية تشترك في سمات متماثلة ، فضلاً عن المرامي الهادف إليها كل من تلك الأعمال .

2

" فقهاء الظلام " ، تدور حوادثها في " القامشلي " ؛ هذه المدينة ، التي تبعد أمتاراً قليلة عن الحدود التركية ، المحاطة بسياج من الأسلاك وأرضها مزروعة بالألغام . واقعٌ مأزقٌ ، لم يمنع المهربون ، على الأقل ، من تحديه بالتسلل عبر حدوده ، جيئة ً وذهاباً . سردُ الكاتب هنا ، المتسم أحياناً بالمبالغة ، يتطرق لحركات أولئك الرجال الجسورين ، الخارقة ؛ وهيَ أساطيرٌ ، على الأرجح ، يتناولها الأهلون في أحاديثهم من جيل لجيل ، مستقرة هكذا في لا وعي الكاتب ، منذ طفولته . سمة موحدة لهذه الرواية الأولى ، مع شقيقتها " معسكرات الأبد " ؛ ألا وهيَ " التكرار " ، الحاصل للحدث نفسه ، عند كل بداية للفصل المقترح : ففي تلك الأولى ، يضعُ كاتبنا تحت مجهره ـ حاله في ذلك ، حال المخبريّ ـ كل خلية من خلايا البطل ، راصداً عملية تكوينه الجنينيّ في رحم أمّه . فيما نتابع ، في " معسكرات الأبد " ، تفاصيل الصراع الضاري بين الديكيْن : هنا وهناك ، يشكل التكرارُ هذا ، جزءاً صادقاً وعميقَ الدلالة في النسيج الكليّ للسرد ، كما سيمرّ معنا في حينه بخصوص العمل الروائي ، الأخير . حكاية " فقهاء الظلام " ، يمكن تلخيصها ببضعة أسطر ، لا أكثر : " الملا بيناف " ، الرجل المكتهل ، يُرزق بمولودٍ ذكر ، ذي طبيعة خارقة للمألوف ؛ يُعطيه إسم " بيكس " . فهذا الأخير ، ينمو بصورة عجيبة ، فلا يمضي نهار اليوم الأول ، الشاهد لولادته ، إلا ويضحي رجلاً مكتملاً ، ناضجاً ؛ حدّ أنه يطلب من الأب عروساً لنفسه (!) .. لا بل سيضطردُ المولودُ الجديد في العمر ليلتئذٍ ، فيماثل أبيه سناً ويحرجه قدام أهالي الحيّ ، الذين قدموا لمباركته فيه : " هكذا ينسج الكاتب سليم بركات روايته ، " فقهاء الظلام " ، خالقاً جواً من الفنتازيا المستمدة من الحياة الواقعية لهذا المجتمع الكردي " . (2)

هذه الرواية ، التي إمتزج فيها ، ككل إبداعات الكاتب ، الجانبُ الواقعي بجانب ميتافيزيقي ، حالم باليوتوبيا المؤملة في مستقبل مخلّص ؛ تتجلى واقعيتها ، أيضاً ، بإضاءاتٍ ضافية في هذا الإتجاه . فهيَ تذكّر المرءَ بسيرة كاتبنا ، الذاتية ، كما قرأناها في مؤلفيْه " الجندب الحديدي " و " هاته عالياً .. " . في هذه الأخيرة ، رأينا كيف كان المعلم الحزبيّ الغريب ، المستبدّ ، يضطهد التلامذة ويشتم أمهاتهم ، كونهم أكراداً . ولكنه لا يلبث مع سقوط النظام الحاكم آنئذٍ ، أن يلقى مصيراً قاسياً على أيدي هاته الأمهات ، جزاء غروره وصلفه وعنصريته (3) : بينما في رواية " فقهاء الظلام " ، يقدّم مؤلفها صورة اخرى للمعلم ، الغريب ؛ هذا الشاب المستنير ، الذي يحاول نشر معتقده التقدميّ بين تلامذته . بيْدَ أنه ، بدوره ، يلقى مصيراً لا يقل قسوة على أيدي الأهالي ، وهذه المرة بسبب إستهانته بمعتقداتهم وتقاليدهم ، ليكون جزاؤه بترهم لأصابع يديه ، ومن ثم طرده خارج منطقتهم . على أنّ المجتمع يدفع أيضاً ثمناً لتلك الفعلة ، الموصوفة ، بما يلقاه من عذاب الضمير . فها هيَ أصابع تنمو في الأرض ، مشيرة نحوَ الأهلين بالإتهام والإدانة . فكان أن عمد هؤلاء إلى تكليف الجدّ " عفدي " حارساً للحقل ، ليحصدَ ثماره الدامية تلك ، كلما نمت من جديد . جديرة بالمقارنة كذلك ، وظيفة الجدّ " عفدي " ، المذكورة آنفاً ، مع وظيفة الحارس " شاشان " في رواية " معسكرات الأبد " . لا بل إنهما هنا وهناك ، كما لو كانا إنعكاساً لصورة اخرى ، واقعية ، سبق وقرأنا عنها في سيرة الكاتب الذاتية ؛ ونعني بها " سيفي " ، حارسة الجداول . (4)

3

الخيوط السحرية ، المنتهية ببيئة الكاتب ، كما تأثرنا بعضها في كلتا الروايتيْن الأولى والرابعة ، والمنسوج منها عالمهما ؛ هذه الخيوط ، تتقطع بنا نوعاً ، ونحن في المعبر المودي إلى روايته الثانية ، " أرواح هندسية " ، التي تدور حوادثها في بيروت خلال أوائل الثمانينات . ولكن لمَ آثر كاتبنا كسْرَ الإمتداد الأفقي ، البيئي ، عند منعطف هذه الرواية ؛ بيئته الكردية نفسها ، المنتقي منها موضوعاته المفضلة والمستغرقة معظم إبداعه الشعري والنثري ؟ .. الجواب ، على تقديرنا ، عائدٌ لما يمكن وسمه بـ " إلتزام " أدب سليم بركات للفنّ الخالص ، المجسّد لإسترجاعات ذاكرته / وتجارب حياته الشخصية ، سواءً بسواء . هذا الأدب المجسّد ، خصوصاً ، حيواتَ الآخرين في بيئته تلك ، وعبْرَ تأملاته المستغرقة ، القلقة ، لكائناتها وأشيائها وموجوداتها ، خالطاً مصائر الجميع ببعضها البعض . هي ذي ، إذاً ، مدينة كبرى بحجم " بيروت " ، مختلفة عن مدينة مسقط رأسه بكل شيء ، وبالتالي تعكس إختلافها على أسماء أبطاله وأبعاد مكانهم ومسافات زمنهم . ها هنا ، على سبيل التمثيل ، رجال التنظيمات اليسارية والفلسطينية ، المتجولون علانية بأسلحتهم وعتادهم .. ، وها هنا ، أيضاً ، قادتهم على مثال " الزعيم " ؛ الشخصية الروائية ، التي جسدها فنّ كاتبنا ، الرفيع .

شخصية البطل هنا ، قد لا تفاجيء القاريء الجيّد لأدب بركات ، من حيث كونها صورة مقاربة لشخصيته بالذات ؛ وهوَ الأدب ، الذي وسمناه آنفاً بالحنين الدائب إلى ماض ضائع . يبدو أنّ إيثاره لهذه الثيمة ، في روايته الثانية ، لأنها كانت تلحّ عليه بشكل معذب . جدير بالقول ، في هذا المقام ، أنّ بركات لم يتعجل البتة في نقل تجربته البيروتية إلى القاريء ؛ حال تلك الأعمال ، الروائية ـ أو سمّها ، ما أردتَ ـ المدونة من لدن بعض الكتاب العرب ، ممن شاءَ لهم الإنفعال وردّ الفعل أن تكون أعمالهم ، حول تجربة بيروت ، غير ناضجة ولا تستحق القراءة . على العكس من اولئك الرفقة ، بدا كاتبنا في " أرواح هندسية " مترفعاً ومتحرراً من تلك الشوائب ، الموسومة ، مخضعاً قلمه لذاكرة حارة وذهن بارد في آن ؛ فلم يبتده الكتابة إلا وقد إختمرتْ بفعل السنين ، الصبورة ، صورة ُ ما يصبو إليه داخله المتململ . ولكن ما الذي يربط هذا العمل برواياته الاخرى ، السابقة واللاحقة ؟ .. إنه كما يجوز لنا تأكيده ، دوماً ، الصدق في نقل التجربة الإنسانية ، علاوة على الأجواء الغرائبية / الفنتازية ، المميّزة لأدب سليم بركات . هكذا أجواء ، تخترقها الأرواح الملازمة بطل الرواية ، خلل رحلته في السفينة المتجهة به ورفاقه الآخرين إلى منافي الله ؛ أرواحٌ ، سنتعثر بأشباهها منذ الصفحات الأولى لقراءتنا رواية الكاتب ، الرابعة ، " معسكرات الأبد " ، وهي تلازمُ أقرباءها الأحياء .

4

ثمّ نصل ، أخيراً ، إلى رواية " الريش " ، المستعيد فيها مؤلفها بركات ملامحَ بيئته ؛ هذا على الرغم من حقيقة ، أنّ المكان الرئيس لأبطالها ثمة في جزيرة المنفى ، القبرصية . وعلى كل حال ، فلم يختلف دارسو الكاتب حول إسلوبه وإيحاءاته الرمزية هنا ، بل إستوقف إنتباههم ما كان من تعامله مع مسألة التاريخ القومي ، التراجيدي ، لشعبه الكرديّ ما بين الأعوام 1900 ـ 1947 م (5) . ونقدّر بأنه ما كان في إعتبار بركات ، بطبيعة الحال ، كتابة رواية تاريخية . فها هنا ، إذاً ، كما كان الأمر في ثيمة " أرواح هندسية " ؛ تطغى أجواء الغربة على حيوات الأبطال ومصائرهم ، على حد سواء . نحنُ بصدد تتبع حركة إبن الشمال ، " مم " ؛ الشاب العاثر الحظ ، الحامل همومه الشخصية ، ومن ثمّ القومية ، من مكان إلى آخر : في البدء ، بلدته الصغيرة المحاذية للحدود التركية ، مروراً بحلب ، مدينة الدراسة ، وإنتهاء في مستقره الكئيب ، المتوحّد ، في جزيرة قبرص . على أنّ ذلك المكان ، ينحو بنا تبعاً لحركة اخرى ، زمنية ، مستعيدة لحقبة تاريخية ، مفصلية ، من التراجيديا الكردية ، المعاصرة لعشية الحرب العظمى . وعلى هذا ، نجدنا من جديد متلمسين ذلك الخيط السحري ، الموصوف آنفاً فيما يخصّ أدب بركات ؛ أيْ حنين الذاكرة ، الدائب ، للجذور المترسبة في البيئة الأولى .

لا غروَ إذاً ، أن يتمثل بطلنا ، " مم " ، تجربة الكاتب بركات ، الشخصية ، في ذلك المنفى ، الموسوم . فضلاً عن إضفاء مزيد من الجوّ الغرائبي / الفنتازي ، الغامض ، على المكان وكائناته جميعاً : تلك التجربة ، القبرصية ، ربما أفادت الرواية في محاولتها تقديم صورة دقيقة ، صادقة ، للمكان ؛ بما في ذلك ، نقل مشاعر كاتبنا الذاتية ، الأكثر خصوصية ، كمغتربٍ يشاركُ بطله مسار حياته ومآلها . على أنّ تصويره ، الموصوف ، ما كان سطحياً أو فوتوغرافياً ، بقدر ما كان فنتازياً . علاوة على أن كاتبنا لم يعمد إلى إلباس بطله ذاك ، وغيره من الشخصيات ، حللاً جاهزة تحلّ محل السياق الدرامي ، بما يسمح لكل منها التطور المستقل ـ والمنفعل ، في آن ، بوعي بما حولها ، وحتى بلوغها الكمال الذي يصبوه لها الروائي : " فهذه الشخصيات ، مسلحة بالوعي بإعتبار أنّ مشكلة الأكراد ، مشكلة سياسية . لذلك فتاريخ الحركة السياسية للأكراد هوَ التاريخ الروحي لشخصيات الرواية ، وإنكسار هذه الحركة هوَ إنكسار الشخصيات الروحي أيضاً " (6) . على أنّ أدب سليم بركات ، الروائي ، لا يخلو من الإشكال ؛ هذا الأدب ، المهيأ له الإنفتاح على قراءاتٍ لا تنتهي ؛ لا لكي تتضح رموزه ومراميه على وجهها الحقّ ـ فهذا مخالف لوظيفة النقد والقراءة ـ بل وخاصة ، كيما تتسع آفاق ذلك الأدب وتتناهى إلى اللا نهاية .

الهوامش :

1 ـ بصدد الجزء الأول من هذه الثلاثية : يمكن مراجعة دراستنا ، المنشورة في " إيلاف " / الأرشيف ، في 10 مايو 2006
2 ـ فؤاد حجازي ، فقهاء الظلام : فانتاسيا تستلهم واقعاً ـ مجلة فلسطين الثورة ، عدد 511 لعام 1985
3 ـ سليم بركات ، هاته عالياً ، هات النفير على آخره ( سيرة الصبا ) ـ بيروت 1982 ، ص 14
4 ـ المصدر نفسه ، ص 40
5 ـ فرهاد بيربال ، الريش ـ مجلة " بربانغ " الصادرة في ستوكهولم ، عدد 93 لعام 1993
6 ـ ابراهيم عبد المجيد ، الريش ـ مجلة " الكفاح العربي " الصادرة في بيروت ، عدد 668 لعام
1991

للبحث صلة ..

Dilor7@hotmail.com


بريدك المجاني الخاص
اسم الدخول
كلمة السر

»  مستخدم جديد؟ اشترك الآن!


Google


صورة الاسبوع


www.amude.com | © 2000-2004 amude.com [ info@amude.com ]
destpêk | start: 26.09.2000