www.amude.com
   كردي - عام - مستقل - www.amude.com   Kurdî Deutsch
 
18.11.2005 - 18:49 [ قرأت هذه المادة 1319 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

وداعاً، إسكندرية كافافيس

دلور ميقري


دلور ميقري
الأسواق؛ في أثر "ريا وسكينة":

من الطائرة المحوّمة فوق القاهرة، كان من الممكن جلاء المشهد المترامي تحتنا، والمتبدي ككثيب أحمرَ، ما لبث هنيهة إثر هنيهة أن كشف عن حاصله وسرّه: بيداء ٌ ملغزة؛ هباءٌ منثورٌ؛ خلاءٌ موشى بنقط بنية مائلة إلى الحمرة، ككل شيء في هذا المشهد الربيعيّ المذاب بصفرة ذهبية، مزيفة كنحاس الكيميائيّ؛ صفرة الشمس التي تسرّح الريح بأناملها: هي ذي إفريقية؛ القارة السمراء حدّ البرونز، والتي ألتقيها لأول مرة في عمر أسفاري النادرة؛ أنا القادم من تخوم آسيا والمقيم دهراً في أقصى صقيع اوربة.
مطارُ القاهرة، خليّة نحل نشطة ومنتظمة؛ موظفون خفيفو المحمل، وشرطيون غاية في التهذيب مع من تلوح العجمة في سحناتهم أو هيئاتهم؛ لولا أنّ السائقين المرائين قد أفسدوا المشهد بتزاحمهم علينا أمام المرآب الخارجيّ، الواسع، المفتوح على حرّ أيار؛ هؤلاء السائقون الواجدون رزقهم في حمأة من المساءلة والمفاصلة، الراطنون بمفردات من لغات لا يدري إلا الله أصولها، المتداخلة في مشيئة لهجتهم المصرية، المحببة. هكذا، و بعد جدل "دولاريّ"، أقنعنا أحد الأدلاء بنعمة ركوب السيارة من المطار رأساً إلى محروسة الإسكندرية، ميممين جهة الطريق الزراعية الحافلة بزحمة من المركبات والحافلات والمقطورات.. ولم أدر لحظتئذ أننا على موعد مع رحلة مشؤومة، موعودة بمخاطر الطريق السريعة؛ حيث موتٌ موشكٌ في كل إنعطافةٍ، و كل فرملة رمية في الآخرة.
كنت منزوياً في المقعد الخلفيّ، عيناي القلقتان لا تحيدان عن الدرب المغامر إلا لكي تهمزا عينيّ السائق اليقظتين، واللا مباليتين في آن: رجلٌ في أواسط العمر، رأسه الضخم بحجم جسمه، أسمر بلون مائل إلى لون تربة القرية التي ربما لفظته فتىً إلى إسمنت المدينة الكبيرة؛ رجل ضخم بسيكارة مشتعلة دوماً على طرف فيه ذي التكشيرة المركّبة،المدّعية الأنس أحياناً مع تمتمات أجشة مخنوقة بالسعال : كان لابد أن يذكّرني هذا الرجل بمواطنه القديم، حسب الله؛ الشقيّ الذي نكد طفولتنا بإطلالته الفظة وزوجته المرعبة، عبر الشاشة الفضية الصغيرة، كما جسّده الدور المنوط بهما في فيلم "ريا وسكينة": وعلى حين فجأة، تناهى لذاكرتي المشوشة بقلق الطريق، أن حكاية هذا الفيلم، الحقيقية، إنما دارت يوماً فصولاً، دامية، في المدينة التي تتجه نحوها مركبة الهلاك الذي يمتطينا: الإسكندرية !
ثمة أسطورة إغريقية، طريفة، تزعمُ أنّ الإسكندر الأكبر، الذي منحَ إسمه المكلل بالغار لهذه المدينة المتوسطية، قد ولدَ وسيماً كإلهٍ، لولا عيبٌ ظاهرٌ فيه: أنّ أذنا حمار تنتصبان من رأسه الحكيم. وتتابع أسطورتنا أنّ الفتى الوسيم كإله أخفى عيبه بقرنيْ أيل، حتى غلب عليه في شرقنا لقب "ذي القرنين"، الذي عرّف به القرآنُ جمهرته من المؤمنين.. وتقول الأسطورة نفسها، أنّ وزير الإسكندر قد عرف السرّ واؤتمن على حفظه عن أيّ بشر. فما كان من الإغريقيّ، الحافظ للسرّ، إلاّ أن ذهَلَ عنه، يوماً، بحضرة ساقية سلسبيل، ما لبثت بدورها أن باحت به إلى أخواتها.. حيث ما برحن يثغثغن بالسرّ الملكيّ الحماريّ إلى يومنا هذا؛ أو بالأحرى إلى عصر ذلك اليوم الربيعيّ، المودي بنا طريقه إلى عروس الساحل الإفريقيّ؛ الطريق الزراعي المبثوثة حوله عشرات السواقي، المتلوية كأفاع ٍ خضر ٍ، والمتناهي من خرير مياههن أصوات مبهمة، مشتتة،، متهامسة بوجل: " الملك له أذنا حمار.. حماااااااار " !
مدخل مدينة الإسكندرية، المصمم كبوابة قلعة قروسطية، يكاد طرازه المستحدث، المبهرج في أبهة كاذبة، لا يخدع العابر لقنطرته المزخرفة، حيث نجتاز بعدها مباشرة جداراً مزيناً بلوحة من الفسيفساء لا تقلّ بهرجة، مثلت رجالاً ونساء؛ كرموز للمدينة: وهي غير لوحة الفنان الكبير، ناجي، والمسماة " مدرسةالإسكندرية"؛ اللوحة الشهيرة التي أحيت حضارة الإغريق القديمة ممثلة في الهللينية؛ بأشخاصها التاريخيين كانطونيو وكليوباترا، فضلاً عن شاعرها الفذ، المعاصر، قسطنطين كافافيس، مروراً بحضارة بيزنطة المسيحية وحتى الحضارة الإسلامية وعصر النهضة؛ إنها الإسكندرية، حاضرة العالم القديم، الكبرى، بأجناسها المتنوعة، وكما جسدها إبنها، كافافيس، في إحدى قصائده:

"كنا خليطاً؛ ميديين وسوريين وأغارقة وأرمناً،
وكان ريمون من هذا النمط كذلك..
عادت أفكارنا إلى جارميديس أفلاطون"

لم أكن أدري، يومئذ، أن فندق "سيسيل"، المحجوزة بعض غرفه الأثرية لبعثتنا السويدية، هو ذات الفندق الذي مررت بإسمه، عابراً، لدى قراءتي رواية لورنس داريل، الملحمية "رباعية الإسكندرية"؛ وكان هذا النزل الفخم، أيضاً، مكاناً أثيرا للكثير من الأدباء والمشاهير الذين مروا بهذه المدينة. إنه قصر يونانيّ عتيق الطراز، لا يختلف كثيراً في مظهره الخارجيّ عن الكثير من أمثاله من الأبنية في الحي اليوناني القديم، و التي تتراصف بدعة على الجهة المقابلة ل " الكورنيش "؛ روح الساحل الإسكندراني، والأكثر إزدحاماً، مساءً، بالخلق وحتى ساعة متأخرة من الليل. و بدا، للوهلة الأولى، من حسن حظي أنّ باب شرفة الغرفة مطل على هذا الكورنيش الساحر، بأضوائه وأنسه؛ لولا أن ضوضاء عرباته ومركباته وحافلاته ودراجاته النارية، قد أحالت ليلي إلى أرق معذب. وكان من الممكن تجنب هذا الصخب، وذلك بإحكام رتج باب الشرفة، إلا أنه بدا من المحال تحمل حرّ الساحل الرطب، الخانق.
على أنّ ذلك المساء، الأول، لم يألُ جهداً في الترويح عن ضيفه. إثر الحمام وتغيير ملابسي، هرعت إلى الخارج، قاصداً تلك الساحة المتبدية من شرفتي؛ وهي المسماة "ميدان المنشية"، أين تمثال سعد زغلول، المهيب، يتسامق فوق أشجار الحديقة الصغيرة، والتي أيضاً بدورها قد أدخلت تحت رقها خلائط َ من البشر؛ وأكثرهم عائلات محافظة تبتغي النزهة، إلى فتية يرومون التنفيس عن دواخلهم السجينة دلخل الجوّ المحافظ إياه، وحتى المشردين المطرقين برؤوسهم، في صمت يليق بصاحب التمثال، المحافظ، الوقور. ومن "المنشية"، تحولت نحو اليمين إلى الجهة المؤدية لشارع " رشيد "، القديم، والتجاري الأكثر إزدحاماً، والمزمّل بالمتاجر والحوانيت المتنوعة، وأغلبها متخم ببضائع إستهلاكية يتهافت عليها الشباب بمحض مشيئة بؤسهم البادي للناظر؛ البؤس الذي لا يدانيه سوى مشهد المشردين، الرث، الخلِق، المشرّع على عين الخالق. الليل يتكاثف، والحرارة اللاهبة تتلطف بنا نوعاً. بيد أن الزحام لا يبدو لائقاً بهذه الأرصفة المتخلخلة، التي يتماوج فوقها بحر من البشر من كل المشارب والأزياء واللهجات، ولا بتلك الشوارع الضيقة في أغلب الأحيان؛ أين راكبو العربات والمشاؤون في نزاع وخصام وإشارات مهددة، متوعدة، تصل أحياناً إلى المشادة. أهرب من الشوارع المتخاصمة إلى هدوء الحواري الجانبية، والمنارة بمصابيح الدكاكين والمقاهي والمطاعم. هاهي رائحة الفلافل، المميزة، تتلبس الفضاء المعبق بأريج النراجيل المحبب؛ فلأعطفنّ، إذاً، إلى تلك البسطة التابعة لمقهى أو مطعم، أو سمّه ما شئت ! الخيبة تتلبسني، فهذه الأكلة المسماة عند المصريين "طعمية"، لا علاقة لها بفلافل بلاد الشام، الشهية؛ خيبة ستكبر هنا، و في كل يوم يأتيك بمطالب المعدة الخاوية، ها أنت تكتشف أن لا تقاليد للطبخ لدى المصريين؛ والمطبخ فنّ، كما تعرفه، وإتقان وذوق وحذق: عليك، والحالة هذه، بالوجبات السريعة، الأمريكية، والتي غيّر أصحابها هويتها إكراماً لمشاعر الشعب الأبيّ وغيرته على عراق الطاغية؛ المشاعر التي كانت بعد أقل من شهر على إنتهاء الأعمال الحربية، ما إنفكت مصدومة بعنف وقع التسليم المذل لبغداد..
من الشارع التجاري، تتسلل خطاي إلى أسواق مفتوحة على اخرى. مدفوعاً برغبة خفية نحو المجهول، أجدني خائضاً اللجة البشرية؛ وعند كل منعطف سائل يستعطيك، وأمام كل دكان صبيّ يشدك شداً إلى الداخل.. هناك، حيث "المعلم"، غالباً، مشغول عن رزقه بتأمل قوام زبونة مليحة، تتأمل بدورها نفائس القماش المموجة الألوان والمناديل الحريرية وغيرها.. فيما النرجيلة تقرقر لهيب الجمرة المنتعظة في مستقرها. الأساور والأقراط والخواتم، الذهبية، المرصعة سمرة هذه الحسناء، يشعشع بريقها الأماكن العتمة، السحيقة القدم، في ذاكرتي؛ الذاكرة المترجعة صوراً، أو أشباحاً مصوّرة ربما، لإمرأتين متناكبتين، عليهما ملبس القرويات الأسود، والمتماهي بنقاب نساء المدينة، الحاجب للجزء الرئيس من الوجه، عدا العينين: الشقيقتان ريا وسكينة، هما "أسطورة" اخرى، أكثر دموية، لهذه المدينة وفي حيّها "العربيّ"، بالذات، المنسيّ بناسه المدقعي الفقر والذين يعودون غالباً لأصول قروية وصعيدية، إضطرتهم ظروف قاهرة للتخلي عن أرضهم والنزوح إلى إسكندرية الأكابر من مسلمين وقبط، و الخواجات من اليونان والطليان والسوريين والأرمن واليهود وغيرهم.. الأسطورة التي إستحضرها فيلم الطفولة بالأبيض والأسود، وجدت أيضاً ترجيعاً لها في الصبا، من خلال مسرحية كوميدية، رسخت بملحميتها وروعة أداء ممثليها، تلك الصور المحفورة في الذاكرة. لقد سبق لي أن عرفت في وقت ما، وعن طريق المصادفة كذلك، أن كاتب سيناريو ذلك الفيلم لم يكن سوى الأديب الكبير نجيب محفوظ؛ و كان في بداية تعاونه مع المخرج الواقعي المعروف صلاح أبو سيف. والسؤال المحيّر هو: كيف لواقعة كبيرة، كحكاية ريا وسكينة، والتي هزت المجتمع المصري في أربعينات القرن المنصرم، ألا تلهم محفوظاً بعمل روائي، وهو من كتب "اللص والكلاب" متأثراً بواقعة أقل إبهاراً؛ عرفت بإسم "سفاح الإسكندرية".. ؟
أياً كان التعليل، فقد أمدّ مرأى تلك الصبية الحلوة ذاكرتي بخيوط مضيئة، موصلة إلى الطفولة ومكنوناتها الحميمة؛ الطفولة التي صدمني، في تلك الليلة، مشهد من أكثر مشاهدها المصرية إيلاماً: أخوة ثلاثة متهالكون على بعضهم البعض، كبراهن بالكاد إجتازت سنها العاشرة، وهم نيام شبه عراة بأسمال مهلهلة لا تدفيء من برد الليل الربيعي القارس، يستجلبون الحرارة للجسد الغض بذلك التلاحم الغريزيّ، أو ربما بأحلام أكثر دفئاً؛ أحلام طفولة مهدورة.. كنا في تلك الساعة المتأخرة من الليل، قد دلفنا إلى رصيف الكورنيش، متخمين من عشاء فاخر من السمك المشويّ، وفي أكثر مطاعم الشاطيء رقياً، تشهد له تلك الصور المتواترة في الرواق و الخاصة بزبائن من مشاهير الجاه والسياسة والفن و.. قال لي المشرف السويدي على جماعتنا: " أعيش هنا في الإسكندرية منذ حوالي السنة، وكل يوم أزداد إحباطاً ". الإسكندرية، مدينة الثقافات المتنوعة التي إندثرت جميعاً في الحلكة التي غشيتها، مع زحف الريف التدريجي على مدنيتها، حتى غمرتها تماماً إثر إنقلاب الضباط " الأحرار "، الذين خنقوا حرية البلاد.. إسكندرية كافافيس، مدينة المجون والمحافظة؛ مدينة المتناقضات الصارخة:

أيها المسافر
لن تلومني، وأنت الإسكندريّ..
العارف أهواء حياتنا هنا، اللذة، واللهيب.

الأرصفة؛ على إيقاع خطى الشاعر

ككلّ مراكز المدن الكبيرة، فالصخبُ هو العلامة الأولى على طلوع الفجر؛ العلامة التي إفتقدتها طوال الخمسة عشر عاماً، المديدة، من وجودي في مدينة صغيرة؛ هي "اوبسالا" السويدية. وها أنذا هنا، وللمرة الأولى بعد هذه الأعوام الجليدية؛ هنا في الشرق مرة اخرى، وتحت شمس المتوسط اللاهبة، وفي المدينة التي عشقها شاعري الأثير، الإغريقيّ كافافيس؛ هنا في الإسكندرية المحروسة، وفي فندق "سيسيل"، الأثريّ، وفي الطابق الثالث منه؛ أين حجرتي الواسعة، الفارهة، التي ربما إستقبلت يوماً كاتبي المفضل، لورنس داريل؛ الروائيّ االمُدينة له هذه المَدينة، أيضاً، بخلودها من خلال رباعيته عنها. ها أنذا أتمطى متكاسلاً وحيوياً في آن، متلهفاً إلى الخوض في نهار هذه الحاضرة العجيبة، بعدما حظيت خطايَ بمؤالفة ليلها؛ الليل الذي إعتاد أن يمضي إليه شاعر المدينة، الإغريقيّ، باحثاً خلله عن متعته:

"مضيتُ في الليل المضاء
وشربت الخمور القوية، كما يشرب المتسابقون على المتعة
الخمور القوية " (1)
أشرعتُ ضلفة باب الشرفة الخشبيّ، الثقيل، بعد مجاهدة مع حديده الفظ، مستبيناً بحبور طفوليّ الأفقَ الأزرقَ، اللازورديّ، للبحر الصباحيّ؛ لأمواجه الراغية، المزبدة، وهي تتناهى إلى منتهاها الأبديّ على الأقدام الصخرية لشاطيء الإسكندرية؛ الشاطيء الذي أنشدهُ فنان المدينة الأكثر شهرة، سيّد درويش، أغنية لا تقلّ شهرة عن صاحبها العبقريّ، "شطّ إسكندرية، يا شطّ الهوى".
من موقفي على الشرفة العريضة، الحجرية، ذات الإفريز الإغريقيّ، ألقيتُ النظرة الأولى على منبلج صبح المدينة الصاحية، المبكرة لإحتضان أولادها " الصنايعية "، الملتخين سهراً وسمراً؛ كما هو شائعٌ عن أهل الإسكندرية ومنذ الأزمنة الباكرة، حيث نوّه الرحالة الأندلسيّ، إبن جبير، بخصلة الأهالي هذه، بقوله في تذكرته البديعة عن رحلته الشرقية : " ومن الغريب أيضاً في أحوال هذا البلد، تصرف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم " (2). وهي ذات الملاحظة التي إستوقفتني في الليلة المنصرمة، حينما لم أر داع ٍ من أمر عجلتي إلى الفندق، ما دام الخلق في شاغل عن الفجر، الزاحف، بما بين أيديهم من أشغال في المتاجر المنارة، أو وسائل التسلية في المقاهي الساهرة على صوت كوكب الشرق، الصادح. هي ذي الشمس، على أيّ حال، تواكب بأشعتها المذهبة الموكب الشعبيّ، الهادر بوقع أقدامه على الأرصفة البازلتية، الخالية من نعمة الأناقة؛ الموكب الذي ما يلبث أفراده أن يتشتتوا في توابع الدروب أو في محطات الحافلات البائسة، المهملة من روادها المتداخلين مع الطريق السريعة، الخطرة، الموازية ل" لكورنيش "، في إنتظار شبه إنتحاريّ، أصمّ عن مزامير السيارات الصاروخية ذات الأجنحة، ولا مبال بتلويحات سائقيها الرعناء؛ حالهم في ذلك حال تلك الأمواج البحرية، غير المكترثة بإنتحارها على صخور الشاطيء. أهو ذات البحر الصباحيّ الشاعريّ، الغابر، الذي أنشده كافافيس، شاعر المدينة، الخالد :

"لأقف هنا، لأنظر إلى الطبيعة قليلاً
إلى البحر الصباحي، والسماء الصافية
إلى زرقتهما المتألقة، وشاطئها الأصفر..
والكل جميل يغمره النور"

تخلل وجبة الإفطار، في مطعم النزل، عبارات التعارف والمجاملة مع بقية أفراد مجموعتنا، والواصلين تباعاً للإشتراك في حلقة الترجمة الخاصة بالشاعر السويدي، الصوفيّ، غونار ايكيلوف، والتي كان من المقرر أن تستهل في صباح اليوم التالي، في المعهد السويدي بالمدينة. كان ثمة متسع من الوقت، لحين موعد الغداء الذي سيضم مجموعتنا مرة اخرى، فانتهزت ذلك للمضيّ في رحلتي، جوالاً، عبر مجاهل المدينة، الملغزة. في وجهتي نحو الشارع الرئيس، "طريق الحرية"، إجتزتُ ساحة "المنشية"، شبه المقفرة من الخلق، في هذه الساعة من الصباح؛ اللهم غير عمال البلدية المنهمكين في العناية بالمكان وجعله لائقاً بروح الإسكندرية؛ حاضرتهم التي زهت على أخواتها من المدن الاخرى، بإختيارها ذلك العام كـ"أنظف مدينة عربية"!
حيّ "كوم الدكة"، الشعبيّ، في وقتنا الراهن على الأقل، كان فيما مضى حيّاً اوربياً، راقياً، يغلب على قاطنيه الأصول اليونانية. لايبعد هذا الحيّ عن الفندق الذي أنزل فيه، بل هو من القرب بمكان من الكورنيش البحريّ، ومعظم جاداته تفضي إليه. صار من النادر أن تلمح وجه رجل أبيض في هذه الشوارع الأنيقة، بالرغم من أنّ عمارات الحيّ البيضاء، الأوربية الطراز، تشي بحضوره الغائب. لن تحظى هنا سوى بمرأى الجموع السمر، المتدفقة زرافات زرافات إلى ومن أعمالها؛ الجموع المتحدرة بمعظمها من مشارب قروية، صعيدية بوجه خاص. ويبدو أن هذا الحيّ، الغربيّ في تصميمه وروحه، بقي غريباً على سكانه الأحدث عهداً؛ فالعشوائية في البناء غير المرخص في أسطح الدور العليا، واضحة للعيان، فضلاً عن رثاثة ظاهرة في الشرفات وجدرانها المتساقط ألوانها والهوائيات المتنافرة كأشباح من كل حدب وصوب، إلى حبال الغسيل التي يتلاعب الريح بأسمالها، و حتى سواد السخام، من أثر الطبخ، و المطبوع على أسقف الحجرات.. كل هذا يتبدى للمار تحت النوافذ المشرعة على الغبار والضوضاء : الحيّ الاوربي، الذي أقام شاعرنا كافافيس في إحدى عماراته، فترة طويلة من سنينه الأخيرة، أضحى الآن بمثابة ضاحية، أو أشبه بحزام فقر، لأولئك القادمين من الأرياف.
لحسن طالعي، فقد ضمّت حلقتنا الدراسية شاباً قادماً من اليونان. كان شاعراً وصحفياً ومختصاً بترجمة " إيكيلوف " إلى لغته الإغريقية. تعرفنا عليه ذلك اليوم، أثناء الغداء الذي حضرته، أيضاً، صديقته المقيمة معه في فندق " سيسيل "؛ وهي مخرجة معروفة في بلاد هوميروس، كما قدموها لنا. خلال الدردشة التي أعقبت الغداء، فوجئتُ بأن هذه الصبية، الجميلة حقاً والخفيفة الظلّ، قد حضرت خصيصاً مع صديقها الشاعر من أجل إخراج فيلم وثائقيّ عن كافافيس. وعلمتُ أيضاً من رئيس بعثتنا، السويديّ، والذي كان يتكلم معهما الإنكليزية، أنهما بصدد زيارة المنزل الذي أقام فيه الشاعر في السنوات الخمس والعشرين، الأخيرة، من حياته. وقد أبدى العديد منا نحن الحضور حماسة في مرافقتهما خلل الزيارة المرتقبة، واخترنا لها يوماً محدداً، آخر.
في ظهيرة اليوم الموعود، كانت الشمس متوهجة فوقنا، تغزل للبحر، من خيوطها الذهبية، غلالة موشاة ؛ غلالة مظللة أيضاً، بفضة السحب العابرة. الكورنيش، تحتنا، في رخاء هدوء غير مألوف. مجموعتنا معتكفة، الآن، على سطح المعهد السويدي، المطلّ مباشرة على مشهد البحر وشاطئه وكورنيشه، مغتنمة فرصة القيلولة، في إستعداد للتوجه إلى بيت شاعر المدينة. نهمّ بالإنطلاق، فيلفتني منظر زميلنا، الشاعر التركي المسنّ نوعاً، وقد إستغرق بلا مبالاة فوق كرسي الخيزران المضفور بأناقة انتيكية؛ ألتفتُ إلى زميلنا الآخر، الكاتب الكردي، مستفهماً عن أمر الرجل، فيهمس في أذني : " إنه تركيّ على أي حال، ولا يرغب في زيارة كهذه ! ". هكذا ننطلق بدون حفيد ارطغرل الأول، ميممين وجهتنا صوب الحيّ الاوربي القديم، مجتازين جادات جانبية صاعدة من الكورنيش، أنيقة المنظر وكئيبتها في نفس الوقت؛ جادات ما برح يفوح منها عبق المجد القديم، المندثر، رغم ما يطغى عليه من روائح مختلفة لبيئة أكثر جدة، وأقل تمدناً. في طريقنا نمر بدكان أثريّ، له صيت على ما يبدو، يقدم لزبائنه القهوة المهيّلة بتقليد يتناسب مع المكان وتاريخه التليد. أبعد منه قليلاً، يقع أحد أكبر كنس اليهود في الإسكندرية، وهو عظيم العمارة وزخارفه مزيج من البيزنطية والطليانية والأندلسية. أمام بوابة هذا المعبد الموصد، كانت هناك كتيبة مدججة من الجند، شاكي السلاح، في حركة إستعراضية،على الأرجح، أكثر منها إحتياطية لعمل إرهابيّ محتمل؛ كرد فعل على حرب تحرير العراق من طاغيته، ذي الشعبية المعلنة في بلاد الفراعنة! كان زميلنا اليونانيّ دليلنا إلى منزل مواطنه، كافافيس. ثمة في أقصى جادة " شرم الشيخ "، تقوم عمارة مهيبة، ذات لون أبيض، ناصع، إغريقية الهندسة، كما يبدو من عضائدها الخارجية وأفاريز مدخلها ونقوشه. لا يظهر للبناء سوى شرفة واحدة، فارهة، تحتل أوسط الطابق الثالث : " هناك، كان يقيم كافافيس "، يشير دليلنا اليونانيّ إلى تلك الشرفة، المتوحّدة كصاحبها الأصليّ. على جدار المدخل الرئيس، ثمة لوحة كتب عليها باليونانية والإنكليزية، ما يشير إلى أن شقة كافافيس تلك، سبق وأن تملكتها القنصلية اليونانية في المدينة، وحولتها إلى متحف. نرتقي إلى وجهتنا المنشودة عبر سلم رخاميّ نظيف، ومغسول للتو. باب الشقة، الخشبيّ وبلونه الحائل، ما فتيء على ما يبدو يحمل لمسات ساكنه القديم. يستقبلنا عند البهو العتم، دليل آخر، من أهل البلد، إنبرى إلينا فوراً كخبير في آثار الشاعر، وبدون أن ينسى عرض كتب وكتالوغات وصور تذكارية، مخصصة للبيع. دفعتُ للرجل الثرثار، أولاً، ثمن قسيمة الدخول لـ"لمتحف"، ثمّ إشتريت كتاباً لمختص مصري، ترجم فيه للعربية آعمال كافافيس الشعرية، وعن اليونانية مباشرة. الشقة مكونة من حجرات مفتوحة على بعضها، يتناثر فيها أثاث غاية في القدم؛ مقتصد وبسيط. على الجدران لوحات بالحبر الصيني بريشة كافافيس، بعضها يصوّر رجالاً عراة وبطريقة الهاوي الذي يعتمد على حضور المخيلة لا الموديل. ثمة أيضاً في الصالون وحجرة النوم صور شخصية وعائلية قليلة، نادرة. سألتقي ثانية، وفي مكتبة الإسكندرية، الشهيرة، بأشياء اخرى، شخصية، تخص شاعرنا؛ عكازه، غليونه، مفكرته، سبحته.. وغير ذلك، موضوعة داخل صندوق زجاجيّ حافظ، جنباً إلى جنب مع متاع عائد للكاتب لورنس داريل. روح الشاعر، المنطلقة إلى بارئها منذ سبعين عاماً بالتمام ( 1933 )، لم تبرح هذا البيت الذي أحبه، وكان نادراً ما يغادره لفترة مطوّلة ؛ البيت الكئيب للغاية، بشيوع الظلمة في أركانه وزواياه وحجراته جميعاً، اللهم إلا بصيص شموع خافتة؛ شموع أُنيب بها عن المصابيح الكهربائية. هذا الشعور بالعزلة والكآبة والضياع، أحسّ به، على ما يبدو، كل من كان له حظ الحضور في حضرة الشاعر. وهاهي إحدى معاصراته اليونانيات؛ وهي شاعرة قادمة من موطن أجداده الأصليّ، تنقل لنا إنطباعها عن لقاء كافافيس: "عندما دخلت غرفة إستقباله، كان الضوء خافتاً، شحيحاً. كان يحب الضوء الضعيف؛ شمعة أو مصباح غازيّ، ولا يستخدم الكهرباء. ولما ألفت عيناي الظلمة، رحت أتأمل كافافيس : كان نحيفاً، شاحب اللون، حسير البصر، أشعث الشعر، وأنيق الملبس.. على وجهه مسحة من الحزن، وفي عينيه جاذبية عميقة. تلمع في نظراته أسرار قديمة، ويأتي صوته من بعيد.. من أغوار الزمن السحيق. ولما ودعته وإنصرفت، أضحيت وأنا أنزل الدرج الرخاميّ ‘ غير متأكدة من لقائه والجلوس إليه.. خيل إليّ أن ّ كلّ شيء كان مناماً؛ فصوته وشكله ولقاؤه، كان أشبه بحلم ولّى " (3). لقد إنتابني، إلى هذا الحد أو ذاك، شعور مماثل، من ناحية الإحساس بوهم الحضور وغرابته وغموضه وسرّانيته. بيد أنني عدتُ مرات كثيرة، خرافية أو واقعية سيّان، إلى تلك الشقة التي أقام بها شاعري الأقرب إليّ من الآخرين، الغاوين، المفضلين لديّ : الشاعر الذي يذكرني دوماً بنفسي؛ بما يجمع بيننا من الإنتماء إلى بيئة غريبة، وقدر الهجرة من جيل إلى آخر، وشعور التأصل والإغتراب في آن.. و أيضاً وبشكل أخص، العزلة والحنين إلى ماضي طفولة ماثلة أو وجاهة سلالية أو هوية ضائعة خلل أوابد غابرة.. ما زلت أرى كافافيس في حجرة نومه الضيقة، ودائماً في الضوء الشاحب كلون بشرته.. تتيه نظراته عني إلى أشخاص آخرين؛ أطياف تستحضرهم مخيلته الفذة؛ تماماً كما كان يفعله في لياليه المؤرقة، الطويلة، المتوحّدة إلا من عدّة الكتابة ومن أشباح الماضي الإغريقيّ، الأثير لديه؛ ومن أشباح ٍ اخرى حبيبة، عابرة، مفتقدة:

"شمعة واحدة تكفيني.
لأنّ نورها الخابي
يمنح العتمة الملائمة
حين تجيء الأشباح،
حين تجيء أشباح الحب"

الأمكنة؛ الأبعاد الأربعة للمدينة الكونيّة:

"كان شاطيء البحر يزهو بالأضواء رغم الشتاء، وخطوط "الكورنيش" الطويلة المنحدرة تتثنى بعيداً، تتلاشى في أفق يميل إلى الهبوط، وآلاف النوافذ الزجاجية تشع بالأنوار، وخلفها جلس سكان الحيّ الأوربي من المدينة، كأسماك إستوائية رائعة، إلى مناضد متألقة عامرة بزجاجات المستيكا واليانسون، أو البراندي.." (4). ما انأى مدينة كافافيس، الأكثر محافظة، اليوم، بين مدن وادي النيل، عن هذه الصورة المنطبعة في المتن الضخم لرواية "رباعيّة الإسكندرية"، والتي سجّلها لورنس داريل؛ إسكندريّة الأربعينيات، التي كانت بتنوّعها الثقافي وتعددها الأثني، منارة بحق للشاطيء الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وكفى بنا مثالاً، لوقتنا الحاضر، حقيقة أنّ الجالية اليونانية الوطنية، قد إندثر وجودها في الحاضرة التي مُنحتْ إسم رمز الإغريق الأكثر إشعاعاً على مرّ العصور؛ الإسم وما تصرّف عنه من وجود تاريخيّ متجذر، تجاريّ وثقافيّ وسياسيّ.. في الإسكندريّة التي يفخر إبنها، كافافيس، بأنها كانت مفخرة لليونانيين، و تحوي كل ما يشاءه المرء من متعة:

" وإن أردت أكثر، فلن تبحث بعيداً
فالمدينة المحظية، تاج كل ما هو إغريقيّ
حصيفة في كل شيء، في كل فن " (5)

كان ذلك في ظهيرة يوم عطلة، طال سهر ليل أمسه؛ ليل المدينة المتساهلة مع سمر المقاهي والحدائق المفتوحة لروادها. أوقظت على هدير بشريّ، وما يشبه مكبّر للصوت، لا يمكن أن يكون مصدرهما سوى الجادة المفضية لنزل "سيسيل"؛ مقرّ إقامتنا. هرعت ُ إلى الشرفة، وقد تبادر لذهني، أو لوهمي على الأصح، أنها مظاهرة من مظاهرات التنديد بـ"غزو العراق"، كما دأب الشارع المصري خلال تلك الأيام على مؤالفته. بيد أني بوغتُ بمرأى صف من الخلق، من الرجال حصراً، وهم في حالة من القيام والسجود، وعلى بعد ثلاثة أمتار حسب، من مدخل فندقنا الدوليّ ! وخلال دردشة الإفطار، في مطعم النزل السخيّ، علمتُ من النادل، وهو شابٌ قبطيٌ غاية في التهذب، ما انعقد من أسباب صلاة الجماعة، تلك: كان أهل الإيمان من موظفي ومستخدمي الفنادق والبنسيونات، المكتظ بها ذلك الحيّ الاوربيّ، القديم، وما تفرّع عنه، يشكون دوماً من عدم وجود مسجد في المنطقة. يبدو أن المحافظة، وربما بسبب سياحيّ بالدرجة الاولى، لم ترَ من الضروري المغامرة بتشويه هذا المكان الأثريّ، ببناء جامع مستحدث. فما كان من جمهرة المؤمنين، سوى إستئجار سيارة " لوري "، بعلو مئذنة، تمّ في مقدمتها تثبيت ذلك المكبّر الصوتي، الجهير، الذي شاء أن يقتحم نكيره، نومي الحالم !

يبدو أنّ الجوّال المعاصر، لا محيد عن تيهه في مفهوم "المكان"، الخاص بهذه المدينة المجبولة بالتناقضات، مذ إنبثقت، كزهرة معجزة، من برونز سيف الفاتح الإغريقيّ. فالحيّ الأوربيّ، القديم، لا يني المرء يداور فيه، وإنطلاقاً منه إلى الأمكنة الاخرى المسكونة، أيضاً، بوجود البحر وشطه وكورنيشه؛ حيّ لم يبق منه سوى إسمه، والأصحّ وهمه؛ لأنه حتى الأسماء الأصلية "عرّبت" جميعاً، بعدما إنطلست معالم ُ مسمّياتها، الحضارية، وأحاق بها التشوّه الريفيّ في الصميم: وكمثال على ذلك، فالجادة التي تقع فيها العمارة المحتوية شقة كافافيس، كانت تعرف بـ"شارع ليبسيوس"، ثمّ تحولت إلى "شارع شرم الشيخ"؛ وهذه الأخيرة، كما هو معروف، إسم منطقة في يناء كانت محتلة من قبل اسرائيل واعيدت للسيادة المصرية بعد إحلال السلام بين البلدين: فكأنما إختيار التسمية، من قبل المعنيين بالمحافظة، هو ضربٌ مألوف من السلوك الخبيث، السائد عربياً، والذي يقرن الأقليات الأثنية بأي طارىء خارجيّ، غاز ٍ أو محتل ٍ أو مهيمن.. وفي علة السياق هذه، فقد إستكثر المعنيون، هؤلاء، أن يُطلقَ إسمُ " كافافيس " على الجادة المحتضنة إرثه وروحه؛ وهو الإسم المتواشج، والملحق أبداً بإسم الإسكندرية:

"محيط البيت، وساحات المدينة، وأحياء المدينة
الذي لا أبالي به، والذي أسير فيه، سنين وسنين
لقد خلقتُكَ في خضم الفرح، وفي خضم الحزن
عبر حالات عديدة، وأشياء عديدة.
فغدوتَ، أنت بأسرك، إستثارة ً لي"

تقسيم الأمكنة، إذاً، إلى " حيّ اوربيّ " و "حيّ سوريّ " و"حيّ عربيّ " الخ.. فيه مساهلة لا يجيزها واقع الإسكندرية الراهن، ولا تاريخها المعاد تشكيله " قسرياً "؛ وخصوصاً منذ النصف الأول من القرن المنصرم، وإعتلاء الإنقلابيين العروبيين لسدة السلطة. ويمكن الإفتراض، بشيمة حسن النيّة، أن " المدينة المحظية " بحسب كافافيس، و " البغي بين المدن " بوصف داريل، قد إنتقمت من " عشاقها الجدد "؛ الأجلاف القادمين من أعماق القرية، بالتمنّع عنهم والإستحالة عليهم، كما يجدر بإسم البغي المقدسة / الأم الأرضُ، بحسب عقائد الشرق القديمة: أليست الكآبة المحوّمة على هذه الحاضرة، والمقيمة في أهليها، هي من لوامع هذا الإنتقام ؟؛ كآبة مهيمنة خصوصاً على الصروح والأوابد والنصب المطابقة لحضارة الإسكندرية، المتنوّعة ثقافياً: فمكتبة الإسكندرية (مكتبة العالم، بحسب تعبير بورخيس)، والمندثرة رماداً في لهيب الفاتحين الأميين، يُعاد بعثها حديثاً في المكان المفترض نفسه، ولكن بهيئة ك " الإكسسوار " المتفترضة أيضاً روح المعاصرة؛ الأعمدة وأقواس النصر والتماثيل المتناثرة في الميادين العامة، منسوخة برداءة عن الأصل البتولمي والرومانيّ والبيزنطيّ، المنسيّ والضائع؛ الآثار الإسلامية، وأغلبها أيوبية ومملوكية، حجبتها وغمرتها في آن، اولويات السياحة وتراتيبها.

إلا أننا ما أن بلغنا أطراف "الحيّ العربيّ "، حتى طرح، جانباً، كل هذه السلوكيات. زال عنه توتره. أزاح طربوشه ليجفف عرق جبهته، وحملق فيما حوله بمودة وإلفة. كان ينتمي إلى هذا الحيّ بالتبني. هنا كان يحسّ، حقاً، أنه في داره " (6). قليلة هي الإشارات، في " رباعية " داريل، المتطرقة إلى هذا الحيّ المصريّ، الصميميّ، " الأنفوشي "، المتعاظم حجمه، بسبب الهجرة من الريف إلى المدينة، خلال الحرب العالمية الثانية؛ وهي الفترة التي تدور فيها أحداث الرواية. وكأنما قَََدَر الغريب، القادم للإسكندرية، أن يحلّ فيه هذا الإنجذاب، الممغنط ، نحو الدائرة المحوّطة للحيّ الأوربي، واللامبالاة بالأحياء الاخرى، المتطرّفة عن مركز المدينة وروحها؛ " الكورنيش ". غير أنه، وبمحض المصادفة، جرّني إلى تلك الحارات الشعبية، تحويلٌ لا شعوريّ في سيري، الساهم، خلال الكورنيش البحري، وبالإتجاه المعاكس لميدان " المنشية "، المحاذي للنزل الذي أقيم فيه. رأيتني مطمئناً إلى خط سيري، مادام الشاطيء الأثير، ظلي الحارس ؛ الظل المزبد، الفضيّ المشوب بالسمرة، المعتلج بين زرقة البحر والسماء. حتى إذا اختفى ذلك الظلّ، ولجتُ يقظاً، حذراً أكثر فأكثر، في دروب متربة، سيّدها الغبار؛ في قلب الفقر والبؤس والفاقة، النابض على أيسر صدر المدينة: " المدينة الأم التي لا تعي شاعريتها، والتي مثلتها الأسماء والوجوه التي صنعت تاريخها "، كما يقول داريل في " الرباعية ". بيد أنّ الكاتب، في إشارته آنفة الذكر، ما كان يعني هذي الحارات الشعبية، العشوائية، والتي لا تشبه في شيء أحياء القاهرة القديمة، الأثرية؛ ناهيك عن أحياء الإسكندرية، الأوربية الطراز والتصميم: فهذه بكلمة اخرى، قرى وجدت نفسها، وبغفلة منها على الأرجح، على الناصية المهملة، المنسيّة، لمدينة الخطيئة التي لم تأبه بها يوماً. من قلب هذا البؤس المستشري في الأمكنة وناسها، على حدّ سواء، خرجت رموز اخرى " بلدية "، ما كان لصاحب رباعية الإسكندرية أن يعرف أسماءها أو وجوهها؛ كسيّد درويش وناجي وغيرهما من فناني ذلك الجيل .. وكذا عتاة البلد، من بلطجية وبرمجية وقتلة ومشبوهين وغيرهم من الأشخاص المسرفين في القسوة والإجرام، بحسب أفلام الأربعينيات المصريّة، الرومانسية: وما كان ليدور في خلد روائيّ، مثل " داريل "، الموهوب بالدقة في التفاصيل والمغرم بالحبكة المنسوجة من جريمة ما، غامضة ملغزة،، أن نموذجاً فنياً، كالذي جسّده الثنائي، القاتل، " ريا وسكينة "، كان يعيش في ظهرانيه، بمقربة من قلمه وبدون أن يدري به !

" كنتُ قد وصفت من قبل، كيف تقابلنا في ليلة كرنفاليّة _ في تلك المرآة العالية، في " سيسيل "، مقابل بوابته المشرعة على صالة الرقص. الكلمات الاولى التي تبادلناها معاً، ربما وجدت لها صدىً ما في تلك المرآة " (7). هذا ما تـسجله " الرباعية" عن لقاء بطلها " دارلي "، بمحبوبته الإسكندرانيّة اليونانية " ميليسا "، في ذلك الفندق الأثريّ " سيسيل "؛ الفندق الذي حجز لبعثتنا السويديّة، بعد مرور عقود ستة من زمن الرواية. وأنا أقرأ، مجدداً، رباعيّة داريل، يتبادر لذاكرتي عن ذلك النزل، فوراً، تواري صالة الرقص تلك، الأرستقراطية، وراء لافتة جديدة، " صالة الأفراح "؛ لافتة جديرة بتحولات الزمن الريفيّ، الظافر. كنا، وبدورنا، على موعد مع ليلة كرنفالية، اخرى، تشابه إلى هذا الحد أو ذاك، تلك التي وصفها داريل: إقترح علينا زميلنا، الشاعر اليونانيّ، قضاء السهرة في مقهى " اورورا " ؛ المقهى، الواقع في مجاهل الحيّ الاوربيّ، القديم . كان هذا البار ، المكان الليليّ المفضل لدى كافافيس، و ربما إلتقاه هناك مؤلف " الرباعية "؛ وهي الرواية التي ذخرت صفحاتها بلمحات عن " شاعر المدينة، العجوز "، كما قدّمته للقراء. ومثلما في المسرى الليليّ، الذي قادني، منفرداً، إلى الجادة التي تقع فيها شقة كافافيس، والمتبدى لي، فيما بعد، كأنه أضغاث حلم؛ كذلك الأمر في هذه الجولة، المسائية، التي جمعتنا تحت سقف المقهى العتيق جداً، والشاهد المعتق، الحاضر دوماً، على حضور شاعر المدينة. فالجادة، حين وصولنا، كانت مغرقة في غلسة كثيفة، حتى أنّ دليلنا، الزميل اليونانيّ، قد اضطرّ إلى أن " ندلّه " نحن على الطريق الصائب، بوساطة من الوسيلة اللغوية، التي يجهلها هو. أشار لنا أشخاص متسامرون، ملتحفون عتمة إحدى الزوايا، وباللهجة الإسكندرانيّة، المميزة، عن وجهتنا المطلوبة. صعدنا إلى الطابق العلويّ من المقهى الغارق، أيضاً، في عتمة مبهمة، تنيرها ومضات خافتة من شموع مثبتة بدرابزون السلم، وتلك الموضوعة على المناضد: هكذا أراد أصحاب المكان، وهم من مواطني المدينة الإغريق، تكريم ذكرى شاعرهم العظيم، الذي اشتهر عنه ضيقه بالإنارة القوية التي تبعثها مصابيح الكهرباء. توزعت مجموعتنا، إذاً، على المناضد، فرأيتني في جيرة زميلنا، الشاعر التركيّ المقيم منذ عقود ثلاثة في ستوكهولم. كان رجلاً في أواسط العمر، أبيض الشعر، وعلى شيء من البدانة؛ وبهذه الصفة الأخيرة، ربما، كان مرحاً للغاية، فيما عدا اللحظة التي يأتي أحدهم فيها على ذكر هذه المفردة " كردستان "؛ المحرّمة في قاموس الشخصيّة التركيّة، المعتدّة ! وإذا كان الرجل، في يوم أسبق، قد رفض قطعياً مرافقتنا إلى شقة كافافيس، إلا أنه، في هذه المرة، أبدى تساهلاً كريماً؛ متناسياً الضغينة التقليدية، المتوجّبة تجاه اليونانيين. الستائر الكثيفة، المسدلة على النوافذ الشبيه بللورها بالكريستال، لشدة نظافته، أوحتْ لشاعرنا التركيّ بملاحظته الأولى، معرباً عن تذمره من الرطوبة الخانقة. عبثاً كان فتحنا للنوافذ جميعاً، إكراماً لمزاج الرجل، المتدهور شيئاً فشيئاً، مع حصر الحديث بموضوع كافافيس. فهاهو يتذمّر، كطفل مدلل، مع كل كأس شراب أو طبق " مازة "، يوضع أمامه: " ما هذه السلطة ال.. !؟ رباه، ألا يوجد لديهم غير عرَق " اوزو "، اللعين !؟ "، وعلى هذا المنوال. كان ينقص إسكندريّة كافافيس، حقاً، مدّعي الكلمة، ذاك؛ وهي في نكبتها وإغترابها، بما أحاقه بها مدّعو العروبة والثورة.

الإسكندرية؛ المدينة الفريدة، بحسب داريل، الذي أفرد لها رباعيّته الضخمة، الرائعة، والتي نظمها، كما تقول مقدمة جزئها الثاني، كرواية: " ذات أسطح أربع، كما يقوم هيكلها على الفرضية النسبية. إن ثلاثة أبعاد مكانية وبعداً زمنياً واحداً، تشكل الخطة المتجانسة لفكرة التواصل. إنّ الروايات الأربع تسير على نفس هذا المنهج ". مدينة كونية، إذاً، بأبعاد أربعة؛ بثقافات متنوّعة ومشارب متعددة؛ متبددة الآن، جميعاً، في بعد واحد وثقافة واحدة وجنس متوحّد! .. ما فتئت ذكريات اسكندريّة كافافيس تداهمني ؛ وعلى الأخص حينما أكون في ليلي، متوحّداً.. كما كانه حال شاعرها وإبنها الخالد، الذي غامر بعيداً، ثمّ عاد إلى مدينته نفسها، قدَره ذاته:

"لن تجد أرضين جديدة، ولا بحاراً اخرى
فالمدينة ستتبعك
وستطوّف في الطرقات ذاتها، وتهرم في الأحياء نفسها
وتشيب، أخيراً، في البيوت نفسها"

***

إشارات

قصائد كافافيس، من أعماله الكاملة "وداعاً للإسكندرية التي تفقدها "، ترجمة سعدي يوسف (بيروت 1979)

1 _ المقاطع الشعرية لكافافيس، الواردة في المقالة، من ترجمة سعدي يوسف
2 _ رحلة إبن جبير، طبعة بيروت 1964، ص17
3 _ د. نعيم عطية، ديوان كافافيس (شاعر الإسكندرية)، ترجمة عن اليونانية، القاهرة 1995، ص 5
4 _ لورنس داريل، رباعية الإسكندرية ( الرواية الثانية: بلتازار )، ترجمة د. فخري حبيب – الكويت 1992، ص 227
5 _ المقاطع الشعرية لكافافيس، الواردة في المقال، ترجمة سعدي يوسف
6 _ لورنس داريل، المصدر نفسه، ص 34
7 – لورنس داريل، رباعية الإسكندرية ( الرواية الاولى: جوستين )، الطبعة السويدية – ستوكهولم 1998، ص 65


Dilor7@hotmail.com

-----
إيلاف


بريدك المجاني الخاص
اسم الدخول
كلمة السر

»  مستخدم جديد؟ اشترك الآن!


Google


صورة الاسبوع


www.amude.com | © 2000-2004 amude.com [ info@amude.com ]
destpêk | start: 26.09.2000